الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التّقديم
نستصبح ما عزمنا عليه من عناية في المصطلح بتحقيق كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم للتهانوي. ونستهل بهذا العمل الموسوعي، وهذه المعلمة المعرفية، باكورة التوجه في إعادة بلورة المصطلح كما جمعه علماء العرب والمسلمين، أو كما حزمنا الأمر بعون الله تعالى على جمعه تبعا لأبسط الطرق والأساليب واستعانة بأحدث الآلات، وما توصّل إليه التوثيق والتقميش.
وإننا إذ نتصدى لعمل شاق صعب وغني في حقول المعرفية العربية والاسلامية، وضعه عالم جليل ذو باع طويل ودأب مليل، وأكمله تلامذة أفاضل، حيث وجدنا العمل مغمورا وترتيبه على النهج القديم في أبواب وفصول للجذر، وبالتسلسل الالفبائي، إضافة إلى امتلائه بالمئات من أسماء الأعلام والكتب، ومعظمها مجهول من غير تعريف ولا تحقيق.
فنهجنا منهجا تبسيطيا اعتمد إيراد المصطلح واللفظ كما هو، حيث تمّ إدراج كلّ هذه المصطلحات بالترتيب الألفبائي بحسب ورود الاسم، من غير التفات إلى الجذر أو أي اعتبار آخر. وعلى هذه الوتيرة مثلا: الآحاد/ الآخر/ الآخرة/ الآدم/ الآراء
…
الاسراف/ الأسطرلاب الخ. الصاحب/ الصاعقة/ الصالح/ الصالحية/ الصامت/ الصّبا/ الصبائي الخ. والملاحظ هنا أن الاعتماد على الكلمة كما هي مرسومة وتبعا لتسلسل أحرفها: الأول والثاني والثالث وأحيانا الرابع والخامس، تمشيا مع النمط العام والسائد في تبسيط العلوم وتسهيلها، لتصبح في متناول اليد من غير التباس ولا تعقيد، وهو ما درجت عليه بعض المعاجم الحديثة.
وكان الفضل هنا للحاسوب (الكمبيوتر).
وسلكنا مسلكا توثيقيا في التعريف بالأعلام والكتب والأماكن والفرق والمصطلحات، إضافة إلى تخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، مع ذكر المرجع أو المراجع، حيث بلغ العمل مبلغ المعلمة الموسوعية. وسيتابع العمل إن شاء الله بعمل موسوعي آخر.
أما ما حزمنا الأمر عليه فهو بعض المصطلحات من العلوم العربية والاسلامية في موسوعات عدة تبعا لما وردت عند العلماء، صافية، بحسب المراجع من غير تدخل دخيل على أقوال قائليها. ويعتبر هذا العمل صنيعا بكرا لم يتحقّق في الحقبتين القديمة والحديثة. ويشكل- إن تمّ- قاعدة منطلق لضبط المصطلح وإحداث المستجد بالنحت والاستقبال.
والبيّن في الأفق حتى الآن تناول مصطلحات: المنطق، أصول الفقه، الفلسفة، علم الكلام، التصوف.
والكشّاف الذي نقدّم له ناهزت الشروح بالفارسية فيه على ربع موضوعاته، وورد الباقي باللغة العربية: فنقلنا الربع إلى العربية. زيادة في اغناء المصطلحات ووضعنا ما يقابلها بالانكليزية والفرنسية وأحيانا باللاتينية، ممّا يسهّل على الباحث المقارنة بين المفاهيم والأذهان والبنى المعرفية، إذ إن ذلك يخفي ضمنا تحاورا داخليا بين معارف العرب والمسلمين ومعارف الأوروبيين، ولا سيما إبان حقبتهم في العصور الوسطى ومطلع العصور الحديثة.
ولا ضير إن وجد الباحث أو الطالب أن هناك الكثير من العلوم والمفاهيم التي عفى عنها الزمان وتخطّتها سنن التطور والترقي. ولا سيما ما حدث على مستوى العلوم البحتة والتفنين في العقود الأخيرة، إلا أنّ هناك الكثير من الشروح والمعاني، في المجالات النظرية خصوصا، باقية ثروة معرفية، ودالّات على بنية من المعارف الغنية، وموروث قابع في أذهاننا ولا وعينا الثقافي؛ لا بدّ من إحيائه واستلهام عناصره وقراءة الحاضر بضوئه، في سيرورة اتصال تمليها البنينة المعرفية السليمة والتحديث الفاعل المؤثر.
