الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الأقضية والشهادات
(1)
(1) الأقضية: جمع قضاء، وله في اللغة معان عدة منها: الحكم، قال تعالى:"وَقضىَ رَبكَ ألا تَعْبُدُ وا إلا َإياه وْبَالوَالديَن إحْسَاناً " / الإسراء: 23/. أي حكم.
وفي الشرع: فصل الخصومة بين اثنين فأكثر بحكم الله تعالى.
والأصل في مشروعية: آيات، منها: قوله تعالى: "وَإذَا حَكَمْتمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحكُمُوا بِالعَدْلِ "/ النساء: 58/. وقوله تعالى: "وَأنِ احْكُمْ بيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله "/ المائدة: 49/.
وأحاديث، منها: ما رواه أبو داود (3582) وغيره، عن علي رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضياً، فقلت: يا رسول الله، ترسلني وأنا حديث السن - وعند الحاكم (4/ 93): تبعثني إلى قوم ذوي أسنان وأنا حدث السن- ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: (إن الله سيَهْدي قَلْبَكَ، وَيُثَبتُ لِسَانَكَ). قال فما زلت قاضاً، أو: ماشككتَ في قضاء بعد.
[حديث السن: شاب. ذوي أسنان: كبار معمرين. لا علم لي: لم تسبق لي خبرة فيه. فما زلت قاضياً: عالماً بالقضاء].
وسيأتي مزيد من الأدلة في مواضعها من أحكام الكتاب.
والشهادات: جمع شهادة، من المشاهدة، وهي الاطلاع على الشيء عياناً، فهي إخبار عما شوهد أو علم بلفظ خاص. وهي في الشرع: إخبار لإثبات حق لغيره على غيره بلفظ خاص.
والأصل في مشروعيتها:
ولا يجوز أن يلي القضاء (1) إلا من استكملت فيه خمس عشرة خصلة:
1 -
الإسلام (2)
2 -
والبلوغ
3 -
والعقل
4 -
والحرية (3)
5 -
والذكورية (4)
6 -
والعدالة (5)
7 -
ومعرفة أحكام الكتاب والسنة (6)
8 -
ومعرفة الإجماع (7) ومعرفةُ
آيات، منها: قوله تعالى: "كُونُوا قَوَّامينَ لله شُهدَاءَ بالْقِسْطِ " / المائدة: 8/. وقوله تعالى: " ولَا تكتُمُوا الشًهادةَ " / البقرةَ: 283/.
وأحاديث سيأتي بعض منها في مواضع من الأحكام.
(1)
أي لا تصح توليته، وليس للسلطان أن يوليه، كما أنه يأثم بقبوله.
(2)
فلا يصح تولية الكافر القضاء فيَ دار الإسلام ولو ليقضي بين الكفار، لقوله تعالى:" ولَنْ يجْعَلَ الله للكَافِرِينَ عَلى المُؤْمنين سَبِيلاً "، / النساء: 141/. ولا سبيل أعظم من أن يكون قاضياً على المسلمَين أو في ديارهم.
(3)
لنقص من فقدت فيه إحدى هذه الصفات.
(4)
لقوله صلى الله عليه وسلم: (لنْ يُفْلِحَ قَوْمُ وَلوْا أمرَهُمُ امْرَأة).رواه البخاري (4163) عن أبي بكَرة رضي الله عنه.
(5)
لأنه لا يوثق بقول من ليس بعدل ولا يؤمن الجَوْرُ في حكمه.
وسيأتي بيان العدالة في فصل الشهادة.
(6)
الأحكام الثابتة بهما، والمحكم منها والمنسوخ، وأن يعرف ما يتعلق بهما من الأحكام العامة التي بواسطتها يستطيع استنباط الأحكام الفرعية، كما يستطيع أن يرجح بين الأدلة عند تغارضها.
(7)
أي الأحكام المجمع عليها، حتى لا يخالفها في قضائه. والإجماع في اصطلاح الفقهاء والأصوليين: هو اتفاق جيع مجتهدي الأمة في عصر من العصور، على حكم شرعى، في حادثة لم ينص على حكمها في كتاب أو سنة.
