الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الطلاق
وهو في اللغة [عبارة عن] حل القيد، والإطلاق؛ ومنه يقال: ناقة طالق، أي: مرسلة ترعى حيث شاءت، وطلقت البلاد؛ أي: تركتها.
وفي الشرع: اسم لحل عقدة النكاح.
وهو لفظ جاهلي ورد الشرع باستعماله وتقريره كما قاله الإمام.
ويقال: طلق الرجل امرأته تطليقاً، وطلقت المرأة: بفتح اللام وضمها، والفتح أفصح، تطلق بالضم فيهما طلاقاً، فهي طالق وطالقة، ورجل مطلاق [أي: كثير الطلاق للنساء.
والأصل فيه من الكتاب قوله تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] وغيرها من الآيات.
ومن السنة] ما روي أنه- عليه السلام طلق حفصة ثم راجعها، وغير ذلك من الأخبار التي تأتي في مواضعها.
وأجمع المسلمون على أصل الطلاق.
قال: يصح الطلاق من كل زوج بالغ عاقل مختار- أي: قاصد لحروف الطلاق بمعنى الطلاق- لما ذكرناه من الأدلة، وسيأتي أمثلة ما احترز عنه الشيخ، رضي الله عنه.
قال: فأما غير الزوج فلا يصح طلاقه- أي: بغير نيابة شرعية، أو قولية- لا بالتنجيز؛ كقوله لأجنبية: أنت طالق، ولا ولا بالتعليق؛ كقوله: إن تزوجت امرأة- وعينها أو لم يعينها- فهي طالق؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا طَلاقَ إِلا بَعْدَ
نِكَاحٍ"، ولما روي عن عبد الرحمن بن عوف- رضي الله عنه أنه قال: "دعتني أمي إلى قريب لها فراودني في المهر، فقلت: إن نكحتها فهي طالق ثلاثاً، ثم سألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"انْكِحْهَا؛ فَإِنَّهُ لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ".
وبالقياس على ما إذا قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنتِ طالق، ثم تزوجها، فدخلت [الدار]، فإنه لا يقع الطلاق بالاتفاق.
وفي أمالي أبي الفرج، وكتاب الحناطي أن منهم من أثبت في وقوع [الطلاق المعلق قولين]، وفي الوسيط جعل قول الوقوع غريباً، رواه صاحب التقريب عن موافقة أبي حنيفة؛ حكاه في الإملاء.
واعلم: أن بعض الشارحين للمسألة الأخيرة استدل بقوله صلى الله عليه وسلم: "لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ" مقتصراً على ذلك، وهو غير كاف؛ لأن من قال بوقوع الطلاق يقول
بموجبه؛ فإنه يقول: الطلاق إنما يقع بعد النكاح.
[قال: وكذلك الصبي لا يصح طلاقه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ
…
" الخبرَ المشهور.
قال في التتمة: ومعنى رفع القلم: ألا يلزمه حكم].
قال: ومن زال عقله بسبب يعذر فيه: كالمجنون، والنائم، والمبرسم، لا يصح طلاقه؛ للخبر، ولقوله صلى الله عليه وسلم:"كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ، إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ، وَالْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ" رواه الترمذي.
ومنهذا القسم [ما] إذا أُوجِرَ الخمر، أو أكره على شربه، أو شرب ما لم يعلم أنه من جنس ما يسكر.
واعلم: أن الشيخ عند النوم من الأمور التي تزيل العقل هنا، وكلامه في باب ما ينقض الوضوء يرشد إليه أيضاً. وفي كتاب الأيمان مصرحاً به، وقد اعترض على ذلك بأن النوم لا يزيل العقل، ولكن يستره، وكذلك الإغماء لا يزيله، بل يغمره، وإنما المزيل [له] الجنون، وقد صرح بذلك الغزالي في [الوسيط] والجواب عنه: أنا إذا حددنا العقل، وجدنا النوم يزيله، والصحيح في حده عند علمائنا- على ما حكاه مجلي عنهم في هذا الباب-: أنه [صفة] يتهيأ للإنسان بها درك النظريات العقلية، وتلك الصفة من قبيل العلوم الضرورية، وإذا كان كذلك فلا اعتراض عليه حينئذ، والله أعلم.
قال: ومن زال عقله بسبب لا يعذر فيه: كالسكران، ومن شرب ما يزيل عقله لغير حاجة، وقع طلاقه.
أما وقوع طلاق السكران؛ فلأن الله تعالى كلفه في حالة السكر؛ بقوله تعالى: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43]، ولأن عليّاً- كرم الله وجهه- رأى إيجاب حد المفترى عليه، لهذيانه، ووافقه الصحابة عليه؛ فدل على أن لكلامه حكماً، وأنه مكلف، وإذا كان كذلك وقع طلاقه كالصاحي.
ولأنه جعل كالصاحي بالنسبة إلى قضاء الصلوات التي مرت عليه مواقيتها في زمن السكر بلا خلاف على ما حكاه الإمام، فليكن كالصاحي في وقوع طلاقه، [وهل يقع طلاقه] في الباطن كما يقع في الظاهر؟ فيه وجهان.
وأما من شرب ما يزيل عقله بغير حاجة؛ فبالقياس عليه؛ لاشتراكهما في التعدي؛ وهذه طريقة [القاضي] أبي حامد.
وقيل: إنه كالمجنون، وعليه يدل [ظاهر] ما نقله المزني في المختصر، واختاره الإمام؛ لأن الطبع لا يدعو إلى تناوله، وإنما صرنا إلى الوقوع في السكر؛ تغليظاً عليه، للحاجة إلى الزجر.
قال: وقيل: فيه قولان:
أشهرهما: أنه يقع طلاقه؛ لما قدمناه.
والثاني: أنه لا يقع، وبه قال [المزني، ويحكى عن ابن سريج] وأبي طاهر الزيادي وأبي سهر الصعلوكي، وابنه سهل؛ لأنه لا يفهم، ولا يعقل؛ فليس له قصد صحيح؛ [فأشبه المجنون]، أو لأنه مفقود الإرادة؛ فأشبه المكره؛ وهذا الطريق قال الرافعي: إنه أصح، وبه قال الأكثرون.
وفي النهاية: أنه لا يُلفَى للشافعي نص: أنه لا يقع طلاقه، ولكن نص في القديم على قولين في ظهاره؛ فمن الأصحاب من نقل من ظهاره [قولاً] إلى الطلاق، وخرج المسألة على قولين.
وأما سائر تصرفاته، ففيها طرق للأصحاب:
منهم من قال: أفعاله: كالقتل، والقطع، وغيرهما، يسلك [به] فيها [مسلك] الصاحي.
وفي أقواله: كالعتاق، والإسلام والردة، والبيع، والشراء، وغيرها- قولان.
ومنهم من خص من جملة أقواله البيع ولاشراء، وقال: لا يصح بلا خلاف؛ لأنه لا يعلم ما يعقد عليه، والعلم شرط في المعاملات.
ومنهم من خص القولين فيما له: كالنكاح، أما ما عليه: كالضمان، والإقرار، فهو نافذ لا محالة؛ تغليظاً عليه.
وعلى هذا فلو كان التصرف له من وجه وعليه من وجه: كالبيع، والإجارة، فيحكم بنفوذه؛ تغليباً لطرف التغليظ.
وفي التهذيب: أنه تصح إجارته، ولا يصح بيعه؛ لأنه يجمع ما له وعليه؛ فغلب ما له؛ وكذلك لا يصح نكاحه، ولا إنكاحه.
ومن الأصحاب من طرد القولين في جميع أقواله وأفعاله كلها فيما له وعليه، قال الإمام: وأشهرها طرد القولين في الجميع، وعلى هذه الطريقة ينطبق ما يقال: إن القول اختلف في أن السكران كالصاحي أو المجنون.
وفي حد السكران عبارات:
فعن الشافعي: أنه الذي اختلط كلامه المنظوم، وانكشف سره المكتوم. وعن
المزني: أنه الذي لا يفرق بين الأرض والسماء، وبين أمه وامرأته. وقيل: هو الذي يفضح ما كان يحتشم منه.
وقيل: هو الذي يتمايل في مشيه، ويهذي في كلامه.
وقيل: هو الذي لا يعلم ما يقول.
وعن ابن سريج- وهو الأقرب، على ما حكاه الرافعي-: أن الرجوع فيه إلى العادة، فإذا انتهى إلى حالة من التغيير، يقع عليه اسم: السكران؛ فهو موضع الكلام.
ولم يرض الإمام هذه العبارات، لكن قال: شارب الخمر يعتريه ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يعتريه هزة وطربة، وتدب الخمر فيه، ولا تستولي عليه بعد؛ فلا يزول العقل في هذه الحالة، وربما يختل.
والثانية: نهاية السكر، وهو أن يصير طافحاً، ويسقط كالمغمى عليه لا يتكلم، ولا يكاد يتحرك.
[و] الثالثة: حالة متوسطة بينهما، وهي أن تختلط أحواله؛ فلا تنتظم أقواله، وأفعاله ويبقى تمييز وفهم وكلام، فهذه الحالة في نفوذ الطلاق فيها الخلاف الذي بيناه، وأما الحالة الأولى فينفذ الطلاق فيها لا محالة، وأما الثانية فالأظهر عند الإمام- وهو الذي ذكره الغزالي-: أنه لا ينفذ الطلاق.
ومن الأصحاب من جعله على الخلاف.
قال الرافعي: وهذا أوفق لإطلاق أكثرهم.
وقول الشيخ- رضي الله عنه: لغير حاجة يحترز به عما إذا شربه لحاجة التداوي؛ فإن حكمه حكم المجنون، وقد صرح بذلك في المهذب، والغزالي في الوجيز.
قال الرافعي: ولك أن تقول: في التداوي خلاف، فإن جرى ذلك الخلاف في الدواء المزيل للعقل، [وقد اطرده] في القليل والكثير، فالمذكور [ها هنا]
جواب على جواز التداوي.
ويمكن أن يقدر تخصيص الخلاف بالقدر الذي يزيل العقل، وتصور هذه الصورة بما إذا ظن أن القدر الذي تناوله لا يزيل العقل، وكذلك صور بعضهم.
وإن لم يجر ذلك الخلاف في الدواء المزيل للعقل، فيشبه أن الطبع يدعو إلى شرب الخمر؛ فيحتاج فيه إلى المبالغة والزجر، بخلاف الأدوية.
قال: ومن أكره بغير حق بالتهديد بالقتل، أو القطع، أو الضرب المبرح لا يقع طلاقه.
ذكر الشيخ هذا الفصل لبيان أمرين:
أحدهما: أن طلاق المكره بغير حق غير واقع.
والثاني: ما به الإكراه.
والدليل على الأول ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ"، قال
أبو عبيدة، والقتيبي: الإغلاق: الإكراه.
ولأنه قول لو قاله بالاختيار بانت زوجته، فإذا حمل عليه بإكراه باطل؛ وجب أن يلغو كالردة.
وفي الجيلي: [حكاية قول: أن طلاقه] يقع، وهو محكي- أيضاً- في تعليق القاضي الحسين.
والصحيح المشهور الأول، لكن بشروط:
أحدها: أن يكون المُكرَه غير قادر على دفع المُكرِه بفرار أو معاونة أو استعانة بآخر.
[و] الثاني: أن يغلب على ظنه أن ما توعده به إن لم [يطلق] يوقعه به، لولايته أو شدة بطشه.
وعن أبي إسحاق [أنه قال:] لا إكراه إلا بأن ينال بالضرب.
والثالث: ألا يقدر على أن يورِّي؛ مثل أن يكون غبيّاً أو لحقته دهشة، فإن قدر على التورية؛ مثل أن ينوي [بالطلاق من الوثاق]، أو طلاق حفصة زوجة غيره، أو يقول في قلبه: إن شاء الله تعالى، [ولو] لم يفعل فوجهان:
اختيار القفال منهما: الوقوع.
وأصحهما- على ما ذكره البغوي، والقاضي الروياني-: المنع؛ هكذا حكاه الرافعي.
وفي الشامل والنهاية: إطلاق الوجهين من غير تفصيل، لكن الإمام أبدى التفصيل من عند نفسه.
وفيما قاله الرافعي من أن يقول في قلبه: إن شاء الله نظر؛ فإن شرط [ما] تعتبر التورية به أن يكون إذا نواه المطلق في حال الاختيار يدين به في الباطن، وقوله: إن شاء الله لا يدين به في الباطن؛ على ما قاله في التهذيب مجملاً، بينه في كتاب التهذيب، ومصرحاً به في المهذب وغيره.
نعم: حكي عن القفال: أنه يدين؛ فلعله أراده.
[و] الرابع: ألا يظهر منه ما يدل على اختياره؛ فإن ظهر؛ بأن خلف المُكرِه، وأتى بغير ما حمل عليه؛ فيحكم بوقوع الطلاق؛ لأن مخالفته تشعر باختياره.
قال مجلي: ويتجه أن يكون هذا مفرعاً على القول بوقوع الطلاق عند نيته، أما إذا قلنا بعدم الوقوع، فلا.
ولمخالفته صور:
إحداها: أن يقول: طلق طلقة، فيطلق ثلاثاً، [أو بالعكس] فإنه يقع الطلاق.
وللإمام احتمال في الأخيرة؛ لأنه قد يقع دفع مكروهه بإجابته إلى بعض مطلوبه، ولا يقصد إيقاع الواحدة.
ولو أكره على طلاق حفصة، فقال لها ولعمرة: طلقتكما؛ طلقتا.
ولو قال: طلقت حفصة وعمرة، لم تطلق حفصة على ما حكاه في التهذيب والتتمة، ولم يفصل الإمام بين العبارتين.
وأطلق عن الأصحاب الحكم بوقوع الطلاق عليهما وأبدى فيه احتمالاً؛ لأنه لا يبعد أن يكون مختاراً في طلاق الثانية.
ولو أكره على طلاق إحدى زوجتيه، فطلق واحدة بعينها، وقع الطلاق.
وفي التتمة ذكر خلاف فيه.
فروع:
أحدها: لو أكره على الطلاق، فأتى به، ونوى الطلاق؛ ففيه وجهان:
الأصح: الوقوع.
قلت: ويمكن أن يترتب الوجهان على اشتراط التورية، فإن قلنا بالوقوع عند عدم التورية فها هنا أولى، وإن قلنا بعدم الوقوع [ثم] فها هنا وجهان.
وفي الذخائر: أنه ينبغي بناء الوجهين في اشتراط عدم التورية على هذا الخلاف، فإن قلنا عند نية الطلاق: لا يقع، فعند عدم التورية أولى، وإن قلنا بالوقوع [ثم] فها هنا وجهان، وما قاله ليس بأولى مما قلناه.
الثاني: لو قال: طلق زوجتك وإلا قتلتك، [وطلقها]، طُلِّقت على [هذا] المذهب، حكاه في التتمة، والقاضي الحسين في التعليق.
ولو أكره على الإقرار بالطلاق، فلا عبرة بإقرار الوكيل، وهل يكون بإكراهه مقرّاً بالطلاق؟ فيه وجهان.
الثالث: إذا أكره الوكيل بالطلاق على الطلاق، أبدى الروياني فيه احتمالين:
الأصح منهما: عدم الوقوع.
قلت: ويتجه أن يتخرج هذا على الفرع الأول، فإن قلنا:[إنه] لا يقع ثم؛ لأن الإكراه أسقط أثر اللفظ؛ فكذلك هنا.
وإن قلنا: إنه يقع ثم؛ لقصده ورضاه، فكذلك ها هنا.
