الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المصطلح ودراسة المبنى:
ولا غرو من القول إن المصطلح لا يقف عند مسألة الدلالة وارتباط الاسم بالمعنى بل يطال دراسات المعنى والتركيب اللغوي. ولعلّ لفظ المبنى مرتبط بالبنية ومفاهيم التركيب الصوري للغة. إذ إنّ اللغة أشكال عناصرها الحروف، والأصوات تتركب على نظم معين، وفي أنساق محددة، لتتميّز بنمط ما.
والمبنى متعلّق بالبيان، حيث يردّ اللفظ إلى بين ويدلّ على «1»:
- الظهور والوضوح. وظهور الشيء يعقب تمايزه من غيره وانفصاله عنه، ولا سيما إذا علمنا أن (بين) على وزن (عين) يفيد الفصل، والبعد، والفرقة، ومنها المباينة.
- القدرة على التبليغ والفصاحة، فبعد الظهور تأتي فصاحة اللسن، والافصاح مع الذكاء، وإظهار المقصود بأبلغ لفظ.
- تميّز الإنسان بفصل ومقوّميّة، فقد ورد في القرآن الكريم: خَلَقَ الْإِنْسانَ، عَلَّمَهُ الْبَيانَ الرحمن/ 3 - 4، فبعد الخلق، فصل الإنسان عن سواه بالبيان «2» .
فالبيان التميّز والظهور والبلاغ فالاتصال. وقد اختصر الجاحظ دور البيان قائلا:
«المعاني القائمة في صدور الناس
…
مستورة خفية
…
وإنما يحي تلك المعاني ذكرهم لها، وإخبارهم عنها، واستعمالهم إيّاها
…
وعلى قدر وضوح الدلالة وصواب الإشارة وحسن الاختيار ودقة المدخل يكون إظهار المعنى» «3» . ثم إن الإعراب هو الإبانة عن المعنى. إن النحو منطق العربية، ففيه يتبيّن وجه تصرف الألفاظ في المعاني «4» . إنّ العلوم البيانية العربية قد كشفت عن منطق داخلي فيها، وذلك حينما دفع بها تطورها الذاتي إلى أن تصل إلى ما وصلت إليه. فالتعقيدات والتفنينات التي جاءت على يد اللغويين لم تكن خنقا للحياة في اللغة، بل كان لا بدّ من الكشف عن النظم البنيوي لهذه اللغة. إنّ هذه العملية تسمّى عقل اللغة والبيان.
وهذا ما حدث عند ما تم ضبط علم الصرف والاشتقاق، وعلم المعاني والبيان وعلم النحو. كما إن «تتّبع تراكيب الكلام الاستدلالي ومعرفة خواصها مما يلزم صاحب علم
(1) Schaft ،Langage et connaissance ،p . 992.
(2)
ابن منظور، لسان العرب، مادة بين. والزمخشري، أبو القاسم، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، بيروت، دار الكتاب العربي، ج 4، ص 443.
(3)
الجاحظ، البيان والتبيين، بيروت، احياء التراث، ج 1، ص 56.
(4)
المرجع ذاته، ص 56.
المعاني والبيان» «1» .
ونحن عند ما نتحدث عن هذه المرحلة من عمر اللغة فلنظهر وصولها إلى انتظام واستخراج منطق مجرّد، يسعفنا على توليد المصطلح، باستخدام آليات العربية، بخصوصياتها لهضم المعنى الوافد، عبر صياغاتها، وبالتالي في الذهن العارف لمستعملها. أي نعمل على تطويع المعنى من خلال اختيار المصطلح له، فنختار بعمل غير مباشر، تقاربا بين المعارف واستعدادا للاستقبال الفكري، يتم تطويعه بقالب اللغة التي تحمل في طياتها سمة المعارف. ولنا مثال مشخّص من علم الحياة. فعند زراعة الأعضاء أو الأنسجة يتم اختيار ما هو الأقرب والأشبه لتكوين الجسم المنوي الزرع فيه، كي يتأقلم ما هو مزروع بما هو مزروع فيه. ثم يعملان سويا، وأخيرا يتجانسان تقريبا بوحدة بعد الهضم في البنية. ولعل اللغة هي تلك الأداة للتأقلم وللانطباع في البنية.
والأرجح أن من أهم ميزات العربية وخصوصيتها البيانية طريقتي: الأوزان والحركات. فبهما يستفاد للكشف عن المعاني أو لتطويع المعاني وتسويغها. وعند ذكر الأوزان لا بدّ من ربطها بالقلب والابدال والاشتقاق. علما أن اللغويين الأوروبيين قلّلوا في مسائل البنيان والدلالة من قيمة التجاوز ( Diachronie) في اللفظ.
حيث يختصر تاريخ الكلمة على عرض معناها الحالي، ولا سيما أنّها تخضع لنظام يقال له المتزامن synchronie ، مما يؤدّي إلى التطابق بين المعنى والشارة «2» .
وتختلف العربية في بنائها في صفتين: إنّها تأسّست في جزء كبير منها على التجاوز ولم تزل تخضع له. وإنّها تعتمد على الردّ إلى الثلاثي. وهذا ما يجعل العلاقة الداخلية الثابتة بالردّ إلى الأصل، قائمة على وجود معنى عميق لهذا الأصل وعلى ارتباط ولو بسيط بالجديد، مما يبعد صفة التزامن. كما أنّ اللفظة في العربية تستمد وجودها من خلال تغيّر التنوين عليها. وأقصد بالوجود دلالتها على المعنى وفعلها الاشاري.