فإذا حصل هذا الإجماع صار الحكم المجمع عليه شرعاً لازماً ولم يجز
9 -
الاختلاف (1)
10 -
ومعرفة طرق الاجتهاد (2)
11 -
ومعرفة طرف من لسان العرب (3)
12 -
ومعرفة تفسير كتاب الله تعالى (4)
لأحد من المسلمين مخالفته، وليس للمجتهدين، ولو في عصر آخر، أن يجعلوا الحادثة - التي سبق إجماع على حكم لها - موضع نظر واجتهاد.
(1)
الواقع بين الصحابة رضي الله عنهم، ومن بعدهم من التابعين والأئمة المجتهدين، في المسألة التي يقضي فيها، ليكون على بصيرة فيما يجتهد فيه ويحكم به.
(2)
أي الطرق المؤدية إلى استنباط الأحكام من أدلتها، وكيفية الاستدلال بتلك الأدلة على الأحكام.
(3)
أي أن يكون على شيء من المعرفة باللغة العربية، واشتقاق ألفاظها وتصريفها، ووجوه الإعراب، لأنها لغة الشرع من كتاب أو سنة.
(4)
والأصل في هذه الشروط الستة السابقة: ما رواه أبو داود (3573) وغيره، عن بريدة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(القُضَاة ثَلَاثة: واحِدٌ في الْجَنَّة واثْنَان في النارِ، فَأمَّا الَّذي في الْجَنَةِ: فَرجل. عَرَفَ الْحَق فًقَضى بهَ، ورجلٌ عرف الحَق فَجَارَ في الْحُكمِ فهو في النار، ورَجل قَضَى للناس على جَهلٍ فهو في النّارِ). [على جهل: أي ليس لديه معرفة بما يوصله إلى القضاء بالحق الذي يرضي الله عز وجل] قال في الإقناع (2/ 277): والقاضي الذي ينفذ حكمه هو الأول، والثاني والثالث لا اعتبار بحكمهما.
وما رواه البخاري (6919) ومسلم (1716) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذَا حَكمَ الحاكم فاجْتَهَد ثم أصابَ فله أجْرَانِ، وإذا حَكَمَ فَاجتهدَ ثم أخْطَأَ فله أَجْر).
[اجتهد: بذل وسعه للتعرف على القضية ومعرفة الحق فيها. أصاب: الحق والواقع في حكمه. أخطأ: الحق وواقع الأمر في قضائه]
13 -
وأن يكون سميعا
14 -
وأن يكون بصيرا
15 -
وأن يكون كاتبا
16 -
وأن يكون مستيقظا (1)
ويستحب أن يجلس في وسط البلد في موضع بارز للناس (2) ولا حاجب له (3) ولا يقعد للقضاء
فقد دل على أن القاضي الذي يحكم بين الناس ويمضي حكمه هو الذي لديه أهلية الاجتهاد، ولا تتوفو أهلية الاجتهاد إلا بتحقق هذه الشروط.
قال النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم (12/ 13): قال العلماء: أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للحكم، فإن أصاب فله أجران: أجر باجتهاده وأجر بإصابته، وإن أخطأ فله أجر باجتهاده
…
فأما من ليس بأهل للحكم فلا يحل له الحكم، فإن حكم فلا أجر له بل هو آثم ولا ينفذ حكمه، سواء وافق الحق أم لا، لأن إصابته اتفاقية - أي عن غير قصد - ليست صادرة عن أصل شرعي، فهو عاص في جميع أحكامه، سواء وافق الصواب أم لا، وهي مردودة كلها، ولا يعذر في شيء من ذلك، وقد جاء في السنن: القضاة ثلاثة
…
ثم ساق حديث أبي داود السابق.
(1)
غير مغفل بحيث لا يخدع، هذا شرط إن كان فيه اختلال رأي ونظر، وإلا فهو مستحب. واشترط السمع ليميز بين الإقرار والإنكار. والبصر: ليميز بين الخصوم والشهود، ويعرف الطالب من المطلوب، لأن الأعمى لا يميز إلا بالصوت والصوت قد يشتبه.
والأصح أن الكتابة ليست بشرط، إلا إذا لم يوجد لديه كاتب يثق به.
(2)
أي يمكن التعرف عليه بسهولة، للمستوطن والغريب.
(3)
أي بواباً ونحوه، يحجب الناس عنه في وقت جلوسه للحكم ويمنعهم من الدخول إليه. لما رواه أبو داود (2948) والترمذي (1332) وغيرهما، عن أبي مريمَ الأزدي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (مَنْ وَلَاه الله عز وجل شيْئاً منِْ أمرِ المُسلِمِينَ،
في المسجد (1).
