المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌دلالة المصطلح عربيا: - كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم - المقدمة

[التهانوي]

الفصل: ‌دلالة المصطلح عربيا:

والجواب أنّ هذا الحجاج يمدّنا بمعطيات معرفية وتوجهات فلسفية، تجعلنا ندرك تماما فعل المصطلح وأثره في تحريك المعاني في الذهن ودور اللغة في كل ذلك وأثرها. إذ إن المصطلح، على الرغم من كونه في معظم الأحيان، يأتي مفردا، ولفظا واحدا من غير سياق في الجملة؛ إلا أنه كاسم، اتفق على أن له دلالات متعدّدة ومعاني منتشرة يضع أسبقية اللفظ على المعنى من وجهة نظر المنتصرين لفعل اللغة؛ ويحرك في الذهن المعاني الوافدة والمحصّلة بالابداع في اطار بنية وسلطة اللغة. هذه اللغة المعاشة القابعة في اللاوعي المعرفي واللامفكر به. ولعلّ كل ذلك يرتبط ارتباطا وثيقا بعملية التحديث لأغلبية الجمهور. فالإنسان يفكر من خلال مداخل لغته ويستسيغ ويهضم ويتعلم بلغته المعاشة وبشكل أسهل وأسرع؛ من غير أن يعني ذلك عدم مشاركته في لغات العلم والابداع عند الآخر. إلا أن هذه المشاركة تبقى خارج البنية المعرفية والذهنية للجمهور، مما يضعنا أمام المأزق الحضاري الذي أثرناه سابقا.

‌دلالة المصطلح عربيا:

ولا ضير من بعض السبر والحفر في دلالة المصطلح عربيا، لعلّ ذلك يمدّ القارئ بأبعاد وآفاق ويكشف الستر عن سيرورة في عمر اللفظ وبنائه.

إن جذر اللفظ (مصطلح) من: صلح: والصلاح ضد الفساد. وربما كنّوا بالصالح عن الشيء الذي هو إلى الكثرة. فيقال: مغرت في الأرض مغرة من مطر. وهي مطرة صالحة.

إن جذر اللفظة له دلالة حسية عند العربي تشير إلى المواجه للفساد والانحلال، أي التنبّت، ومن التنبّت تتشعب معاني الخصب والحياة والاستمرار والبقاء.

ثم استخدم اللفظ على معنى مجرد عند ما انبرى اللغويون إلى تقعيد اللغة، لكن هذا المعنى الذي أشار إلى البقاء والاستمرار عندهم ظل له علاقة ما مع الدلالة الحسية. مثال ذلك: يقول بعض النحويين، كأنّه ابن جني، أبدلت الياء من الواو ابدالا صالحا: أي أبقى وأكثر قابلية للحياة في الاستعمال اللغوي.

ومن ثمّ أخذت اللفظة مجراها في الاشتقاق فأضحت «الاصطلاح» من افتعال وزنا. ووزن افتعال يحمل في دلالته معنى تدخل الإنسان ومهارته العقلية في الفعل، إذ يقال: اصطناع، اقتسام. والاصطلاح حديثا: العرف الخاص، أي اتفاق طائفة

ص: 27

مخصوصة من القوم على وضع الشيء أو الكلمة «1» .

ولعلّ الجرجاني (المتوفى 816 هـ)، والذي لقّبه صاحب الكشاف بالسيد السند، خير من قدّم لنا في تعريفاته الأبعاد المعرفية التي اكتسبتها اللفظة عقب ما حملته من أس محسوس، ومن معنى بياني لغوي في سيرورتها والمآل. قال الجرجاني «2»:

الاصطلاح «عبارة عن اتفاق قوم على تسمية الشيء باسم ما ينقل عن موضعه الأول» .

وهذا القول اشارة عامة إلى طبيعة استعمال الألفاظ وكيفية استخدامها في الدلالات، بعد إحداث معان في الذهن، أو نقلها من معرفيات وافدة على القوم.

ويتابع الجرجاني فيقول: «إخراج اللفظ من معنى لغوي إلى آخر لمناسبة بينهما» .

أما المناسبة بينهما بعد معرفي تصوري عقلي يربط بين الدلالة الأولى والدلالة المجازية الدينية. إنّها النقلة الكبيرة في اللغة العربية من المحسوس المجرّب إلى المجرّد الديني الشرعي، مثال ذلك شاهد مستخرج من القرآن الكريم: لفظ: الواجب.

