المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب عشرة النساء والقسم والنشوز - كفاية النبيه في شرح التنبيه - جـ ١٣

[ابن الرفعة]

الفصل: ‌باب عشرة النساء والقسم والنشوز

‌باب عشرة النساء والقسم والنشوز

المعاشرة، والتعاشر: المخالطة، والعشرة: الاسم منه، والعشير: المخالط.

والقَسم: بفتح القاف، [وسكون السين، مصدر: قسمت الشيء أقسمه قسماً، والقِسم: بكسر القاف]: النصيب، وبفتح القاف والسين معاً: اليمين، والمراد هنا الأول؛ لأن الزوج يقسم الزمن الذي جرت العادة فيه بالسكون إلى الزوجة بين سائر نسائه.

والنشوز، [والنشز: من] الارتفاع، ونشزت المرأة، ونشصت، ونشز الرجل ونشص؛ إذا ارتفع على صاحبه، وخرج عن حسن المعاشرة؛ ذكره الأزهري، وقال: هو مأخوذ من النشز، وهو المرتفع من الأرض، يقال بفتح الشين وإسكانها.

قال: يجب على كل واحد من الزوجين معاشرة صاحبه بالمعروف، وبذل ما يجب عليه من غير مطل ولا إظهار كراهة، أي: بل يؤديه وهو طلق الوجه.

والمطل: مدافعة الحق مع القدرة على التأدية.

والأصل في ذلك قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228]، وأراد تماثلهما في وجوب الأداء، [لا أن] الحقين متماثلان في الكيفية والصفة.

وقال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]، وفسره الشافعي، فقال: وجماع المعروف بين الزوجين: الكف عن المكروه، وإعفاء صاحب الحق عن المؤنة في طلبه، من غير إظهار كراهية في تأديته؛ فإنها مطل، ومطل الغني ظلم.

ولتعلم أن عقد النكاح عقد معاوضة، تملك به المرأة المهر، وتستحق بسببه النفقة والكسوة، وغير ذلك مما يذكر في هذا الباب، وفي "النفقات": وللزوج استباحة البضع على التأبيد واللزوم- ما لم يطرأ عليه قاطع- ولزوم مسكنه، وغير ذلك [مما ذكر] بعضه في كتاب "النفقات"، وبعضه في هذا الباب، وإلى

ص: 330

ذلك وقعت الإشارة بقول الشيخ: "وبذل ما يجب عليه من غير مطل ولا إظهار كراهة".

قال: ولا يجوز أن يجمع بين امرأتين في مسكن واحد؛ لأن اجتماعهن في مسكن واحد مع تأكد الوحشة بينهن يولد كثرة المخاصمة والخروج عن الطاعة، وليس ذلك بالمعاشرة بالمعروف.

ولأن كل واحدة منهما قد استحقت السكنى؛ فلا يلزمها الاشتراك فيها، كما لا يلزمها في كسوة واحدة يتناوبانها، وهذا إذا لم تنفصل المرافق، أما إذا انفصلت المرافق، وكان ذلك يليق بالحال فيجوز؛ لأنه كالمسكنين.

قال: إلا برضاهما؛ لأن الحق لهما، ولا يعدوهما.

قال: ويكره أن يطأ إحداهما بحضرة الأخرى-[أي]: إذا رضيتا بالبيت الواحد- لأنه دناءة، وسوء عشرة.

وأيضاً: فإنها ربما تنكشف، فتظهر عورتها لصاحبتها.

فلو طلب الزوج ذلك، وامتنعت لا يلزمها الإجابة، ولا تصير ناشزة بالامتناع.

قال: وله أن يمنع زوجته من الخروج من منزله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ: أَلَّا تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ"، وادعى الإمام فيه الإجماع؛ وهذا إذا كانت مواصلة بالنفقة، فلو كان الزوج معسراً بالنفقة، فإن لم نثبت لها حق الفسخ، فليس له منعها من الخروج؛ للتكسب، وكذا لو كانت مستغنية عن التكسب على الأصح.

وإن أثبتنا لها حق الفسخ، قال في المهذب: فإذا لم تفسخ، واختارت [المقام]؛ فلها أن تخرج من منزله.

وقال غيره: لها الخروج في مدة الإمهال؛ لتحصيل النفقة، وليس له منعها على الأصح.

فلو كانت تقدر على التكسب في المنزل، أو مستغنية عنه، فهل له منعها؟ فيه وجهان:

ص: 331

والأصح: أنه ليس له [منعها]، نعم عليها أن ترجع بالليل إلى منزل الزوج؛ لأنه وقت الدعة؛ كذا قاله الروياني في "البحر".

وله- أيضاً- أن يمنع أبويها من الدخول إليها، لكن الأولى ألَّا يفعل؛ نص عليه الغزالي وغيره في كتاب النفقات، والحق بالوالد الولد في ذلك.

قال: فإن مات لها قريب، استحب له أن يأذن لها في الخروج؛ لأن منعها يؤدي إلى النفور.

قال: ولا يجب عليه أن يقسم لنسائه- أي: ابتداء؛ لأن المبيت حقه، فجاز له تركه؛ كسكنى الدار المستأجرة.

ولأن في داعية الطبع ما يغني عن إيجابه، نعم: يتسحب له القسم وألا يعطلهن؛ لأن فيه إضراراً بهن، وقد يفضي إلى الجور.

وقال الإمام: ولست أبعد [إطلاق] لفظ كراهة في التعطيل.

وفي الرافعي حكاية وجه: أنه ليس له الإعراض عنهن.

أما إذا أراد أن [يبيت عند واحدة]، وجب عليه القسم.

ولو لم يكن له إلَّا زوجة واحدة، فيستحب [له] أن يبيت عندها؛ لما ذكرناه÷، وأدناه ألا يخلي كل أربع ليال عن ليلة.

قال: فإن أراد القسم، لم يبدأ بواحدة منهن إلا بالقرعة أو بإذن الباقيات؛ لأنه أعدل وأسلم عن الميل المنهي عنه.

وفيه وجه: أن له أن يبدأ بمن شاء [منهن].

وقال في التتمة: إنه مكروه، وإنه لو أراد أن يقدم غير من خرجت عليها القرعة، لم يجز.

وعلى الأول- وهو الأصح-: إذا بدأ بواحدة بالقرعة، وهن أربع، فإذا وفَّى نوبتها، أقرع بين الباقيات، ثم يقرع [بين] الأخريين، فإذا تمت النوبة،

ص: 332

ورغب الزوج في استمرار القسم يراعي الترتيب، ولا حاجة إلى إعادة القرعة.

ولو بدأ بواحدة بغير قرعة، فقد ظلم، ويقرع بين الثلاث الباقيات، فإذا تمت النوبة لا يعود إلى التي بدأ بها ظلماً، بل يقرع، وكأنه ابتداء القسم.

قال: ويقسم للحائض والنفساء والمريضة والرتقاء، وكذا المجنونة التي [لا] يخاف منها، والمحرمة، والتي آلى عنها، أو ظاهر.

قال الغزالي: وكل من بها عذر طبعي أو شرعي؛ لأن هذه المعاني إنما تمنع الوطء، والمقصود من القسم الأنس والسكن، والتحرز عن التخصيص الموحش، وذلك يحصل لهؤلاء.

أما إذا خيف من المجنونة، فلا قسم لها.

وفي التتمة: أن المعتدة عن وطء الشبهة لا قسم لها؛ لأنه لا يجوز له الخلوة [معها]؛ وهذا يقع مستثنى من كلام الغزالي.

فرع: لو كان له امرأتان ببلدين، كان عليه أن يقسم لهما، إما بأن يحضرهما إليه، أو يمشي إليهما.