ويسوي بين الخصمين في ثلاثة أشياء:
1 -
في المجلس
2 -
واللفظ
3 -
واللحظ (2).
ولا يجوز أن يقبل الهدية من أهل عمله (3).
فَاحْتجَبَ دونَ حاجَتِهمْ وخَلَّتهِم وَفَقْرِهم، احتجبَ الله عنه دونَ حاجَته وخلَّته وفَقرِه). [الخلة: الحاجة وما في معناها]
وهذا إذَاَ لم تكنَ هَناك زحمَة تستْدعي وضع حاجب أمْنتظم الأمور.
(1)
صوناً له عن الصياح واللغط والخصومات، على أنه قد يحتاج أن يحضر إلى مجلس القضاء من ليس لهم أن يمكثوا فيَ المسجد كالحُيَّض، ومن لا يليق دخولهم بالمسجد كالصغار والمجانين والكفار.
(2)
أي النظر، فلا ينظر إلى أحد الخصمين ويقبل عليه أكثر من الآخر، كما أنه لا يخصه بكلام أو سلا م دون خصمه. وكذلك سائر أنواع الإكرام.
والأصل في هذا: ما رواه الدارقطني (4/ 205) عن أم سلمة، رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ابْتُلِيَ بالقضاء ين الناس فليعدل بينهم: في لحظه وإشارته ومقعده ولا يرفعن صوته على أحد الخصمين ما لا يرفع على الآخر).
(3)
أي الذين يرجعون إليه في حل خصوماتهم والفصل في منازعاتهم.
والأصل في هذا: ما رواه البخاري (6260) ومسلم (1832) عن أبي حُميد الساعدي رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: استَعْل عاملا، فجاءه العامل حين فرغ من عمله، فقال: يا رسولَ الله هذا لكم وهذا أهْديَ لي. فقال له: (أفَلَا قعَدتَ في بيت أبيكَ وأمِّك فنظرتَ: أيهدَى لك أم لا) ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عَشِيَّة بعد الصلاة، فتشهدْ وأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: (أما بعد، فما
ويجتنب القضاء في عشرة مواضع:
1 -
عند الغضب
بال العامل نستعملُه، فيأتينا فيقول: هذا من عملكم، وهذا أهدي لي، أفلا قَعَد في بيت أبيه وأمَه فنظر: هَلْ يُهدى له أم لا؟ فوالذي نفسى مُحَمَّد بيده، لا يَغُل أحدُكم منها شيئاً إلاّ جاء به يوم القيامة يحملُه على عُنُقًهِ: إنْ كان بعيراً جاء به له رغاءٌ، وإن كانت بقرةً جَاء بها لها خُوَار، وإن كانت شاة جاء بها تَيْعَرُ. فقد بَلَغْتُ). ثم رفع رسول
الله صلى الله عليه وسلم يدَه حتى إنَّا لننظُرُ إلى عفرَةِ إبطَيْهِ. وفي رواية عنه عند أحمد (5/ 424): (هَدَايَا الْعمال غُلُولُ).
[استعمل: وظفه على جمع الزكاة. من عملكم: َ الذي كلفتموني به.
لا يغل: من الغلول، وهو في الأصل: الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها، وسميت هديه العامل غلولا بجامع أن كلا منهما فيه خيانة وإخلال بالأمانة، لأن الهدية غالباً ما تحمل العامل على ذلك، ولذلك فهي حرام كالغلول.
رغاء: صوت الإبل. خوار: صوت البقر. تيعر: من اليُعار وهو صوت الغم والمعز. عفرة إبطيه: باطنهما، من شدة رفعه ليدبه. والعفرة في الأصل بياض يخالطه لون كلون التراب، وكذلك لون باطن الإبط].
وهذا إذا كانت ممن له عنده خصومة، أي قضية ينظر فيها، أو ممن لم تسبق له عادة في إهدائه قبل توليه القضاء. فإن كانت ممن له عادة في إهدائه، وليس له خصومة عنده، جاز له قبولها إن لم يزد فيها عن المعتاد كما أو كيفاً، فإن زاد فيها نظر: فإن كانت الزيادة لها أثر ظاهر لم تقبل، وإلاّ قبلت.
