المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ثالثا: إعجاز في إخباره بالغيوب المستقبلة - عناية المسلمين بإبراز وجوه الإعجاز في القرآن الكريم - محمد السيد جبريل

[محمد السيد راضي جبريل]

الفصل: ‌ثالثا: إعجاز في إخباره بالغيوب المستقبلة

وتشاكلاً من نظمه، وأما المعاني فلا خفاء على ذي عقل أنها هي التي تشهد لها العقول بالتقدم في أبوابها، والترقي إلى أعلى درجات الفضل من نعوتها وصفاتها.. وقد توجد هذه الفضائل على التفرق في أنواع الكلام، فأما أن توجد مجموعة في نوع واحد منه، فلم توجد إلا في كلام العليم القدير، الذي أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شئ عددا) (1) .

وكما قلنا من قبل.. فإن الإعجاز اللغوي وجه لا يتسرب إليه الطعن بأي حالة، فبلاغة القرآن وفصاحته لا تخلو منها سورة من سور القرآن الكريم، ولا آية من آياته، وهذا قد يخالف وجوه الإعجاز الأخرى التي ساقها العلماء مثل الحديث عن الأخبار الماضية وسير الأولين، أو الآيات التي تشير إلى حقائق علمية، أو نحو ذلك:

(لذلك كان نظم القرآن أعدل الآراء في وجوه الإعجاز وبيان سببه، وهذا الرأي هو الذي مال إليه الحذاق من أهل الصنعة، وأخذ به الجمهور من العلماء)(2) .

(1) بيان إعجاز القرآن:ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن:ص 27

(2)

مع القرآن في إعجاز وبلاغته، د. عبد القادر حسين:ص 114

ص: 43

‌ثالثا: إعجاز في إخباره بالغيوب المستقبلة

مما جاء به القرآن الكريم في مجال إعجاز البشر أنه أخبر بأمور تقع في المستقبل، فجاءت كما أخبر، لم تتخلف أو تتغير، وهذا ما لا سبيل للبشر إليه بحال، وذلك في القرآن كثير، لكنا سنضرب أمثلة منه تكون دليلا على ما

ص: 43

سواها.

أولا: لعل أوضح ما يذكر في هذا المجال ما جاء في آيات التحدي بالقرآن ذاتها، فقد أخبر الله تعالى أن الكفار سيعجزون عجزاً كاملاً مطبقا عما ووجهوا به من التحدي أن يأتوا بمثل القرآن أو بسورة من مثله، وذلك في قوله سبحانه {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} (الإسراء:88) .

قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} (البقرة:23،24) . فكان الأمر كما أخبر، يشهد بذلك الواقع، فلم يستطع عربي فضلا عن أعجمي أن يقوم بهذا التحدي ويأتي بسورة من مثله.

ثانيا: إخبار القرآن بالتمكين للمسلمين، ونصرهم وتأمينهم، وذلك في قول الله تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور:55) .وقد مكن الله لهم بالفعل، وظهر الإسلام، وقامت دولته، وملكت مشارق الأرض ومغاربها في وقت يسير كما هو معروف في تاريخ الإسلام، ونسأل الله تعالى أن يعيد هذا التمكين وأن يعز الإسلام وأهله.

ثالثا: إخباره بنصر المؤمنين وإحقاق الحق، وهزيمة الكفار واندحارهم، أخبر ذلك قبل أول قتال في بدر، وذلك في قول الله تعالى:{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} (آل عمران:12) . وقوله

ص: 44

سبحانه: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} (القمر:45) . وقد نزلت هذه الآية في مكة، وقد حدث ما أخبرت به في المدينة في بدر بدقة كانت مثار عجب عند الصحابة رضوان الله عليهم أنفسهم، حتى إن عمر بن الخطاب رضى الله عنه لما نزلت:{سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} قال: أي جمع يهزم؟ أي جمع يغلب؟ فلما كان يوم بدر رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في الزرع وهو يقول (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} فعرف تأويلها يومئذ)(1) .

رابعا: إخباره بدخول النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين المسجد الحرام آمنين، وذلك في قول الله تعالى:{َقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً} (الفتح:27) . وقد تحقق ذلك ودخله النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في عمرة القضاء (2) .

خامسا: إخباره بانتصار الروم بعد هزيمتهم المنكرة أمام الفرس، وذلك في قول الله سبحانه:{غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} (الروم:2-5) .

(1) يراجع في ذلك: تفسير ابن كثير 4/266

(2)

السيرة النبوية الصحيحة:2/465

ص: 45

وقد تحقق ذلك في أقل من عشر سنين كما ورد في حديث ابن عباس. (1)

سادسا: إخباره بعدم تمنى اليهود الموت، وذلك في قول الله تعالى:{قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} (الجمعة:6-7) . وذلك متحقق دوما، فلم يحدث- ولن يحدث-أن تمنى يهودي الموت- ولو ادعاءً- مناقضة للقرآن.

والأمثلة أكثر من أن تحصى في هذا المقام. وبعدما ذكرنا فإن لنا تعقيبا وبيانا نسوقه فيما يلي:

(أ) المقصود من هذا الوجه من وجوه الإعجاز هو إثبات أن القرآن وحي من عند الله تعالى باعتبار ذلك دليلا لا يقبل الجدل، إذ ليس في مقدور أحد من البشر أن يتنبأ بشيء فيصدق كما قال تماما، ولو حدث ذلك مرة أو مرات على سبيل الافتراض فإن ذلك لا يمكن أن يكون أمراً دائما مطرداً.

(ب) أن هذا الوجه دليل إعجاز للقرآن في مجمله، بمعنى أنه قد يوجد في بعض السور ولا يوجد في الكثير منها، فهو من علامات الإعجاز التي يوصف بها القرآن باعتباره وحياً، وليس من خصائص ألفاظه، وبهذا التفسير لا يمكن المماراة في هذا الوجه بأن يقال: إن العرب معذورون

(1) أخرجه الترمذي في تفسير سورة الروم (3193) ، وأحمد (1/276) ، والطبراني في المعجم الكبير (12/29) ، والحاكم في المستدرك (2/410) كلهم من طريق أبي إسحاق الفزاري عن سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عنه.

قال الترمذي: حسن صحيح غريب. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

ص: 46