قال: ويقسم للحرة ليلتين [وللأمة ليلة]- أي: مسلمة كانت أو كتابية- وللأمة ليلة- أي: سواء كان الزوج عبداً أو حرّاً- ويتصور فيما إذا نكح أمة عند وجود شرائطه، ثم نكح حرة، أو كان عبداً، ثم عتق، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لَا تُنْكَحُ الْأَمَةُ عَلَى الْحُرَّةِ، وَلِلْحُرَّةِ ثُلُثَا القَسْمِ"، وهذا الحديث وإن كان مرسلاً فيؤيده ما روي عن علي- كرم الله وجهه- أنه قال:"إِذَا نُكِحَتِ الْحُرَّةُ عَلَى الأَمَةِ، [فَلِهَذِهِ الثُّلُثَانِ، وَلِهَذِهِ الثُّلُثُ"، وهذا إذا استحقت الأَمَةُ النفقةَ؛ إما بأن] يسلمها السيد ليلاً ونهاراً، أو يسلمها ليلاً، وقلنا باستحقاقها النفقة.

أما إذا قلنا بعدم الاستحقاق عند وجود التسليم في الليل خاصة، فلا [قسم لها على ما ذكره القاضي ابن كج، والشيخ أبو حامد، وغيرهما.

قال الرافعي:] وفي نص الشافعي إشارة إليه.

واعلم أن أقل القسم أن يقسم ليلة ليلة، فلا يجوز تبعيض الليلة.

ص: 333

وفيه وجه: أنه يجوز.

وحكى الإمام وجهاً فارقاً بين أن يقسم لكل واحدة بعض ليلة فلا يجوز، وبين أن يقسم ليلة وبعض ليلة فيجوز؛ لحصول الأنس إذا انضم البعض إلى الليلة الكاملة.

والظاهر الأول.

والأولى ألَّا يزيد على ليلة واحدة؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو قسم ليلتين ليلتين، أو ثلاثاً ثلاثاً، جاز.

وفيه وجه: أنه لا تجوز الزيادة على الليلة إلا برضاهن، وهل تجوز الزيادة على الثلاث؟ فيه قولان:

أصحهما: أنه لا يجوز.

والثاني: يجوز إذا رضين.

وإذا قلنا بالجواز فكم يجوز؟ قال صاحب التقريب: يجوز أن يقسم سبعاً [سبعاً]، وقال الشيخ أبو محمد وغيره: يجوز أن يزيد ما لم يبلغ مدة التربص في الإيلاء.

وإذا فهم مجموع ذلك، علم أن قول الشيخ- رضيا لله عنه-:"ويقسم للحرة ليلتين، وللأمة ليلة" للحصر على الصحيح؛ إذ الزيادة على ذلك تفضي إلى الزيادة على الثلاث أو تبعيض الليلة، وذلك لا يجوز على الصحيح، والنقصان [عنه يفضي إلى تبعيض الليلة]، وذلك لا يجوز على الصحيح.

قال: ولا يجب عليه إذا قسم أن يطأ؛ لأنه يتعلق بالنشاط والشهوة، وهي لا تتأتى في كل وقت.

ولأنها غير داخلة تحت القدرة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تُؤَاخِذْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ".

ص: 334

نعم: لو لم يكن قد دخل بهن، فهل يطالب لكل واحدة بوطأة؟ فيه الخلاف السابق.

قال: غير أن المستحب أن يسوي بينهن في ذلك، أي: إذا أمكنه؛ وكذا في سائر الاستمتاعات؛ لأنه أكمل في العدل.

قال: وإن سافرت المرأة بغير إذنه- أي: في حاجتها، أو في حاجته- سقط حقها من القسم؛ لنشوزها؛ كما تسقط نفقتها، وكذلك إذا خرجت إلى دار قومها بغير إذنه، ويستثنى من ذلك ما إذا كانت الزوجة أمة، فسافر بها السيد بعد أن بات عند الحرة ليلتين، فإنه لا يسقط حق الأمة من القسم، بل على الزوج قضاء ما فات عند التمكن؛ لأن الفوات حصل بغير اختيارها؛ كذا حكاه في التتمة.

قال: وإن سافرت بإذنه- أي: في حاجتها- سقط حقها من القسم في أحد القولين، وهو الجديد؛ لأن القسم للأنس، وقد عدم؛ فسقط ما يتعلق به، وإن لم تكن مَاثُومة؛ [كالثمن] لما وجب في مقابلة المبيع، سقط بعدمه وإن كان معذوراً في العدم.

ولا يسقط في الآخر؛ لأنها سافرت بإذنه، فأشبه ما إذا سافرت معه، وما إذا سافرت بإذنه في حاجته، وحكم النفقة حكم القسم.

قال: وإن متنعت من السفر مع الزوج، سقط حقها من القسم؛ لنشوزها.

قال: وإن أراد أن يسافر بامرأة، لم يجز إلا بقرعة؛ لما روت عائشة- رضي الله عنها:"أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا أَرَادَ سَفَراً أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا [خَرَجَ بِهَا] ". وأشار الحناطي إلى خلاف في [أن] ذلك

ص: 335

مخصوص بما إذا كان يقسم لهن أو مطلق، والظاهر الإطلاق.

قال: فإن سافر بواحدة بغير فرعه، قضى؛ لأنه خص بعض نسائه بمدة على وجه تلحقه فيه التهمة؛ فلزمه القضاء؛ كما لو كان حاضراً.

[ثم في المدة الواجب] قضاؤها وجهان:

أظهرهما: أنه يقضي ما بين إنشاء السفر إلى أن يرجع إليهن.

والثاني: أنه يستثني مدة الرجوع؛ لأنه خروج عن المعصية.

وفيه وجه: أنه لا يقضي من وقت العزم على الرجوع، وإن لم ينهض بعد.

والوجهان الأخيران حكاهما الرافعي.

ولا فرق [بين] أن يبيت عندها أو لا يبيت، إلا إذا تركها في بلدة، وفارقها؛ قاله البغوي في فتاويه.

قال الرافعي: ويحتمل أن يقال: لا يقضي إلا ما بات عندها.

ويحتمل أن يقال: يقضي وإن خلفها في بلدة.

قال: وإن سافر بالقرعة- أي: غير سفر النُّقْلة- لم يقض، [أي:] مدة الذهاب والرجوع والمقام في البلد الذي سافر [بها] إليها إذا لم ينو المقام بها مدة تزيد على مدة المسافرين، ولا امتد مقامه، وسواء كان السفر مما تقصر فيه الصلاة أو لا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم سافر بعائشة، ولم ينقل عنه أنه كان إذا عاد يقضي، بل ظهر أنه كان إذا عاد يدور على النوبة.

وحكى أبو الفرج الزاز: أنه روي عن عائشة أنه ما كان يقضي.

ولأن المصاحبة في السفر قد تحملت مشاق بإزاء [ما] حصل لها من مقام الزوج، والمقيمة لم تتحمل مثل ذلك، ولم يوجد من الرجل قصد الميل إليها حتى يصير مفرطاً، فلو أوجبنا القضاء للباقيات، كان حظهن أوفر، وفي ذلك إثبات تفاوت بينهن، [والشرع أمر بالتسوية].

أما إذا وصل إلى مقصده، فعزم على المقام، وأقام مدة، أو أقام أربعة أيام من

ص: 336

غير عزم على الإقامة- قضى مدة مقامه.

ومن أصحابنا من قال: لا يقضي، [وجعله الفوراني المذهب، والآخر وجهاً.

فإن قلنا: يقضي] فلو أقام يوماً واحداً، فظاهر النص: أنه يقضي.

وقال الغزالي: [إنه] لا قضاء عليه؛ لأن هذا تابع للسفر، فلو زادت [مدة] إقامته على يوم واحد، ففي كلام الإمام ما يفهم وجوب القضاء.