أي الذي وجب فعله لا خيار فيه، إنّه الأمر الديني. وهذا معنى جامع اتفق عليه أرباب المذاهب الأصولية والكلامية. واللفظ لغة بمعنى الوجبة: أي السقطة مع الهوة.

ووجب وجبة أي سقط إلى الأرض «3» .

إن بنية الاتصال بين المعنيين: السقوط من الأعلى بشدة، حيث كان المعنى السقوط من أعلى، وكان المعنى الديني السقوط والتنزيل الآمر. وما يلبث الجرجاني أن يتابع تعريفه للاصطلاح بالقول:«اتفاق طائفة على وضع اللفظ بإزاء المعنى» .

وهذه الوضعية شبيهة بوضعية اللغات الأوروبية المعاصرة حيث غدت اللغة بنيانا آليا، تتحول به الكلمة من صورة إلى رمز، يرتبط بالمعنى عرضا واتفاقا.

والأرجح أنّ قول الجرجاني السابق يشير إلى مرحلة ادخال المعاني العقلية المنطقية اليونانية إلى اللغة العربية، واضفاء دلالات على هذه المعاني، وشاهدنا على ذلك قول الفارابي (257 - 339 هـ/ 873 - 950 م) «إذا حدثت ملة في أمة

فإذا احتاج واضع الملة إلى أن يجعل لها أسماء، فإما أن يخترع لها أسماء لم تكن تعرف عندهم قبله، وإما أن ينقل إليها أسماء أقرب الأشياء التي لها أسماء عندهم شبيها

(1) المنجد، بيروت، دار المشرق، 1986، حرف أ.

(2)

الجرجاني، علي بن محمد، التعريفات، بيروت، دار الكتب العلمية، 1983، ص 28.

(3)

ابن منظور، لسان العرب، مادة وجب.

ص: 28

بالشرائع التي وضعها

وكذلك إذا حدثت الفلسفة احتاج أهلها ضرورة إلى أن ينطقوا عن معان لم تكن عندهم معلومة قبل ذلك، فيفعلون فيها أحد ذينك» «1» .

ومفاد عملية النطق بالمعاني الفلسفية استخدام ألفاظ مستحدثة تخصّ هذه المعاني، أو نقل أسماء قريبة الشبه في دلالاتها إلى هذه المعاني. وفي الحالين اعطاء لفظ محدد لمعنى فلسفي محدّد «2» . إلا أنّ العملية هنا تتميّز فيها العربية بخصوصياتها اللسنية، في كونها غير قابلة على احداث قطع معرفي بين اللفظ وأصله أو جذره، فعلا أو مصدرا، سيرورة دلالية أو بنية معرفية مضمرة. فهي أشبه بتكوين عضوي منها إلى آلية.

وقيل بحسب ما يتابع الجرجاني في التعريفات: «والاصطلاح إخراج الشيء عن معنى لغوي إلى معنى آخر لبيان المراد» . وهذا الأمر يشير إلى دخول مصطلحات الصوفية وبعض التعابير الفلسفية والحكمية بمعانيها الخاصة، وإلباسها أسماء وألفاظ عربية. وهذا الأمر حدث في العربية وضمن التاريخ الاسلامي، وكان يحمل في باطنه اسقاطات لمعاني فارسية زرادشتية ومانوية، ولمعاني أفلاطونية محدثة ملفّقة من شوائب هرمسية ويونانية قديمة وغنوصية، بيد أن العاملين في المجال العقلي أو البياني تنبّهوا للمسألة ولفتوا النظر إليها.

ففي المجال البياني قيل: «لا يحل لأحد صرف لفظة معروفة المعنى في اللغة عن معناها الذي وضعت له في اللغة التي بها خاطبنا الله تعالى في القرآن، إلى معنى غير ما وضعت له، إلا أن يأتي نص قرآن أو كلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إجماع من علماء الأمة كلها على أنّها مصروفة عن ذلك المعنى إلى غيره، أو يوجب صرفها ضرورة حسن أو بديهة عقل

» «3» .