ومما ينبغي الانتباه إليه: هو أن الكلام في الهدية إذا لم يكن هناك قصد ظاهر، فإن كانت بقصد أن يحكم بغير الحق أو ليمتنع من الحكم بالحق، فهي رشوة، وهي من الكبائر، ويأثم القاضي بقبولها، كما يأثم الباذل لها والساعي في شأنها.
روى الترمذي (1336) وغيره، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
2 -
والجوع
3 -
والعطش
4 -
وشدة الشهوة (1)
5 -
والحزن
6 -
والفرح المفرط
7 -
وعند المرض
8 -
ومدافعة الأخبثين (2)
9 -
وعند النعاس
10 -
وشدة الحر والبرد (3)
ولا يسأل المدعي عليه إلا بعد كمال الدعوى (4)
لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرَّاشي والمُرْتَشي في الحكمِ. وعند أحمد (5/ 279) عن ثوبان رضى الله عنه قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: الرَّاشي والمُرْتَشي والرَائِش، يعني الذي يمشي بينهما.
ومثل الهدية في كل ما سبق حضور الولائم والزيارات والضيافة ونحوها.
إلا إذا كانت وليمة عامة، كوليمة العرس والختان، وقد عمم صاحبها الدعوة إليها وليس له عنده خصومة، فله أن يخضرها، شريطة أن لا يشغله ذلك عن أعمال القضاء.
(1)
أي التوقان إلى الجماع.
(2)
البول والغائط.
(3)
وغير ذلك من الأحوال التي تورث اضطرابا في النفس وسوءاً في الخلق وخللاً في الفكر.
والأصل فيَ هذا: ما رواه البخاري (6739) ومسلم (1717) عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لَا بقْضِيَن حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ). وعند ابن ماجه (2316) (لَا يَقْضي الْقَاضى
…
) وفي رواية: (لَا يَنبَغي لِلْحاكِمِ أنْ يقْضيَ
…
).
وألحق بالغضب ما ذكر، لأنه في معناه من حيث تغير النفس، وخروجها عن الطبيعة التي تؤهلها للنظر والفكر والاجتهاد لمعرفة الحكم.
والنهي في هذا للكراهة، ولو قضىَ في حال منها نفذ حكمه.
(4)
أي بعد فراغ المدعي من بيان دعواه.
ولا يحلفه إلا بعد سؤال المدعي (1) ولا يلقن خصما حجة ولا يفهمه كلاما (2) ولا يتعنت بالشهداء (3)
ولا يقبل الشهادة إلا ممن ثبتت عدالته (4) ولا يقبل شهادة عدو على عدوه ولا شهادة والد لولده
ولا ولد لوالده (5)
(1) أي بعد أن يطلب المدعي من القاضي أن يُحَلَف المدعى عليه، لأن استيفاء اليمين من المدعى عليه حق للمدعي، فيتوقف على إذنه وطلبه.
(2)
يعرف به كيفية الدعوى أو الجواب، أو كيف يقر أو ينكر، لما في ذلك من إظهار الميل له والإضرار بخصمه، وهذا حرام.
(3)
أي لا يَشُقُّ عليهم ويؤذيهم بالقول ونحوه، كأن يهزأ بهم، أو يعارضهم في أقوالهم، أو يشدد عليهم في التعرف على كيفية تحملهم للشهادة، وظاهر حالهم الصدق وكمال العقل، لأن مثل ذلك ينفر من الشهادة وتحملها أو أدائها، والناس في حاجة إليها. قال تعالى:"ولا يضارَ كاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإن تَفْعَلُوا فَإنَّه فسوقٌ بِكمْ " / البقرة: 282/.
(4)
وتثبت العدالة بمعرفة القاضي للشاهد، أوبتزكية عدلين له عنده.
وسيأتي بيان العدالة ودليلها بعد فصلين.
(5)
لتهمة التحامل على العدو، والمحاباة للوالد أو الولد. والأصل في رد الشهادة للتهمة، فيما ذكر وغيره: ما رواه أبو داود (3601) وغيره، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِن ولا خائنة، ولا زان ولا زانية، ولا ذِي غِمْر عَلى أخِيهِ).
وفي رواية عند الترمذي (2299): (ولا ظَنين في وَلاء ولا قرابة).