قال الرافعي: والأقرب ما أورده صاحب التهذيب.

قال: ولو حمل بعضهن بالقرعة، وزاد مقامه على مقام المسافرين، يجب عليه أن يقضي ما زاد على مقام المسافرين؛ هذا آخر كلامه.

ولو أقام في البلد مدة على تنجيز حاجة، ولم يعزم على الإقامة، ففي [وجوب] القضاء خلاف كما في الترخص.

قال المتولي: فإن قلنا: لا يترخص، قضى ما زاد على مدة المسافرين، وإذا عاد إلى أهله، فهل يقضي مدة العود؟ فيه وجهان:

أشبههما عند الرافعي: أنه لا يقضي.

وفي "التتمة": أنه إن كان مقيماً على عزم السفر، إلا أنه لم ينجز حاجته، فلا يلزمه القضاء، وإن عزم على مقام مدة فوجهان.

قال: وقيل: إن كان إلى مسافة لا تقصر فيها الصلاة، قضى؛ لأنه في حكم الحضر، وليس للمقيم أن [يخص] بعضهن بالصحبة؛ ولأن المشقة فيه لا تعظم؛ وهذا ما أجاب به الغزالي.

والأول أصح عند صاحب التهذيب، والمتولي، وغيرهما، وجعله الغزالي احتمالاً للشيخ أبي محمد.

وعلله في التتمة بأن السفر الطويل والقصير سواء في تعذر القسم بين النساء بسببه؛ فسوينا بينهن في سقوط القضاء.

فرع: إذا سافر بامرأة بقرعة إلى بلد، ثم عنَّ له السفر إلى بلد أبعد منه، لم يلزمه القضاء؛ لأنه سفر واحد، وقد أقرع.

فرع: لو استصحب واحدة بالقرعة، ثم عزم على الإقامة في بلد، وكتب إلى

ص: 337

الباقيات؛ يستحضرهن- ففي وجوب القضاء من وقت ما كتب إليهن وجهان محكيان في التهذيب.

قال: وإن أراد الانتقال من بلد إلى بلد، فسافر بواحدة، وبعث البواقي مع غيره، فقد قيل: يقضي لهن، وهو الأظهر، وبه قال أبو إسحاق؛ لأنه لابد من المسافرة بهن؛ فيكون تخصيص واحدة منهن، بأن تكون معه، كتخصيص واحدة بالمقام عندها في الحضر.

قال: وقيل: لا يقضي إذا كان السفر بالقرعة لغير سفر النقلة.

ولو سافر بواحدة، وأخذ في الرجوع إلى الباقيات، ففي قضاء مدة الرجوع الوجهان السابقان.

فرع: لا يجوز للرجل أن يسافر سفر نقلة، ويخلف نساءه، بل ينقلهن بنفسه، أو بوكيله، أو يطلقهن؛ لما في التخلف من الإضرار.

وفيما علق عن الإمام أن ذلك أدب، وليس بأمر لازم.

قال: ومن وهبت حقها من القسم لبعض ضرائرها برضا الزوج، جاز.

الضرة: امرأة زوجها؛ لأنها تتضرر بها، [و] قيل: من المضارة؛ لأنهما يتضاران.

وإنما صحت هذه الهبة؛ لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "هَمَّ بِطَلَاقِ سَوْدَةَ؛ فَقَالَتْ: لا تُطَلِّقْنِي، وَدَعْنِي حَتَّى يَحْشُرَنِي اللهُ فِي نِسَائِكَ، وَقَدْ وَهَبْتُ يَوْمِي وَلَيْلَتِي لِعَائِشَةَ"، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت ليلتها عند عائشة؛ وهذا مما اتفق عليه العلماء.

وفي النهاية أنه صلى الله عليه سولم طلق سودة، فقالت: راجعني؛ وقد وهبت ليلتي لعائشة؛ فراجعها.

ولا يشترط في هذه الهبة رضا الموهوب لها وقبولها، بل يكفي قبول الزوج،

ص: 338

فلو أبت، كان للزوج أن يبيت عندها رغماً.

وحكى الحناطي وجهاً في اشتراط رضاها، وهو ما جزم به في التتمة.

ولا يجوز للزوج [أن يجعل الليلة] لغير الموهوب لها، ويقول: أنت أسقطت حقك، فأنا أصرف الليلة إلى من شئت؛ لأن هذه هبة بشرط؛ فيجب فيه الإتباع، وكذلك فعلت سودة.

فإن قيل: هذه الهبة ليست هبة على الحقيقة، وإنما هي إسقاط حق لها على الزوج، تركته لمعينة؛ فكان يتجه ألَّا يختص بها، ويكون لجميع الزوجات؛ كما لو أسقط أحد الشركاء شفعته وجعلها لشريك آخر؛ فإنها تسقط، وتثبت لجميع الشركاء؛ هكذا أورده مجلي.

قلت: وحديث سودة واقعة حال يتطرق إليها احتمال: أن بقية أزواجه صلى الله عليه وسلم رضين بذلك، فيسقط الاستدلال [به.

وأجيب: بأن ضرر الشفعة لا يتبعض؛ فلذلك ثبت حق الأخذ] [للباقين]، وهنا كل واحدة منهن متميزة عن الأخرى؛ فصح التخصيص بها؛ إذ لا ضرر على الباقيات؛ وهذا كما نقول في المتحجر إذا نقل ما تحجره إلى غيره: كان أحق به ممن سواه؛ لما ذكرناه من عدم الضرر، بخلاف الشفعة.

أما إذا لم يرض الزوج، وأراد أن يبيت عند الواهبة، فله ذلك؛ لأنها لا تملك إسقاط حق مُسْتَمْتَعِهِ.

ولا فرق بين أن تكون الواهبة حرة، أو أمة، أذن لها السيد، أو لم يأذن؛ لأن الحق لها دون السيد.

وإذا تمت الهبة فإن كانت ليلة الواهبة تلي ليلة الموهوبة، بات عندها ليلتين متواليتين، وإن لم تكن تليها، فوجهان:

أحدهما: أنه يضم ليلة الواهبة إلى ليلة الموهوب لها، ولا يفرق بينهما؛ لأنه أسهل عليه، والمقدار لا يختلف.

قال الرافعي: وقياس هذا: أنه إذا كانت ليلة [الواهبة] أسبق، وبات فيها عند

ص: 339

الموهوبة، يجوز أن يقدم ليلتها، ويبيت عندها الليلة الثانية أيضاً.

وأصحهما- وهو المذكور في التهذيب-: أنه يبيت عند الموهوبة الليلة التي كانت للواهبة.

قلت: وهذا إنما يتجه إذا كانت نوبة الواهبة متأخرة، أما إذا كانت متقدمة، وأراد أن يؤخرها؛ ليجمع بين الليلتين؛ فيتجه القطع بالجواز، وإليه يرشد ما علل به صاحب الشامل والتتمة؛ حيث قالا في الرد على صاحب الوجه الأول: لأن ذلك يتضمن تأخير حق غيرها.

قال: وإن وهبت للزوج، جعله لمن شاء منهن؛ لأنها جعلت الحق له؛ فيجعله لمن شاء، فإذا جعله لواحدة؛ نظر: هل كانت ليلتها تلي ليلة الواهبة [أم لا تليها]؟، ويكون الحكم كما تقدم.

وقيل: ليس له التخصيص، وهو ما أجاب به أبو الحسن العبادي، وبه قطع الصيدلاني جوابه؛ نقلاً عن القفال؛ لما في ذلك من إظهار الميل المورث للوحشة، والحقد؛ فيجعل الواهبة كالمعدومة، ويسوي بين الباقيات، فإن كن أربعاً، فوهبت واحدة حقهامنه- قسم بين الثلاث، وأخرجت الواهبة عن الاعتبار.

