الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقدمة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإن مما يشهد بالقيمة الحضارية والثقافية لأمة ما، ما تحققه من مبادئ إنسانية زاهية، تتجاوز حدودها لتعم بإنسانيتها الآخرين، ولو خالفوا في الدين والجنس واللغة.
وقد اصطفى الله نبينا صلى الله عليه وسلم للرسالة، وجعله رحمة إلى الناس أجمعين {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} (الأنبياء: 107)، فكانت رسالة الإسلام أول رسالة عالمية، تجاوزت حدود الزمان والمكان واللغة والجنس «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثتُ إلى الناس عامة» (1).
فرسالته صلى الله عليه وسلم هي الرسالة التي جعلها الله خاتمة الرسالات المهيمنة عليها، ودعا الناس إلى الإيمان بها، لأنها الحق الذي ارتضاه الله للبشرية ديناً {إن الدين عند الله الإسلام} (آل عمران: 19) {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} (آل عمران: 85).
لكن الله تبارك وتعالى شاء بمشيئته وحكمته أن يخلق الإنسان كائنا فريداً متميزاً بالاختيار، فقدر سبحانه أن ينقسم الناس إلى مؤمن مصدق، وكافر جاحد {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير} (التغابن: 2)، ولو شاء الله لألزم الإنسانية دينه فطرة وقهراً، فلا تملك في قبوله حولاً ولا طولاً، لكنه سبحانه وتعالى لم يشأ ذلك {ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدةً ولا يزالون مختلفين - إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} (هود: 118 - 119).
قال ابن كثير عن قول الله تبارك وتعالى {ولا يزالون مختلفين - إلا من رحم ربك} : "أي: ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم .. "(2).
إذاً فاختلاف الناس في أديانهم قدر الله وسنته الماضية في خلقه {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} (يوسف: 103).
ولنا أن نتساءل عن مصير أولئك الذين آثروا إرث الأجداد على الهدي المستبان، وقالوا:{إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} ، كيف يتعامل الإسلام مع هؤلاء؟ وكيف يحكم فيهم إذا سكنوا ربوعه وتفيؤوا ظلاله؟
وسنهدف للإجابة عن هذه الأسئلة من خلال دراسة نصوص الكتاب والسنة، وتبصر معانيها بهدي العلماء، فقهاء الأمة، وتطبيقات سلفنا الكرام خلال قرون الإسلام الظافرة التي سادوا فيها الدنيا، والتي كانت في مجملها جواباً عملياً عن هذه الأسئلة، فكانت اجتهاداتهم المشكورة تجسيداً لنظام الإسلام العادل في التعامل مع غير المسلمين.
(1) أخرجه البخاري ح (335)، ومسلم ح (1163).
(2)
تفسير القرآن العظيم (2/ 466).
وما أحرانا اليوم ونحن نشهد النهضة الإسلامية الجديدة التي جسدتها الصحوة المباركة، ما أحرانا أن نبدد مخاوف الآخرين الذين يعيشون داخل العالم الإسلامي، فصحوتنا وعودتنا إلى ديننا لن تؤدي إلى شيء مما يفرقونه ويحذرونه.
وهذه المخاوف نبددها باستدعاء التجربة التاريخية الفريدة التي عاشها أجدادهم ضمن المجتمع المسلم طوال قرون رغيدة، حفظت للأحفاد حتى اليوم وجودهم وكينونتهم داخل مجتمعنا وضمن حضارتنا.
والموضوع الذي نحن بصدده رسالة نتقدم بها إلى أولئك الذين دأبوا على اتهام الإسلام بالانغلاق، ووصموه بما يكذبه التاريخ، ولا تعشى عن حقائقه الأبصار.
إنه لمن العجب أن يوسم الإسلام بالصفة ونقيضها، فلئن اتهمه بعضهم بالعنف؛ فإن آخرين عابوا عليه نزعته التسامحية ورأوها سبب أفول الدولة الإسلامية، يقول الكونت هنري دي كاستري في كتابه "الإسلام":"تطرف المسلمون في المحاسنة؛ لأنها سهلت العصيان للعصاة، ومهدت لبعض الأسر المستقلة في المغرب الخروج على الجماعة في بلاد الأندلس وبلاد المغرب، وانتهى الأمر - مع المحاسنة - إلى انحلال عناصر المملكة العربية، ومن المرجح أن المسلمين لو عاملوا الأندلسيين كما عامل المسيحيون الأمم السكسونية والواندية؛ لأخلدت إلى الإسلام واستقرت عليه"(1).
ولِمَ نستبق سطور البحث لنصل إلى نتيجته، لِم لا ندع التاريخ يقول كلمته المنصفة في دورتنا الحضارية الفذة التي قدمها أجدادنا الخالدون في تعاملهم مع الآخرين، مستلهمين أسسها وعظمتها من كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم وشريعة الإسلام الغراء.
وتنتظم هذه الدراسة في تمهيد ومبحثين وخاتمة:
التمهيد: وفيه أعرّف بأنواع الكافرين في بلاد المسلمين والأحكام العامة لكل منهم.
المبحث الأول: وأذكر فيه حقوق غير المسلمين وضماناتهم في المجتمع المسلم، وأعرض لتطبيقات ذلك في التاريخ الإسلامي.
المبحث الثاني: وأتناول فيه مسألة الجزية في الإسلام، وأبين الحق في هذه الشرعة والمقصود منها.
الخاتمة: وألخص فيها أهم ما توصلت إليه الدراسة من نتائج.
وإذ أشكر الله على توفيقه؛ فإني أنسب توفيق هذا العمل إلى أهله، فأشكر السادة العلماء الذين أفدت من كتبهم وعلمهم وسبقهم إلى معالجة هذا الموضوع المهم، وأشرت إليهم في قائمة المراجع اعترافاً بسبقهم وأستاذيتهم، فقد كانت دراساتهم القيمة شمعة أضاءت ومهدت لي الطريق، وكانت سطورهم المباركة الركن الركين الذي قامت على أساساته هذه الدراسة، فلهم مني الشكر والاعتراف بالجميل والسبق.
وأسأل اللهَ أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
د. منقذ بن محمود السقار
مكة المكرمة - صفر - 1427هـ
(1) سماحة الإسلام، أحمد الحوفي، ص (209).