[الغمر: الحقد والغل والشحناء. الظنين: المتهم]
ولا يقبل كتاب قاض إلى قاض آخر في الأحكام إلا بعد شهادة شاهدين يشهدان بما فيه (1).
"فصل" ويفتقر القاسم (2) إلى سبعة شرائط:
1 -
الإسلام
2 -
والبلوغ
3 -
والعقل
4 -
والحرية
5 -
والذكورة
6 -
والعدالة
7 -
والحساب (3)
فإن تراضى الشريكان بمن يقسم بينهما لم يفتقر إلى ذلك (4)
وإذا كان في القسمة تقويم لم يقتصر فيه على أقل من
(1) أي إذا حكم قاض على غائب، وكتب إلى القاضى الذي في بلده بما حكم به لينفذه عليه، اشترط أن يشهد على الكتابة شاهدين، يشهدان أمام القاضي المكتوب إليه بمضمون الكتاب.
(2)
هو الذي ينصبه القاضي ليقسم الأشياء المشتركة بين الناس، ويميز نصيب كل شريك من نصيب غيره.
والأصل في مشروعية القسمة قوله تعالى في الميراث: "وَإذَا حَضَرَ الْقِسمةَ أولُوا الْقُربَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُم قَوْلَا مَعْرُوفاً "/ النساء: 8/.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (الشفْعَةُ فِيمَا لَمْ يقْسمَْ).
(انظر حاشية 3 ص 139).
وثبت أنّه صلى الله عليه وسلم قَسًم الغنيمةَ بين الغانمينَ. (انظر: ص 227 حا 5، ص 228 حا 1).
(3)
أما الشروط الستة الأولى: فلأن القاسم له ولاية كل من يقسم لهم، لأن قسمته ملزمة، ومن لم تتوفر فيه هذه الشروط فليس من أهل الولاية.
وأما معرفة الحساب، وكذلك المساحة وما يحتاج إليه حسب المقسوم، فلأن ذلك آلة القسمة، كما أن معرفة أحكام الشرع آلة القضاء.
(4)
أي إلى جميع هذه الشروط، وإنما يكتفى بكونه مكلفاً، أي بالغاً
اثنين (1).
وإذا دعا أحد الشريكين شريكه إلى قسمة ما لا ضرر فيه (2) لزم الآخر إجابته (3).
"فصل" وإذا كان مع المدعي بينة سمعها الحاكم وحكم له بها وإن لم تكن له بينة فالقول قول المدعي عليه بيمينه (4) فإن نكل عن اليمين ردت على المدعي
عاقلا، لأنه لا ولاية له في هذه الحالة، وإنما هو وكيل عنهما.
(1)
لأن التقويم تقدير قيمة الشيء المقسوم، فهو شهادة بالقيمة، فيشترط فيه العدد.
(2)
أي في قسمته، كدار كبيرة، وثياب متعددة، ونحو ذلك.
(3)
أي موافقته على القسمة، إذ قد يكون في استمرار الشركة ضرر عليه. أما لو كانت في القسمة ضرر، فإنه لا تلزمه إجابته.
والأصل في هذا: قوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ).
ابن ماجه (2340،2341) ومالك في الموطأ (2/ 745، 805).
(4)
البينة: أي شهود يشهدون على مدعاه. فالقول: الذي يُسْمعَ ويُقْبَل.
والأصل في هذا أحاديث، منها: ما رواه البخاري (4277) ومسلم (1711) واللفظ له، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أِن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لَوْ يُعْطَى الناس بدَعوَاهُم، لادعى ناس دماءَ رجال وأموالهم، ولَكنْ اليَمينُ على الَمُدَعَى عَلَيه).
وروى مسلَمِ (138) عن الأشْعثِ بنِ قَيْس رضي الله عنه قال: كان بيني وبينَ رجُل أرضٌ باليمنِ، فخاصمتُهُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:(هَل لَكَ بينة) فقلت: لا. قال: (فَيَمينُه). وفي رواية (شَاهِداكَ أو يمينُه).
فيحلف ويستحق (1)
وإذا تداعيا شيئا في يد أحدهما: فالقول قول صاحب اليد بيمينه (2) وإن كان في أيديهما تحالفا وجعل بينهما (3)
ومن حلف على فعل نفسه حلف على البت والقطع (4)
ومن حلف على فعل غيره فإن كان إثباتا حلف على البت والقطع (5) وإن كان نفيا حلف على نفى العلم (6).