وفي التتمة على هذا الوجه: أنه يقسم الليلة عليهن، فيبيت عند كل واحدة منهن ساعة، أو لا يبيت عند واحدة [منهن] أصلاً، أو يختص بها في كل دور واحدة منهن.

وأشار الإمام والغزالي إلى أن محل الخلاف فيما إذا قالت: وهبت [منك؛ فخصص من شئت، وأن الظاهر أنه ليس له التخصيص.

أما إذا قالت: وهبت منك] مطلقاً، فقد صارت كالمعدومة؛ فيسوي بين الباقيات.

قال: فإن رجعت في الهبة؛ عادت إلى الدور من يوم الرجوع- أي: إذا علم الزوج برجوعها- ولا ترجع فيما مضى؛ لأن ما مضى قد اتصل به القبض، وما يتجدد لم يتصل به القبض.

أما إذا لم يعلم الزوج بالرجوع، ومضت نوبٌ، فلا تستحق قضاء ما فات

ص: 340

من نوبها قبل العلم؛ كما لو أباح إنسان ثمار بستانه لإنسان، ثم رجع، فما أتلفه بعد الرجوع، وقبل العلم، لا ضمان عليه فيه؛ فكذلك ها هنا.

وقال الشيخ أبو محمد: يخرج على القولين في عزل الوكيل قبل أن يبلغه العزل.

قال الإمام: واشتراط ظهور الخبر أغوص وأفقه.

واعلم: أن المراد من قول الشيخ: "يوم الرجوع"، أي: وقت الرجوع، ليلاً كان أو نهاراً.

قال: وعماد القسم الليل لمن معيشته بالنهار؛ لقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً} [النبأ: 10] قيل في تفسيرها: الإيواء إلى المساكن، ويكون النهار تابعاً لليل؛ لأن سودة وهبت يومها لعائشة، واليوم اسم للنهار، ويتبع الليلة الماضية، فإن جعل النهار مضافاً إلى الليل الذي يتعقبه، جاز.

وأما من معيشته بالليل: كالأَتُونِيِّ والحارس، فإن عماد القسم في حقه النهار، ويكون الليل تابعاً له؛ لأن نهار كَليْل غيره. وهذا كله في المقيم.

أما المسافر الذي معه زوجاته: فعماد القسم في حقه وقت النزول ليلاً كان أو نهاراً، قليلاً كان أو كثيراً؛ لأن الخلوة حينئذ تتأتى؛ قاله في التهذيب.

فرع: لو كان الرجل يعمل تارة بالليل، ويستريح بالنهار، ويعمل أخرى بالنهار، ويستريح بالليل، فقد حكى الحناطي فيه وجهين في أنه هل يجوز أن يبدل الليل بالنهار؛ بأن يكون لواحدة ليلة تابعة ونهار متبوع، ولأخرى ليلة متبوعة ونهار تابع؟

قال: فإن دخل بالنهار- أي: من عمادُ القسمِ في حقه الليلُ- إلى غير المقسوم لها؛ لحاجة- جاز؛ لما روى عن عائشة- رضي الله عنها أنها قالت: "مَا كَانَ يَوْمٌ أَوْ أَقَلُّ إِلَّا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعاً، فَيُقَبِّلُ وَيَلْمِسُ، فَإِذَا جَاءَ إِلَى الَّتِي هِيَ نَوْبَتُهَا أَقَامَ عِنْدَهَا".

ص: 341

والحاجة مثل الزيارة، وتعهد الخبر، وتسليم النفقة، ووضع المتاع وأخذه.

وينبغي ألَّا يطيل المقام، ولا يعتاد الدخول على واحدة في نوبة الأخريات؛ هكذا حكاه الرافعي، ومقتضاه: أنه إذا فعله لا إثم عليه فيه، ولا قضاء.

وفي المهذب: أنه يجب [عليه] القضاء إذا أطال؛ لأنه يزيل الإيواء المقصود.

وفي الذخائر: أن من أصحابنا من قال: حكم النهار حمك الليل؛ فلا يجوز الدخول إلا لضرورة؛ لأنها استحقته بالقسم.

والأول هو الظاهر من لفظ الشافعي؛ للحديث.

ولا يجوز في أوقات الدخول للحاجة أن يجامع، وفي سائر الاستمتاع وجهان:

أظهرهما- وهو ما جزم به في المهذب-: أنه يجوز؛ للحديث.

وفي كتاب ابن كج وجه: أنه يجوز الجماع أيضاً.

والمذهب الأول.

فلو وطئ، فهل يجب عليه القضاء؟ فيه وجهان:

أحدهما: [أنه] يجب عليه أن يخرج في نهار الموطوءة، ويطأها؛ [لأنه العدل].

قال: وإن دخل لغير حاجة، لم يجز؛ لما فيه من إبطال حق صاحبة القسم من غير حاجة.

وفي الذخائر: أن من أصحابنا من قال: إنه يجوز، والحرج مرفوع، إلا أنه لا يطيل القعود، واستدل بحديث عائشة.

قال: فإن خالف، وأقام عندها يوماً، أو بعض يوم، لزمه قضاؤه للمقسوم لها؛ لأنه ترك الإيواء المقصود.

وقيل: لا يقضي؛ لأن النهار تابع.

قال: وإن دخل بالليل، لم يجز إلا لضرورة؛ لأن ذلك هو حق صاحبة القسم.

ومن الأصحاب من جوز الدخول [للحاجة]، والظاهر الأول.

والضرورة مثل أن تكون منزولاً بها؛ فتحتاج إلى أن يحضرها، أو توصي إليه، أو تموت فتحتاج [إلى تجهيزها]؛ كذا حكاه ابن الصباغ.

ص: 342

ومثَّل الشيخ أبو حامد [الضرورة] بالمرض الشديد، ويقرب منه ما نقله الغزالي في "الوجيز" أنه لا يدخل على الضرة إلا لمرض مخوف.

وقال في "الوسيط": "أما المرض الذي يمكن أن يكون مخوفاً، فيدخل؛ ليتبين الحال".

وفي وجه: لا يدخل إلا إذا تحقق أنه مخوف.

وفي ابن يونس: "أن الضرورة: كما إذا أكرهه السلطان، أو مرض، وخاف أن يموت بغير وصية". وكل ذلك متقارب.

قال: فإن دخل- أي: لغير ضرورة- وأطال، قضى؛ لما بيناه.

وهل يقضي إذا كان الدخول طويلاً؛ لضرورة؟ فيه وجهان:

المذكور منهما في المهذب والشامل والتتمة: [وجوب] القضاء من نوبة المدخول إليها.

أما إذا لم يطل، فلا قضاء؛ لأنه لا فائدة لصاحبة القسم في دخوله الزمان اليسير، لكنه يعصي.

وقدر القاضي الحسين تقدير القدر المقضي بثلث الليل، والصحيح أنه لا يتقدر.

قال: وإن دخل، وجامعها، وخرج- أي: في لحظة يسيرة- فقد قيل: لا يقضي؛ لأن الوطء غير مستحق، وقدره من الزمان لا يضبط؛ فسقط، وإن ضبط فيسير.

قال: وقيل: يقضي بليلة؛ لأن الجماع معظم المقصود، وقد أفسده؛ لأنه يلحقه بعده فتور؛ فلم يكمل السكن والاستمتاع المقصود [بالقسم].

قال: وقيل: يقضي، بأن يدخل في نوبة الموطوءة فيجامع كما جامعها؛ تسوية بينهما.

