الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكاتب: محمد رشيد رضا
الدين والتدين والإلحاد والتعطيل
التدين غريزة فطرية، والدين حاجة من حاجات البشر الطبيعية، والإلحاد
والتعطيل إما نقص في الفطرة. كما يولد بعض الناس مخدوجًا بنقص حاسة من
حواسه، أو تشوه عضو من أعضائه، وإما تصرف سيئ في الفطرة، وجناية على
الطبيعة. وقد خلق الله الإنسان في هذه الأرض وأعطاه فيها سلطان التصرف فيها
وفي نفسه. وأسجد له مَن فيها من ملائكته، الذين هم كالملكات والقوى في تدبير
الأمر، وإقامة النظام في الخلق، فهو بهذا التصرف فيها يفسد فيها ويسفك الدماء،
كما يصلح ويعمر وينفع الناس: يجني على نفسه فيُحَمِّلها فوق طاقتها، ويعرضها
للأمراض التي لا قبل له بها، ويجني على غيره بالعدوان والبغي، وإهلاك الحرث
والنسل. فلا غرو إذا جنى على الدين، بشبهة دليل أو بغير دليل.
كان السواد الأعظم من الناس متدينًا، ولا يزال السواد الأعظم من الناس
متديِّنًا، وسيبقى السواد الأعظم من الناس متدينًا. ولكنهم يتصرفون في أديانهم،
كما يتصرفون في أنفسهم وأبدانهم، وسيظلون زمنًا طويلاً في اضطراب ومخض،
بين رفع وخفض، وإبرام ونقض، حتى تزول العصبيات الدينية، وتسقط
الرياسات المذهبية، ويكون الدين لله، لا للخلفاء والأشياخ، ولا للرهبان والأحبار،
ويكون للإنسان الحرية فيه والاستقلال، فيتفق أكثر المختلفين، ويجتمع أكثر
المتفرقين، فتنقشع السحب عن دين الفطرة، ويدخلون في السلم كافة.
كان الناس متدينين، وكان يكون في كل جيل منهم في كل عصر أناس من
المعطلين، وأفراد من الملحدين، كما يوجد فيهم العُمْي الذين لا يبصرون. والصم
الذين لا يسمعون ، والبكم الذين لا ينطقون {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ
وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَاّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَاّ يَظُنُّونَ} (الجاثية:
24) ، هذه حكاية القرآن عن بعض جاهلية العرب. وحكى مثله عن قوم نوح أقدم
من أثر تاريخهم من الأمم. ولكن بعض ملاحدة عصرنا يظنون - لجهلهم
بالتاريخ - أن هذا الشذوذ خاص بالفلاسفة وأصحاب الأفكار الراقية، ولهذا الامتياز
الوهمي صار بعض الغوغاء يكفر بالتقليد، لينتظم في سلك الفلاسفة الجديد. ويتفلت
من قيد التكليف.
نعم يوجد من أهل النظر من حجبته نظريات الفلسفة ومسائلها وتعليلاتها
المسلمة عن الدين وجوهره، وما كان من حسن أثره، فطفقوا يقذفون بتلك
النظريات والمسلمات، ظواهر الدين وتقاليده المحدثات، وخيل إليهم أنهم فازوا
بقصب الرهان، وأبرهوا جيوش الأوهام بسيف البرهان. وما ذلك إلا وهم يناطح
وهمًا، هذا يسميه هدى وذلك يدعوه علمًا، ولو كانت تلك النظريات علمًا يقينيًّا لما
تنازعت فيها الأفكار، واختلفت باختلاف الأجيال والأعصار، فإن فلسفة هذا
الزمان، قد نقضت معظم فلسفة اليونان، وينقض بعضها بعضًا في كل عام. وأما
علم اليقين، فلا شيء منه بمناقض لهداية الدين، وإن نقض بعض تواريخ الكتب
المقدسة في بعض الأديان، وبعض عقائدها المخترعة التي ما أنزل الله بها من
سلطان. وحاشا دين القرآن، الذي كفل حفظه الرحمن، فلم تؤثر فيه تأويلات
المتكلمين، ولا تعليلات المتفقهين، دع أباطيل أهل الزيغ أو الزندقة، كالباطنية
والمتفلسفة.
إن في الفلاسفة متدينين، كما أن فيهم ماديين، وكذلك أصحاب العقول الكبيرة
من العلماء والقواد والسياسيين. فتولستوي الفيلسوف الروسي كان متدينًا. والبرنس
بسمارك كان متدينًا، وإمام الأطباء باستور كان متدينًا، وإن أكبر قائد حربي في
فرنسة اليوم متدين. كما كان ابن سينا والفارابي والغزالي وابن رشد من فلاسفة
المسلمين متدينين. وأمثالهم كثيرون في كل أمة.