إنّ التزامن يؤدّي إلى انقطاع دور تاريخ الكلمة في اللفظة الحالية، وإلى اعتبار ما هي عليه اللفظة والكلمة والتركيب آنيا. ممّا يدفع إلى اتجاه القطع المعرفي على المستوى النظري في دراسة بنيان اللغة. بينما العربية في أشكالها وفي عملية بناء المبنى
(1) السكاكي، أبو يعقوب، مفتاح العلوم، بيروت، دار الكتب العلمية، ص 3.
(2)
Saussure .F .،Cours de Linguistique generale ،Paris ، 0691.pp . 56 - 02.
تقعدت على أساس الردّ إلى الأوزان، ومن الأوزان إلى التفعيلات الأساسية ومن التفعيلات الأساسية إلى المسلّمات، أي الثلاثي البسيط فعلا أو مصدرا.
وهذا يشابه تماما حركة (الاكسيوم) البديهيات في الرياضيات الحديثة، وعملية الردّ إلى مسلمات أولى يستند إليها النسق في نظم معيّن. ولا غرابة في مقارناتنا هذه لأنّ الهدف دفع الذهن نحو اكتشاف العلاقات الصورية، بالرغم من المماثلة بين منطق اللغة ومنطق العلوم.
والمصطلح يرافق اللغة وبنيانها النحوي، ويلحّ مبرزا إشكالية في أثناء اتصال الثقافات ببعضها وتلاقحها كمحاولة الغزالي «1» . ولنا محطات بارزة في تاريخ اللغة العربية وروادا أوائل، تابع الآخرون خطاهم، مثل الكندي والفارابي قديما، والطهطاوي والبستاني حديثا. وقد شق هؤلاء وغيرهم دربا تعزّز، ثم انجمع في معاجم اختصت بالاصطلاحات. وفي الزمن المعاصر أشير إلى إلحاح المعنى الحادث المستجدّ، وأنّه يجنّ الكثير من الفعالية وعناصر التأثير في الفكر والعمل. لكن العودة إلى الأصل الثلاثي، البعد العمقي للبنيان، لم يلق انتباها عند البعض، بمثل ما تعتم ما تحصّل من مصطلح عند هذا البعض، فغدا المصطلح العصري تفلّتا من غير ضابط، فأدّى إلى عدم تأثيره في الذهنية، بل انتشر على وضع من التباين اللفظي في المفهوم الواحد. وهذا الأمر تشهده كثيرا عمليات الترجمة والنقل الحالية.
علما أنّ المصطلحات تخصّ اللسان وتطال المعنى، وهي في خاصية اللسان تكتسي صيغة العربية كسوة فتوسم بميسم أبعادها، وهي في محاولة إصابة المعنى تتعدّى كسوتها الخاصة لتنجمع على تصور يتعدّى دلالة اللسن. وكأن الفارابي وعى صعوبة ذلك والإشكالية فقال: علم اللسان ضربان: «حفظ الألفاظ الدالة عند أمة ما وعلم ما يدلّ على شيء شيء منها. والثاني علم قوانين تلك الألفاظ. والقوانين في كل صناعة أقاويل كلية أي جامعة
…
» «2» .
وكما ذكرنا من أنّ الدلالة العربية سارت مسارا طويلا، تنبّه له علماء أفاضل، فوضعوا جوامع أو معاجم لهذه المصطلحات، بعد أنّ تخطّت دلالات اللفظ مسارا
(1) تميزت محاولة الغزالي بطبع المعاني المنطقية اليونانية بطبع العربية، حتى كادت المعاني تغترب أحيانا عن بعدها اليوناني آخذة الطبع العربي بخصوصيته والأبعاد للتوسع:
العجم، رفيق، المنطق عند الغزالي في أبعاده الأرسطوية وخصوصياته الاسلامية، بيروت، دار المشرق، 1989.
(2)
الفارابي، احصاء العلوم، القاهرة، ط 1949، ص 3 - 4.
محسوسا ثم مجردا فاصطلاحا. واقتصر الاصطلاح على عدة مجالات سابرا عدة قرون من العطاء الفكري والعلمي. والملفت أنّ جمع هذا الاصطلاح تم على يد غير العرب بجلّه، ولكن هؤلاء بالرغم من كونهم ليسوا عربا إلا أنّهم ممن ضمّتهم الثقافة العربية بالاسلام. فبذلوا جهدا متميّزا جمّاعا ابتداء من القرن التاسع الهجري. وأخص بالذكر الجرجاني، والكفوي التركي، والتهانوي والنكري الهنديين وغيرهم.
ولما استفاق العقل على مشارف القرن الثالث عشر الهجري لم يعط أهمية لعمل هؤلاء كحلقة وصل لنحت المصطلح الحادث، فحدث التفلت في تخيّر المصطلحات، وتمثّل ذلك بسقطتين:
أولاهما: عدم العناية التامة في تخيّر المصطلح بالوزن ودلالته وأبعاده.
ثانيتهما: غياب الاستئناس والانطلاق ممّا جمعه الموسوعيون من المصطلحات.
ضمن هذه الخلفية تحفّزت أعمالنا في إعادة نظم وتحقيق كشاف اصطلاحات العلوم والفنون وغيره من الأعمال المماثلة المقبلة التي ستلي بعون الله تعالى.