فرع: إذا مرضت واحدة من النسوة، أو ضربها الطلق، فإن كان لها متعهد لم يبت عندها إلا في نوبتها، ويراعى القسم، وإن لم يكن لها متعهد، فله أن يبيت عندها، ويمرضها، وله أن يديم البيتوتة عندها [ليالي]، بحسب الحاجة،

ص: 343

ثم يقضي للباقيات إن برأت، وإن ماتت، تعذر القضاء، وفي القضاء لا يبيت عند كل واحدة من الأخريات جميع تلك الليالي ولاء، بل لا يزيد على ثلاث ليال؛ وهكذا يدور حتى يتم القضاء؛ كذا نقله صاحب التهذيب.

وفي الذخائر حكاية وجه: أنه لا قضاء؛ لأنها إقامة بعذر؛ فهي كالسفر، وأنه إذا كان المرض مخوفاً، [ووجدت ممرضاً، أو غير مخوف] ولم تجد ممرضاً، فهل يجوز الخروج إليها بسبب ذلك؟ فيه وجهان.

وقد تقدم الكلام في [زمن القسم] أما مكانه، فإن لم ينفرد الزوج بمسكن واحد، ودار عليهن [في مساكنهن] فذاك، وإن انفرد بمسكن، فيتخير بين المضي وبين أن يدعوهن إلى مسكنه في بيوتهن، وعليهن الإجابة، فمن امتنعت منهن فهي ناشزة، والأول أولى؛ كي لا يحوجهن إلى الخروج.

وهل له أن يدعو بعضهن إلى مسكنه، ويمضي إلى مسكن بعضهن؟ فيه وجهان، وقيل: قولان:

أحدهما: [نعم، وبه أجاب] الشيخ أبو حامد وغيره من العراقيين.

وأقواهما- وبه أجاب في التهذيب، وأبو الفرج-: المنع؛ لما فيه من التخصيص والتفضيل.

ثم الوجهان فيما إذا لم يكن للتخصيص عذر، فإن كان؛ كما إذا كان مسكن إحداهما أقرب إليه؛ [فيمضي إليها] ويدعو الأخرى؛ ليخفف عن نفسه مؤنة السير، فعليها الإجابة؛ وكذا لو كانت تحته عجوز وشابة، فخص بيت الشابة؛ لكراهة خروجها، ودعا العجوز- يلزمها [الإجابة، وإن أبت، بطل حقها.

ولو أقام عند واحدة، ودعا الباقيات إلى بيتها، لم يلزمهن الإجابة].

وأما من يستحق عليه القسم، فهو كل زوج عاقل، مراهقاً [كان] أو بالغاً، رشيداً كان أو سفيهاً، فإن وقع جور من المراهق أو السفيه، فالإثم في المراهق على الولي، وفي السفيه عليه.

ص: 344

وأما المجنون، فإن كان لا يؤمن منه، فلا قسم، وإن أمن منه، فإن كان قد قسم لبعض نسائه، ثم جن، فعلى الولي أن يطوف به على الباقيات.

قال في "التتمة": وذلك [إذا] طلبن، فإن أردن التأخير إلى أن يفيق، فلهن ذلك.

وإن لم يكن عليه شيءمن القسم؛ بأن كان مُعْرِضاً عنهن، أو جُنَّ بعد النوبة، فإن رُئي منه الميل إلى النساء، أو قال أهل الخبرة: إن غشيان النساء ينفعه؛ [فعلى الولي] أني طوف [به عليهن، أو يدعوهن إلى منزله]، أو يطوف على بعضهن، ويدعو [بعضهن] كما يرى.

وإن لم ير منه ميلاً؛ فليس عليه أن يطوف [به].

وفي "الإبانة" وجه: أن حق القسم يبطل بالجنون؛ هذا كله في المجنون المطبق.

فإن كان يجن ويفيق؛ فإن انضبط، فَيُسرَّح أيام الجنون، ويقسم في أيام الإفاقة.

ولو أقام في مدة الجنون عند واحدة، فلا قضاء، ولا اعتداد به؛ هكذا ذكره في التهذيب.

وحكى أبو الفرج وجهاً: أنه إن أقام في الجنون عند بعضهن، قضى للباقيات.

وفي التتمة: أنه يراعى القسم في أيام الإفاقة، والولي يراعيه في أيام الجنون، ويكون لكل واحدة نوبة من هذه، ونوبة من هذه، فإن لم ينضبط وقسم الولي لواحدة في الجنون، وأفاق في نوبة الأخرى، قال الإمام والغزاليك يقضي ما جرى في الجنون؛ لما كان فيه من النقصان.

قال الإمام: ويجوز أن يقال: إن لم ترض بإقامته عندها، وانتظرت الإفاقة، فلها ذلك، وإن أقامت عنده فهو بمثابة الرضا بالعيب.

قال: وإن تزوج امرأة، وعنده امرأتان قد قسم لهما، قطع الدور للجديدة؛ إذ لا يمكن تخصيص القديمتين بالمعاشرة، فإن كانت بكراً أقام عندها سبعاً، ولا يقضي؛ لما روي عن أنس أنه قال: "مِنَ السُّنَّةِ: أَنْ يَقْسِمَ عِنْدَ الْبِكْرِ، إِذَا تَزَوَّجَهَا

ص: 345

عَلَى الثَّيِّبِ سَبْعاً، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَرْفَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، لَرَفَعْتُهُ".

وفي "التتمة": أنه مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: وإن كانت ثيباً، فهو بالخيار بين أن يقيم عندها سبعاً [ويقضي، وبين أن يقيم عندها ثلاثاً] ولا يقضي؛ لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأم سلمة: "إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ، وسَبَّعْتُ عِنْدَهُنَّ، وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ عِنْدَكِ، وَدُرْتُ [عَلَيْهِنَّ] ".

ولا فرق في ذلك بين الحرة والأمة، وفي الأمة وجه إذا نكحها العبد على حرة: أنها تستحق شطر القسم، ويكمل الكسر.

وقيل: لا يكمل، وهو المذكور في "التهذيب"، و"النهاية".

والاعتبار بحالة الزفاف، حتى لو عتقت قبل الزفاف، وبعد العقد، فلها حق الحرائر، وإن عتقت بعد الزفاف، فحق الإماء.

وفي "التهذيب": أنه يحتمل أنه يقال: إذا عتقت في المدة، فلها حق الحرائر.

وهل إقامة الزوج السبع عند البكر، والثلاث عند الثيب واجب؟ حكى الحناطي فيه قولين، [الموفاق] لإيراد الجمهور منهما: الوجوب.

ويوالي بين الثلاث أو السبع؛ لأن المقصود بذلك الإلف والأنس وزوال الحشمة، وذلك لا يحصل عند التفريق.

فلو فرق؛ ففي الاحتساب به وجهان، والظاهر من كلام الأكثرين المنع؛ فيوفيها حقها على التوالي، ويقضي ما فرق للأخريات.

ولو خرج بعذر، أو أُخْرِجَ، فيقضي عند التمكُّن.

ولا فرق بين أن تكون ثيابة الجديدة بالنكاح أو [بالزنى أو بالشبهة]، ولو حصلت بمرض، فعلى الوجهين في اشتراط استنطاقها؛ كذا قاله الرافعي،

ص: 346

ومقتضاه: أن التي ثابت بالزنى، يكون حكمها حكم البكر على الصحيح، كما تقدم في الاستنطاق.

وإذا أقام عند الثيب سبعاً؛ ففيما يقضيه وجهان، في "المهذب":

أحدهما: السبع؛ للحديث.

والثاني: ما زاد على الثلاث.

وفي الوسيط وغيره: أنه إن أقام باختياره من غير سؤالها، فلا خلاف أنه لا يبطل حقها من الثلاث، وإن كان بسؤالها؛ قضى السبع، وعليه يدل حديث أم سلمة.

ولو التمست منه إقامة ما فوق الثلاث، ودون السبع، لم يقض إلا ما زاد على الثلاث؛ لأنها لم تطمع في الحق المشروع لغيرها، وهو المعلل به وجوب قضاء السبع مع الحديث.