نعم إن دين أمثال هؤلاء قد يخالف في أصوله وفروعه دين العوام المقلدين؛
لأن لعلومهم وفلسفتهم طريقًا خاصًّا في فهمهم الدين، والعامي المقلد تابع لمن يلقنه،
وللبيئة التي يعيش فيها كل منهم تأثير في فهم ما يتلقنه. فإذا كان العالم المستقبل
يخطئ فهم حقيقة الدين في قليل من المسائل، فالجاهل المقلد أجدر بالخطأ في فهم
الأكثر منها.
يغتر كثير من مقلدة الإلحاد في أمتنا بمن اشتهر من ملاحدة علماء الإفرنج،
غافلين عن الاعتبار بحال المتدينين منهم، وما كل من طعن في الكنيسة وأهلها من
علماء الإفرنج كافر بالله ورسله؛ بل لهؤلاء دين غير دين الكنيسة، وتكفير الكنيسة
لهم كتكفير بعض المتكلمين والصوفية لابن سينا وأمثاله. فمن متديني الإفرنج
المقلدون، ومنهم العقليون والموحدون. ولعل دين السواد الأعظم من المتعلمين
المهذبين منهم كدين مدام (كلاير) : عجوز فرنسية ذات علم وأدب، من بيت في
ليون محترم، جاورتنا مرة في الدار، فرأيتها لاتذهب إلى الكنيسة في أيام الآحاد،
فسألتها: ما بالك لا تذهبين إلى الكنيسة؟ ألستِ متدينة. قالت: أنا مؤمنة بالله
وأصلي له في بيتي، وما فضل الكنيسة على البيت؟ إنها لا فضل لها إلا أن فيها
رجالاً يأكلون أموالنا.. . قلت: أتدينين بعقيدة التثليث؟ قالت: لا أعرف التثليث،
أعرف أن الرب واحد. قلت: وما تقولين في السيد المسيح عليه السلام؟ قالت:
(مثل نبي) . فهذه حال أهل التعليم العالي في القوم. دع السواد الأعظم من العامة،
وكثيرًا ممن يعدون من الخاصة، الذين يتمسكون بمذاهبهم التقليدية، لا يثنيهم عنها
إنكار العقليين ولا غيره.
أفلا ينظرون من وراء ذلك كله - جهلوه أم عرفوه - إلى ما يبذله الإفرنج من
ملايين الجنيهات لجمعياتهم الدينية لأجل نشر دينهم في الخافقين، وتعميمه في
المشرقين والمغربين؟ يقول بعضهم بغير علم: إن الغرض من ذلك سياسي لا
ديني. كذبوا، وحكموا بما لم يعلموا، إن تلك الملايين يبذلها الشعب الذي لا يعرف
السياسة، ولا ننكر أن أهل السياسة يستفيدون من سعي المبشرين، فإذا كانت حكومة
روسيا تستفيد بسياستها من تنصير دعاة الأرثوذكسية لمسلمي بلادها، وإنكلترا
تستفيد من تنصير دعاة البروتستانتية لمن ينصرون من أهل الهند والسودان، فأي
فائدة سياسية لأمريكا في بث دعاة النصرانية في بلاد العرب والترك والفرس والهند
وسائر الأقطار؟
تأملت في حال ملاحدة هذا العصر، فما رأيت أشد عماية، وأبعد غواية،
وأضل سبيلاً، وأفسد قيلاً من ملاحدة المسلمين الجغرافيين.
ما رأيت أحدًا منهم صاحب دعوة سياسية في أمته قد ثبت عنده أن الإسلام
يعارضها، ويحول دون التحول السياسي والاجتماعي الذي يراد بها، فهو ينفرد من
الإسلام وينفر عنه لأجلها، كيف وهم يعترفون - تبعًا لحكماء الإفرنج - بأن الدين
أقوى عوامل السياسة؛ ولا سيّما دين الإسلام، كما صرح بذلك علماءالاجتماع.
ما رأيت أحدًا منهم صاحب مذهب فلسفي أدبي ثبت عنده أن حكمة الإسلام
تناقضه، وأن صلاح الأمة لا يكون إلا به، فهو يلهج بالاعتراض على الإسلام؛
لأنه عقبة في طريق ما يحاول من الإصلاح. كيف وإن التربية عند أئمتهم - أكثر
الإفرنج - لا تزال قائمة على أساس آداب الدين؟
ما رأيت أحدًا منهم عني بفقه القرآن وصحيح السنة. وما كان عليه سلف
الأمة، ثم عرضت له شبه قوية على صحة تلك الهداية فهو يريد التفصي منها.
وقد خانته البينات والدلائل المزيلة لها، كيف ونحن نعلم أن أكثرهم لم يقرأ تفسير
سورة من السور. ولا يميز بين الصحيح والموضوع من الأثر؟ وإن مَن له إلمام
بشيء من علم الدين، قلّما يعرف إلا بعض القشور من هذه التقاليد، فهو يهزأ بالدين
لأجل خرافة أو بدعة. يحسب أنها عقيدة ثابتة أو سنة.