(1) ما ادعاه، لما رواه الحاكم (4/ 100) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم رَد اليَمنَ على طَالِبِ الحَق.
قال: هذا حديث صحيح الإسناد.
وطالب الحق هو المدعي. ونكل: امتنع.
(2)
عملا بالأصل واستصحاب الحال، فإن وجوده بيده يرجح أنه ملكه، حيث لا بينة تخالفه، لأن الأصل أن لا يدخل في يده إلا بسبب مشروع.
(3)
تحالفا: أي حلف كل منهما على نفي أن يكون ملكاً للآخر.
روى أبو داود (3613) وغيره، عن أبي موسى الأشْعريَ رضي الله عنه: أنَ رجلين ادعَيَا بعيراً أو دَابَّة، إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ليست لواحد منهما بَيِّنَةٌ، فجعله النبي صلى الله عليه وسلم بَينَهُما.
قال الحاكمَ (4/ 95): هذا حديث صحيح.
(4)
البت: هو الجزم والقطع، لأنه عالم بنفسه ومحيط بحاله.
(5)
لسهولة الاطلاع على المثبت والعلم به، كما لو ادعى أن لمورثه عل فلان كذا، فأنكر المدعى عليه ونكل عن اليمين، وحلف المدعي.
(6)
أي إن كان ينفي فعلا عن غيره فلا يحلف على الجزم، لأنه لا سبيل له إلى القطع في نفي فعل غيره- بل يقول: والله لا أعلم أن فلاناً فعل كذا.
"فصل" ولا تقبل الشهادة إلا ممن اجتمعت فيه خمس خصال:
1 -
الإسلام
2 -
والبلوغ
3 -
والعقل
4 -
والحرية
5 -
والعدالة (1)
وللعدالة خمس شرائط:
1 -
أن يكون مجتنبا للكبائر
2 -
غير مصر على القليل من الصغائر
3 -
سليم السريرة
4 -
مأمون الغضب
5 -
محافظا على مروءة مثله (2).
(1) أما الإسلام: فلقوله تعالى: " وَاسْتَشْهِدُ وا شَهِيدين مِنْ رِجَالِكُمْ " / البقرة 282/. والكافر ليس من رجالنا. ولقوله تعالى: "وَأشْهِدُ وا ذَوَيْ عَدل مِنكُمْ " / الطلاق: 2/. والكافر ليس بعدل، كما أنه ليس منا.
وأيضا الشهادة ولاية، ولا ولاية للكافر، كما علمت (انظرص 257 حا 2) وأما البلوغ والعقل والحرية: فلأن الصبي والمجنون والعبد لا ولاية لهم على أنفسهم فلا ولاية لهم على غيرهم من باب أولى، فلا تقبل شهادتهم.
لأن الشهادة ولاية كما علمت.
وأما العدالة: فلقوله تعالى: " وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل منْكُمْ " فهي صريحة في اشتراط أن يكون الشاهد عدلاً.
ولقوله تعالى: "ممنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشهَدَاءِ " / البقرة: 282/.
وغير العدل ممن لا يرضى.
(2)
الكبائر: جمع كبيرة، وهي كل ما ورد فيه وعيد شديد في كتاب أو سنة، ودل ارتكابه على تهاون في الدين، كشرب الخمر والتعامل بالربا وقذف المؤمنات بالزنا، قال تعالى في شأن القاذفين:"وَلا تَقْبَلُوا لَهمْ شَهَادَة أبَداً وَأولئكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ " / النور: 4/.
والصغائر: جمع صغيرة، هى ما لم ينطبق عليه تعريف الكبيرة، كالنظر المحرم وهجر المسلم فوقَ ثلاث، ونحو ذلك.
سليم السريرة: أي العقيدة، فلا تقبل شهادة من يعتقد جواز سب الصحابة رضي الله عنهم.
"فصل" والحقوق ضربان:
1 -
حقوق الله تعالى
2 -
وحقوق الآدميين:
فأما حقوق الآدميين فهي على ثلاثة أضرب:
1 -
ضرب لا يقبل فيه إلا شاهدان ذكران، وهو: ما لا يقصد منه المال ويطلع عليه الرجال (1)
2 -
وضرب يقبل فيه شاهدان أو رجل وامرأتان أو شاهد ويمين المدعي وهو ما كان القصد منه المال (2).