وقال الغزالي: يحتمل أن يقضي، وليس ببعيد عندي أن يكون قضاء السبع معللاً بحسم باب التحكم والاقتراح عليه، وحكم البكر إذا طلبت زيادة على السبع كذلك.

فرعان:

أحدهما: إذا كان قد قسم لإحدى القديمتين يوماً، ثم دخل بالجديدة، قضاها حقها، ويقسم للتي لم يقضها حقها ليلة: نصفها من حق الضرة القديمة، والنصف من حق الجديدة، فيقضي للجديدة نصف ليلة، ثم بعد ذلك يستأنف القسم بينهن على السوية؛ قاله ابن الصباغ والمتولي.

ص: 347

الثاني: إذا كان له ثلاث نسوة، فطلق واحدة منهن، ثم راجعها؛ فلا حق لها إن كان قد قضاها حق العقد، وإلا فيقضيه، أو ما بقي منه، وإن جدد نكاحها بعد البينونة؛ فهل يجب لها حق العقد؟ فيه قولان، أو وجهان؛ أصحهما: أنه يجب.

ويجري الخلاف فيما لو أعتق مستولدته، أو أمته التي هي فراشه، ثم نكحها.

ولا خلاف في أنه لو أبانها [قبل أن يوفيها حقها، ثم جدد نكاحها، يلزمه التوفية.

ولو أقام عند البكر ثلاثاً وافتضَّها، ثم أبانها] ثم جدد نكاحها، فإن قلنا: يتجدد حق الزفاف، فيبيت عندها [ثلاث ليال؛ فإنه حق الزفاف.

وإن قلنا: لا يتجدد حق الزفاف، فيبيت عندها] أربعاً؛ لأنها بقيت من [حق] العقد [الأول].

قال: ويجوز أن يخرج بالنهار، لقضاء الحاجات، وقضاء الحقوق؛ للحاجة إلى ذلك، ولأن العماد في القسم المستدام الليل دون النهار، فكذلك في القسم المشروع للجديدة، ويكون النهار تبعاً لليل.

قال: وإن تزوج امرأتين، وزفتا إليه في مكان واحد؛ أقرع بينهما لحق العقد.

الزفاف، والزفيف: حمل العروس إلى زوجها، يقال: زف العروس يزفها- بضم الزاي- زفافاً، وزفّاً، وأزفها، وازدفها: بمعنى واحد.

وإنما أقرع بينهما؛ لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى؛ فرجح بالقرعة، فإذا خرجت [القرعة] لإحداهما قدمها بجميع السبع، أو الثلاث، وحكى القاضي ابن كج [وجهاً]: أنه يقدمها بليلة، ثم يبيت عند الأخرى ليلة، وهكذا يفعل إلى تمام المدة.

وفي الجيلي حكاية عن البحر: أن هذا إذا تزوجهما بعقد واحد، أما إذا تقدم عقد إحداهما، قدمها في القسم، وادعى أنه الأصح؛ لأن العقد سبب الاستحقاق، وقد تقدم.

قلت: ويتجه مع أتحاد العقد والزفاف أن يقدم واحدة بغير قرعة؛ كما تقدم ذكره في ابتداء القسم.

واعلم أن لفظة زمان واحد أولى من مكان واحد؛ إذ [به الاعتبار].

ص: 348

فرع: لو نكح امرأتين، وليس عنده امرأة أخرى؛ ففي ثبوت حق الزفاف وجهان:

أظهرهما: أنه يثبت.

والثاني: أنهما إن كانتا بكرين أو ثيبين؛ لم يثبت، فإن أراد أن يبيت عند واحدة منهما، فعليه التسوية.

[وإن كانت إحداهما بكراً، والأخرى ثيباً؛ فيخص البكر بأربع ليال، ثم يسوي].

قال: فإن أراد سفراً- أي: قبل القسم- فأقرع بينهن، فخرج السهم لإحدى الجديدتين، سافر بها؛ لما تقدم. ويدخل حق العقد في قسم السفر؛ لأن المقصود بزيادة المقام مع الجديدة زوال الحشمة، وحصول الأنس، وقد حصل ذلك في السفر.

وفي الجيلي حكاية وجه: أنه إذا حضر يقضي لها حقها، ومقتضاه: أنه لا يدخل في قسم السفر.

قال: فإن رجع قضى حق العقد للأخرى، ويحكي ذلك عن أبي إسحاق وابن أبي هريرة، وهو الأظهر؛ لأنه حق ثبت قبل المسافرة؛ فلا يسقط بالسفر؛ كما لو قسم لبعض نسائه دون بعض، وسافر؛ فإنه يقضي بعد الرجوع لمن لم يقسم لها.

قال: وقيلك لا يقضي، ويحكى عن ابن سريج؛ كما لو سافر بإحدى القديمتين لا يقضي للأخرى.

ولأن حق الجديدة يتعلق بأول الزفاف، وقد مضى؛ كذا ذكره الرافعي؛ وهذه العلة موجودة في المسألة الأولى، ولم يخالف ابن سريج فيها.

فرعان:

أحدهما: لو كانتا بكرين، فرجع بعد ثلاثة أيام، قال القاضي ابن كج: على الوجه الأول يتم لها السبع، [ثم يوفي للأخرى سبعاً.

وعلى المنسوب لابن سريج: يتم لها السبع] ويبيت عند الأخرى أربعاً، ويبطل ما جرى في السفر.

ص: 349

الثاني: لو خرج السهم لإحدى القديمتين، وسافر بها؛ وفَّى عند الرجوع حق الجديتين، نص عليه.

قال الرافعي: ويجيء فيه الوجه الآخر.

قال: وإن كان له امرأتان، فقسم لإحداهما، ثم طلق الأخرى- أي: طلاقاً بائناً- قبل أن يقضي لها- أثم- لمنعه حقها.

قلت: ويتجه هذا أن يكون فيما إذا طلقها بغير سؤالها، أما إذا كان الطلاق بسؤالها، فيتجه ألَّا يحكم بالإثم، كما قيل في الطلاق في زمن الحيض على رأي.

قال: وإن تزوجها- أي: وتلك في نكاحه- لزمه أن يقضي لها حقها؛ لتمكنه من إيفائه كما لو كان الطلاق رجعيّاً.

وقيل: لا يلزمه القضاء؛ لأن سبب الاستحقاق قد زال.

أما إذا لم تكن تلك في نكاحه؛ فقد تعذر القضاء؛ لأنه إنما يكون من نوبة التي ظلم بسببها.

ولو لم يفارق المظلومة، وفارق التي ظلم بسببها، ثم عادت إلى نكاحه، أو فارقهما، ثم عادتا إلى نكاحه- اشتغل بالقضاء.

ويجيء في عودهما بالنكاح الجديد الخلاف السابق.

فرع: لو فارق [المظلوم بسببها، وأبقى المظلومة فردة، قال الغزالي: يتجه أن يقضي لها الليالي] التي ظلمها بهن، وإن كنا لا نوجب الإقامة عند الفردة؛ لأنه حق استقر لها؛ فلا يسقط ببينونة غيرها.

قال: ولم أر المسألة مسطورة.

قال: ومن ملك إماء، لم يلزمه أن يقسم لهن- أي: ابتداء- وإذا وطئ واحدة منهن، لا يلزمه القسم للباقيات.

أما في الأولى؛ فلأنه إذا لم يجب للزوجات، ولهن حق [في مستمتع الزوج؛ بدليل الإيلاء، وثبوت الخيار بالجب والعنة؛ فَلِئَلَّا يثبت للإماء، ولا حق لهن] في مستمتعه؛ كان أولى.

وأما في الثانية؛ فلقوله تعالى [: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} فأشعر ذلك بأنه لا يجب العدل في ملك اليمين.