ألا إنهم - على ما هم عليه من جهل بحقيقة الإسلام، وقصور عن النهوض
بدعوة إلى الإصلاح - يطلقون للسانهم العنان، فيجمح بهم في كل ميدان. فمنهم من
يتشدق بالسياسة، ومنهم من يتفيهق بالمقابلة بين القانون والشريعة، ومنهم من يهذر
بالأخلاق والآداب، ومنهم من يهذي بالاعتراض على العبادات، يتخذون الكلام في
ذلك هزؤًا ولعبًا، وأفاكيه يتلذذون بها تلذذًا، في زمن قل فيه العليم بأسرار الدين،
والبصير بحكم التشريع، الذي يفرّق بين الأصول الثابتة بالدليل، والنصوص التي
لا تحتمل التأويل. وبين الفروع المستنبطة بالاجتهاد، والظواهر التي لم يتعين منها
المراد.
على أن الأرض لا تخلو من قائم لله بحجته، ومن مفصح للشرع عن حكمته،
ولكن هؤلاء بمعزل عن الحجة وأهلها، هي مجهولة لهم؛ فهم لا يطلبونها، ثقيلة
عليهم فإذا تليت عليهم آياتها لا يسمعونها، إلا من كان سليم الفطرة، قريب العهد
بهذه الهجرة، وطالما تأذنهم المنار، بما يذهب بالتعلات والأعذار، من الاستعداد
لإزالة كل شبهة، والتصدي لكشف كل غمة.
يا سبحان الله! أتبيح السياسة لبسمرك أعظم رجال أوربا في القرن الماضي -
وهو كما قال جمهوري بالطبع - أن يكون على دين يناقض طبعه فيجعله عبدًا لملك
بروسية؛ لأنه يقول له - إن سلطة المملوك من الله؟ - ولا تبيح لهؤلاء المتشدقين
منا أن يكونوا على دين سبق كتابه إلى وضع أعظم أساس للحكم الذاتي بقوله:
{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (الشورى: 38) ، وأقام على هذا الأساس أركان
المصالح المرسلة، وجعل رفع المفسدة مقدمًا على جلب المصلحة، إلى غير ذلك
من الأركان الثابتة، ثم قِس على هؤلاء المتشدقين، أمثالهم من المتفيهقين والهاذين
والهاذرين.
وإن تعجب فعجب خوضهم في مسائل الأخلاق والآداب، فقد انقلبت عقولهم
فيها شر الانقلاب، حتى صار فيهم من يعدّ العفة والغيرة والرحمة من الرذائل
وأضدادها من الفضائل؛ بناءً على قاعدة الإتخاب الطبيعي التي تغري القوي،
بالضعيف، وتبيح له أن يعجل بسلب حياته ويستأثر دونه بزوجه وماله، ولعل
واحدهم لا يرجع عن هذه الغواية إلا إذا مسه الضر، وعضه ناب الفقر، وتصدى
إخوانه في الكفر لإزهاق روحه، وتعدى أخدانه في الإلحاد على عرض زوجه،
ومنعوها من خدمته ومواساته؛ بناء على قاعدتهم في كون الحق في ذلك للقوي
القادر على الإنتاج، والقيام بشؤون الاجتماع!
ألا إن من بلغ هذه الغاية من ارتكاس الفطرة، وانتكاس الفكرة، فصار يرى
الحقائق بغير صورها، ويزن الأشياء بغير ميزانها، فلا طمع في هدايته، ولا
رجاء في مناظرته، أولئك الذين ختم الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم،
يجادلونك في الحق بعدما تبين، ويمارونك في البديهي وقد تعين.
وأما أكثر المخدوعين بأوهام هؤلاء المبطلين، فهم مستعدون لقبول الدليل،
والاهتداء إلى سواء السبيل، إذا تداركهم العلماء والراسخون، وتعاهدهم الحكماء
الربانيون ولكن قل العلماء القادرون على كشف الشبهات، وكثر المشتبهون،
فالإصلاح موقوف على تكثير سواد المصلحين الجامعين بين علوم الدنيا والدين،
مع استقلال الفكر، وتزكية النفس، ولا يكون هذا إلا بتربية وتعليم، على صراط
الحق المستقيم، فقل للذين هم على الدين يغارون: لمثل هذا فليعمل العاملون.
فسارعوا إليه إن كنتم صادقين، وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين.
