المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌كتاب الأيمان والنذور - التذهيب في أدلة متن الغاية والتقريب

[مصطفى ديب البغا]

الفصل: ‌كتاب الأيمان والنذور

‌كتاب الأيمان والنذور

ولا ينعقد اليمين إلا بالله تعالى أو باسم من أسمائه أو صفة من صفات ذاته (1)

(1) اليمين هي الحَلِفُ، سميت بذلك لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه. ولا تنعقد - أي لا تصح ولا تترتب عليها آثارها المعتبرة شرعاً - إلا إذا كانت بما يدل على ذات الله تعالى، كقوله: والله. أو باسم خاص به، كقوله: والإله، مالك يوم الدين. أو بصفة من صفاته، كقوله: والرحمن، والحي الذي لا يموت، ونحو ذلك. والحلف بغير ما، سبق حرام ومعصية.

والأصل في هذا: ما رواه البخاري (6270) ومسلم (1646) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أدْرَكَ عُمَرَ بنِ الخَطَاب، وهو يسَيرُ في رَكبَ، يَحْلفُ بأبيه، فقال:(ألَا إن اللهَ ينْهًاكُمْ أنْ تَحْلفُوا بآبائكُمْ، َ مَنْ كانَ حالِفاً فَلْيحْلفْ بالله أوْ لِيَصمُتْ).

[ركَب: جَمع راكب. ليصمت: ليسكت].

وروى البخاري (6253) عن ابن عمر رضى الله عنه قال: كَانَتْ يَمِينُ النَّبي صلى الله عليه وسلم: (لَا وَمُقَلَبِ المْقُلُوبِ).

وثبت في أكثر من حديث عند البخاريَ (6254، 6255) وغيره: أنه صلى الله عليه وسلم قال في حلفه: (وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَد بيده).

ويكره الحلف لغًير حاجهَ، قال تعالى:" " وَلَا تجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً

ص: 252

ومن حلف بصدقة ماله (1) فهو مخير بين الصدقة (2) أو كفارة اليمين (3) ولا شيء في لغو اليمين (4).

لأيْمَانِكمْ أنْ تَبروا وَتَتَّقُوا وَتصلِحُوا بَيْنَ الناسِ " / البقرة: 224/.

وروى البخاري (1981) ومسلم (1606) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: (الْحَلف مُنَفقةٌ للسلْعَة مُمحقةٌ للبَركة).

[للسَلعة: ما يباع ويشترى من المتاعَ. ممحقة: مذهبَة. للبركة: الزيادة والنماء].

(1)

كأن قال: لله علي أن أتصدق بمالي إن فعلت كذا، ومثله: أن أصوم يوماً، ونحو ذلك. ويسمى يمين اللجاج والغضب، كما يسمى نذر اللجاج والغضب، لشبهه بالنذر من حيث الالتزا بقربة، وشَبهه باليمين من حيث تأكيد المنع من الفعل أو الترك. وهو إلى النذر أقرب وبه أشبه. وأضيف إلى اللجاج - وهو التمادي في الخصومة - وإلى الغضب: لأنه غالبا يحصل عندهما.

(2)

أي التصدق بماله، أو تنفيذ ما التزمه من القُرباتِ.

(3)

لما رواه مسلم (1645) عن عقبة بنَ عامر رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(كَفَارَةُ النذْرِ كَفارَةُ اليَمِينِ). قال النووي رحمه الله تعالى: اختلف العلماء في المراد به، فحمله جمهور أصحابنا على نذر اللجاج، هو أن يقول إنسان يريد الامتناع من كلام زيد مثلاً: إن كلمت زيداً - مثلا - فلله علَيَ حجة، أو غيرها، فيكلمه، فهو بالخيار بين كفارة يمين وبين ما التزمه، هذا هو الصحيح في مذهبنا. (شرح مسلم:104/ 11).

(4)

وهو ما يجري على اللسان دون قَصْدِ الحْلِفِ، أو قَصَدَ الحلفَ على شي فسبق لسانُه إلى غيره. فلا كفارة فيه ولا إثم، لقوله تعالى: "لا

ص: 253

ومن حلف أن لا يفعل شيئا فأمر غيره بفعله لم يحنث (1) ومن حلف على فعل أمرين ففعل أحدهما لم يحنث (2).