والبنينة من فعلنة على وزن فعلن، وهذا الوزن يستفاد منه في أعمال الانصهار الكيميائي والتركيب العناصري والذري. وقد واءمته هنا ليفيد عملية صهر عناصر مع البنية المعرفية «1» ، تلك العناصر من المعاني الوافدة التي لا بدّ أن تتراكب مع العناصر القائمة وتنطبع بخصائصها في عملية إرادية فاعلة، نقوم نحن بجزء منها عبر إحياء المصطلحات المعبّرة عن العلوم العربية والاسلامية، فتفد المعاني الحادثة العصرية بعد ذلك بالنقل والترجمة مستفيدة من هذه المصطلحات، لتأتي المرحلة الثالثة وهي شيوع
(1) استفدنا هنا من دراسات بياجيه البنيوية وخصائص البنية عنده وتركيبها منهجا، مطبّقين ذلك إن صح على البنية المعرفية.
المصطلحات العصرية بالعربية مواكبة للعلم والمعارف الراهنة.
ولنا شاهد حي على ذلك، ما حدث من نقلة في دلالات وألفاظ العربية إبّان ظهور الاسلام، حيث استعمل اللفظ قريبا من موضوعه الأصلي. وعلى الرغم من أنّه نقل عن دلالته السابقة إلا أن خيط اتصال بقي بين الأصل والحادث، مثل الواجب:
السقطة مع الهدة من أعلى، كسقوط الحجر من الجبل. وذلك في الدلالات عند عرب الجاهلية. ثم غدا الواجب: الأمر الإلهي المجرد المنزّل من أعلى في الاسلام.
وأمثال ذلك الكثير مما كان من خطاب الله عز وجل للعرب، وما دار من علوم على جنبات كتاب الله. إذ الصلاة عبارة عن الدعاء والحج عن القصد والصوم عن الامساك والزكاة عن النمو وهكذا
…
ومن ثمّ بقيت هذه الألفاظ في معانيها الحادثة قريبة من موضوعها الأصلي.
ولربّ قائل: إنّ المعاني العصرية في شتى العلوم حادثة ومغايرة تماما لمعاني العلوم القديمة التي درج عليها العرب واصطلحوا عليها تعبيرا عمّا توصّلوا إليه. فإن الجواب سهل بيّن ظهر في أوروبا حيث انطلقت النهضة العلمية من ألفاظ اللاتينية والفرنسية وعليها استندت فتشعبت.
والدليل على ذلك أن معظم مصطلحات الطب والطبيعة والكيمياء والمعارف النظرية نجد أصلها باليونانية واللاتينية ثم تتشعب وتتحوّل وينقطع بعضها عن دلالته الأولى. ومن شواهد ذلك: لفظ Paradigme ورد باليونانية بصوت Paradeigma بمعنى المثال أو النموذج المحتذى، ولا سيما عند أفلاطون اشارة إلى المثال القائم في عالم المثل. ثم أصبح اللفظ نفسه في الثورة العلمية عند توماس كون Kuhn النموذج على ما يتفق عليه جماعة العلماء، في عصر معيّن، من قوانين مرتبطة بنظرية محددة، مع ما يعقب ذلك من تطبيق على الملاحظات كمعادلات نيوتن في الحركة: القوة الكتلة التسارع. ق ل* ع. «1» إذ تحكّم هذا النموذج في الميكانيكا، وكصيغة ومعادلة انشتاين في ترابط السرعة بأبعاد المكان الثلاثة والزمان الخ
…
ونخلص من ذلك بتوليفة مفادها: أن إحياء المصطلح وجمعه يصبّ في عملية بناء هادفة تشكّل ركيزة أساسية في التحديث العربي، نأمل أن تطال البنية الثقافية واللغوية على أصول البنية السليمة، رغبة في تشكيل بنية دلالية معرفية للعلوم بالعربية وذلك عبر
(1) Kuhn .T .the Structure of Scientific Revolutions .Chicago . 0791 .. 832.
محطات ثلاث:
1 -
إبراز وإحياء مصطلحات العلوم العربية والاسلامية بألفاظها العربية.
2 -
نقل علوم الآخر الحادثة بالارتكان والارتكاز على المحطة الأولى، وما يؤدّيه ذلك من توحيد المصطلح وغرس المعنى عند العرب قاطبة.
3 -
شيوع وتثبيت لغة علمية عربية حادثة.
ولعلّ هذه المحطات الثلاث تتجاوز الأفراد والمجامع العلمية وتتطلب جهود أجيال، لكن لا بأس في الانطلاق بخطوة أولى، والله ولي التوفيق.
هذا وقد تمّ جمع التقديم على ركنين اثنين:
أولا: تمهيد نظري يتناول إشكالية المصطلح بين اللفظ والمعنى، المبنى والفكر أو «الاذتهان» .
ثانيا: دراسة وصفية لعملية التحقيق والتعريف بالمؤلف إلى جانب عرض الصعوبات وتمييز الأساليب الفنية المتّبعة في عملية التحقيق.