_________
الكاتب: أبو إسحاق الشاطبي
فصل [*]
الابتداع بالتشدد في الدين
والتزام ما لم يرد وتتبع آثار الصالحين
من كتاب الاعتصام
للشاطبي
ثم أتى بمأخذ آخر من الاستدلال على صحة ما زعم، وهو أن الدعاء على
ذلك الوجه لم يرد في الشرع نهي عنه مع وجود الترغيب فيه على الجملة، ووجود
العمل به. فإن صح أن السلف لم يعملوا به، فالترك ليس بموجب لحكم في
المتروك إلا جواز الترك وانتفاء الحرج خاصة، لا تحريم ولا كراهية ، وجميع ما
قاله مشكل على قواعد العلم وخصوصًا في العبادات - التي هي مسألتنا - إذ ليس
لأحد من خلق الله أن يخترع في الشريعة من رأيه أمرًا لا يوجد عليه منها دليل؛
لأنه عين البدعة، وهذا كذلك، إذ لا دليل فيها على اتخاذ الدعاء جهرًا للحاضرين
في آثار الصلوات دائمًا، على حد ما تقام، بحيث يعد الخارج عنه خارجًا عن
جماعة أهل الإسلام متجزًا ومتميزًا [1] إلى سائر ما ذكر، وكل ما لا يدل عليه
دليل [2] فهو البدعة.
وإلى هذا [3] فإن ذلك الكلام يوهم أن اتباع المتأخرين المتقلدين خير من اتباع
الصالحين من السلف، ولو كان في أحد جائزين، فكيف إذا كان في أمرين أحدهما
متيقن أنه صحيح والآخر مشكوك فيه؟ فيتبع المشكوك في صحته، ويترك ما لا
مرية في صحته ولو لعا من يتبعه [4] .
ثم إطلاقه القول بأن الترك لا يوجب حكمًا في المتروك إلا جواز الترك، غير
جار على أصول الشرع الثابتة، فنقول: إن هنا أصلاً لهذه المسألة لعل الله ينفع به
من أنصف من نفسه: وذلك أن سكوت الشارع عن الحكم في مسألة ما أو تركه
لأمر ما على ضربين:
(أحدهما) : أن يسكت عنه أو يتركه؛ لأنه لا داعية له تقتضيه، ولا
موجب يقرر لأجله، ولا وقع سبب تقريره، كالنوازل الحادثة بعد وفاة النبي صلى
الله عليه وسلم، فإنها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها، وإنما حدثت بعد
ذلك، فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها وإجرائها على ما تبين في الكليات التي
كمل بها الدين، وإلى هذا الضرب يرجع جميع ما نظر فيه السلف الصالح مما لم
يسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخصوص مما هو معقول المعنى،
كتضمين الصناع، ومسألة الحرام، والجد مع الإخوة، وعول الفرائض، ومنه
جمع المصحف، ثم تدوين الشرائع، وما أشبه ذلك مما لم يحتج في زمانه عليه
السلام إلى تقريره للتقديم [5] كلياته التي تستنبط منها، إذا لم تقع أسباب الحكم فيها
ولا الفتوى منه عليه السلام، فلم يذكر لها حكم مخصوص.
فهذا الضرب إذا حدثت أسبابه فلا بد من النظر فيه وإجرائه على أصوله إن
كان من العاديات، أو من العبادات التي لا يمكن الاقتصار فيها على ما سمع،
كمسائل السهو والنسيان في إجراء العبادات. ولا إشكال في هذا الضرب؛ لأن
أصول الشرع عقيدة، وأسباب تلك الأحكام لم تكن في زمان الوحي، فالسكوت
عنها على الخصوص ليس بحكم يقتضي جواز الترك أو غير ذلك؛ بل إذا عرضت
النوازل روجع بها أصولها فوجدت فيها، ولا يجدها من ليس بمجتهد، وإنما يجدها
المجتهدون الموصوفون في علم أصول الفقه.
(والضرب الثاني) : أن يسكت الشارع عن الحكم الخاص أو يترك أمرًا ما
من الأمور، وموجبه المقتضي له قائم، وسببه في زمان الوحي وفيما بعده موجود
ثابت، إلا أنه لم يحدد فيه أمر زائد على ما كان من الحكم العام في أمثاله ولا
ينقص منه؛ لأنه لما كان المعنى الموجب لشرعية الحكم العقلي الخاص موجوداً ثم
لم يشرع ولا نبه على السبطا [6] كان صريحاً في أن الزائد على ما ثبت هنالك
بدعة زائدة ومخالفة لقصد الشارع، إذ فهم من قصده الوقوف عندما حد هنالك لا
الزيادة عليه ولا النقصان منه.
ولذلك مثال فيما نقل عن مالك بن أنس في سماع أشهب وابن نافع هو غاية
فيما نحن فيه، وذلك أن مذهبه في سجود الشكرالكراهية وأنه ليس بمشروع
وعليه بني كلامه. قال في العتبية: وسئل مالك عن الرجل يأتيه الأمر يحبه فيسجد
لله عز وجل شكرًا؟ فقال: لا يفعل هذا مما مضى من أمر الناس. قيل له: إن أبا
بكر الصديق رضي الله عنه فيما يذكرون - سجد يوم اليمامة شكرًا لله. أفسمعت
ذلك؟ قال: ما سمعت ذلك، وأنا أرى أن قد كذبوا على أبي بكر. وهذا من
الضلال أن يسمع المرء الشيء فيقول: هذا لم تسمعه مني. قد فتح الله على رسول
الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين بعده. أفسمعت أن أحدًا منهم فعل مثل هذا؟
إذ ما قد كان في الناس وجرى على أيديهم سمع عنهم فيه شيء، فعليك بذلك فإنه
لو كان لذكر؟ لأنه من أمر الناس الذي قد كان فيهم، فهل سمعت أن أحدًا منهم
سجد؟ فهذا إجماع. وإذا جاءك أمر لا نعرفه فدعه - تمام الرواية - وقد احتوت
على فرض سؤال والجواب بما تقدم.