مأموناً: أي من أن يتجاوز الحد في تصرفه، ويقع في الباطل والزور.
مروءة مثله: أي متخلقاً بأخلاق أمثاله من أبناء عصره، ممن يراعون آداب الشرع ومناهجه، في الزمان والمكان. ويرجع في هذا غالباً إلى العرف.
(1)
كالزواج والطلاق والوصية ونحو ذلك: لقوله تعالى في الوصية: " يَا أيهَا الذين آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنكُمْ إذا حَضَرَ أحَدَكُمْ المَوْتُ حِينَ الوَصِيةِ اثنَانِ ذَوا عَدْل منْكُمَْ "، / المائدة: 106/.
وقوله تعالى في الطلاق: " مأمسِكُوهُن بمعرُوفٍ أوْ فَارِقُوهُن بمَعْروفٍ وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدل مِنْكُمْ " / الطلاق: 2/ مثنى ذو، وهو بمعنى صاحب.
وقرله صلى الله عليه وسلم في الزواج: (لَا نِكَاحَ إلا بِوَليٍ مُرْشِد وَشَاهدَيْ عَدل). انظر حاشية 2 ص 161.
ففَي النصوصً الثلاثة ورد الشهود بلفظ التذكير، وقيس ما لم يذكر من الحقوق على ما ذكر.
(2)
كالبيع والإجارة والرهن ونحو ذلك. والأصل في هذا: قوله تعالى: "وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَين مِنْ رِجَالِكُمْ فَإنْ لَمْ يكُونا
رَجُلَيْن فَرَجُلٌ وَامْرأتَان مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشهدَاءِ أنْ تَضِل إحْدَاهمَا فَتُذكرَ إحدَاهمَا الأخْرَى "/ البقرة: 282/. تضل: تنسى.
وروى مسلم (1712) عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسولَ الله
3 -
وضرب يقبل فيه رجل وامرأتان أو أربع نسوة وهو ما لا يطلع عليه الرجال (1).
وأما حقوق الله تعالى فلا تقبل فيها النساء (2) وهي على ثلاثة أضرب:
1 -
ضرب لا يقبل فيه أقل من أربعة وهو الزنا (3).
صلى الله عليه وسلم قضىَ بِيَمِينٍ وَشَاهد. وفي مسند الشافعي: قال عمرو أي ابن دينار راويه عن ابن عباس - في الأموال. (الأم: 6/ 156 هامش) أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد في الأموال.
(1)
غالباً، من عيوب النساء، وكذلك الرضاع والولادة ونحوها.
لما رواه ابن أبى شيبة، عن الزهري رحمه الله تعالى قال: مضت السنةُ بأنه يجوز شهادةُ النَساء فيما لا يَطلِعُ عليه غيرُهن، من وِلَادَةِ النساء وعيوبهن. (الإقناَع: 2972) ومثل هذا القول من التابعي حجة، لأنه في حكَم الحديث المرفوع، إذ لا يقال سن قبيل الرأي والاجتهاد.
وقيس على ما ذكر غيره. مما يشاركه في معناه وضابطه.
واشترط العدد، لأن الشارع جعل شهادة المرأتين بشهادة رجل واحد.
وإذا قبلت شهادة النساء منفردات في شؤونهن، فقبولها مع اشتراك رجل وامرأتين أولى، لأن الأصل في الشهادة الرجال، وكذلك إذا انفرد الرجال بالشهادة.
(2)
لأن شهادتها فيها شبهة، وهذه الحقوق يؤخذ فيها بالاحتياط، وكذلك قبول شهادتها منفرة فيما مر للستر. وروى مالك عن الزهري قال: مضت السنة بأنه لا يجوز شهادة النساء في الحدود. (الإقناع: 2/ 296).
(3)
دل على ذلك آيات، منها: قوله تعالى: " وَالَذينَ يَرْمُونَ المَحْصَنَاتِ ثم لَمْ يَأتُوا بِأرْبَعَة شهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ " / النور 4/.
فقد رتب وجوب الجلد على عدم اَلإتيان بأربعة شهداء، فدل على أن الزنا لا يثبت إلا بهم.
2 -
وضرب يقبل فيه اثنان وهو ما سوى الزنا من الحدود (1)
3 -
وضرب يقبل فيه واحد وهو هلال رمضان (2).