وقوله- رضي الله عنه: [بحق] يحترز به عن المُولي إذا أكره على الطلاق بعد المدة فإنه يقع طلاقه، وقد نبه على ذلك في المهذب، وفيه نظر من وجهين:
أحدهما: أن الحق الواجب على المولي أحد الأمرين: إما الفيئة أو الطلاق، والإكراه يكون على الوفاء بالحق على هذا الوجه، ومن أكره بغير حق على فعل أحد أمرين من غير تعيين، ففعل أحدهما على التعيين، كان كفعله بغير إكراه؛ كما تقدم ذكره فيما إذا أكره على طلاق إحدى زوجتيه؛ فكيف [يحسن] أن يحترز عنه؟
وجوابه أنا لا نسلم أنه [إذا] أكره على فعل أحد الأمرين على الإبهام، ففعله على التعيين: أنه ينتفي الإكراه [ظاهراً] على ما حكاه في التتمة.
وعلى تقدير التسليم فالفرق أن ثم يمكنه أن يطلق إحداهما على الإبهام، فحيث عدل عنه إلى التعيين، كان مختاراً فيه، وها هنا لا يمكنه أن يفعل أحدهما على الإبهام، فكان من ضرورة الإكراه التعيين.
ولقائل أن يقول: ما ذكرته من الفارق موجود فيما إذا أكره على قتل أحد الرجلين، ومع هذا لا يخرج به عن أن يكون مختاراً في القتل على المذهب، وكذلك فيما [إذا] أكره على طلاق زينب أو عمرة؛ خلافاً للقاضي الحسين [فيهما] على ما حكاه في التعليق، وإذا كان كذلك دل على عدم تأثير الفرق.
الثاني: أن الاحتراز إنما يحسن إذا قلنا: إن الإكراه يكون بغير القتل والقطع، أما إذا قلنا: إنه لا يحصل إلا بالقتل أو القطع، فالقاضي لا ينتهي في حق المولي إلى هذا الحد؛ فلا يحسن الاحتراز عنه.
وأما الثاني- وهو ما يحصل به الإكراه-: فقد قال الشيخ: إن التهديد بالقتل والقطع- أي: غير المستحق- والضرب المبرح-[أي]: الذي يخاف منه الهلاك- يحصل به الإكراه.
ووجهه: أن أهل العرف يعدونه إكراهاً؛ وهذا ما اختاره أبو إسحاق مقتصراً عليه على ما حكاه الرافعي.
وفي الذخائر عزاه إليه وإلى جماعة من المحققين، وقال: ضابطه كل ما يتضمن إرهاقاً إلى الملتمس على وجه لا يبقى للمكره قدرة على المخالفة، ويكون اختياره في فعل الذي أكره عليه مضاهياً لاختيار من يطأ شوكاً؛ للفرار من الأسد، ولا يحس به.
وفي كلام الرافعي ما يدل [على أن] هذا الضابط لطريقة أخرى غير طريقة أبي إسحاق.
وألحق ابن أبي هريرة وكثير من الأصحاب بالقتل: الضرب الشديد، والحبس، وأخذ المال، وإتلافه.
لكن الضرب والحبس يختلف باختلاف طبقات الناس وأحوالهم، والتخويف بالقتل، والقطع، وأخذ المال لا يختلف.
[و] قال الماسرجسي: يختلف التخويف بأخذ المال- أيضاً- فلا يكون تخويف الموسر بأخذ خمسة دراهم منه إكراهاً، وعليه يدل كلام الشيخ في المهذب.
قال القاضي: وهذا هو الاختيار.
وفي المهذب تقييد الحبس [بالحبس الطويل].
أما القتل والقطع المستحق إذا هدد به: كما إذا قال ولي القصاص لمن عليه القصاص: طلق زوجتك، وإلا اقتصصت منك- فلا يكون إكراهاً، والله أعلم.
قال: ومن أكره بضرب قليل، أو شتم، وهو من ذوي الأقدار، فالمذهب أنه لا يقع طلاق؛ لأنه يصير بذلك مكرهاً عرفاً، ويلتحق بذلك التهديد بقتل الوالد أو الولد أو إذهاب الجاه.
وقد قيل في ضابط ذلك: إن الإكراه يحصل بكل ما لا يؤثره العاقل على ما أكره عليه، ويقتضي الحزم إجابة المُكرِه؛ حذراً منه.
قال الرافعي: غير أن الأظهر على هذه الطريقة أن التهديد بإتلاف المال لا يكون إكراهاً.
قال: وقيل: يقع، كما لو لم يكن من ذوي الأقدار، وهذا الوجه جارٍ في [الصور الأخرى].
وفي التهذيب الجزم به في قتل الوالد.
وفي النهاية حكاية وجه عن العراقيين: أنه لا إكراه إلا بالقتل.
والأرجح عند الشيخ أبي حامد وابن الصباغ وغيرهما: ما حكي عن ابن أبي هريرة.
ووراء ما ذكرناه طرق أخر يرجع بعضها عند التحقيق إلى ما ذكرناه.
فروع:
التهديد بقتل ابن العم لا يكون إكراهاً.
وفي التهديد بقتل المحرم وجهان على قولنا بأن التهديد بقتل الوالد [يكون] إكراهاً.
والتهديد بالنفي عن البلد إذا كان فيه تفريق بينه وبين أهله، كالحبس الدائم، والأصح أنه إكراه، وهو ما حكاه في المهذب.
وإن لم يكن فيه تفريق فوجهان:
أشبههما: أنه إكراه أيضاً.
والتخويف باللواط كالتخويف بإتلاف المال عند صاحب التهذيب.
وحكى القاضي الحسين في التعليق [فيه و] في المرأة إذا هددت بالزنا عن المراوزة: أنه لا يكون إكراهاً.
وعلى طريقة العراقيين: إن قصد بذلك تشنيعها، وظهور الزنا عليها، يكون إكراهاً، كإذهاب الحياة.
وأمر السلطان ينزل منزلة الإكراه على أحد القولين، حكاهما في التهذيب.
ولا يحصل الإكراه بالتخويف بالعقوبة الآجلة، مثل أن يقول: طلق زوجتك وإلا قتلتك غداً، ولا بأن يقول: وإلا قتلت نفسي أو كفرت، [والله أعلم].
واحترزنا بالقيد الأول من القيد الأخير عمن سبق لسانه إلى كلمة الطلاق في محاورة فكان يريد أن يقول طلبتك، فقال: طلقتك، فإنه لا يقع طلاقه، ولكن لا تقبل دعوى سبق اللسان منه في الظاهر إلا إذا وجدت قرينة تدل عليه؛ فحينئذ يجوز تصديقه، ولمن سمعه ألا يشهد عليه؛ هذا هو الاختيار على ما حكاه الروياني عن الحاوي وغيره.
وظاهر كلام الشافعي عدم القبول مطلقاً؛ وهذا بخلاف ما إذا كان اسم امرأته يقارب حروف الطلاق: كالطالع، والطالب، والطارق، فقال: يا طالق، ثم قال: أردت أن أناديها باسمها فالتقت الحروف بلساني؛ فإنه يقبل قوله في الظاهر؛ لقوة القرينة وظهورها.
وبالقيد الثاني منه عما إذا كانت زوجته تسمى: طالِقَ فقال: يا طالق وقصد النداء بالاسم، فإنه لا يقع الطلاق.
ولو قصد الطلاق وقع.
وإن أطلق، ولم ينو شيئاً، فعلى أي المحملين يحمل؟ فيه وجهان:
أشبههما في التهذيب: الحمل على النداء.
وفي "النهاية": تقريبهما مماإذا قال: أنت طالق، [أنت طالق] ولم ينو بالتكرار التأكيد، والأظهر هناك أنه يقع طلقتان.
ولو قال لها: أنت طالق، وقال: أردت به: اسمك: طالق، ففي الباطن يصدق، وفي ظاهر الحكم وجهان في التتمة.
أما الهازل فيقع [طلاقه] ظاهراً وباطناً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "ثَلاثَةٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: الطَّلَاقُ، وَالعَتَاقُ، وَالنِّكَاحُ".
وصورته أن تداعبه زوجته، فتقول له: طلقني ثلاثاً، فيقول لها: أنت طالق، وقصده: أنه لا يقع.
وطلاق الجاهل والناسي واقع على المذهب المشهور، وذلك مثل أن يخاطب امرأة بالطلاق على ظن أنها زوجة غيره، أو كانت في ظلمة، أو في حجاب، أو نسي أن له زوجة، فطلقها، أو قبل له أبوه في صغره، أو وكيله في كبره نكاح امرأة، وهو لا يدري، فقال: زوجتي طالق، وللإمام فيه احتمال؛ لأنه إذا لم يعرف بالزوجية لا يكون قاصداً لقطعها، وإذا لم يقصد الطلاق وجب ألا يقع.
قلت: واحتماله في صورة الجهل يشابه ما حكي عن ابن الحداد فيما إذا نادى زوجته زينب، فأجابته عمرة، فقال لها: أنت طالق، وقال: ظننتها زينب مقتصراً عليه؛ فإنه حكي أن زينب لا تطلق، وهل تطلق عمرة؟ فيه وجهان:
فوجه عدم الوقوع يشابه [هذا] الاحتمال، بل هو هو.
وإذا قلنا بالوقوع فهو في الظاهر، وهل يقع في الباطن؟ أطلق أبو العباس [الروياني] فيه وجهين.
وفي التتمة بناهما على أن الإبراء عن الحقوق المجهولة [هل] يصح؟ إن قلنا: لا [يصح] فلا يقع طلاقه.
فرع: العجمي إذا لقن كلمة الطلاق، وهو لا يعرف معناها، لا يقع [طلاقه].
قال المتولي: [وهذا] إذا لم يكن له مع أهلها اختلاط، فإن كان لا يصدق [في الحكم][و] يدين.
ولو قال العجمي: أردت بهذه الكلمة معناها بالعربية، ففي وقوع الطلاق وجهان:
أصحهما- وبه قال الشيخ أبو حامد-: أنه لا يقع.
وفي النهاية عند الكلام في الطلاق بالحساب: أنه لا يقع بلا خلاف، واتفق عليه الأصحاب.
ولو قال: [لم] أعلم أن هذه الكلمة معناها قطع النكاح، ولكن نويت بها الطلاق، وقصدت قطع النكاح- لم يقع.
قال: ويملك الحر ثلاث تطليقات- أي: سواء كانت زوجته حرة أو أمة- لما روي أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه سولم فقال: أرأيت قول الله- عز وجل: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] فأين الثالثة؟ قال: "تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ".
قال في "الشامل": وهذا ما فسرت به عائشة وابن عباس.
وذهب جماعة إلى [أن] قوله تعالى: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} ، المراد به ترك المراجعة حتى تنقضي العدة؛ فتملك نفسها، والثالث قوله تعالى:{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} [البقرة: 230]، وهذه الآية نسخت المراجعة بعد الثلاث؛ فإنه كان في صدر الإسلام يطلق الرجل امرأته في العدة، ولو بلغ الطلاق عشراً.
ولأنه حق خالص للزوج يختلف بالرق ولاحرية؛ فوجب أن يعتبر فيه رقه وحريته كعدد المنكوحات.
قال: ويملك العبد طلقتين؛ لما روت عائشة- رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "طَلَاقُ العَبْدِ اثْنَانِ".
ولما روى الشافعي- رضي الله عنه أن مكاتباً لأم سلمة طلق امرأة حرة طلقتين، وأراد أن يراجعها، فأمره أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي عثمان، فيسأله، فذهب إليه فوجده آخذاً بيد زيد بن ثابت، فسألهما عن ذلك، فابتدراه، وقالا:[حرمت عليك، حرمت عليك].
قال: وله أن يطلق بنفسه؛ لقوله تعالى: {يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ} ، ولقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر:"مُرْهُ فَلْيُرَاجِعُهَا، ثُمَّ ليُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، فَإِنْ شَاءَ أَنْ يُطَلِّقَهَا، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُمْسِكَهَا".
قال: وله أن يوكل؛ لأنه رفع عقد؛ فجاز التوكيل فيه، كالرد بالعيب.
ويشترط في طلاق الوكيل أن ينوي أنه يوقع الطلاق عن موكله على أحد الوجهين، وهما منقولان في الرافعي متصلاً بالكلام في النية في الكناية؛ وكذا حكى فيما لو قال الوكيل: طلقت من يقع عليها الطلاق بلفظي، فهل تطلق المرأة التي وكل بطلاقها؟ فيه وجهان.
قال: وإن وكل امرأة في طلاق زوجته، فقد قيل: يصح؛ لأنه لو قال لزوجته: طلقي نفسك، فقالت: طلقت- يجوز، ويقع الطلاق، وذلك- على ما سيأتي- إما تمليكٌ، أو توكيل.
إن كان توكيلاً فذاك.
وإن كان تمليكاً، فمن جاز تمليكه الشيء جاز توكيله فيه؛ وهذا هو الأصح في الرافعي على ما حكاه في كتاب الخلع، وفي النووي أيضاً.
قال: وقيل: لا يصح؛ لأنها لا تملك الطلاق شرعاً؛ فلا تكون وكيلة فيه؛ كالنكاح.
وحيث أجيز في حق نفسها فذاك للحاجة، ولم يوجد هذا المعنى في حق غيرها.
وفي "التتمة": أن الخلاف مبني على أن قول الرجل لامرأته: [طلقي نفسك] تفويض، أو تمليك؟ إن قلنا: تفويض فيجوز، وإن قلنا: تمليك فلا.
قلت: ومقتضى هذا البناء أن يكون الصحيح عنده أنه لا يجوز؛ إذ الصحيح أنه تمليك.
قال الرافعي: والأول أصح.
قال: وللوكيل أن يطلق متى شاء إلى أن يعزله الموكل، أي: إذا قبل الوكالة عقيب التوكيل- لأنه توكيل مطلق؛ فلم يقتض التصرف على الفور؛ كما لو وكله في البيع.
أما إذا لم يقبل، فمذهب العراقيين: أنه لابد من القبول، ولكنه يجوز بالقول والفعل، وعلى الفور، و [على] التراخي؛ فيكون الحكم عندهم كما لو قبل؛ ولأجل ذلك لم يفصل الشيخ.
وقال أبو حامد: إنه يجب أن يكون القبول على الفور، فعلى هذا إن أخر التطليق عن الفور يظهر أنه لا يقع إذا أوقعه.
وعند المراوزة في اشتراط القبول اللفظي ثلاثة أوجه: الثالث منها- وهو الأعدل [في] الوجيز-: إن كان بصيغة عقد، كقوله: وكلتك، فلابد منه، وإن كان بصيغة الأمر: كقوله: بع، وطلع، فلا يشترط.
وهل يشترط أن يكون على الفور؟ ظاهر المذهب: أنه لا يشترط؛ فيجوز على التراخي.
وقال القاضي الحسين: يكتفي بوقوعه في المجلس، ولا يخفى بعد ذلك ما يقتضيه التفريع.
وليس للوكيل أن يطلق إلا على مقتضى الإذن، فلو قال: طلقها ثلاثاً، فطلق
واحدة، أو قال: طلقها واحدة، فطلق ثلاثاً، فهل تقع طلقة؛ كما لو فوض الطلاق إلى زوجته على هذا الوجه، وأوقعته على [هذا] النعت، أو لا يقع شيء أصلاً؟ فيه وجهان.
[ولو قال: طلقها ثلاثاً، فطلق واحدة، ونوى الثلاث، فهل يقع أم لا؟ فيه وجهان].
فروع:
أحدها: إذا وكله في طلاق واحدة من نسائه من غير تعيين، فهل يصح، ويطلق من شاء منهن، أو لا يصح حتى يعين؟ فيه وجهان.