وتقرير السؤال أن يقال في البدعة - مثلاً -: إنها فعل سكت الشارع عن
حكمه في الفعل والترك، فلم يحكم عليه بحكم على الخصوص، فالأصل جواز فعله،
كما أن الأصل جواز تركه؟ إذ هو معنى الجائز، فإن كان له أصل جملي فأحرى
أن يجوز فعله، حتى يقوم الدليل على منعه أو كراهيته، وإذا كان كذلك فليس هنا
مخالفة لقصد الشارع، والسكوت عند الشارع لا يقتضي مخالفة ولا موافقة، ولا
يعين الشارع قصدًا ما دون ضده وخلافه، وإذا ثبت هذا فالعمل به ليس بمخالف إذ
لم يثبت في الشريعة نهي عنه.
وتقرير الجواب معنى ما ذكره مالك رحمه الله، وهو أن التشديد عن حكم
الفعل أو الترك هنا إذا وجد المعنى المقتضي له إجماع من كل ساكت على أن لا
زائد على ما كان؟ إذ لو كان ذلك لائقًا شرعًا أو سائغًا لفعلوه، فهم كانوا أحق
بإدراكه والسبق إلى العمل به، وذلك إذا نظرنا إلى المصلحة، فإنه لا يخلو إما أن
يكون في هذه الأحداث مصلحة أو لا.
والثاني لا يقول به أحد. والأول إما أن تكون تلك المصلحة الحادثة آكد من
المصلحة الموجودة في زمان التكليف أو لا، ولا يمكن أن يكون [7] مع كون المحدثة
زيادة تكليف، ونقضه [8] عن المكلف أحرى بالأزمنة المتأخرة، لما يعلم من قصور
الهمم واستيلاء الكسل، ولأنه خلاف بعث النبي صلى الله عليه وسلم بالحنفية
السمحة، ورفع الحرج عن الأمة، وذلك في تكليف العبادات؛ لأن العادات أمر
آخر - كما سيأتي - وقد مر منه [9] فلم يبق إلا أن تكون المصلحة الظاهرة الآن
مساوية للمصلحة الموجودة في زمان التشريع أو أضعف منها، وعند ذلك تصير
هذه الأحداث عبثًا أو استدراكًا على الشارع؛ لأن تلك المصلحة الموجودة في زمان
التشريع إن حصلت للأولين من غير هذا الأحداث إذًا عبث [10] إذ لا يصح أن
يحصل للأولين دون الآخرين، فقد صارت هذه الزيادة تشريعًا بعد الشارع بسبب
الآخرين ما فات للأولين [11] فلم يكمل الدين إذًا دونها، ومعاذ الله من هذا المأخذ.
وقد ظهر من العادات الجارية فيما نحن فيه أن ترك الأولين لأمر ما من غير
أن يعينوا فيه وجهًا مع احتماله في الأدلة الجملية ووجود المظنة، دليل على أن ذلك
الأمر لا يعمل به، وأنه إجماع منهم على تركه.
قال ابن رشد في شرح مسألة العتبية: الوجه في ذلك أنه لم يره مما في الدين -
يعني سجود الشكر - فرضاً ولا نفلاً، إذ لم يأمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم،
ولا فعله، ولا أجمع المسلمون على اختيار فعله، والشرائع لا تثبت إلا من أحد
هذه الأمور - قال - واستدلاله على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك
بعده (بأن ذلك لو كان لنقل) صحيح؛ إذ لا يصح أن تتوفر الدواعي على ترك
نقل شريعة من شرائع الدين، وقد أمروا بالتبليغ - قال: وهذا أصل من الأصول،
وعليه يأتي إسقاط الزكاة من الخضر والبقول مع وجود سبب الزكاة فيها؛ لعموم
قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فيما سقت السماء والعيون والبعل العشر، وفيما
سقي بالنضح نصف العشر) لأنا نزّلنا ترك نقل أخذ النبي صلى الله عليه وسلم
الزكاة منها كالسُّنة القائمة في أن لا زكاة فيها، فكذلك نزل ترك نقل السجود عن
النبي صلى الله عليه وسلم في الشكر كالسنة القائمة في أن لا سجود فيه. ثم حكى
خلاف الشافعي والكلام عليه، والمقصود من المسألة توجيه مالك لها من حيث إنها
بدعة، لا توجيه أنها بدعة على الإطلاق.