وفي المجال العقلي لم يلبث ابن باجة (475 - 533 هـ) أن شرح بعد العقل الذي شقته التجربة المغربية العربية، فيذكر في (تدبير المتوحد)، أنّ التوحّد مميّز من التصوف. فالتوحّد سلوك عقلي يهدف إلى اكتساب المعرفة النظرية ومركز الإنسان فيه. إنّ الكشف الصوفي مجرّد وهم وحالة نفسية ناتجة عن تجنيد قوى النفس الثلاث

(1) الفارابي، كتاب الحروف، تحقيق محسن مهدي، بيروت، دار المشرق، 1970، ص 157.

(2)

جهامي، جيرار، الاشكالية اللغوية في الفلسفة العربية، بيروت، دار المشرق، 1994، الفصل الأول.

(3)

ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، طبعة مصر، مجهول، ج 3، ص 50.

ص: 29

الحس المشترك والمخيلة والذاكرة، بواسطة المجاهدات. وذلك كله ظن وفعل ما ظنوا أمر خارج عن الطبع «1» .

ويتابع ابن رشد (520 - 595 هـ) الدرب عينه ليلخص لنا موقفا مهما، جاعلا الخطاب الديني متوافقا مع ما يقرره العقل إما بالبيان الظاهر وإما بتأويل الدلالة من غير «أن يخلّ ذلك بعادة لسان العرب في التجوّز أو سببه أو لاحقه أو مقارنه أو غير ذلك من الأشياء، التي عودت في تعريف أصناف الكلام المجازي» «2» . فالتشديد هنا يركّز على سلطتي العقل وبناء اللغة أو ما سمّي عادة لسان العرب.

ولا مندوحة عن القول بأن المصطلح العربي رافق التجربة اللغوية العربية والمعرفية الاسلامية بتعدّدها، فشكّل سيرورة بنائية دلالية معرفية، إذ تضمن في مراحله والمسار محطات رئيسة بارزة:

- اصطلاح على أسماء وألفاظ بين القوم لها موضع أول، أي دلالة حسية.

- دلالة بيانية دينية نقلت الألفاظ إلى مضامين مجردة وحادثة.

- دلالة اختصت بمعان عقلية مجرّدة حادثة ووافدة.

- دلالة على معان ليس لها اتصال لغوي أو معرفي في حياة العرب.

- دلالة على معاني علوم واختصاصات تطبيقية.

ولا بأس، فإنّ هذه المحطات تعبّر عن مجالات الدلالة في اللسن العربي وكيفية حدوث المعاني بسبر جامع لأكثر الحالات المتعلّقة بمفاصل حدوث المصطلح.

ولعلّنا نعثر في الكشاف على كل ذلك.

المصطلح بين الوقف والوضع:

وينقلنا ما تقدّم من تعرّف على دلالة المصطلح لغة إلى التعرّف على أصل المسألة الاصطلاحية ومنبتها. ويتمثّل ذلك في التساؤل: هل المصطلحات والألفاظ موضوعة وضعا مسبقا؟ أهي توقيف؟ وصيغ التساؤل قديما: هل وردتنا عن الله أم صنعها الانسان بعد أن خلقه الله؟ «3»

(1) ابن باجة، رسائل ابن باجة الالهية، تحقيق ماجد فخري، بيروت، دار النهار، 1968، ص ص 53 - 55 وص ص 121 - 141.

(2)

ابن رشد، فصل المقال، القاهرة، المكتبة المحمودية، 1968، ص 16.

(3)

الكفوي، أبو البقاء، الكليات، دمشق، الثقافة والارشاد القومي، 1981، ج 1، ص ص 201 - 202.

ص: 30

إنّ الأبحاث العلمية وتبحّر الإنسان بالكشف عن ماضيه الثقافي تثبت أنّ اللغات مرّت بالمقطع البسيط ثم المقطعين فالمقاطع، وعربيا الحرف المصوّت فالثنائي فالثلاثي. مثال:(ع) تدلّ على صوت الزئير و (ا) الصوت المتكرر. ومثال الثنائي (عو) والثلاثي (عوى)«1» . وفي ختام التجربة وقفت لغات وماتت لغات. ويماثل هذه العملية المغرقة في التاريخ، والموغلة في التجربة الأناسية اللغوية شاهد على كيفية نمو التصويت والنطق واستعمال المحسوس ثم المجرد، والأمر يحصل عند الطفل تباعا.