والثاني: إذا وكله في طلاق امرأته، ثم أبانها الموكل، ثم جدد النكاح، فهل يبقى على الوكالة؟ فيه وجهان منقولان في الذخائر.
الثالث: إذا قال للوكيل: طلق [من نسائي] من شئت، لا يطلق الكل في أصح الوجهين.
وإذا قال: [طلق من نسائي من شاءت] فله أن يطلق كل من اختارت الطلاق.
والفرق: أن التخصيص والمشيئة مضاف إلى واحدة، فإذا اختار واحدة، سقط اختياره.
وفي المسألة الثانية الاختيار مضاف إلى جماعة، فكل من اختارت طلقت. نظيره: إذا قال: أي عبد من عبيدي ضربته فهو حر، فضرب عبداً ثم عبداً، لا يعتق الثاني؛ لأن حرف أي وإن كان حرف تعميم، فالمضاف إليه القول واحد.
ولو قال: أي عبد ضربك من عبيدي، فهو حر، فضربه عبد، ثم عبد، عتقاً؛ لأن الضرب مضاف إلى جماعة؛ هكذا حكاه القاضي الحسين في التعليق متصلاً بباب الشك في الطلاق.
الرابع: إذا قال: إذا جاء رأس الشهر، فقد جعلت أمرها إليك، فهل يصح هذا التفويض؟ فيه قولان:
فإن قلنا بالفساد، فلو طلق في الحال فهل يقع؟ فيه وجهان حكاهما القاضي [الحسين] أيضاً.
الخامس: لو قال الوكيل للزوجة: إن كنت دخلت الدار فأنت طالق وكانت قد دخلت الدار، فهل يقع عليها الطلاق؟ يتجه أن يكون الحكم كما لو قال الوكيل في العتق ذلك للعبد، وقد حكى في بحر المذهب في وقوعه وجهين:
وجه المنع: القياس على ما لو علقه على دخول الدار، وصححه في كتاب الوكالة.
قال: وإن قال لها: طلقي نفسك، فقالت في الحال: طلقت نفسي- طلقت.
قال: الأصحاب: والأصل في جواز التفويض ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم خير نساءه بين المقام معه وبين مفارقته، لمَّا نزل قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً* وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً} [الأحزاب: 28، 29].
قلت: وهذا ظاهر إذا قلنا: إن واحدة منهن لو اختارت الفراق، بانت بنفس الاختيار، أما إذا قلنا:[إنها] لا تبين به، وهو الأصح؛ فلا يظهر كونه دليلاً على المدعي.
ولو قالت: طلقت، ولم تقل: نفسي، فهل يقع؟ فيه وجهان:
الأصح: [الوقوع]، كما حكاه القاضي الحسين في التعليق.
وهل التفويض إليها تمليك للطلاق، أو توكيل؟ فيه قولان:
الجديد: أنه تمليك؛ لأنه يتعلق بغرضها وفائدته إليها؛ فكأنه يقول: ملكتك نفسك، فتملكها بالطلاق.
والثاني: حكاه الخراسانيون، وينسب إلى القديم، ولا يرى للشافعي منصوصاً، إلا في الأمالي المتفرقة: أنه توكيل؛ كما لو فوض طلاقها إلى أجنبي، وتظهر فائدة القولين في التفريع.
واعلم: أنه يتجه أن يخرج وجه فيما إذا طلقت في الحال من غير قبول: أنه لا يقع من قولنا: إنه توكيل، وأنه لابد من القبول باللفظ وقد جزم الإمام بالوقوع كالشيخ، وإن كان قد حكى فيما إذا طلقت بعد مفارقة المجلس تخريجه على اشتراط القبول.
قال: وإن أخرت، أي: بقدر ما ينقطع به القبول عن الإيجاب- ثم طلقت، لم يقع- أي: إذا قلنا إنه تمليك- وهو ما يوجد في كتب العراقيين؛ لأن الطلاق جعل متضمناً للقبول، والقبول يشترط أن يكون في مجلس التواجب، كما في سائر التمليكات.
قال: إلا أن يقول: طلقي نفسك متى شئت، أي: فيقع لتصريحه بذلك؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم لما خير عائشة قال [لها]: "وَلَا عَلَيْكِ أَلَّا تَعْجَلِي بِالْجَوَابِ حَتَّى تَسْتَامِرِي أَبَوَيْكِ"؛ فدل على جواز التأخير بالإذن.
وقيل: لها أن تطلق ما لم ينقض المجلس، أو يحدث ما يقطع ذلك، وجعله في املهذب المنصوص، وبه قال أبو العباس بن القاص؛ لأنه روي عن عمر وعثمان: أنهما كانا يقولان: إذا خير الرجل امرأته، أو ملكها أمرها، فافترقا من ذلك المجلس، ولم يحدث شيئاً، فأمرها إلى زوجها.
وعن جابر وابن مسعود نحو منه، ولا يعرف مخالف لهم؛ وهذا ما حكاه في التتمة تفريعاً على هذا القول، ويؤيده ما حكاه القاضي أبو سعد الهروي من أن العراقيين من أصحابنا اكتفوا بوقوع القبول في النكاح في مجلس التواجب، وأنهم جعلوا حكم نهاية المجلس حكم بدايته على ما حكيناه في النكاح.
فإن قيل: قد حكى الشيخ هذا القول عند قوله: وإن قال: اختاري، فهو كناية تفتقر إلى القبول في المجلس؛ على المنصوص، وصدر القول به، وكان ذكره هنا من طريق الأولى؛ لأن الكناية أضعف من الصريح، وقد جاز عندها التأخير عن الفورية.
قلت: لما كان قول الزوج لها: اختاري مشعراً بالتروي، اقتضى الإمهال بوضعه في إيقاع الطلاق، أو تركه؛ إذ التروي [لابد له من زمن] يقع فيه، وأقل شيء يمكن الضبط به المجلس؛ فلذلك صدر الشيخ كلامه بالمنصوص، ورجحه.
ولما كان قوله: طلقي نفسك متناولاً لأول زمان الإمكان: إماحتماً دون غيره؛ إذا قلنا: [إن] الأمر يقتضي الفور، أو جوازاً- حملناه عليه؛ لأنه الظاهر من اللفظ؛ فلذلك جزم به، وأعرض عن النص.
ولا غرو في أن يختار المصنف خلاف المنصوص لمعنى ظهر له.
وقد قال الرافعي: إن الذي عليه الأكثرون، وبه قال أبو إسحاق: الأول؛ كما جزم به الشيخ.
وفي النهاية: أن القول الثاني غلط غير معتد به.
وعن القفال أنها لو قالت له عقيب قوله: طلقي نفسك-: كيف يكون تطليقي لنفسي؟، ثم قالت: طلقت نفسي، وقع الطلاق، ولم يكن هذا القدر قاطعاً، وهذا ينبني على أن تخلل الكلام اليسير لا يضر.
أما إذا قلنا: إنه توكيل؛ فيجيء فيه من البحث ما ذكرناه في اشتراط القبول من الوكيل.
وإذا قلنا: إنه توكيل، وجوزنا للوكيل أن يطلق في أي وقت شاء، فهل يجيء مثله ها هنا؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم، كما في توكيل الأجنبي.
والثاني: عن القاضي الحسين: أن تطليقها [يكون] على الفور أيضاً؛ فإن توكيل المرأة يشعر بتمليكها لفظاً، والتمليك اللفظي يقتضي جواباً عاجلاً؛ ولهذا لو قال لزوجته: أنت طالق إن شئت، اقتضى ذلك قبول المشيئة، بخلاف ما لو قال: أنت طالق إن شاء زيد، فتضمن قوله: طلقي نفسك جواباً عاجلاً، بخلاف
ما لو قال لها: وكلتك في أن تطلقي نفسك.
قال الإمام: فعلى الطريقين يكون جوابها على الفور، سواء تلفظ بالتمليك أو لم يتلفظ.
والذي رمز إليه المحققون: أنا إن قلنا: [هذا توكيل، فحكمه حكم التوكيل، وإن قلنا:] هذا تمليك، فهل يصح من الزوج توكيلها، أم كل تفويض [منه] إليها تمليك؟ فيه خلاف.
وفي الذخائر أن القاضي قال: يحتمل أن يقال: يتقيد بالمجلس، ولعل مراده: مجلس التواجب؛ كما حمل عليه نص الشافعي.
وفي [تعليق القاضي] الحسين عند الكلام في الكناية: أنه إذا قال لها: وكلتك بأن تطلقي نفسك، فإذا قلنا: يكون هذا تمليكاً؛ فيختص ذلك بالمجلس على أصح المذهب.
ومن أصحابنا من قال: لا يختص ذلك بالمجلس.
فأما إذا قلنا: يكون توكيلاً، فلا يختص ذلك بالمجلس، لا خلاف فيه، وهذا ظاهره يخالف ما نقله الإمام عنه.
واعلم أن قول الشيخ: إلا أن يقول: طلقي نفسك متى شئت، فيه نظر من حيث إنه فرع على القول بأن التفويض تمليك، ولاقبول في عقود التمليكات لا فرق في اشتراط الفورية فيه بين أن يصرح الموجب للعقد بجواز تأخيره أو لا؛ فوجب أن يكون ها هنا كذلك، وقد رمز الإمام إلى ذلك بقوله: لو قال لها على قول التوكيل: طلقي نفسك متى شئت، فهذا لا يقتضي فوراً أصلاً، وذلك يشعر أنه احترز عما قلناه.
وأما الحديث فقد بينا أنه لا حجة فيه- على الأصح- لأنه- عليه السلام لم يخيرها في إيقاع الطلاق بنفسها، وإنما خيرها [حتى] إذا اختارت الفراق طلقها، ويشهد له ظاهر قوله تعالى:{فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} [الأحزاب: 28].
ويمكن أن يجاب عنه بأن الطلاق يقبل التعليق؛ فجاز أن يسامح في تمليكه، بخلاف سائر التمليكات.
والقول في أنه هل [يجوز أن يرجع] في التفويض قبل التطليق يأتي في الكتاب، إن شاء الله تعالى.
فرع: لو قال لها: طلقي نفسك إن شئت، فهل يشترط في وقوع الطلاق [أن تقول]: طلقت نفسي [و] شئت او لا يشترط؟ الذي دل عليه كلام الإمام: أنه يشترط؛ لأنه قال: إذا ابتدرت، وقالت: طلقت نفسي [وشئت] فلا غشكال، ولو قالت: طلقت نفسي، فقال الزوج: رجعت قبل أن تقول: شئت، فلا أثر لرجوعه؛ فإنه لم يبق إلا التعليق بالمشيئة، وهو لا يقبل الرجوع.
ولو [أراد] أن [يرجع] قبل أن تقول: طلقت نفسي- نفذ رجوعه- والله أعلم.
قال: ويكره أن يطلق الرجل امرأته من غير حاجة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللهِ- سبحانه وتعالى: الطَّلَاقُ"[خرجه أبو داود].
واعلم: أن العلماء قسموا الطلاق إلى واجب، ومستحب، ومحظور، ومكروه:
فالواجب: طلاق المولي؛ فإن المدة إذا انقضت، وجب عليه الفيئة أو الطلاق، وأيهما فعل وقع واجباً.
وكذلك الحكمان في الشقاق إذا قلنا: إنهما حكمان، ورأيا الحظ في الطلاق، وجب.
والمستحب: إذا كان الحال بينهما غير [مستقيمة، أو] تكون غير عفيفة.
[و] روى أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن امرأتي لا ترد يد لامس، فقال
له- عليه السلام: "طَلِّقْهَا"، والأمر للاستحباب، يدل عليه قوله- عليه السلام[له] لما أن قال: إن أحبها، قال:"أَمْسِكْهَا".
والمحظور: طلاق البدعة، وسيأتي.
والمكروه: ما ذكره الشيخ وأوضحه في الشامل بأن تكون غير مرضية الأخلاق والصفات.
وفي الجيلي: أن يكون مباحاً، ولم يصوره، ولعله فيما إذا كان الزوج لا يهواها، ولا تسمح نفسه بالتزام مؤنتها من غير حصول غرض الاستمتاع؛ فإنه لا كراهية في الطلاق والحالة هذه؛ صرح بذلك الإمام.
قال: فإن أراد الطلاق [أي: في أي حالة كان]- فالأفضل ألا يطلقها أكثر من واحدة؛ لأنه يتمكن من تلافيها.
قال: وإن أراد الثلاث، فالأفضل أن يفرقها- أي: إذا كانت مدخولاً بها- فيطلق في كل طهر طلقة- أي: إن كانت من ذوات الأقراء- فإن كانت من ذوات الشهور، ففي كل شهر؛ ليسلم عن الندم، وليخرج عن خلاف أبي حنيفة مالك؛ فإن الجمع عندهما في قرء واحد بدعة محرمة.
وعن بعض الشيعة أنه لا يقع إلا واحدة.
وعند بعضهم: لا يقع إذ ذاك شيء.
وفي التتمة: أنه إذا أراد أن يوقع الطلاق في طهر واحد، فالأولى ألا يجمع في يوم واحد، [فإن أراد أن يجمع في يوم واحد] فلا يجمع في كلمة واحدة.
قال: فإن جمعها في طهر واحد، جاز- أي:[و] وقع الثلاث- أما وجه الوقوع؛ فلما روي أن ركانة طلق امرأته البتة، فقال له- عليه السلام:"مَا أَرَدْتَ إِلَّا وَاحِدَةً؟ "، قال: واللهِ ما أردتُ إلا واحدة؛ فردها [عليه]، ولو كان الثلاث لم تقع لم يحلفه على ذلك.
ولما روي في حديث [ابن عمر: أنه] قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَرَأَيْتَ لَوْ
طَلَّقْتُهَا ثَلَاثاً، لَكَانَ لِي أَنْ أُرَاجِعَهَا؟ فَقَالَ: بَلَى، كَانَتْ [تَبِينُ مِنْكَ]، وَيَكُونُ مَعْصِيَةً"، رواه الدارقطني.
وأما وجه الجواز؛ فلما روي في قصة العجلاني أنه لما لاعن زوجته قال: كذبت عليها إن أمسكتها، فقد طلقتها ثلاثاً، فقال- عليه السلام:"لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا"، ولم ينكر عليه، ولو كان حراماً، لأنكر عليه وإن لم تقع الثلاث في تلك الحالة، حتى لا يقدم على مثله في الموضع الذي تقع فيه.
ولأنه طلاق يجوز تفريقه، فيجوز جمعه؛ كطلاق جميع النساء.
وتمسك أبو حنيفة، ومالك بقوله- عليه السلام في حديث ابن عمر:"وَيَكُونُ مَعْصِيَةً"، ولا دليل لهما فيه؛ لأنها كانت حائضاً، وقد وافقنا على أن طلاق الحائض معصية، والله أعلم.
فوائد:
متى تقع الثلاث؟ الظاهر أنها تقع عند فراغه من قوله ثلاثاً.
وفيه وجه: أنا نتبين بالفراغ وقوع الثلاث بقوله: أنت طالق.
قال الإمام: وهذا الخلاف مأخوذ من الخلاف فيما إذا قال: أنت طالق، وماتت قبل أن يقول ثلاثاً إن قلنا هناك: لا يقع شيء فها هنا تقع [الثلاث] بالفراغ من قوله: ثلاثاً، وإن قلنا هناك: تقع الثلاث؛ فنتبين وقوع الثلاث بقوله: أنت طالق.
ومن قال إذا ماتت المرأة: وقعت طلقة بقوله: طالق في حياتها؛ فيلزمه على هذا المساق أن يقول: تقع طلقة بقوله: أنت طالق، فيتمم الثلاث بقوله: ثلاثاً، وهذا مسلك لبعض الأصحاب، وهو ساقط عندنا.