وعلى هذا النحو جرى بعضهم في تحريم نكاح المحلل، وأنه بدعة منكرة،
من حيث وجد في زمانه عليه السلام المعنى المقتضي للتخفيف والترخيص للزوجين
بإجازة التحليل ليتراجعا كما كانا أول مرة، وأنه لما لم يشرع ذلك مع حرص امرأة
رفاعة على رجوعها إليه دل على أن التحليل ليس بمشروع لها ولا لغيرها، وهو
أصل صحيح إذا اعتبر وضح به ما نحن بصدده؛ لأن التزام الدعاء بآثار الصلوات
جهرًا للحاضرين في مساجد الجماعات لو كان صحيحًا شرعًا أو جائزًا لكان النبي
صلى الله عليه وسلم أولى بذلك أن يفعله.
وقد علل المنكر هذا الموضع بعلل تقتضي المشروعية، وبنى على فرض أنه
لم يأت ما يخالفه وأن الأصل الجواز في كل مسكوت عنه.
أما إن الأصل الجواز فيمتنع؛ لأن طائفة من العلماء يذهبون إلى أن الأشياء
قبل وجود الشرع على المنع دون الإباحة، فما الدليل على ما قال من الجواز؟ وإن
سلمنا له ما قال: فهل هو على الإطلاق أم لا؟ أما في العادات فمسلم، ولا نسلم أن
ما نحن فيه من العاديات؛ بل من العبادات، ولا يصح أن يقال فيما فيه تعبد: إنه
مختلف فيه على قولين: هل هو على المنع؟ أم هو على الإباحة؟ بل هو أمر زائد
على المنع؛ لأن
التعبديات إنما وضعوا للشارع [12] فلا يقال في صلاة سادسة - مثلاً - إنها على
الإباحة، فللمكلف وضعها على - أحد القولين - ليتعبد بها لله؛ لأنه باطل بإطلاق،
وهو أصل كل مبتدع يريد أن يستدرك على الشارع. ولو سلم أنه من قبيل
العاديات أو من قبيل ما يعقل معناه، فلا يصح العمل به أيضاً؛ لأن ترك العمل به
من النبي صلى الله عليه وسلم في جميع عمره، وترك السلف الصالح له على
توالي أزمنتهم، قد تقدم أنه نص في الترك وإجماع من كل مَن ترك؛ لأن عمل
الإجماع كنصه - كما أشار إليه مالك في كلامه.
وأيضًا فما يعلل له لا يصح التعليل به، وقد أتى الرادّ بأوجه منه:
(أحدها) : أن الدعاء بتلك الهيئة ليظهر وجه التشريع في الدعاء، وأنه
بآثار الصلوات مطلوب. وما قاله يقتضي أن يكون سنة بسبب الدوام والإظهار في
الجماعات والمساجد، وليس بسنة اتفاقًا منا ومنه، فانقلب إذًا وجه التشريع.
وأيضًا فإن إظهار التشريع كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم والى،
فكانت الكيفية المتكلم فيها أولى للإظهار، ولما لم يفعله عليه السلام دل على الترك
مع وجود المعنى المقتضي، فلا يمكن بعد زمانه في تلك الكيفية إلا الترك.
(والثاني) : أن الإمام يجمعهم على الدعاء ليكون باجتماعهم أقرب إلى
الإجابة. وهذه العلة كانت في زمانه عليه السلام؛ لأنه لا يكون أحد أسرع إجابة
لدعائه منه، إذ كان مجاب الدعوة بلا إشكال، بخلاف غيره وإن عظم قدره في
الدين فلا يبلغ رتبته، فهو كان أحق بأن يزيدهم الدعاء لهم خمس مرات في اليوم
والليلة زيادة إلى دعائهم لأنفسهم.
وأيضاً فإن قصد الاجتماع على الدعاء لا يكون بعد زمانه أبلغ في البركة من
اجتماع يكون فيه سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فكانوا بالتنبيه لهذه
المنقبة أولى.
(والثالث) : قصد التعليم للدعاء ليأخذوا من دعائه ما يدعون به لأنفسهم لئلا
يدعو بما لا يجوز عقلاً أو شرعًا، وهذا التعليل لا ينهض، فإن النبي صلى الله
عليه وسلم كان المعلم الأول، ومنه تلقَّينا ألفاظ الأدعية ومعانيها، وقد كان من
العرب من يجهل قدر الربوبية فيقول:
رب العباد ما لنا وما لك
…
أنزل علينا الغيث لا أبا لك
وقال الآخر:
لاهُمَّ إن كنت الذي بعهدي
…
ولم تغيرك الأمور بعدي
وقال الآخر:
أبنيَّ ليتي لا أحبكم
…
وجد الإله بكم كما أجد
وهي ألفاظ يفتقر أصحابها إلى التعليم، وكانوا أقرب عهد بجاهلية تعامل
الأصنام معاملة الرب الواحد سبحانه، ولا تنزهه كما يليق بجلاله، فلم يشرع لهم
دعاء بهيئة الاجتماع في آثار الصلوات دائمًا ليعلمهم أو يعينهم على التعلم إذا صلوا
معه؛ بل علم في مجالس التعليم، ودعا لنفسه إثر الصلاة حين بدا له ذلك، ولم
يلتفت إذ ذاك إلى النظر للجماعة، وهو كان أولى الخلق بذلك.