وقال تعالى: "وَاللَاتي يَأتِين الْفَاحشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاشتَشْهِدُوا عَليهِن أرْبَعَة مِنْكُم "/ النساء: 15/.
وقال في حادثة الإفك - أي افتراء الفاحشة على عائشة رضي الله عنها " لَوْلَا جَاؤوا عَليْهِ بأرْبَعَة شهَدَاءَ فَإذَ لَمْ يَأتُوا بِالشداءِ فَأولَئِكَ عنْدَ الله هُمَُ الْكَاذَبونَ "/ النور: 13/.
فهذه لآيات كلهَا تدك على أن نصاب الشهادة في الزنا أربعة من الذكور.
وبين هذا حديث مسلم (1498) أن سعد بن عبادة رضي الله عنه قال: يا رسولَ الله، لو وجدت مع أهلي رجلاً، لم أمسَهُ حتَّى آتيَ بأرْبَعَةِ شهَدَاءَ؟ قال رسولُ الله:(نَعَمْ) قال: كَلا والَّذي بعثَك بالحَق، إنْ كنتُ لأعاجلُه بالسَّيفِ قبل ذلك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(اسْمَعوا إلى ما يَقولُ سَيَدُكُمْ، إنه لَغيُورٌ، وَأنَا أغْيَرُ مِنْه، واللهُ أغْيَرُ مِنَي). وقال ذلك عندما نزل: " والذين يرمون
…
" ثم نزلت آيات اللعان فُسْحَة للأزواج. (انظر حاشية 3،2 ص 177).
(1)
كحد القذف والشرب (انظر حا 2 ص 208، حا 2 ص 210) ومثله القصاص لعموم نصوص الشهادة، مثل قوله تعالى:" واستشهدوا شهيدين من رجالكم " وقوله: "وأشهدوا ذوي عدل منكم " وقوله صلى الله عليه وسلم (شاهداك أو يمينه). مع قول الزهري: مضت السنة بأنه لا يجوز شهادة النساء في الحدود.
(2)
لما رواه أبو داود (2342) وغيره، عن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قال: تَرَاءى النَّاسُ الهِلَالَ، فأخرتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أنَي رأيته، فصامَهُ وأمر النَّاسَ بصيامه.
والحكمة في قبول شاهد واحد في هذا اَلَاحتياط في أمر الصوم، إذ الخطأ في فعل العبادة أقل مفسدة ميت الخطأ في تركها، ولذا لا يقبل في هلال شوال بأقل من شاهدين.
ولا تقبل شهادة الأعمى إلا في خمسة مواضع:
1 -
الموت
2 -
والنسب
3 -
والملك المطلق (1)
4 -
والترجمة (2)
5 -
وما شهد به قبل العمى (3)
6 -
وما شهد به على المضبوط (4)
ولا تقبل شهادة جار لنفسه نفعا ولا دافع عنها ضررا (5).
(1) أي كأن يدعي شخص ملك شيء ولا منازع له فيه، فيشهد الأعمى: أنَّ هذا الشيء مملوك، دون أن ينسبه لمالك معين. وقبلت شهادته في هذه الأمور لأنها مما يثبت بتسامع الناس لها، أي تناقلها بينهم، واستفاضتها فيهم، ولا تفتقر إلى مشاهدة وسماع خاص، لأنها تدوم مدة طويلة، يعسر فيها إقامة البينة على ابتدائها لذهاب من حضرها فيَ غالب الأحيان.
(2)
أي بيان كلام الخصوم والشهود وتوضيحها، لأن ذلك يعتمد على اللفظ لا على الرؤية.
(3)
أي تحمل فيه الشهادة قبل العمى، إن كان المشهود له وعليه معروفي الاسم والنسب.
(4)
أي الممسوك، وذلك كأن يقول أحد في أذن الأعمى قولاً، من إقرار أو طلاق ونحوه، فيمسكه ويذهب به إلى القاضى، ويشهد عليه بما قاله في أذنه.
(5)
مثال الأول: أن يشهد الوارث أن مورثه مات قبل أن يندمل الجرح، فيأخذ الدية. ومثال الثاني: أن تشهد العاقلة في قتل الخطأ بفسق شهود القتل، حتى لا تتحمل الديهّ. والأصل في رد هذه الشهادة التهمة.