والوجه: القطع بأن الثلاث تقع مع الفراغ من الكلام؛ إذ لا خلاف أنه لو قال
للتي لم يدخل بها: أنت طالق ثلاثاً، وقعت. انتهى.
وقد ظهر بما ذكرناه من البيان أن في مسألة الموت ثلاثة أوجه.
ولو طلق زوجته ثلاثاً على التلاحق، فهل يتعلق التحريم بالأخيرة، أو بالمجموع؟ فيه خلاف يأتي حكايته عن المتولي في كتاب الرضاع.
تنبيه: تفريق الطلاق هل يقال: هو سنة؟ حكى الشيخ أبو علي في بشرح] التلخيص فيه وجهين.
قال الإمام: وكلامه يحتمل أمرين:
أحدهما: التردد في استحباب التفريق:
وأحد الوجهين: أن ذلك لا يوصف بالاستحباب.
وفي كلامه ما يدل على أن اسم السنة هل يتناول التفريق؟ فعلى وجهين.
ومقتضى هذا أنه لو قال: أنت طالق ثلاثاً؛ للسنة، وزعم أنه نوى التفريق على الأقراء- يصدق ظاهراً، وهذا بعيد يخالف المذهب.
والاحتمال الأخير هو ما حكاه الرافعي، لكن عن شرح المختصر.
قال: ويقع الطلاق [على ثلاثة] أوجه:
طلاق سنة، وهو أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه- أي: وهي مدخول بها- لما روي أن ابن عمر- رضي الله عنهما طلق زوجته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ ليُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، فَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ"، وفي رواية:"قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا"، والأمر المشار إليه قوله تعالى:{فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1]، ومعناه: في عدتهن؛ كقوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: 47]، أي: في يوم القيامة، وحينئذ يكون المراد: الطلاق في زمن صالح لأن يكون من العدة.
وقيل: المراد: طلقوهن لوقت يسرعن عقيبه في العدة؛ روي أنه- عليه السلام كان يقرأ: "فَطَلِّقُوهُنَّ لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ".
قال الإمام: والظاهر أنه كان يذكره تفسيراً؛ فانتظم في الآية، والحكم أن الطهر الذي لم يجامعها فيه محل لطلاق السنة.
فرع: لو وطئها في آخر الحيض، فالطهر الذي [يليه إذا] خلا عن الوطءوطلق فيه لا يكون الطلاق فيه سنيّاً على الأظهر، وهو ما جزم به في "التتمة"، وعلى هذا ينبغي أن يضاف إلى قول الشيخ: ولا في الحيض قبله.
قال: وطلاق البدعة هو أن يطلقها في الحيض، أي: مختاراً، وهي ممن تعتد بالأقراء من غير عوض- أي:[من جهتها- ولا رضا، وهي مدخول بها، أو في طهر جامعها فيه من غير عوض- أي:] منها- ولا رضا، وهي ممن يجوز ان تحبل، ولم يتحقق حملها.
والدليل على ذلك حديث [ابن] عمر.
وادعى الإمام أن ذلك مجمع عليه، وأن مستند الإجماع الخبر.
ولأن الطلاق في الحيض يطول عليها العدة؛ فإن بقية الحيض لا تحسب من العدة، وفي ذلك إضرار بها.
وادعى الإمام أن في الحديث دلالة على هذا المعنى؛ إذ قال عليه السلام: "فَتِلْكَ الْعِدَّةُ التِي أَمَرَ اللهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ"، ولا مَزِيدَ على علَّةِ صاحب الشرع.
والطلاق في الطهر الذي جامع فيه ربما يعقبه ندم عند ظهور الحمل؛ فإن الإنسان قد يطلق الحائل، ولا يطلق الحامل، وإذا ندم فقد لا يتيسر التدارك؛ فيتضرر الوالد، ويبرأ من الولد.
ولأن عدتها لو كانت حاملاً [تكون] بوضع الحمل، ولو كانت حائلاً تكون
بالأقراء، وربما يلتبس الأمر، وتبقى مرتابة؛ فلا يتهيأ لها النكاح.
قال الإمام: والتعويل على الندم لأجل الولد ليس بالقوي، وقد أوضحنا فساد ذلك في "الأساليب"، ولولا أن الشارع تعرض للعدة ولانهي عن تطويلها لما عللنا بذلك أيضاً؛ فالوجه التعويل على الحديث.
عدنا إلى الكلام في شرح القيود: فالاختيار احترز [به] عن المولي إذا طولب بالطلاق في الحيض، فطلق؛ فإنه لا يكون بدعيّاً، وقد صرح بذلك الإمام، والغزالي، وغيرهما.
وفي "الرافعي": أنه كان يجوز أن يقال: هو بدعي؛ لأنه غير ملجأ إلى الطلاق، بل هو متمكن من أن يفيء لها، والمطلوب أحد الأمرين من الفيئة أو الطلاق؛ فلا ضرورة إلى الطلاق في الحيض.
ومراده بالفيئة هنا باللسان، وإلا فلا يخفى [على أحد] أن الوطء في حال الحيض حرام؛ فضلاً عن هذا الإمام.
واحترز بأن تكون ممن تعتد بالأقراء عن الحامل إذا رأت الدم، وقلنا: إنه حيض، وسيأتي الكلام فيه.
واحترز بغير عوض من جهتها عما إذا اختلعت، فإنه لا يكون بدعيّاً، واحتج له بإطلاق قوله تعالى:{فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229]، وبأنه عليه السلام أطلق الإذن لثابت بن قيس في الخلع على ما بيناه في أول كتاب الخلع من غير بحث واستفصال عن حال الزوجة، وليس الحيض بأمر نادر الوجود في النساء، ولا جماع الطاهر غير بعيد، ومن جملة القواعد في الأصول: أن ترك الاستفصال في وقائع الأحوال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم [في المقال].
وقد اختلف في المعنى المجوز للخلع في الصورة الأولى على وجهين:
أحدهما: أن المنع لأجل تطويل العدة عليها، والخلع دال على رضاها بذلك؛ فعلى هذا يقوم الرضا بالطلاق مقام الخلع في عدم التحريم، ولا يجوز خلع الأجنبي؛ لعدم الرضا.
والثاني: أن بذل المال مشعر بقيام الضرورة أو الحاجة الشديدة إلى الخلاص، وفي مثل هذا لا يحسن الأمر بالتأخير ومراقبة الأوقات؛ فعلى هذا لا يقوم الرضا مقام الخلع؛ لأن ذلك لم يتحقق، ويجوز خلع الأجنبي؛ إذ الغالب أنه إنما يبذل المال عند وجود ذلك؛ وهذا هو الأظهر، والمذكور في التهذيب، واستأنس له في الوسيط بطلاق المولي.
وأم الصورة الثانية فالمعنى أن أخذ المال يؤكد داعية الفراق، ويبعد احتمال الندم عند من يرى التعليل به.
وفيه وجه: أن الخلع ها هنا حرام كالطلاق مجاناً؛ بخلاف الخلع في الحيض؛ فإن المنع هنا لرعاية أم الولد؛ فلا يؤثر رضاها فيه، وقد فهم من هذا فائدة التقييد بالرضا، والاحتراز بالدخول عن عدمه؛ فإنه لا عدة حينئذ حتى تطول، ولا ندم.
واستدخال الماء كالوطء، والإتيان في الدبر كذلك على الأصح.
وحكم النفاس حكم الحيض فيما ذكرناه.
مباحثة: من القواعد في المذهب أن صاحب الشرع إذا ذكر حكماً، وذكر له علة، أو استنبطت له، ففقدت تلك العلة، هل يبقى ذلك الحكم؟ فيه خلاف، ومن ذلك قوله- عليه السلام: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ
…
" إلى آخره؛ فإنه إذا ربط يده في شيء أو لف عليها خرقة، وتحقق طهارتها، هل يبقى ذلك الحكم؟ فيه خلاف مذكور في موضعه.
[ومنه] قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ} [النساء: 43] فإذا لمس ذات رحم محرم، هل ينتقض وضوءه؟ فيه قولان، ينظر في أحدهما إلى عموم اللفظ، وفي الثاني إلى أن ذلك سيق لأجل الشهوة، وهي مفقودة.
فإذا تقرر ذلك، فمن مقتضاه أن يجري فيما إذا خالعها خلاف في التحريم؛ نظراً إلى عموم قوله تعالى:{فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1]، أو إلى زوال المعنى بالرضا؛ كما طردوه فيما إذا طلقها في الحيض في حال الحمل على ما سيأتي بل هنا [أولى]؛ لأن المانع في مسألة الحمل لم يوجد، وهو موجود
هنا، وإنما جعل كالزائل؛ [للرضا].
ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن محل الخلاف المذكور ما إذا لم يوجد في الشرع ما يدل على تخصيص ذلك العموم، وفي مسألتنا قد وجد ما يدل عليه، وهو [ما ذكرناه].
فرع: لو قال لها: أنت طالق مع آخر جزء من حيضك، أو مع آخر حيضك. [أو في آخر حيضك] فهل يقع سنيّاً أو بدعيّاً؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه سني.
وتعليلهما ما أشرنا إليه [في المباحثة]، ويتجه- أيضاً- أن يكون مأخذهما الاختلاف المذكور في قوله تعالى:{لِعِدَّتِهِنَّ} :
فإن قلنا [معناه]: لقبل عدتهن، كان هذا سنيّاً؛ لأنه قبل عدتهن.
وإن قلنا بالمعنى الثاني؛ فيكون بدعيّاً؛ لأن الزمن الذي وقع فيه الطلاق لا يصلح أن يكون من العدة.
ولو قال: أنت طالق مع آخر طهرك، أو: مع آخر جزء من طهرك، أو:[في آخر طهرك] ولم يطأها في ذلك الطهر، فإن قلنا: الانتقال من الطهر إلى الحيض قرء، فهو سني، وإن لم نجعله قرءاً، انعكس الوجهان السابقان: إن وقع بدعيّاً ثَمَّ وقع سنيّاً هنا، وإن وقع سنيّاً ثَمَّ وقع بدعيّاً هنا.
وعن ابن سريج أنه يقع في الصورتين بدعيّاً؛ أخذاً بالأغلظ.
وفي "التتمة" القطع بأنه إذا قال: في آخر جزء من الحيض يكون بدعيّاً، وإذا قال: في آخر جزء من طهرك، يقع سنيّاً، ولم يفرق الأكثرون بينهما.
[فرع] آخر: تعليق الطلاق بالدخول، وسائر الصفات ليس ببدعي وإن اتفق في زمن الحيض، ولكن ينتظر إلى وقت الوقوع، فإن وجدت الصفة وهي طاهر يعد سنيّاً، وإن وجدت وهي حائض يعد بدعيّاً، وفائدته استحباب المراجعة،
وإلا فلا إثم عليه؛ على ما حكاه ابن الصباغ.
قال الرافعي: ويمكن أن يقال: إذا تعلقت الصفة باختياره أثم بإيقاعه في حالة الحيض، وإن تعلقت باختيارها فهو كما لو طلقها بسؤالها.
قلت: والشاهد لذلك ما سنذكره- إن شاء الله تعالى- من نظيره في طلاق المريض.
وعن القفال أن نفس التعليق بدعة.
وفي تعليق القاضي الحسين: أن من أصحابنا من قال: إذا وجدت الصفة في حال البدعة يكون الطلاق مكروهاً، ولا يأثم [به]؛ كوطء الشبهة يكون حراماً، ولا يأثم به؛ لأنه لم [يقصد] ذلك؛ كذا هذا مثله.
تنبيه: الشيخ- رضي الله عنه ذكر أن الطلاق البدعي يكون في صورتين، وقد ذكرناهما، [ووراءهما صورتان]:
إحداهما: إذا طلق زوجته في طهر لم يجامعها فيه، ثم راجعها، حكى القاضي الحسين وجهاً: أنه إذا طلقها يكون بدعيّاً؛ كي لا تكون الرجعة للطلاق.
[قال الرافعي]: وهذا سبب ثالث.
والثانية: إذا قسم لواحدة من نسائه، فلما جاءت نوبة الأخرى، طلقها قبل توفية حقها- عصى؛ لأنه منعها حقها؛ قاله المتولي.
قال الرافعي في كتاب القسم: وعلى هذا فهو سبب آخر يوجب كون الطلاق بدعيّاً.
قال: وطلاق لا سنة فيه ولا بدعة، وهو طلاق الصغيرة، والآيسة، والتي استبان حملها- أي: منه- وقلنا: [إنها] لا تحيض، وغير المدخول بها.
أما كونه لا سنة فيه؛ فلأن الذي ورد به الشرع ما ذكرناه.
وأما كونه لا بدعة: [أما] في الصغيرة والآيسة؛ فلأن عدتهما بالأشهر؛ فلا يعتريها طول، ولا قصر، وإذا لم يكن لها حيض لم يكن حمل؛ فلا يخشى الندم.
وأما غير المدخول بها؛ فلأنها لا عدة عليها، ولا ولد.
وأما التي ظهر حملها، فعدتها بوضعه، ولا تختلف المدة في حقها، ولا يعرض الندم بسبب الولد؛ لأنه وطن نفسه على ذلك.
واعلم: أنهم ألحقوا بهذه الصورة طلاق المولي، وطلاق الحكمين، والفرقة بعجزه عن النفقة والمهر؛ إذا قلنا: إنها طلاق، وهو ما حكاه المحاملي في اللباب.
أما إذا كان الحمل من غيره؛ بأن نكح حاملاً من الزنا، ووطئها، وطلقها؛ أو وطئت منكوحته بشبهة، وحملت منه، ثم طلقها زوجها وهي طاهر- فإنه يكون بدعيّاً؛ لأن العدة تكون بعد وضع الحمل، والنقاء من النفاس؛ فلا تشرع عقيب الطلاق في العدة؛ وكذا لو لم تحبل من وطء الشبهة، لكن شرعت [في العدة] منه ثم طلقها، وقدمنا عدة الشبهة.
وفي الطلاق بعد وطء الشبهة [وجه: أنه لا يكون بدعيّاً؛ لأنه لم توجد صفة إضرار وتعطيل لزمان عليها] وإنما انصرف الزمان إلى حق واجب عليها.
ورد صاحب "التتمة" ترجيح هذا الوجه فيما إذا لم تحبل، ورجح الأول فيما إذا حبلت؛ لأن زمان النفاس يتعطل عليها، ولا يحتسب عن واحدة من العدتين.
قال: وإن كانت حاملاً، فحاضت على الحمل- أي: وقلنا: إنها تحيض- فطلقها في الحيض، فالمذهب: أنه ليس ببدعة، لأن تحريم الطلاق في الحيض؛ لأجل تطويل العدة، ولا تطويل.
وقيل: هو بدعة؛ لأنه طلاق في الحيض، وقد نهي عن الطلاق في الحيض.
فعلى هذا يكون للحامل حال سنة وحال بدعة، كما للحائل.
ويجري مثل هذا الخلاف فيما إذا طلق الرجعية، وقلنا: إنها تبنى، ولا تستأنف.
والذي حكاه القاضي الحسين في العدد: أنه ليس ببدعي.
واعلم: أن للأصحاب في معنى السنة والبدعة اصطلاحين:
أحدهما: أن السني: طلاق المدخول بها، وليست بحامل، ولا صغيرة، ولا آيسة، وليس هناك حيض، ولا نفاس، ولا حمل.
والبدعي: طلاق المدخول بها في حيض، أو نفاس، أو في طهر جامعها فيه، ولم يتبين حملها.
وعلى هذا يستمر إطلاق أن الطلاق يقع على ثلاثة أوجه.
[و] الثاني: أن السني: هو الذي لا يحرم إيقاعه، والبدعي: ما يحرم إيقاعه.