ص: 350

قال: والمستحب ألا يعطلهن؛ [حذراً من وقوعهن] في الفجور، وأني سوي بينهن؛ حذراً من إيغار صدورهن.

وحكم المستولدة حكم الأمة.

فرع: لو كان تحته زوجات وإماء، وأقام عند الإماء؛ لم يلزمه [القضاء] للزوجات، وهل له أن يسافر بواحدة من الإماء- والصور هذه- من غير قرعة؟ فيه وجهان، حكاهما الحناطي، ونسب المنع إلى ابن أبي هريرة، والجواز إلى أبي إسحاق، وهو قياس أصل القسم.

قال: وإذا ظهر [له] من المرأة أمارات النشوز: إما بالقول، مثل: أن كانت عادتها إذا دعاها إلى فراشه إجابته بالتلبية، ثم صارت لا تلبيه، أو تجيبه بالكلام الخشن والقبيح بعدما عهد منها خلاف ذلك.

وإما بالفعل، مثل أن يجد منها إعراضاً، وكراهة، وعبوسة بعدما عهد التلطف [و] طلاقة الوجه.

قال: وعظها بالكلام، مثل: أن يقول لها: ما الذي منعك عما ألفته منك؟ اتق الله؛ فإن حقي واجب عليك، وطاعتي عليك فرض، فاحذري العقوبة. ويبين لها أن النشوز يسقط النفقة، والكسوة، والقسم، والمسكن؛ لقوله تعالى:[{وَاللَاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ} [النساء: 34] ولا يهجرها، ولا يضربها؛ لجواز ألَّا يكون نشوزاً، فلعلها تبدي عذراً، أو تتوب، وحَسَنٌ أن يبرها، ويستميل قلبها ما تيسر له.

قال: وإن ظهر منها النشوز، مثل: أن دعاها إلى الفراش فامتنعت عليه؛ بحيث يحتاج في ردها إلى الطاعة إلى تعب، لا امتناع دلال، أو خرجت

ص: 351

من منزله، أو ما جانس ذلك، وليس من النشوز الشتم، وبذاءة اللسان، لكنها تستحق التأديب، وهل يؤدبها [الزوج] أو يرفع الأمر إلى القاضي؟ فيه خلاف، [والذي أورده صاحب "الكافي" في باب "حد الخمر" أن للزوج ذلك عند عضل شيء واجب عليها].

قال: وتكرر منها- هجرَها في الفراش دون الكلام، وضربها ضرباً غير مبرح؛ أي: غير شاق وشديد الألم؛ لقوله تعالى: {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} [النساء: 34]، وفي عدد الضرب وجهان:

أحدهما: دون الأربعين.

والثاني: دون العشرين.

وهل هجرانها في الكلام محرم، أو مكروه؟ فيه وجهان منقولان فيما علق عن الإمام، قال: والذي عندي: أنه لا يحرم الامتناع من الكلام أبداً، نعم: إذا كلم فعليه أن يجيب، وهو بمثابة ابتداء السلام، والجواب عنه.

وفي الذخائر: أن المذهب: أنه لا يجوز.

ومحل الخلاف فيما فوق الثلاث، أما الثلاث فما دونها فلا يحرم قولاً واحداً.

قال: وإن ظهر ذلك مرة واحدة؛ ففيه قولان:

أحدهما: يهجرها، ولا يضربها، وهو نصه في الأم، ورجحه الشيخ أبو حامد والمحاملي؛ لأن جنايتها لم تتأكد؛ وقد يكون ما جرى لعارض قريب الزوال؛ فلا يحتاج إلى التأديب بالإيلام؛ فعلى هذا يصير معنى الآية: فعظوهن إن رأيتم أمارات النشوز، واهجروهن إن امتنعن، واضربوهن إن أصررن، وتكون صيغة الخطاب- وإن كان ظاهره التخيير- مرتباً على اختلاف الأحوال، [كقوله عز وجل: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ

} الآية [المائدة: 33]، والعقوبات فيها ترتيب على اختلاف الأحوال].

قال: والثاني: يهجرها، ويضربها، وهو الأصح عند الشيخ في المهذب، وابن الصباغ؛ لحصول النشوز؛ كما لو أصرَّت عليه، ومن قال بهذا القول قال: الخوف في الآية بمعنى العلم؛ كقوله تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً} [البقرة: 82]، فإذا علم النشوز، حل له الوعظ، والمهاجرة، والضرب جميعاً؛ فأوَّل

ص: 352

الخوف، واستغنى عن الامتحان؛ هذه هي الطريقة المقيدة في المراتب الثلاث، وعليها الاعتماد.

ونقل ابن كج: أنه إن ظهر النشوز؛ فللزوج الوعظ والهجران، يجمع بينهما ويفرق بحسب اجتهاده، فإن خاف النشوز، فقولان:

أحدهما: أن الجواب كذلك.

والثاني: أنه لا يزيد على الوعظ.

ونقل الحناطي نحواً منه في حالة الخوف، وفي حالة النشوز ثلاثة أقوال:

أحدها: أن له الجمع بين الوعظ والهجران والضرب.

والثاني: يتخير بينها ولا يجمع.

والثالث: [أن] الأمر على الترتيب؛ فيعظ أولاً، فإن لم تتعظ هجرها، فإن لم تنزجر ضربها.

وفي الذخائر حكاية عن الحاوي: أنه إذا خاف النشوز وعظها، وهل له أن يهجرها؟ فيه وجهان.

وإن ظهر منها النشوز، فله وعظها وهجرها، وهل له ضربها؟ فيه قولان.

فإن أقامت على النشوز، فله وعظها وهجرها وضربها.

وحكى الغزالي الخلاف في الجمع والترتيب عند حصول النشوز.

فرع: قال في الذخائر: قال بعض أصحابنا: وإنما يجوز الأدب إذا علم أن الضرب يصلحها، أو ظنه، فإن [علم من] عادتها إصرارها مع الضرب المبرح المخوف؛ فلا يجوز له الإقدام على الضرب.

قلت: هذا ما حكاه الإمام عن المحققين عند الكلام في التقريرات؛ حيث قال: قالوا: إذا كان التأديب لا يحصل إلا بالضرب المبرح؛ فلا يجوز الضرب الذي لا يبرح أيضاً؛ فإنه عرى عن الفائدة.

قال: وإن منع الزوج حقها، أسكنها الحاكم إلى جنب ثقة، ينظر إليها، ويلزم- أي: الحاكم- الزوج الخروج من حقها؛ [لأنه لما لم يكن للمرأة سلطان على الزوج وإجباره على الخروج من حقها]؛ لضعفها، شرع ذلك؛ طريقاً للخلاص، بخلاف نشوزها؛ فإن الشرع أثبت للزوج إجبارها على إيفائها حقه؛ لقوته.

ص: 353

ولو كان الزوج سيِّء الخلق عليها، ويضربها بلا سبب؛ ففي التتمة: أن الحاكم ينهاه، فإن عاد عزَّره.

وفي الشامل وغيره: أنه يسكنها إلى جنب ثقة يطلع على حالهما، ويمنعه من التعدي.

وفي الوسيط: أنه لا سبيل إلى الحيلولة حتى يعود إلى حسن المعاشرة، ولا يعول في ذلك على قوله، وإنما يعول على قولها، وعلى قرائن أحواله، وشهادات تدل عليه.

ولو كان الزوج لا يمنعها شيئاً من حقها، ولا يؤذيها بضرب ونحوه، ولكنه يكره صحبتها؛ لمرض أو كبر، ولا يدعوها إلى فراشه، أو يهم بطلاقها- فلا شيء لها، وحسن أن تسترضيه بترك بعض حقها من القسم والنفقة؛ كما فعلت سودة؛ لقوله تعالى:{وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً .....} [النساء: 128].