ولعلّ الدراسات التربوية والنفسية الحديثة والمعاصرة وافية في هذا المضمار، بحيث تقاس الإنسانية، في تطورها نحو التجريد، على الطفل في نموّه.

أما القدماء فوقفوا عند قوله عز وجل القائل وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها البقرة/ 31. فعلّق الجاحظ (160 - 255 هـ) قائلا: «لا يجوز أن يعلّمه الاسم ويدع المعنى ويعلّمه الدلالة ولا يضع له المدلول عليه. والاسم بلا مسمّى لغو كالظرف الخالي

ولو أعطاه الأسماء بلا معان لكان كمن وهب شيئا جامدا لا حركة له، وشيئا لا حسن فيه

ولا يكون اللفظ اسما إلا وهو مضمّن بمعنى» «وقد يكون المعنى ولا اسم له، ولا يكون اسم إلا ويكون له معنى» «2» . وقيل أيضا: «إن استعمال العبارة على وجه يفيد ويصحّ لا يكون إلا بعد العلم بما وضعت له» «3» فهي تابعة للمعنى أي للنشاط العقلي.

فاللغة وضع في أساسها، ومن هذا الوضع تخرج الأسماء العرفية، أي ما تعارف عليه القوم، بحيث يوضع الاسم لمعنى عام يخصص «4» .

وأعاد زكي الأرسوزي- القرن العشرين- هذا الاتجاه وتوسّع فيه، ثم أضاف التجربة الوجدانية على التجربة الطبيعية وسمّاه الايحاء، كفرس، من (فرّ) وصوت (س) المعبّر عن الحركة.

وذهب هذا المذهب في أوروبا ( Whitney)، ومن أشهر مؤلفاته:(حياة اللغة 1875) و (اللغة ودراستها 1876). واهتمامه انصب على الدلالة وحقل المعنى ( Semantique)، ومنشأ اللغة يطرح في أبعاده مسائل الازدواجية بين اللفظ والمعنى،

(1) العلائلي، عبد الله، تهذيب المقدمة اللغوية، بيروت، دار النعمان، 1968،

(2)

الجاحظ، رسائل الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة، الخانجي، 1965، ج 1، ص 262.

(3)

عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد، القاهرة، وزارة الثقافة، 1961، ج 8، ص 36.

(4)

الغزالي، أبو حامد، المستصفى من علم الأصول، دار صادر، ج 1، ص 326.

ص: 31

واللغة والفكر، إذ لم يبت أحد من اللغويين العرب، ولا من خاض أبحاثا في الألسنية المعاصرة، بالتصريح حاسما أولوية أحدهما على الآخر. فهل اللفظ يتولّد عقب ممارسة التفكير؟ وتلحق به أوجه البيان والنحو حيث ينتقل الفكر ويسود. أم أن اللغة قوالب يشكّل فيها الفكر؟ ويرى هردر (1803 - 1744 Herder ) أنّ اللغة ليست أداة للفكر وحسب، بل هي أيضا القالب الذي يتشكّل فيه الفكر. كما «أنّ لغة جماعة أنسية ما تفكر داخل اللغة وتتكلم بها، هي المنظّم لتجربتها، وهي بهذا تصنع عالمها وواقعها الاجتماعي

إن كل لغة تحتوي على تصوّر خاص بها للعالم» «1» . وهذه المسألة تتعلّق بالرباط شكلا ودلالات، مبنى ومعنى، وبين المعرفة بوصفها بنيانا يشيّد العالم على أساس من التصور والنظم، ويفسّر الظواهر تبعا لأنساق تتضافر مكوّنة النظام الطبيعي والانساني. علما أنّ المسلمين حاولوا تلافي هذا التباين في ازدواجية الفكر واللغة، فعملوا على الصهر بينهما» لأنّ حقائق المعاني لا تثبت إلا بحقائق الألفاظ، فإذا تحرّفت المعاني فكذلك تتزيّف الألفاظ، فالألفاظ والمعاني متلاحمة متواشجة متناسجة» «2» . ولكن ذهب البعض إلى سبق التفكير للنظم في اللغة، مما أكّد على أنّ نظم الكلمات يخضع لانتظام معانيها في العقل، «فليس الغرض بنظم الكلم إن توالت ألفاظها على النطق، بل إن تناسقت دلالتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي يقتضيه العقل.» «3»