قال الرافعي في أول الطلاق: وعلى هذا لا قسم إلا السني، والبدعي.
وقال في أثنائه: ربما أفهم كلامهم أنهم يعنون بقولهم: لا سنة ولا بدعة في طلاقهن: أنه لا يجتمع في طلاقهن حالتا السنة والبدعة حتى يكون مرة سنيّاً ومرة بدعيّاً، بل لا يكون طلاقهن إلا سنيّاً؛ وعلى هذا [فيستمر هنا التفسير]، ويغني عن التفاسير المقيدة والمطلقة.
قال: ولا يأثم فيما ذكرناه إلا في طلاق البدعة؛ بحصول الضرر به دون غيره.
قال: ومن طلق للبدعة، استحب له أن يراجعها؛ لما مر من حديث ابن عمر.
وحكى الحناطي وجهاً: أنه لا تستحب المراجعة إذا كان الطلاق في طهر جامعها فيه، أو لا يتأكد الاستحباب تأكده في طلاق الحائض، والمذهب الأول.
وإذا راجع الحائض، فهل له أن يطلق في الطهر التالي لتلك الحيضة؟ فيه وجهان:
أظهرهما- وهو المذكور في التتمة-: المنع؛ للرواية المشهورة.
والحكم فيه: أنه إن وطئها بعدما طهرت، كان الطلاق في ذلك الطهر بدعيّاً، وإن لم يطأها أشبه أن يكون المقصد من المراجعة مجرد الطلاق، [وكما ينهى عن النكاح الذي يقصد به الطلاق، نهذي عن المراجعة التي يقصد بها الطلاق].
ووجه الجواز: ما جاء في بعض الروايات: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُر".
وعلى الأول: هل يستحب أن يجامعها في ذلك الطهر؟ فيه تردد للأصحاب.
والأظهر الاكتفاء بإمكان الاستمتاع.
وإذا راجع الموطوءة في بقية الطهر، ثم حاضت، وطهرت، فله أن يطلقها وإن لم يجامعها فيه.
قال الرافعي: ولا ينبغي أن يطلق في الطهر الثاني؛ كي لا تكون الرجعة للطلاق.
قال: ويقع الطلاق بالصريح- أي: من غير نية- والكناية- أي: مع النية- على ما سيأتي:
أما وقوعه بالصريح؛ فلا خفاء فيه؛ لأنه لأجل ذلك وضع.
وأما بالكناية مع النية؛ فبالإجماع [على ما] حكاه الرافعي.
وروي "أن رجلاً قال لامرأته: حبلك على غاربك، فلقيه عمر- رضي الله عنه فقال له: أنشدك برب هذه البرية، هل أردت بقولك: حبلك على غاربك: الطلاق؟ فقال الرجل: أردت الفراق، فقال: هو ما أردت".
قال: فالصريح الطلاق، والفراق، [و] السراح:
أما الطلاق؛ فلتكرره في القرآن، واشتهاره في معناه في الجاهلية والإسلام، وعليه أطبق معظم الخلق، ولم يختلف فيه أحد من العلماء.
وأما الفراق، والسراح؛ فلورودهما في الشرع، وتكررهما في القرآن بمعنى الطلاق؛ قال الله تعالى:{وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} [الأحزاب: 49] وقال عز من قائل: {فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} [الأحزاب: 28]، وقال تعالى:{فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 2]، وقال عز وجل:{وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ} [النساء: 130]، والفراق حكم شرعي؛ فجاز أن يكون اللفظ المستعمل فيه [في] خطاب الشرع كافياً؛ كلفظ الطلاق.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم [لما قيل] له: أرأيت الله تعالى يقول: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] فأين الثالثة؟ قال: {تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} ، فسماه الشرع: طلاقاً.
وفي النهاية في أول هذا الكتاب: أنه قيل: إن الطلاق في الجاهلية على أنحاء: الطلاق، والفراق، والسراح، والظهار، والإيلاء، وأنت على حرام، قالت عائشة- رضي الله عنها:"جاء الشرع بنسخ البعض وتقرير البعض"؛ فعلى هذا يكون الدال على ذلك اللغة والشرع هذا هو المذهب الجديد.
وحكى العراقيون في القديم [قولاً] أن الصريح لفظ الطلاق لا غير، والفراق والسراح يلتحقان بأقسام الكنايات؛ لأنهما يستعملان في الطلاق وغيره؛ فأشبها لفظ البائن.
وتكلم الإمام على ما قيل: إن القرآن ورد بهما، بأنه لم يرد مورد بيان اللفظ، وإنما هو [مسوق؛ لبيان] أن الأزواج مخاطبون بإمساك النساء بالمعروف في مقابلة تركهن، وحل وثيقة النكاح، على وزان قول القائل: أكرم الضيف أو سرحه، وليس المراد: أن يقول له: سرحتك، ومثل هذا المعنى حاصل في لفظ [الطلاق- أيضاً- إلا أن يقول فيه على العرف اللغوي، وأصل السراح: التسريح، وهو] الإرسال، وضع موضع المصدر، وهو بفتح السين.
واعلم: أن ظاهر كلام الشيخ- رضي الله عنه يقتضي حصر الصريح في الألفاظ الثلاثة المذكورة، وقد صرح بذلك الإمام، وأن مأخذ الصراحة [عند الشافعي- رضي الله عنه التكرار في القرآن، وقد تقدم في كتاب الخلع حكاية قولين في أن الخلع صريح أم لا؟ وحكينا أن صاحب "التهذيب" اختار أنه صريح، وأن مأخذ
الصراحة] هل [هو] ذكر المال- كما حكاه في الشامل- أو شيوع استعماله في الناس على قصد الطلاق، وهو الذي ذهب إليه المعظم، والصحيح في النهاية؟
فإن راعينا المعنى الأول: لم يكن ما ذكرناه هنا مخالفاً لما في الخلع؛ لأ، ذكر المال ثَمَّ قام مقام النية؛ فلا صريح غير الألفاظ [الثلاثة كما ذهب إليه بعض أصحابنا.
وإن راعينا المعنى الثاني: لم ينحصر صرائح الطلاق في الألفاظ] المذكورة، بل كل لفظ شاع استعماله في قوم، أو قطر لإرادة الفراق شيوع الطلاق فهو صريح.
وأيد الإمام هذا الأصل بأن الفقهاء قاطبة أجمعوا على أن المعتبر في الأقارير والمعاملات إشاعة الألفاظ، وما يفهم [منها في] العرف المطرد، والعبارات عن العقود- يعني: لمعانيها- وألفاظ الطلاق عبارة عن مقاصدها فكاتن بمثابتها؛ وعلى هذا الأصل قول القائل لامرأته: أنت على حرام، أو: حلال الله علي حرام- ملتحق في قطرنا وعصرنا بالصرائح.
قال الرافعي: وهو الأظهر، والمذكور في "التهذيب"، وعليه ينطبق ما في "فتاوى القفال" والقاضي الحسين والمتأخرين من الصحابة.
وفي "النهاية": أن القاضي حكى عن شيخه القفال: أنه كان يقول: إذا قال من يعلم أن الكناية لا تقع إلا بالنية: حلال الله علي حرام، ولم ينو-[لم يقع][الطلاق]، وإن كان لاقائل عاميّاً سألناه عما سبق إلى فهمه من إطلاق عاميٍّ آخر هذه الكلمة؟ فإن زعم أنه سبق إلى فهمه الطلاق، قيل له: أنت محمول على فهمك.
وفي "التتمة" حكاية عن القفال أنه قال: إن نوى عين الزوجة فذاك، وإلا
حكمنا بوقوع الطلاق للعرف، وسيأتي بقية الكلام في هذه المسألة، إن شاء الله تعالى.
وإذا جمعت ما ذكرناه واختصرت، قلت: صرائح الطلاق غير محصورة على قول، ومحصورة [على قول] في الألفاظ الثلاثة، وفي لفظ الطلاق على قول.
وقد ضبط الإمام الغزالي الصريح المتفق عليه والمختلف فيه في كتاب الخلع، فقال: ما تكرر في القرآن أو [على] لسان حملة الشرع فهو صريح، [وما تكرر] على لسان العامة، أو لم يرد في القرآن إلا مرة واحدة، فهل هو صريح أم لا؟ فيه خلاف.
قال: فإذا قال: أنت طالق، أو: مطلقة، أو: طلقتك، أو: فارقتك، أو: أنت مفارقة، أو: سرحتك، أو: أنت مسرحة- طلقت وإن لم ينو؛ إذ هو معنى الصريح.
وكذلك لو قال: يا مطلقة، أو: يا طالق، أو: يا مفارقة، أو: يا مسرحة، أو: أوقعت عليك طلاقي.
وفي "شرح مختصر الجويني" حكاية وجه غريب؛ أن قوله: أنت مطلقة، أو يا طالق ليس بصريح.
وذكر القفال في شرح التلخيص أن قوله: أنت مسرحة أو: مفارقة أو: يا مسرحة، لا يكون صريحاً؛ لأن الوارد في الكتاب منها الفعل دون الاسم، بخلاف الطلاق؛ قال الله تعالى:{وَالْمُطَلَّقَاتُ} ؛ [البقرة: 228] وهذا الوجه مفرع على أن قوله: يا طالق صريح، أما إذا قلنا: إنه ليس بصريح؛ فهذا أولى.
فروع:
لو قال: يدك طالق فهو صريح، وكذا لو قال: أنت نصف طالق، [أو قال: نصفك طالق].
وفي الرافعي حكاية نقل خلاف عن أبي الحسن العبادي في قوله: أنت طالق نصف طلقة.
قلت: وهذا الخلاف يمكن تخريجه على أن وقوع الطلاق عليها بطريق التعبير بالبعض عن الكل، أو بطريق السراية على ما سيأتي.
فإن قلنا: إنه بطريق التعبير بالبعض، كان كناية؛ لأن ذلك من أنواع المجاز، والمجاز لا يستقل بالإفادة.
وإن قلنا: إنه بطريق السراية، فهو صريح.
ولو قال: أنتمطلقة، أو: يا مطلقة، لا يكون صريحاً؛ لعدم الاشتهار، وإن كان الطلاق والتطليق متقاربين؛ كالإكرام والتكريم.
وفي التتمة حكاية وجه: أنه صريح.
قال: فإن ادعى أنه أراد طلاقاً من وثاق، أو فراقاً بالقلب، أو تسريحاً من اليد- لم يقبل في الحكم؛ لأنه يدعي خلاف ما يقتضيه اللفظ عرفاً، ويُدَيَّن فيما بينه وبين الله عز وجل؛ لأنه يحتمل ما يدعيه.
نعم، لو كان يحل وثاقها وقال: أردت بالطلاق: حل الوثاق، فهل يقبل في الظاهر؟ فيه وجهان في الوسيط وغيره.
وضابط ما يُدَيَّن فيه: كل ما يقبل ظاهراً إذا وصل به اللفظ يُدَيَّن فيه إذا نواه ولم يأت به إلَّا الاستثناء، كقوله: أنتطالق، وينوي إن شاء الله، وسيأتي الكلام في ذلك- إن شاء الله تعالى.
ومعنى التدين: أنه لا يقع الطلاق في نفس الأمر؛ إن كان صادقاً فيما يدعيه، ثم إن المرأة إن صدقته، حل لها أن تقيم معه، فلو رآهما الحاكم مجتمعين، هل يفرق بينهما؟ فيه وجهان محكيان في المهذب وغيره.
قلت: وقد يظهر ضعف القول بعدم التفريق؛ لأنه لو قيل به: رجع الأمر إلى أنا نقبل قوله في الحكم إذا صدقته؛ إذ لا معنى للقبول في الحكم إلا جواز الوطء وتقريرهما على النكاح وترتيب أحكامه.
وإن كذبته المرأة فلا يجوز لها التمكين، وعليها الهرب، ويجب على الحاكم أن يفرق بينهما.
وإن لم تعلم صدقه ولا كذبه، قال الجيلي: يكره لها تمكينه من نفسها، وفي التحريم وجهان.
ثم هذا كله فيما إذا لم يصل اللفظ بما نواه، فإن وصله به، بأن قال: أنت طالق من وثاقي، أو: وفارقتك بقلبي، أو: سرحتك من يدي، أو: إلى أهلك- لم يقع الطلاق في ظاهر الحكم، وفيما بينه وبين الله- عز وجل إن كان على عزم أن يأتي بهذه الزيادة من أول كلامه.
أما لو قال: أنت طالق ووصل هذه الزيادة، فالطلاق واقع في الباطن.
ولو لم يكن [في] عزمه في الابتداء، ثم عزم على هذه الأمور في أثناء الكلام، فوجهان سيأتي نظيرهما في الاستثناء، كذا قاله في التتمة، ويجري مثله فيما يدين فيه.
فروع:
أحدها: ترجمة [لفظ] الطلاق بالعجمية، وسائر اللغات، هل هي صريحة؟ فيه وجهان: أصحهما- ولم يورد [أكثرهم] غيرهم-: أنها صريحة.
والثاني- وينسب إلى الإصطخري-: أنها ليست صريحة.
الثاني: إذا قال لزوجته: أريد أن أطلقك طلاقاً لا يقع عليك، ثم قال: يا فلانة أنت طالق، حكى الشيخ أبو عاصم العبادي عن بعض أصحابنا: أنه لا يقع الطلاق.
والصحيح: أنه يقع، حكاه في "التتمة"؛ وهذا مثل ما حكاه الرافعي عنهما في الإقرار فيما لو قال: أريد أن أقر لإنسان بما ليس علي، أو: ما طلقت امرأتي، ولكن أقر بطلاقها، [فأقول: طلقتها]- فإن الشيخ أبا عاصم قال: لا يصح إقراره.
وقال صاحب "التتمة": الصحيح أنه كما لو قال: عليَّ ألف لا يلزمني.
الثالث: إذا قال: إن قلت لامرأتي: أنت علي حرام، فإني أريد به الطلاق، ثم قال لها بعد مدة: أنت علي حرام- فعن أبي العباس الروياني أنه يحتمل وجهين:
أحدهما: الحمل على الطلاق؛ لكلامه السابق.
والثاني: أنه كما لو ابتدأ به؛ لاحتمال أن النية قد تغيرت؛ هكذا حكاه الرافعي قبل فصل اعتبار النية في الكناية.
وفي "النهاية" في كتاب الصداق عند الكلام في مهر السر والعلانية: أنه لو قال لزوجته: إذا قلت: أنت طالق ثلاثاً، لم أرد به الطلاق، وإنما غرضي أن تقومي، وتقعدي، أو أريد بالثلاث واحدة- فالمذهب أن ذلك لا عبرة به.
وفيه وجه: أن الاعتبار بما تراضيا عليه.
قال الإمام: وذلك مبني على قاعدة مهر السر والعلانية، وعليها تجري الأحكام المتلقاة من الألفاظ.
الرابع: إذا حرك لسانه بكلمة الطلاق، ولم يرفع صوته بقدر ما يسمع، ففي "التتمة": أن [الكرخي] حكى أن المزني حكى فيه قولين:
أحدهما: وقوع الطلاق؛ لأنا نوقع الطلاق بالكناية مع النية، فعند التلفظ أولى.
والثاني: المنع؛ لأنه ليس بكلام؛ ولهذا يشترط في قراءة الصلاة أن يسمع نفسه.