وكفارة اليمين (3) هو مخير فيها بين ثلاثة أشياء:

يُؤَاخذكُم اللهُ باللَّغْوِ في أيمانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بمَا كسبت قُلُوبُكُمْ "/ البقرَة: 225/. أي قصدتموه وعزمتم عليه، وكسب القلب هو العزم والنية.

قالت عائشة رضي الله عنها: أنزِلَتْ فيَ قوله: لَا وَاللهَ، بَلى واللهَ.

البخاري (6286).

وروى أبو داود (3254) وابن حبان (1187) عن عطاء في اللَّغْوِ في اليمين، قال: قالت عائشة رضي الله عنها: إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (هُوَ كَلَامُ الرجُلِ في بَيْتِهِ، كَلَا وَالله، وً بَلى وَاللهِ).

(1)

من الحنث وهو عدم الوفاء بموجب اليمين، والحنثَ في الأصل الذنب، وأطلق على ما ذكر لأنه سبب له. ولم يحنث في الصورة المذكورة، لأنه لم يباشر الفعل، والفعل ينسب إلى من باشره، وهو قد حلف على فعل نفسه حقيقة، فلا يحنث بفعل غيره.

(2)

وذلك كما لو حلف: لا يلبس هذين الثوبين، أولا يكلم زيداً وعمراً، فلبس أحد الثوبين أو كلم أحد الرجلين، فلا يحنث، لأن يمينه واحدة على مجموع الأمرين.

أما لو قال: والله لا ألبس هذا ولا هذا، أو لا أكلم زيداً ولا عمراً، فيحنث بلبس أحد الثوبين أو تكليم أحد الرجلين، لأن إعادة حرف النفي جعلت كلا منهما مقصوداً باليمين على انفراد.

(3)

أي المنعقدة، وهي التي يجري لفظها على لسانه ويقصدها قي قلبه، فإن لم يَبر بها، أي يعمل بموجبها، وجبت عليه الكفارة، لقوله تعالى:

ص: 254

1 -

عتق رقبة مؤمنة

2 -

أو إطعام عشرة مساكين كل مسكين مدا

3 -

أو كسوتهم ثوبا ثوبا فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام (1).

" وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بمَا عقَّدْتُمُ الأيمَانَ " / المائدة: 89/. أي بما قصدتموه من الأيمان وأكدتموه، بدليل قوله تعالى:" وَلكنْ يُؤَاخِذُكُم بمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ " / البقرة: 225/.

وتكون على الماضي وعلى المستقبل، فإن كانت على الماضي وتعمد فيها الكذب فهي اليمين الغموس، وهي من الكبائر، ففيها الإثم بالإضافة إلى وجوب الكفارة، وسميت الغموس لأنها تغمس صاحبها في النار إن لم يتب منها.

روى البخاري (6298) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(الْكبائِرُ: الإشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقوقُ الوَالِدين، وَقتلُ النّفْسِ والْيَمِينُ الْغَمُوسُ).

(1)

مداً: كيل معروف يساوي مكعباً طول حرفه 2/ 9 سم، ويتسع 600 غراماً تقريباً.

ثوباً: يقع عليه اسم الكسوة مما يعتاد لبسه. لم يجد: أي كان عاجزاً عن كل من العتق والإطعام والكسوة. ولا يشترط التتابع في صوم الأيام الثلاثة.

والأصل في هذا: قوله تعالى: " فَكَفارَتُهُ إطعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ من ْ أوسَط مَا تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ أوْ كِسْوَتُهمِْ أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَة فمن لَمَْ يجد فصِياَمُ ثَلَاثَةِ أيامٍ ذلك كفارةُ أيْماَنِكُمْ إذاً حَلَفْتُمْ " / الماَئدة: 89/.

[أوسط: الوسط المعتاد والمألوف لأمثالكم، بدون إسراف ولا تقتير.

تحرير رقبة: أي تخليص إنسان مملوك من الرق، ذكراً كان أم أنثى.

وقيدت بالإيمان لما جاء في كفارة القتل. (انظر: حاشية 1 ص 202)

إذا حلفتم: أي ولم تبرُّوا بيمينكم].