وعقب هذه العجالة والحجاج نخلص إلى توليفة نتحدث بها عن المصطلح الذي يشيّد على أساس المعنى والمبنى. أما المعنى فميدانه العقل الانساني المتفرّد والميدان المعرفي المتمثل بهذا الجمع من النظريات والآراء، والأفكار القائمة أو السائدة في معارف الناس جهارا أو خفية، وعيا أو لا وعيا. وأما المبنى فمجاله بنية اللغة تركيبا وقوالبا، نشوءا وتقعيدا، إنشاء وعلاقات، نحوا وتفنينا- جناس بديع كناية تورية- أصواتا ودلالية ما.

وإذا أمعنا النظر نجد علاقة تفاعلية تبادلية بين الاثنين، فالمعنى ينصاغ باللغة، بحيث يتقولب فيها، أي تضفي عليه خصوصيتها التركيبية وخلفيتها المعرفية، واللغة تتحدّد بالمعنى الذي يؤثّر فيها تبعا للعقل العارف الذي أنشأ المعنى، وللذهنية التي ولّدته. ولا سيما أنّ اللغة انبنت تبعا لذهنية مستعمليها والناطقين بها، فحملت

(1) Shaft ،Adam ،Langage et connaissance ،Paris ،Anthropos ، 7691.p . 6.

(2)

التوحيدي، أبو حيان، البصائر والذخائر، دمشق، مطبعة الارشاد، 1964، ج 3، ص 49.

(3)

الجرجاني، عبد القاهر، دلائل الاعجاز، ج 2، ص 47.

ص: 32

معارفهم، انها بعد تركيبي، لكنها معرفي تاريخي أيضا لم يضعه الفرد، فهي خارجة عنه فاعلة فيه.

بيد أنّ التجربة السلالية التاريخية لانتماء هذا الفرد المكاني عملت على ايجادها.

ولما كانت اللغة صنيعا بشريا فهي وضع، وبما أنّها تحصّلت من سير تاريخي فهي معارف شتى لها خصوصياتها، على أن ميدانها التفاعل الطبيعي الاجتماعي، أي العمل والاتصال، فهي عملية وتجريبية، إنها من العقل وفي العقل وللعقل، لأنّها بيانه.

«فليس الطريق بالنهاية في إنشاء ال ( Axiome، البديهة)، بل في العمل على معرفة الوقائع اللسانية واستدراك سوء المفهومية» «1» .

ولا عجب أن نرى بأنّ مسألة اللفظ عند الألسنيين لها بعدان: بعد تعبيري له شكل ومادة، وبعد مضموني له شكل ومادة أيضا «2» .

أما مادة التعبير فالحقل الصوتي، وشكله الاشارات الصوتية، بينما مادة المضمون الحقل الدلالي، وشكله المفهوم «3» - المعنى-

ولنبيّن الرأي المتعلّق بموضوعنا ومفاده:

- إن المصطلح ينحبس في عالم اللغة بنية مبنى وبنية معنى- حقل دلالي-.

- إن المصطلح يغني اللغة في حقل دلالاتها، فيحدث تأثيرا في البناء المعرفي للناطقين بها، أي ينقلهم من حال إلى حال، ويغني فكرهم، وربما أدّى تراكم هذا الاغناء إلى التأثير في مبنى اللغة، نحو مطواعيتها في التحديث المستمر.

والمصطلح ينطبق عليه القول المأثور: فيك الخصام وأنت الخصم والحكم، حيث يخضع المصطلح في نشوئه لبنيتي المبنى والحقل الدلالي، ومن ثمّ ينقلهما نحو فهم جديد وتفعيل حادث. وقد استعملت التفعيل عوضا عن التركيب، تبعا لخصوصية العربية في الاشتقاق وليس في التركيب المقطعي.

(1) يستشهد لالاند في معجمه بقول لا يبنتز هذا. Lalande ،OP .CIT .P .XIII

(2)

Groupe M .،Rhetorique generale ،Paris ،Larousse ، 0791.pp . 171 - 271.

(3)

Hjemslev. L.، Prolegomenes a une theorie du langage، Paris، Minuit. p.

65.

ص: 33