قال: والكنايات: [أن يقول: أنت] خلية، وبرية، وبتة، وبتلة، وبائن، وحرام، وأنت كالميتة، واعتدي، واستبرئي- أي: رحمك- وتقنعي، واستتري، وتجرعي، وابعدي، واغربي، واذهبي، والحقي بأهلك، وحبلك على غاربك، وأنت واحدة، وما أشبه ذلك؛ أي: كقوله: تجردي، وتزودي، واخرجي، وسافري، وتزوجي، وذوقي، وتحرري، والزمي الطريق، وودعيني، ولا حاجة لي فيك، وأنت حرة، وأعتقتك، ولا أنده سربك، وعفوت عنك، وأبرأتك، وأنت ثلاث فثلاث، وأمرك بيدك، وأنت كأمي، وما في معناه، ولست لي بامرأة؛ على المذهب.
وفي "النهاية" وجه: أنه لا يكون كناية؛ لأنه صريح في الإقرار والإخبار.
وفي الإشراف للهروي [حكاية] وجه أن قوله: تزوجي، لا يكون كناية؛ حكاه قبل فصل نسخه السجل.
وضابط الكناية: [أن] كل لفظ محتمل للفراق، ولم يسمع استعماله [فيه] شرعاً ولا عرفاً- فهو كناية.
وحَدَّها القاضي الحسين في "التعليق": بأن كل لفظ [ينبئ عن] الفرقة بوجه ما، دق أو جل، أو ينبئ عن انطلاق ما يكون محتبساً- فهو كناية.
وأصلها الستر، يقال: كنيت الشيء، إذا سترته؛ فكأنه لم يفصح عن الفراق بصريح اللفظ؛ فقد كنه.
ثم الكناية منقسمة:
إلى جلية: وهي التي يكثر استعمالها في الفراق، وتقوى دلالتها عليه.
وإلى خفية: وهي التي تنحط رتبتها عن الوجهين.
أما الجلية: فقد حصرها الشيخ أبو حامد في ستة ألفاظ، وهي التي صدر الشيخ بها كلامه.
وأضاف إليها أبو الفرج أربعة أخرى، وهي: اعتدى، واستبرئي رحمك، وأنت حرة، وأنت واحدة.
وأما الخفية، فعند الشيخ أبي حامد ما عدا الستة.
وعند أبي الفرج ما عدا العشرة.
ثم قوله: أنت خلية، الخلية: فعيلة بمعنى فاعلة، أي: خالية من الزوج، [وهو خال منها.
وقوله: برية، البرية من البراءة، أي: برئت من الزوج].
وقوله: بتة: [البتة]: من بت [يبت]؛ إذا قطع، أي: قطعت الوصلة بيننا.
وقوله: بتلة، البتلة:[من] تبتل يتبتل؛ إذا ترك النكاح، وانفرد.
وقوله: بائن، البائن: من البين، وهو الفراق، وهذه اللغة الفصيحة: بائن؛ كطالق، وحائض؛ لأنه مختص بالأنثى، وفي لغةق ليلة تجوز بائنة، وطالقة، وحائضة، وحاملة.
وقوله: حرام، أي: حرام عليَّ، ممنوعة مني؛ للفرقة.
وقوله: وأنت كالميتة، أي: حرام بالطلاق، كماي حرم أكل الميتة.
وقوله: اعتدى، واستبرئي رحمك، أي: طلقتك؛ فاعتدي، واستبرئي [رحمك].
وقوله: وتقنعي، واستتري، أي: حرمتك بالطلاق، فاختفي عني.
[وقوله: وتجرعي، أي: الفراق ومرارته وقوله وابعدي وقوله: أجنبية مني]، وقوله: واعزبي هو بعين مهملة، وزاي معجمة، وباء وياء، أي: تباعدي، يقال: عزب يعزب؛ إذا تباعد. وفي غير التنبيه بغين وراء، ومعناه: صيري غريبة مني، أجنبية. ويقال: عزب عني يعزب، إذا غاب، ومنه قوله تعالى:{وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ} الآية [يونس: 61].
وقوله: وحبلك على غاربك، أي: خليت سبيلك؛ كما يخلى البعير في الصحراء، ويترك زمامه على غاربه، وهو ما تقدم من الظهر، وارتفع من العنق، ويقال: هو أعلى السنام.
وقوله: أنت واحدة هو برفع واحدة، أي: متوحدة بلا زوج، وقيل: ذات تطليقة واحدة.
وقول الزوج لها: لا أنده سربك: نده الإبل أي: زجرها، والسرب: الإبل، وما يدعى من المال، أي: فارقتك؛ فلا أهتم بشأنك.
قال: فإن نوى به الطلاق وقع؛ للإجماع.
وفي "النهاية" حكاية وجه: أن قوله: اعتدي، واستبرئي رحمك، لا يقع به
الطلاق وإن نوى؛ إذا لم تكن مدخولاً بها.
ثم النية المؤثرة في ذلك بالاتفاق أن تقترن بجميع اللفظ من قوله: أنت إلى آخر القاف من طالق، كما صرح به المتولي في باب النية في الصلاة، فإن اقترنت بأوله، ثم عزبت في أثنائه، فالمذهب الوقوع.
ولو خلا أوله، وهو قوله: أنت عن النية، [ثم] نوى في أثنائه عند قوله: طالق، ففي الوقوع وجهان.
قال: وإن لم ينو، لم يقع؛ لما قدمناه من أثر عمر- رضي الله عنه فإنه لو كان يقع من غير نية، لما كان في التحليف فائدة.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم بعث إلى كعب بن مالك قبل نزول توبته أن يعتزل امرأته، ولا يقربها، فقال كعب لامرأته: الحقي بأهلك، وكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، ولما نزلت توبته، لم يفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما.
ولأن هذه الألفاظ تحتمل الطلاق وغيره؛ فلا يقع بها الطلاق [ما لم] ينوه، كالإمساك عن الشراب والطعام لما احتمل العبادة وغيرها، لم يصرف [إلى العبادة] إلا بالنية.
ثم اعلم أن عد الحرام في الكنايات جواب على أنه لا يلتحق بالصرائح، كما صار إليه المتقدمون من الأصحاب، وهو ما دل عليه كلام الشيخ كما تقدم.
أو يفرض في البقاع التي لم يشتهر اللفظ فيها، وقلنا: إن لفظ الحرام غير صريح في إيجاب الكفارة.
أما إذا قلنا: إنه صريح، فقد حكى الحناطي وجهاً: أنه لا يكون طلاقاً، وهو قضية الضابط المذكور في النهاية وغيرها: أن اللفظ إذا كان صريحاً في باب، ووجد نفاذاً في موضوعه، فلا سبيل إلى رده عن العمل فيما هو صرحي فيه، ويستحيل أن يكون صريحاً نافذاً في أصله ووضعه، ويكون كناية منوية في وجه آخر، وهو ما جزم به في التهذيب؛ تفريعاً على هذا القول عند الكلام فيه.
والمذهب أن يكون طلاقاً.
قال في "الذخائر": لأنه إنما يكون صرحياً في إيجاب الكفارة عند عدم النية، فأما مع وجود النية فلا يكون صرحياً في الكفارة.
فإن قيل: إذا قلتم بأن لفظ الحرام صريح عند الإطلاق في إيجاب الكفارة، وقلتم: إنه صريح في الطلاق؛ [لشيوعه] فهل تحكمون بوقوع الطلاق، ووجوب الكفارة، أو ماذا تصنعون؟
قلنا: قضية ما في "التهذيب": أنه يتعين الطلاق.
وفي "النهاية": أنا إن حكمنا بأن مأخذ الصراحة الشيوع، فلا يتصور كون لفظ التحريم صرحياً في الناس؛ فإن معنى الشيوع ألا يستعمل في اطراد العادة إلا في المعنى المطلوب، وحينئذ لا يتصور أن يشيع لفظ على الحد الذي ذكرناه في المعنيين مع اتحاد الزمان والمكان؛ فإن شاع أحد المعنيين، كان صريحاً فيه، كناية في الثاني؛ ولذا جوزنا أن يكون للصرائح مأخذان:
أحدهما: ورود الشرع.
والثاني: الشيوع على النعت المتقدم.
فلو فرض شيوع التحريم في الطلاق، فلا يتجه إلا أحد أمرين:
إما تغليب وقوع الطلاق؛ فإنه يحرم النفس، والتحريم الموجب للكفارة لا يحرمها.
وإما خروج اللفظ عن كونه صريحاً في الناس جميعاً؛ لتعارض العرف والشرع، واستحالة الجمع، وامتناع تخصيص أحد الجانبين؛ فلا يعمل اللفظ إذن في أحد المعنيين إلا بقصد، والله أعلم.
قال: وإن قال: اختاري، فهو كناية، أي:[في] تفويض الطلاق إليها؛ لأنه يحتمل الطلاق وغيره.
وكذا لو قال: أمرك بيدك.
قال: يفتقر إلى القبول- أي: وهو الاختيار وما في معناه- في المجلس على المنصوص.
وقيل: يفتقر إلى القبول في الحال.
والكلام على ذلك قد تقدم [ذكره] عند تفويض صريح الطلاق، وكان اللائق [أن] يذكر هذا الفرع عقيبه.
قال: فإن قالت: اخترت، ونويا الطلاق- وقع، أي: نوى الزوج عند قوله: اختاري التفويض إليها، ونوت هي عند قولها: اخترت الطلاق.
قال: وإن لم ينويا، أو أحدهما، لم يقع؛ لأن هذا شأن الكنايات.
واعلم أن بعض الناس يورد على الشيخ أن قوله: ينويا لا حاجة إليه مع قوله: أحدهما؛ لأنه لا يقع إذا لم ينو أحدهما.
وبيانه: أن الذي لم ينو إن كان هو الزوج، لم يقع؛ لأنه لم يوجد منه التفويض المتسلط على التطليق، وإن كانت المرأة؛ فلأن الطلاق يقع بقبولها، ولم يوجد شرط وقوعه، وهذا بخلاف ما لو قال لها: طلقي نفسك، ونوى ثلاثاً، فقالت: طلقت ولم تنو الثلاث؛ فإنه يقع على أحد الوجهين؛ لأن البناء في العدد أقرب من البناء في أصل الطلاق، وكأنه فوض إليها أصل الطلاق، وتولى بنفسه قصد العدد.
فإن قيل: قد قلتم: إنه إذا دفع الزكاة إلى وكيله، ونوى رب المال، ولم ينو الوكيل- إنه يجزئ على قول، مع ان النية شرط فيها؛ كما أنها شرط هنا.
فالجواب: أن من قال بالإجزاء في الزكاة، بناه على أن النية السابقة على الدفع
إلى الفقير تجزئ، وقد وجدت، وليس لفعل الوكيل في ذلك أثر حتى لو كانت الزكاة على الأرض، وأمر الفقير بأخذها، فأخذها، كانت مجزئة، وليس ها هنا كذلك، فإن قول الوكيل هو الموقع للطلاق.
فرع: لو قال لها: طلقي نفسك ثلاثاً، فقالت: طلقت نفسي، [أو طلقت]، ولم تتلفظ بعدد، ولا نوته، فقد قال القاضي: يقع الثلاث.
قال الإمام: وهذا ماش على القول بأن التفويض إليها تمليك.
أما إذا جعلنا التفويض توكيلاً، فالوجه أنه لا يقع الثلاث، فإن تصرف الوكيل لا يبني على التوكيل.
ولا فرق في وقوع الطلاق عند نيتها بين أن تقول: اخترت، وتقتصر على ذلك، أو تقول: اخترت نفسي.
وفي التهذيب: أنه لابد [من] أن تقول: اخترت نفسي، بخلاف ما إذا قال: اختاري نفسك، فقالت: اخترت، فإنه يقع وإن لم تقل: نفسي.
وفي تعليق القاضي الحسين في هذه الصورة حكاية وجه [آخر:] أنه يفتقر إلى ذلك كالمسألة الأولى.
ولو قالت: اخترت الأزواج، أو أبوي، أو أخي، أو عمي، ونوت اللاق، ففي [وقوع الطلاق] وجهان:
أظهرهما في الرافعي الوقوع.
ولو اختارت الزوج، قال في المهذب: لم يقع [الطلاق]، وعلله بأن عائشة- رضي الله عنها لما خيرها رسول الله- صلى الله عليه وسلم فاختارته، لم يكن طلاقاً.
وبأن اختيار الزوج اختيار للنكاح، لأنه لا يحتمل غيره؛ فلم يقع به الطلاق.
وما قاله قد يعترض عليه فيه، فيقال: إن كان مع كونها نوت الفراق، فلا يحسن الاستدلال بالخبر؛ لأن عائشة- رضي الله عنها لم تنو الطلاق، بل ظهر منها ما يدل على خلافه.
وإن كانت لم تنو فعدم وقوع الطلاق؛ لعدم النية؛ [إذ قد] تقرر أن لفظ الاختيار كناية، فقوله: اختيار الزوج لا يحتمل غيره، [و] لا وجه له، لأنه لو احتمل غيره كان الحكم كذلك؛ لعدم النية.
ولو نوى الزوج بقوله: أمرك بيدك إنجاز الطلاق، ففي وقوعه قبل اخيتارها وجهان.
قال: وإن رجع فيه- أي: الإيجاب- قبل القبول، صح الرجوع، أي: سواء قلنا: إنه تمليك، أو توكيل.
أما إذا قلنا: إنه توكيل؛ فلأنه عقد جائز في أصله.
وأما إذا قلنا: إنه تمليك؛ فلأن التمليكات يجوز الرجوع فيها قبل القبول.
قال: وقيل: لا يصح- أي إذا قلنا: إنه تمليك- وهو قول ابن خيران، ووجهه بأنه إذا قال: طلقي نفسك، فكأنه قال: إذا تلفظت بتطليق نفسك فأنت طالق، والطلاق المعلق لا يقبل الرجوع.
قال الإمام: وهذا مردود لا أصل له، والعجب أن شيخي كان لا يحكي في التفريع على قول التمليك غيره، وكان يعبر عنه بأنه تمليك متضمن بتعليق.
ووجه المذهب: أن الإيجاب يقتضي قبولاً؛ فكان له الرجوع عن الإيجاب قبل القبول، كإيجاب البيع.
قال: وإن قال لها: ما اخترت، فقالت: اخترت، فالقول قوله، [أي]: مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء النكاح، وإقامة البينة عليه [غير] ممكنة.
قال: [وإن قال لها:] ما نويت، فقالت: نويت فالقول قولها؛ لأنها ادعت ما لا يمكن إقامة البينة عليه، فكان القول قولها [فيه]، كالحيض.
قال: وقيل: القول قوله، وهو قول أبي سعيد الإصطخري؛ كما لو ادعت الاختيار.
فرع: لو جعل أمر الزوجة إلى الوكيل، فقال لها الوكيل: أمرك بيدك، وقال: نويت الطلاق، وصدقته المرأة، وكذبه الزوج- فالقول قول الوكيل على المذهب.
وفيه وجه: أن القول قول الزوج.
وتعليلهما: ما ذكرناه؛ كذا حكاه القاضي ابن كج.
قلت: وهذا تفريع منه على أن الزوج إذا قال لها: أمرك بيد:، ونوى تنجيز الطلاق- أنه يقع.
أما إذا قلنا: إنه لا يقع من الموكل، فالوكيل أولى.
ولو توافق الزوجان على تكذيبه، لم يقبل قول الوكيل عليهما.
قال: وإن قال لها: طلقي نفسك، فقالت: اخترت، ونوت، وقع [الطلاق]، وكذا لو قالت: أبنت، وأنا خلية، وغير ذلك من الكنايات؛ كما لو قال: بع، فباع بلفظ التمليك.
قال: وقيل: لا يقع حتى يأتي بالصريح-[أي]: إما بلفظ الطلاق أو غيره- وهو قول ابن خيران، ويروي عن أبي عبيد بن حربويه؛ إذ هو المفوض إليها.