ص: 255

"فصل" والنذر يلزم في المجازاة على مباح وطاعة (1) كقوله إن شفى الله مريضي فلله عليَّ أن أصلي أو أصوم أو

(1) أي يصح النذر وترتب عليه آثاره، ويلزم الوفاء به: إن كان بالتزام فعل طاعة مكافأة على حصول أمر مباح، أي محبوب للنفس طبعاً، من إصابة خير أو دفع سوء.

والنذر في اللغة: الوعد بخير أو شر، وشرعاً: الوعد بالخير خاصة.

أو: التزام قربة لم تتعين بأصل الشرع. وهو نوعان: نذر لجاج وغضب كما مر (حاشية 1 ص 251). ونذر تبرر، أي يُطلَب به البر والتقربُ من الله تعالى، وهو قسمان:

أحدهما: أن يكون معلقاً بأن يلتزم فعل قربة إن حدثت له نعمة أو ذهبت عنه نقمة، وهو نذر المجازاة - أي المكافأة - كما ذكر المصنف ومثل له.

والثاني: أن يكون غير معلق، كأن يقول: لله عَلَيّ صوم أو حج أو غير ذلك فيلزمه أيضاً كفى الأظهر في المذهب.

والأصل في شروعية النذر ولزوم الوفاء به: قوله تعالى، في صفات الأبرار:"يُوفوُنَ بالنذْر ويَخَافُونَ يوماً كَانَ شرهُ مُسْتَطيراً " / الدهر: 7 /.

[يوماً: هو يوم القيامة. شره: هوله وشدته. مستطتراً: ممتداً ومنتشراً].

وقال تعالى: " ولْيوفوا نُذُورهُمْ " / الحج: 29 /.

وذمه صلى الله عليه وسلم للذين لا يفون بنذرهم، روى البخاري (2508) ومسلم (2535) عن عمران بن حصين رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن بَعدَكُمِ قَوماً يَخوُنون ولَا يُؤْتَمَنُونَ ويشهدونَ ولا يستشهدون، ويْنْذرون ولا يفونَ، ويَظْهرُ

ص: 256

أتصدق

ويلزمه من ذلك ما يقع عليه الاسم (1).

ولا نذر في معصية كقوله: إن قتلت فلانا فلله عليَّ كذا (2).ولا يلزم النذر على ترك مباح كقوله: لا آكل لحما ولا أشرب لبنا وما أشبه ذلك (3).

فِيهِمُ السمَنُ). أي بسبب كثرة المآكل الخلود إلى الراحة وترك الجهاد.

وقيل: هو كناية عن التفاخر. بمتاع الدنيا.

وروى البخاري (6318) عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم:(مَنْ نَذَرَ أنْ يُطيع اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِه).

(1)

أي اسم الصَلاة أو الصوم أو الصدقة شَرعاً، وأقله في الصلاة ركعتان، وفي الصوم يوم، وفي الصدقة أقل ما يتمول شرعاً، أي ما يعده الشرع مالاً. وهذا إن أطلق، فإن عين مقداراً أو عدداً لزمه ما عينه.

(2)

لقوله صلى الله عليه وسلم: (ومَنْ نَذر أنْ يَعْصِيَه فلَا يَعْصِهِ). ولقوله صلى الله عليه وسلم: (لَا نَذْرَ في مَعْصِيَةِ اللهِ). مسلم (1641). أي لا ينعقد ولا يترتب عليه شيء، إلا إن نوى به اليمين فتلزمه كفارة يمين (انظر حاشية 3 ص 251).

(3)

ومثل الترك الفعل، كما لو نذر أن يأكل أو يشرب أو يلبس.

دل على ذلك: ما رواه البخاري، (6326) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخْطُبُ، إذا هو بِرَجل قائم، فسأل عنه فقالوا أبو إسْرَائيلَ، نَذَرَ أنْ يقومَ ولا يقعدَ، ولا يستظل ولا يتكلم، ويصومَ. فقالَ النبي صلى الله عليه وسلم:(مرْهُ فَلْيتَكَلَمْ وَلْيَستَظِل وَلْيَقعُدْ، وَليتِم صَوْمهُ). وذلك لأن الصوم طاعة، ويلزم الوفاء بها إذا نذرها.

ص: 257