(والرابع) : أن في الاجتماع على الدعاء تعاونًا على البر والتقوى، وهو
مأمور به. وهذا الاحتجاج ضعيف. فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أنزل
عليه {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى} (المائدة: 2) وكذلك فعل. ولو كان
الاجتماع للدعاء أثر الصلاة جهرًا للحاضرين من باب البر والتقوى لكان أول سابق
إليه، لكنه لم يفعله أصلا ولا أحد بعده حتى حدث ما حدث. فدل على أنه ليس
على ذلك الوجه بر ولا تقوى.
(والخامس) : أن عامة الناس لا علم لهم باللسان العربي، فربما لحن
فيكون اللحن سبب عدم الإجابة. وحكي عن الأصمعي في ذلك حكاية شعرية لا
فقهية.
وهذا الاحتجاج إلى اللعب أقرب منه إلى الجد، وأقرب ما فيه أن أحدًا من
العلماء لا يشترط في الدعاء أن لا يلحن كما يشترط الإخلاص وصدق التوجيه [13]
وعزم المسألة، وغير ذلك من الشروط.
وتعلم اللسان العربي لإصلاح الألفاظ في الدعاء - وإن كان الإمام أعرف به
- هو كسائر ما يحتاج إليه الإنسان من أمر دينه، فإن كان الدعاء مستحبًّا فالقراءة
واجبة، والفقه في الصلاة كذلك، فإن كان تعليم الدعاء إثر الصلاة مطلوبًا،
فتعليم فقه الصلاة آكد؛ فكان من حقه أن يجعل ذلك من وظائف آثار الصلاة.
فإن قيل بموجبه في المحرف المتعارف، فهذه القاعدة تجتث أصله؛ لأن
السلف الصالح كانوا أحق بالسبق إلى فضله لجميع ما ذكره فيه من الفوائد، ولذلك
قال مالك فيها: أترى الناس اليوم كانوا أرغب في الخير ممن مضى؟
وهو إشارة إلى الأصل المذكور، وهو أن المعنى المقتضي للأحداث - وهو
الرغبة في الخير - كان أتم في السلف الصالح وهم لم يفعلوه، فدل على أنه لا يفعل.
وأما ما ذكر من آداب الدعاء فكله مما لا يتعين له إثر الصلاة؛ بدليل أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم علم منها جملة كافية ولم يعلم منها شيئًا إثر الصلاة،
ولا تركهم دون تعليم ليأخذوا ذلك منه في آخر الصلاة، أو ليستغنوا بدعائه عن
تعليم ذلك، ومع أن الحاضرين للدعاء لا يحصل لهم من الإمام في ذلك كبير شيء،
وإن حصل فلمن كان قريبًا منه دون من بعد.
***
فصل
ثم استدل المستنصر بالقياس فقال: وإن صح أن السلف لم يعملوا به، فقد
عمل السلف بما لم يعمل به من قبلهم مما هو خير - ثم قال بعد: قد قال عمر بن
عبد العزيز رضي الله عنه: (تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور)
فكذلك تحدث لهم مرغبات في الخير بقدر ما أحدثوا من الفتور.
وهذا الاستدلال غير جار على الأصول:
(أما أولاً) : فإنه في مقابلة النص، وهو ما أشار إليه مالك في مسألة
العتبية، فذلك من باب فساد الاعتبار.
(وأما ثانيًا) : فإنه قياس على نص لم يثبت بعد من طريق مرضي؛ وهذا
ليس كذلك.
(وأما ثالثًا) : فإن كلام عمر بن عبد العزيز فرع اجتهادي جاء عن رجل
مجتهد يمكن أن يخطئ فيه كما يمكن أن يصيب، وإنما حقيقة الأصل أن يأتي عن
النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن أهل الإجماع، وهذا ليس عن واحد منهما.
(وأما رابعاً) : فإنه قياس بغير معنى جامع أو بمعنى جامع طردي [14] ،
ولكن الكلام فيه سيأتي إن شاء الله في الفرق بين المصالح المرسلة والبدع.
وقوله: (إن السلف عملوا بما لم يعمل به من قبلهم) حاشا لله أن يكونوا ممن
يدخل تحت هذه الترجمة. وقوله: (مما هو خير) أما بالنسبة إلى السلف فما
عملوا خير، وأما فرعه المقيس فكونه خيرًا دعوى؛ لأن كون الشيء خيرًا أو شرًّا
لا يثبت إلا بالشرع، أو لأن الدعاء على تلك الهيئة غير خير شرعًا.