ويجري الخلاف فيما لو فوض الطلاق ببعض الكنايات، ونوى، فقالت: طلقت نفسي.
وعن القاضي الحسين وغيره أن الخلاف يجري فيما إذا قال لأجنبي: طلق زوجتي فقال: أبنتها، ونوى.
أو قال: أبن زوجتي، ونوى، فقال الوكيل: طلقتها.
ولو قال لزوجته: أبيني نفسك، فقالت: أنا خلية، ونويا، فهل يقع الطلاق تفريعاً على هذا الوجه الثاني؟ حكى الإمام فيه تردداً [مثل هذا التردد فيما إذا قال: طلقي، فقالت: سرحت، ولم أره] قال: والأوجه: ألا يمنع.
فروع:
لو قال لها: طلقي نفسك، فقالت: أنا طالق، إذا قدم زيد، لم يصح التعليق؛ لأنه لم يملكها إياه.
وكذا الحكم في حق الأجنبي.
وفيها وجه حكاه الحناطي.
ولو قال لها: علقي طلاقك بكذا، أو قاله لأجنبي ففعل وفعلت، فظاهر المذهب: أنه لا يصح التعليق، وهو ما أجاب به في التهذيب؛ لأن التعليق يجري مجرى الأيمان؛ فلا يدخله التفويض.
وفي التتمة حكاية وجهين آخرين عن أبي عاصم العبادي:
أحدهما: أنه يجوز تفويض التعليق كتفويض التخيير.
والثاني: [أنه] ينظر في الصفة التي أمر بالتعليق بها:
إن كانت توجد [لا محالة: كطلوع الشمس، فيجوز؛ لأن مثل هذا التعليق ليس بيمين.
وإن كانت قد توجد] وقد لا توجد: كدخول الدار، فهو يمين؛ فلا يجوز.
قلت: ولو خرج وجه فارق بين أن يفوض إلى أجنبي؛ فلا يجوز، وبين أن يفوض إلى الزوجة؛ فيجوز؛ بناءً على مذهب ابن خيران: أن التفويض إليها تعليق على تلفظها- لكان له وجه.
ولو قال لها: طلقي نفسك إذا جاء رأس الشهر، انبنى على القولين: إن قلنا: إنه تمليك؛ فلا يجوز، وإلا فيجوز.
وفي تعليق القاضي الحسين غجراء قولين فيما لو قال ذلك للوكيل؛ وهذا منه يدل على أن الخلاف جارٍ فيها وإن قلنا: إنه توكيل؛ لأنه سوى بينها وبين الوكيل، ثم فرع على ذلك، فقال: إن قلنا: يصح، فإن كان التفويض إلى المرأة، فعليها أن تطلق نفسها إذا جاء رأس الشهر في المجلس، وإن قلنا: إن الوكالة فاسدة، فلو طلق في الحال، فهل يقع أم لا؟ فيه وجهان.
والأظهر: أنه لا يقع.
قال: وإن قال: أنت الطلاق، فقد قيل: هو صريح؛ لأن لفظ الطلاق لا يطلق- كيف فُرِضَ الأمر فيه- إلا على قصد الفراق، فإذا جرى لفظ على خلاف ما يعرف ويؤلف، فالاعتبار بأصل الكلمة.
قال: وقيل: هو كناية، وهو الأصح، واختيار القفال، لأن هذا اللفظ لم يثبت له شيوع في العرف، ولا تكرار في القرآن، [وليس] جارياً على قياس اللسان؛ فلم يكن صريحاً، وإنما كان كناية؛ لأن المصدر قد يستعمل بمعنى اسم الفاعل؛ قال الله تعالى:{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَاتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} [الملك: 30] أي: غائراً؛ فكذلك ها هنا يصير اللفظ بالنية كأنه قال: أنت طالق، وقد استعمل في الشعر بمعنى الطلاق قال الشاعر:
وإن ترفقي يا هند فالرفق أيمن
…
وإن تخرقي يا هند فالخرق ألأم
فأنت طلاقٌ والطلاق عزيمة
…
ثلاثاً، ومن يخرق أعق وأظلم
فبيني بها إن كنتِ غير رفيقة
…
فما لامرئ بعد الثلاث مقدم
فرع: حكى الرافعي: عن التهذيب: أنه لو قال: أنت نصف طلقة فهو كناية كقوله: أنت طلقة.
قال: وإن قال: أنا منك طالق، أو فوض الطلاق إليها، فقالت: أنت طالق، فهو كناية؛ لأن مأخذ الصراحة القرآن والإشاعة في الاستعمال، ولم يوجد واحد منهما.
قال: لا يقع إلا بالنية؛ إذ هو شأن الكنايات، وإنما وقع بالنية؛ لأن الزوج في حجر النكاح على الجملة؛ من حيث إنه لا يتمكن من نكاح أربع سواها، ولا يتمكن من نكاح أختها ونحوها من الأقارب اللاتي يحرم الجمع بينهن، والطلاق حل لذلك الحجر؛ فيصح إضافته إلى الزوج كالمرأة.
والمراد بالنية هنا: أن ينوي إضافة الطلاق إلى الزوجة، لا مجرد الطلاق، وإلا فقد تقدم أن الكناية لا يقع بها طلاق إلا بالنية.
ووجه اعتبار ذلك: أن الزوج ليس محلاً في العادة لإضافة الطلاق إليه؛ ولذلك كان اللفظ كناية، وإذا كان كذلك فلابد أن ينوي المحل الذي تصح الإضافة إليه، وهو الزوجة؛ [و] هذا هو الذي عليه الجمهور.
وقال الإمام: وذهب طوائف من المحققين إلى أن قصد الطلاق كاف وإن لم يضفه لفظاً وعقداً بالنية، وهو الذي اختاره القاضي، وهو القياس.
نعم: لو نوى الزوج طلاق نفسه، فالوجه عندنا أنه لا يقع.
وقد ذكر بعض الخلافيين: أن اللفظ صريح وإن قصد تطليق نفسه، وهذا [لا احتفال] به.
وشبه مشبهون هذا بما لو قال لامرأته: أنت طالق؛ من حيث إن لفظ الطلاق جرى على صيغة مستشنعة حائدة [عن جهة العرف في الاستعمال.
واعلم أن قول الشيخ: لم يقع إلا بالنية] يفهم أنه متى وجدت النية وقع، وهذا منه تفريع على أنه لو فوض إليها الطلاق بالصريح، فأتت بالكناية مع النية يقع الطلاق.
[و] أما إذا قلنا بمذهب ابن خيران، وهو عدم الوقوع [ثم]، فلا يقع ها هنا [- أيضاً-] وقد أشار إلى ذلك الإمام.
[فرع]: قال في التتمة: لو فوض الطلاق إليها بلفظ البينونة، فقالت للزوج: أبنتك، ونوت، أو قال الزوج لها: أنا منك بائن، ونوى- فحكمه ما تقدم.
وفي النهاية: أنه لابد من تبيين أحدهما نية أصل الطلاق والثانية [نية الإيقاع عليها.
قال مجلي: وفي هذه المسألة نظر؛ من حيث إن لفظ الطلاق هنا كناية] لا يقع به الطلاق إلا بالنية، والكناية لا يكون عنها كناية؛ لضعفها، وإنماالكناية تكون عن الصرائح؛ فينبغي ألَّا يقع الطلاق في هذه الصورة بشيء من الكنايات.
قلت: وهذه المادة مأخوذة من قول الشيخ أبي حامد فيما إذا قال لزوجته: أنت كالميتة، واراد به: أنت حرام؛ فإنه قال: إن قلنا: إن لفظ الحرام كناية، لم يجب شيء؛ لأن الكناية لا ينوى بها [الكناية؛ كذا حكاه ابن الصباغ عنه، وما قاله قد يمنع]، ويقال: إن المأتى به كناية عن قوله: أنت طالق، وحينئذ
فلا تكون للكناية كناية؛ كما لو نوى بقوله: أنت [كالميتة] الطلاق.
قال: وإن قال: كلي واشربي، فقد قيل: هو كناية؛ كقوله: تجرعي، والمعنى: كلي ألم الفراق، واشربي شراب الفرق، وهذا هو الصحيح، واختيار الشيخ أبي حامد.
وقيل: ليس بشيء [أي] ولو نوى به الطلاق، وهو اختيار أبي إسحاق، كما لو قال: أطعميني أو اسقيني؛ على أن فيهما- أيضاً- وجهاً، وسيأتي ذكره.
وإنما قلنا: إنه لا يقع بقوله أطعميني، وما في معناه؛ لأ، ما أتى به لا دلالة [له] على الطلاق؛ فلم يوجد سوى مجرد النية، وهي لا يقع بها الطلاق، [و] لأنه حل عقد؛ فلا يقع بمجرد النية؛ كالإقالة في البيع، وروي عن الشيخ أبي محمد القطع بأن قوله: كلي ليس بكناية.
قال: وأما إذا قال اقعدي، أو بارك الله عليك، وما أشبه ذلك، فليس بشيء؛ نوى أو لم ينو؛ لأن النية إنما تؤثر فيما يحتمله اللفظ؛ وهذا اللفظ لا يدل على الفراق بحال؛ وهذا ما جزم به في التتمة، والتهذيب في قوله اقعدي.
وفيه وجه: أنه كناية.
وألحق في الإقناع قوله: بارك [الله فيك] بقوله بارك الله عليك، بخلاف قوله: بارك الله [لك]؛ فإنه كناية.
قال: وغن قال: أنت عليَّ كظهر أمي، ونوى [به] الطلاق، [لم يقع الطلاق]، أي: وإن كان محتملاً له؛ لما يشتركان فيه من إفادة التحريم- بل يكون ظهاراً؛ لأنه وجد نفاذاً في موضوعه صريحاً؛ فلا ينصرف عنه بمجرد النية، وقد تعذر الجمع بينهما؛ فنفذ في موضوعه، واقتصر عليه.
قال: وإن قال لرجل: [أطلقت] امرأتك؟ فقال: نعم، طلقت، أي: وإن
لم ينو؛ لأن قوله: نعم صريح في الجواب؛ ولهذا لو قال الحاكم للمدعى عليه: أعليك ألف؟ فقال: نعم، وجبت عليه؛ وحينئذ يكون تقدير الكلام نعم طلقتها وهذا قول الشيخ أبي حامد.
وفي "الشامل" حكاية قول آخر: أنه كناية؛ لأن نعم ليست معدودة من صرائح الطلاق.
قال القاضي أبو الطيب: وهذان القولان كالقولين فيما إذا قال: زوجتك، فقال: قبلت، ولم يذكر لفظ النكاح.
وفي الرافعي و"النهاية": أنهما مبنيان عليهما، وقضيته ترجيح قول الكناية، لكن ابن الصباغ والروياني رجحا كونه صريحاً.
وفي النهاية بعد حكاية القولين عن رواية صاحب التلخيص: أن الشيخ أبا علي- كما صرح به مجلي- لم ييرض هذه الطريقة، وأن قوله: نعم في جواب السؤال ينبغي ألا يكون صريحاً في الطلاق، ولا كناية، بل هو صريح في الإقرار بالطلاق، ثم إن كان كاذباً فلا يقع به الطلاق باطناً، وينفذ الحكم بالإقرار ظاهراً، ثم لا ينبغي أن يكون في ثبوت الإقرار اختلاف قول.
قال الرافعي: وفي كلام بعض النقلة إثبات الخلاف [على الإطلاق] حتى لا يكون قوله: نعم في صورة الاستخبار صريحاً على قوله.
قلت: وقد أشار إليه الإمام- أيضاً- بقوله: فهو صريح في الإقرار على الظاهر عند الكلام في قبول النكاح.
وفي "الوسيط": أنه [إن] قال ذلك جواباً [لمن] التمس منه إنشاء الطلاق، فإن نوى وقع، وإلا فقولان، وإن كان جواباً لمن استخبر منه فهو صريح في الإقرار.
فرع: لو قيل له: أطلقت؟ فقال: قد كان بعض ذلك، وفسر كلامه بما سنذكره [لم] يجعل ذلك إقراراً بالطلاق؛ لاحتمال أن يكون قد جرى منه وعد به، أو تعليق، [ومثل ذلك يصحح مثل هذا] اللفظ.
[و] قال في "التتمة": إن كان السؤال عن ثلاث طلقات، فيلزمه طلقة، وإن
كان عن طلقة فلا يلزمه شيء.
[فرع] آخر: لو قال لرجل: [أطلقت امرأتك؟] فقال: اعلم أن الأمر على ما تقوله.
قال الرافعي: حكى جدي في أنه هل يكون إقراراً بالطلاق وجهين:
أصحهما: أنه لا يكون إقراراً.
ولو قال في جوابه: طلقت، فقد قيل: هو كما لو قال: نعم، فيكون على القولين في أنه صريح أو كناية.
وقيل: ليس بصريح لا محالة؛ حكاه الرافعي في الفروع.
قال: وإن قال: ألك زوجة؟ فقال: لا، لم يكن شيئاً، أي: وإن نوى، وهذا نصه في "الإملاء"، وهو ما أورده كثير من الأصحاب، على ما حكاه الرافعي، وصرح به المحاملي في "المجموع"، ووجهه: أنه كذب محض؛ فلا يتعلق به حكم.
وفي "المهذب": أنه إن نوى [به] الطلاق؛ وقع، وإلا فلا.
فإن حمل كلام الشيخ هنا على ما في المهذب؛ كان معنى قوله: لم يكن شيئاً؛ أي: إذا لم ينو.
وفي "النهاية" قبل كتاب الصداق في ضمن فرع- وهو إذا ادعت المرأة نكاح رجل، وأنكر-: أن ظاهر النص: أن إنكار الزوج طلاق، وهو مُشْكِل.
وقال قبيل [كتاب] الصداق: إن كونه لا يكون قاطعاً للزوجية مسلكاً بعيداً، ومفهومه: أن الراجح عنده أن لا يكون قاطعاً لها.
وقال عند الكلام في هذا الفرع: قال أصحابنا: لا يتعلق به حكم، وقال المحققون: هو كناية في الإقرار، وقال القاضي: عندي أن هذا صريح في الإقرار بنفي الزوجية، وهو ما حكاه قبل فصل أوله: أنت طالق من وثاق.
وفي "التتمة"- على رأي القاضي-: أنه لو رجع، وادعى الزوجية؛ لم يقبل.
والمذكور في "التهذيب" ما ذكره المحققون، لكنه قال: ولها تحليفه أنه لم يرد طلاقها، وفيما قاله من أن لها تحليفه نظر؛ من حيث إنه فرع على القول بأنه كناية في الإقرار. والدعوى بالإقرار، المذهب أنها لا تسمع، فما ظنك له؟!
وقال الرافعي: لو فرق في هذه المسألة بين أن يكون السائل مستخبراً، أو منشئاً؛ كما في الصورة قبلها، لم يكن به بأس؛ لأنه ذكره في كنايات الطلاق: أنه لو قال مبتدئاً: لست بزوجة لي، كان كناية على الأظهر.
وفي ابن يونس: أن [المشهور الصحيح]: أنه كناية؛ لأنه يحتمل الطلاق؛ فأشبه سائر الكنايات، وإنما لم نجعله صريحاً؛ لأنه يحتمل أن يريد [به] أن لا زوجة له غير هذه؛ فبهذا فارق المسألة قبلها؛ لأن قوله: نعم لا يحتمل غير الطلاق. انتهى.
وفي قوله: أن لا زوجة له غير هذه إشارة إلى أن المسألة مفروضة في نفي زوجية امرأة معينة، وليست مسألة الكتاب كذلك؛ فلم يظهر كون النقل متوجهاً إليها.