قال: وإن ادعى كل واحد منهما على صاحبه الظلم والعدوان، أسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة؛ ينظر في أمرهما، ويمنع الظالم منهما [من] الظلم، أي: ينظر الثقة إليهما، ويعرِّفُ الحاكم، ثم الحاكم يمنع الظالم.

قال: فإن بلغا إلى الشتم والضرب، بعث الحاكم حرين عدلين، والأولى أن يكونا من أهلهما؛ [لينظرا] لأنهما أعلم ببواطن أمورهما، ويفعلا ما فيه المصلحة من الإصلاح أو التفريق؛ لقوله تعالى:{فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا ....} [النساء: 35].

وهل يكون بعث الحكمين واجباً؟

لفظ صاحب التهذيب: أن على الحاكم أن يبعث حكمين، وهو يشعر بالوجوب.

وقال الروياني في الحلية: إنه يستحب للحاكم أن يبعث الحكمين.

ص: 354

وإنما لم تشترط القرابة وإن كان ظاهر الآية يدل عليها؛ لأنها لا تشترط في الحاكم ولا في الوكيل.

وفيما علق عن الإمام: أنه يشترط أن يكون المبعوثان من أهلهما؛ لظاهر الآية.

وفي النهاية أنه لا يشترط إجماعاً، [والله أعلم].

قال: وهما وكيلان لهما في أحد القولين، وهو الأصح في التهذيب، والمنصوص عليه في أكثر الكتب على ما حكاه في الذخائر، والأقيس في النهاية؛ لأن البضع حق الزوج، والمال حق الزوجة، وهما رشيدان؛ فلا يولى عليهما.

ولأن الطلاق لا يدخل تحت الولاية، ولا يرد على ذلك المولى؛ فإنه خارج عن القياس؛ فعلى هذا لابد من رضاهما؛ فيوكل الزوج حكماً في الطلاق، وقبول العوض، وتوكل المرأة حكماً في ترك العوض، فلو لم يوكلا، فليس لهما إلا البحث عن محل اللبس؛ حتى يتبين للقاضي الظالمُ منهما من المظلوم، [ثم] يُمضي حكمه في الإنصاف.

قال: وهما حكمان من جهة الحاكم في القول الآخر؛ فيجعل الحاكم إليهما الإصلاح أو التفريق من غير رضا الزوجين، وهو الأصح؛ لأن الله- تعالى- سماهما: حكمين، والحكم من يحتكم، ولا امتناع أن يثبت على الرشيد الولاية عند امتناعه من أداء الحقوق؛ كالمفلس، والمولَّى [عليه].

وأيضاً: ما روي عن علي [كرم الله وجهه- أنه] بعث حكمين، وقال: أتدريان ما عليكما؟ إن رأيتما أن تفرقا: أن تفرقا، وإن رأيتما أن تجمعا: أن تجمعا، فقال الزوج: وأما الطلاق فلا، فقال علي: كذبت، لا والله، لا نبرح حتى ترضى بكتاب الله لك وعليك، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لي وعلي).

وبنبغي أن يخلو كل واحد من الحكمين بأحد الزوجين، ويأخذ ما عنده، ثم يجتمعان، ويتشاوران، ثم يفعلان ما يؤدي إليه اجتهادهما، فإن رأى حكم الرجل أن يطلق طلق، [واستقل به] ولا يزيد على طلقة، ولكن إن راجع الزوج، ودام الشقاق، زاد إلى أن يستوفي [الطلقات] الثلاث.

ص: 355

وإن رأى الخلع، وساعده حكم المرأة، تخالعا.

وإن اختلف رأي الحكمين؛ بعث إليهما آخرين حتى يجتمعا على شيء.

وفي كتاب الحناطي: أنه إذا رأى أحدهما الإصلاح، والآخر التفريق، ففرق، نفذ التفريق وإن جوزنا الاقتصار على واحد؛ ذكره الرافعي في آخر الباب.

ووراء ما ذكره طريقة حكاها [القاضي] ابن كج عن أبي الطيب بن سلمة وابن سريج، وهي القطع بأن الفرقة لا تنفذ إلا برضا الزوجين.

والقولانفي أنه هل يحتاج إلى رضاهما [في بعث الحكمين].

وعن أبي إسحاق طريقة قاطعة بأن بعث الحكمين لا يحتاج إلى إذنهما، [فلعله يؤثر في صلاح حالهما، والخلاف في نفوذ الفرقة بغير إذنهما،] وإيراد المتولي ينطبق على هذه الطريقة، ولو رأى الحكمان أن تترك المرأة بعض حقها من القسم، أو من النفقة؛ لم يلزم ذلك بلا خلاف.

قال: فإن غاب الزوجان، أو أحدهما؛ لم ينقطع نظرهما؛ على القول الأول كغيرهما في الوكلاء.

وينقطع على القول الثاني؛ لأن كل واحد منهما محكوم له وعليه، والقضاء للغائب لا يجوز.

وفي الوسيط حكاية وجه: أن لهما- أيضاً- الحكم، وليس بشيء.

ولو غلب على عقل أحدهما لم يُمضِ الحكمان بينهما شيئاً؛ أما على القول الأول؛ فلأن الوكالة تبطل بذلك، وأما على القول الثاني؛ فلأن الحكومة لا تجوز إلا مع بقاء الخصومة، وبالجنون والإغماء زال ذلك، وارتفع الشقاق.

وفي شرح القاضي ابن كج: أنه لا يؤثر جنون أحد الزوجين على قولنا: إنهما حكمان.

وحكى الحناطي وجهاً على قولنا: إنهما وكيلان- أن الإغماء لا يؤثر فيه؛ كالنوم.

ويشترط على القول الثاني أن يكونا فقيهين؛ على الأصح.

ص: 356

وذهب بعض الأصحاب- على ما حكاه في الذخائر-: أنه لا يشترط؛ فإنه يعسر، ولا يشترط على القول الأول؛ كسائر الوكلاء.

ولتعلمْ أن إطلاق الشيخ يقتضي أنه يشترط فيهما الحرية، والعدالة؛ على القولين معاً، وهو ما ذهب إليه الأكثرون؛ لأن الوكالة إذا تعلقت بنظر الحاكم؛ فلا بد أن يكون الوكيل [عدلاً]؛ كأمين الحاكم.

وفي كتاب [القاضي] ابن كج: أنه لا يشترط العدالة على القول بأنه توكيل؛ كما في سائر الوكلاء، وهو قضية إيراد الغزالي في الوجيز؛ فإنه قال: وعلى هذا يشترط عدالهما؛ فأشعر بتخصيص [الاشتراط بالقول الثاني].

قال الرافعي: ويجري الخلاف في الحرية والإسلام، ولابد من الاهتداء إلى ما هو المقصود من بعثهما، ولابد من الذكورة؛ إن جعلناه تحكيماً، وإن جعلناه توكيلاً قال الحناطي: لا يشترط في حَكَمِ المرأة، وفي حكم الرجل وجهان؛ بناءً على أن المرأة هل توكل في الخلع؟

وهل يجوز الاقتصار على حكم واحد؟ فيه وجهان، أجاب القاضي ابن كج منهما بالمنع.

قال الرافعي: ويشبه أن يقال: إن جعلناه تحكيماً؛ فلا يشترط العدد، وإن جعلناه توكيلاً؛ فيكون على الخلاف في تولي الواحد طرفي العقد.

وفي النهاية: [أنا] إن جعلناه تحكيماً؛ ففي المسألة احتمال ظاهر، يجوز أن يتبع القرآن، ويجوز أن يحمل العدد على الاستحباب؛ بدليل اتصاله بوصف ليس مشروطاً، وهو قوله:{مِنْ أَهْلِهِ} و [{مِنْ أَهْلِهَا}].

ص: 357