قال: وإن كتب [الطلاق]- أي: لفظ الطلاق الصريح- ونوى- أي: بكتابته- الطلاق، ففيه قولان:
أصحهما: أنه يقع، وهو المنصوص في المختصر، والأم، واختاره المزني، وجزم به بعضهم؛ لأن الكناية أحد الخطابين؛ فجاز أن يقع بها الطلاق كاللفظ.
والثاني: لا يقع، وهو نصه في الإملاء، وبه جزم بعضهم- أيضاً- لأنه فعل من قادر على القول؛ فلم يقع به الطلاق، كالإشارة من الناطق.
ولناصر القول الأول ألا يسلم الحكم في الإشارة؛ فإنه [قد] حكي عن صاحب التلخيص: أن إشارته ككتابته في كونها كناية، وأنه اختيار القفال، وأن الشيخ أبا علي حكى أن الأستاذ أبا زيد أجاب به فيما إذا قالت المرأة: طلقني، فأشار بيده.
وعلى تقدير تسليم الحكم في الأصل- وهو الأظهر- فالفرق: أن الإشارة لم توضع للخطاب ولا لتبيين المراد، وإنما يستدل بها على سبيل الندور؛ لاختلافها
بالأحوال والأشخاص، واختلاف الناس في فهمها، بخلاف الكتابة فإنها حروف موضوعة للإفهام، كالعبارة.
فإن قيل: إذا كانت موضوعة لذلك، فلم تشترطون في وقوع الطلاق بها النية؟
فالجواب: أن الشيخ أبا علي قد حكى عنه: أنه أوقع الطلاق بها، وأن الكتابة صريحة كالعبارة.
وعلى المذهب وهو عدم الوقوع، فالفرق: أن اللفظ صريح في الخطاب، والكتابة قد يقصد بها الحكاية، وتجربة القلم، والنسخ؛ فلم يقع الطلاق بها من غير [نية]؛ كالألفاظ المحتملة، والله أعلم.
ومحل القولين عند بعضهم في حال الغيبة، فأما في حال الحضور فلا يكون كناية قولاً واحداً، وعند بعضهم: أن محلها في حال الحضور، فأما في حال الغيبة فيكون كناية قولاً واحداً، وقيل: القولان في الحالين، وهو الأظهر.
ثم القول بأن الكتابة غير مؤثرة مفروض فيما إذا لم يفرض معها قراءة المكتوب ولا بعدها، أما لو وجدت القراءة، فادعى أنه لم ينو بها الطلاق، وإنما قصد [بها] الحكاية- ففي قبول قوله في الظاهر وجهان، كالوجهين فيما لو قال لها: أنت طالق، وهو يحل وثاقها، وقال: أردت حل الوثاق.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكتب على الكاغد، والرق، واللوح، وبين أن ينقشه على الحجر، والخشب.
ولا عبرة برسم الحروف على الماء والهواء؛ لأنها لا تثبت.
وقال الإمام: لا يمتنع أن يلتحق هذا بالإشارات؛ فإنها حركات يفهم منها شكل الحروف؛ فتنزل منزلة الإشارة المفهمة.
ولو كتب كناية من كنايات الطلاق، ونوى، فلا يقع بها طلاق على القولين معاً، قاله في الذخائر، وعلله بأن الكتابة كناية؛ فلا تصح بكناية؛ إذ لا يكون للكناية [كناية].
وفي تعليق القاضي الحسين أنه يقع؛ كما لو قال لامرأته: أنا منك بائن، فإنه كناية من وجهين، وإذا نوى به الطلاق وقع.
تنبيه: ما ذكره الشيخ مفروض فيما إذا صدر من ناطق، أما إذا صدر من أخرس، فلم يتعرض له، ونحن نذكره، ونقدم عليه مقدمة نحتاج إلى ذكرها في الباب- أيضاً- فنقول:
الإشارة معتبرة من الأخرس في وقوع طلاقه، للضرورة؛ لأنه كذلك يعبر، ويدل على ما في ضميره، ويكتفي بها إذا كانت مفهمة، وإن لم ينو بها الطلاق؛ على ما حكاه في التهذيب من غير تفصيل.
وقسم الإمام وغيره الإشارة إلى صريحة تغني عن النية، وهي التي يفهم منها الطلاق كل من وقف عليها، وإلى كناية محتاجة إلى النية، وهي التي يختص بفهم الطلاق منها المخصوصون بالفطنة والذكاء.
قال الرافعي: وظني أني سمعت- أو رأيت- لبعضهم: أن الكناية [هي] التي يختص بفهم الطلاق منها من خالطه، واختبر أحواله وإشارته.
والصريح: ما يفهمه الخلطاء والأجانب.
ولا فرق في اعتبار إشارته بين أن يقدر على الكتابة، أو لا يقدر؛ لحصول الفهم.
وفي التتمة: أنها إنما تعتبر إذا لم يقدر على الكتابة المفهمة، أما إذا قدر عليها فالكتابة هي المعتبرة؛ لأنها أضبط وأدل على المراد إلا أنه لابد وأن يكتب مع ذلك: إني قصدت طلاقها.
إذا تقرر ذلك عدنا إلى الكلام في وقوع طلاقه بالكتابة، والذي ذهب إليه
الجمهور أنها كناية في حقه وهو الصحيح؛ لأنها تحتمل امتحان القلم، ومحاذاة الخط، ولا يشترط معها الإشارة؛ لأنها قائمة في حقه مقام العبارة.
وإن قلنا: يقع بالكتابة مع النية؛ فلا يحتاج إلى الإشارة بالطلاق، ويكفي أني فهمنا أنه نوى الطلاق.
ورأى الشيخ أبو محمد: أن الكتابة في حقه صريحة؛ وهذا تفريع منه على أنها ليست في حق الناطق صريحة.
أما إذا قلنا: إنها في حق الناطق صريحة؛ فها هنا أولى.
قال: وغن قال [لها]: شعرك طالق، أو، بعضك طالق، طلقت؛ لأن الطلاق لا يتبعض، فكان إضافته إلى الجزء، كالإضافة إلى الكل؛ كما في العفو عن القصاص.
واستدل الرافعي على وقوعه عند الإضافة إلى الجزء المشاع بالإجماع.
وحكم السن، والظفر، وسائر الأجزاء التي تقبل الإزالة والتي لا تقبلها، الظاهرة [منها] والباطنة في هذا المعنى- حكم الشَّعْر، وكذلك الإضافة إلى الجزء الشائع والمعلوم كالثلث، والربع مثلاً كالإضافة إلى الجزء المبهم.
وخص الشيخ- رضي الله عنه الشعر بالذكر؛ لأنه محل الخلاف، [و] إذا ثبت فيه مع كونه جائز الإزالة من غير عذر، فلأن يثبت في غيره مع كونه لا يقبل الإزالة مع بقاء الحياة أو غير جائز- أولى، وفي كتاب القاضي ابن كج [حكاية] قول في الشعر: أنه لا يقع؛ كما أنه لا يبطل الوضوء بلمسه، قال الرافعي: ولاشك في اطراده في السن والظفر.
والفرق على المذهب بين نقض الطهارة وما نحن فيه: أن نقض الطهارة يتعلق بمس ما هو محل للذة [المس]، والشعر لا لذة في مسه، وهنا الاعتبار [بأن يكون] متصلاً بها اتصال خلقة أو مباحاً بعقد النكاح، والشعر متصل، ويستباح النظر إليه بعقد النكاح.
وحيث حكمنا بوقوع الطلاق فهل وقع على ما سماه، ثم سرى [إلى]
باقيها، أو وقع على [جميع] الجملة ابتداء؟ فيه وجهان، تظره فائدتهما في صور تتعلق بالطلاق وغيره.
منها: إذا قال: إن دخلت الدار فيدك طالق، ثم بانت اليد، ودخلت الدار، أو قال لمن لا يمين لها: يمينك طالق- فإن قلنا بالأول، لم يقع.
وإن قلنا بالثاني، وقع.
وقطع بعضهم في المسألة الثانية بعدم الوقوع؛ لأنه [إن جعل] البعض عبارة عن الكل؛ فلابد من وجود البعض المضاف [إليه]؛ لتنتظم الإضافة، فإذا لم يكن لغت؛ كما لو قال لها: لحيتك أو ذكرك طالق.
قال الإمام: ويجب أن يكون هذا متفقاً عليه.
ومنها: إذا قال: حسنك أو بياضك طالق إن قلنا بالأول، لم يقع؛ لأنه لا يمكن وقوع الطلاق على الصفات، وإن قلنا بالثاني؛ وقع، وتجعل الصفة عبارة عن الموصوف؛ هكذا حكاه في "التتمة"، وقضيته أن يكون الراجح وجه السراية، وقد رجحه الرافعي؛ لهذا البناء؛ لأن الظاهر أنه لا يقع الطلاق في هذه الصورة.
ومنها: إذا قال لوكيله: طلق زوجتي طلقة فقال لها: يدك أو رجلك طالق، فإن قلنا: إنه يقع بطريق التعبير بالبعض عن الكل، فيقع الطلاق.
وإن قلنا: يقع ثم يسري فلا يقع؛ هكذا حكاه في التتمة، ولم يحك فيما إذا أضاف الوكيل الطلاق إلى جزء شائع، أو قال لها: أنت طالق نصف طلقة خلافاً في الوقوع، وكان مقتضى ما ذكره أن يجري فيهما؛ لما مضى، ولما سيأتي أنه إذا قال لها: أنت طالق نصف طلقة: أن الطلاق يقع بطريق التعبير بالبعض عن الكل، أو بطريق السراية.
ومنها: إذا قال لأمته: يدك أم ولدي، أو قال لصغير مجهول النسب: يدك ابني فإن قلنا بالثاني كان إقراراً بأمية الولد والنسب.
وإن قولنا بالأول فلا؛ كذا قاله المتولي.
قلت: وقد يضاف إلى ذلك [ما إذا ضمن إحضار جزء] شائع من إنسان أو غير شائع، لا تبقى الحياة بدونه، فإن قلنا: إنه بطريق السراية، لم يصح الضمان.
وإن قلنا بطريق التعبير [بالبعض] عن الكل؛ [لم يصح، لكن لو قيل به للزم أن يكون الصحيح: نه يقع بطريق التعبير بالبعض عن الكل فإن]؛ الصحيح صحة الضمان، وقد حكينا: أن الراجح خلافه.
نعم: هو ماش فيما لو أضاف الضمان إلى جزء تبقى الحياة بدونه.
قال: وإن قال: [ريقك أو [دمك] طالق]، لم تطلق.
أما في الريق، وما في معناه: كالدمع، والمخاط، والعرق، والبول، وما جانس ذلك؛ فلأنها غير متصلة بها اتصال خلقة، ولا يلحقها الحل والتحريم، والطلاق شرع لقطع الحل الثابت بالعقد.
وأما في [الدم؛ فلأنه] لا يلحقه حل ولا تحريم؛ فكان كالبول.
ومن أصحابنا من قال: [إنه] يقع في الجميع، على ما حكاه الإمام والحناطي.
ويجري مثله- على ما ذكره الحناطي- فيما إذا قال: الماء والطعام الذي في جوفك طالق.
ومنهم من قطع في الدم بوقوع الطلاق؛ لأنه في معنى الروح؛ إذ به قوام البدن.
ومنهم من حكى- أيضاً- في الروح خلافاً مبنياً على أن الروح جسم أو عرض.
ولو أضاف الطلاق إلى الأخلاط المشكلة في البدن: كالبلغم والمريء،
فهو كالإضافة إلى الفضلات على ما حكاه الإمام.
والإضافة على المني واللبن كالإضافة إلى البول، أو كالإضافة إلى الدم؛ [لأنهما يتولدان منه]؟ وفيه خلاف.
والإضافة إلى الجنين لا توقع الطلاق، وادعى الإمام اتفاق الأصحاب عليه.
وفي ابن يونس حكاية وجه فيه، وهو مروي في الرافعي [عن حكاية أبي الفرج. وفي الإضافة إلى الشحم تردد للإمام، وسبيله إلى أنه لا يقع.
قال الرافعي]: والأقرب وقوعه.
ولو قال: سمنك طالق، لم يقع.
ولو أضاف [الطلاق] إلى المعاني القائمة بالذات: كالسمع، والبصر، والكلام، والضحك، والبكار، [والغم][والفرح]، والسكون، والحركة- لم يقع.
ونقل الحناطي في الحركة والسكون، والبصر، والكلام- وجهين:
أحدهما: الوقوع.
والثاني: أنه لا يقع حتى يريده.
ولو قال: اسمك طالق، لا يقع إلا أن ينوي بالاسم وجودها وذاتها [فيقع]؛ قاله في "التتمة".
ولو قال: حياتك طالق، ففي النهاية: أنه يقع.
وفي التهذيب: أنه إن أراد الروح وقع، وإن أراد المعنى القائم بالحي لم يقع.
واعلم: أن ما ذكرناه هو شرح ما هو موجود في النسخ.
وفي النووي: أن الذي ضبط عن نسخ المصنف بدل قوله: دمك: دمعك، وهو الأصوب، والله أعلم.
ولنختم الباب بذكر الفروع التي تقدمت الإشارة إليها، مقتصرين على ما يغلب على الظن وقوعه.
[الفرع الأول:] لو قال لوكيله: إذا أخذت مالي من زوجتي فطلقها أو خالعها، أو: خذ مالي، ثم طلقها- لم يجز تقديم الطلاق على أخذ المال.
وكذلك لو قال: خالعها على أن تأخذ مالي منها.
ولو قال: خذ مالي منها، وطلقها، فهل يشترط تقديم أخذ المال، أو لا يشترط، ويجوز تقديم الطلاق، كما لو قال: طلقها وخذ مالي؟ فيه وجهان:
رجح صاحب التهذيب منهما الأول؛ حكى ذلك الرافعي قبيل كتاب الخلع.
[الفرع الثاني:] إذا قال: برئت من نكاحك، ونوى، طلقت، [ولو قال: برئت من طلاقك، لم يقع وإن نوى.
ولو قال: طلقك الله، طلقت].
قال الرافعي: وهذا يشعر [بأنه صريح].
ورأى البوشنجي إلحاق ذلك بالكنايات.
ولو قال: أنت طال وترك القاف، طلقت؛ حملاً على الترخيم.
وقال البوشنجي: لا ينبغي أن يقع وإن نوى.
نعم: لو قال: يا طال، ونوى- وقع؛ لأن الترخيم في العربية إنما يعتمد في النداء والشعر.
ولو قال: الطلاق لازم لي، أو: واجب علي، تطلق؛ للعرف.
ولو قال: فرض علي، لم تطلق؛ لأنه لم يجر العرف به.
وكل ذلك مروي عن حكاية الشيخ أبي عاصم [العبادي] في الزيادات.
وفي العدة: لو قال: طلاقك لي لازم، فهو صريح عند أكثر الأصحاب.
وفي فتاوى القفال: أنه إذا قال لزوجته: اذهبي إلى بيت أبوي، ونوى الطلاق عند قوله: اذهبي، وقع، وإن نواه بمجموع اللفظين، لم يقع؛ وأنه لو قال لامرأته: يا بنتي، وقعت الفرقة بينهما عند احتمال السن.
ولو قال: امرأتي هذه محرمة علي لا تحل لي أبداً، نقل الرافعي عن جده: أنها لا تطلق؛ لأن التحريم قد يكون بغير الطلاق، وقد يظن ما لا يحرم محرماً.
وقيل: يحكم عليه بالبينونة بمقتضى لفظه.
وعند صاحب التلخيص: أن قوله: أغناك الله كناية.
[وفي التهذيب أن قوله]: قومي كناية، والصحيح خلافه.
وفي قوله: تزوَّدي، حكاية وجه أنه كناية، والله أعلم.