وأما قياسه على قوله: (تحدث للناس أقضية) فمما تقدم [15] وفيه أمر آخر،
وهو التصريح بأن إحداث العبادات جائز قياسًا على قول عمر، وإنما كلام عمر بعد
تسليم القياس عليه في معنى عادي يختلف فيه مناط الحكم الثابت فيما تقدم،
كتضمين الصناع، أو الظنة في توجيه الإيمان، دون مجرد الدعاوى، فيقول: إن
الأولين توجهت عليهم بعض الأحكام لصحة الأمانة والديانة والفضيلة، فلما حدثت
أضدادها اختلف المناط فوجب اختلاف الحكم وهو حكم رادع أهل الباطل عن
باطلهم، فأثر هذا المعنى ظاهر مناسب بخلاف ما نحن فيه، فإنه على الضد من
ذلك، ألا ترى أن الناس إذا وقع فيهم الفتور عن الفرائض فضلاً عن النوافل -
وهي ما هي من القلة والسهولة - فما ظنك بهم إذا زيد عليهم أشياء أخرى يرغبون
فيها، ويرخصون [16] على استعمالها، فلا شك أن الوظائف تتكاثر حتى يؤدي إلى
أعظم من الكسل الأول، وإلى ترك الجميع. فإن حدث للعامل بالبدعة هو في بدعته،
أو لمن شايعه فيها، فلا بد من كسله مما هو أولى [17] .
فنحن نعلم أن ساهر ليلة النصف من شعبان لتلك الصلاة المحدثة لا يأتيه
الصبح إلا وهو نائم أو في غاية الكسل فيخل بصلاة الصبح، وكذلك سائر
المحدثات، فصارت هذه الزيادة عائدة على ما هو أولى منها بالإبطال أو الإخلال،
وقد مرّ أن ما من بدعة تحدث إلا ويموت من السنة ما هو خير منها.
وأيضاً فإن هذا القياس مخالف لأصل شرعي، وهو طلب النبي صلى الله
عليه وسلم بالسهولة والرفق والتيسير وعدم التشديد. وزيادة وظيفة لم تشرع فتظهر
ويعمل بها دائمًا في مواطن السنن، فهو تشديد بلا شك.
وإن سلمنا ما قال، فقد وجد كل مبتدع من العامة السبيل إلى إحداث البدع،
وأخذ هذا الكلام بيده حجة وبرهانًا على صحة ما يحدثه كائنًا ما كان، وهو مرمى
بعيد.
ثم استدل على جواز الدعاء إثر الصلاة في الجملة، ونقل في ذلك عن مالك
وغيره أنواعًا من الكلام، وليس محل النزاع [18] ؛ بل جعل الأدلة شاملة لتلك
الكيفية المذكورة. وعقب ذلك بقول: وقد تظاهرت الأحاديث والآثار وعمل الناس
وكلام العلماء على هذا المعنى، كما قد ظهر - قال - ومن المعلوم أنه عليه السلام
كان الإمام في الصلوات، وأنه لم يكن ليخص نفسه بتلك الدعوات، إذ قد جاء في
سنته: (لا يحل لرجل أن يؤم قومًا إلا بإذنهم، ولا يخص نفسه بدعوة دونهم، فإن
فعل فقد خانهم) فتأملوا يا أولي الألباب، فإن عامة النصوص فيما سمع من أدعيته
في أدبار الصلوات إنما كان دعاء لنفسه، وهذا تناقض، ومن الله نسأل التوفيق.
وإنما حمل الناس الحديث على دعاء الإمام في نفس الصلاة من السجود
وغيره، لا فيما حمله عليه هذا المتأول، ولما لم يصح العمل بذلك الحديث عند
مالك أجاز للإمام أن يخص نفسه بالدعاء دون المأمومين. ذكره في النوادر. ولما
اعترضه نقل العلماء وكلام السلف مما تقدم ذكره، أخذ يتأول ويوجه كلامهم على
طريقته المرتكبة [19] ووقع له في كلام على غير تأمل لا يسلم ظاهره من التناقض
والتدافع لوضوح أمره، وكذلك في تأويل الأحاديث التي نقلها، لكن تركت هنا
استيفاء الكلام عليها لطوله، وقد ذكرته في غير هذا الموضع والحمد لله على ذلك.
***
فصل
(بحث جليل في كون المشتبهات تدخل في البدع الإضافية) :
من كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي، قال رحمه الله تعالى:
ويمكن أن يدخل في البدعة الإضافية كل عمل اشتبه أمره فلم يتبين أهو بدعة
فينهى عنه؟ أم غير بدعة فيعمل به؟ فإنا إذا اعتبرناه بالأحكام الشرعية وجدناه من
المشتبهات التي قد ندبنا إلى تركها حذرًا من الوقوع في المحظور، والمحظور هنا
هو العمل بالبدعة، فإذا العالم به لا يقطع أنه عمل ببدعة، كما أنه لا يقطع أنه
عمل بسنة، فصار من جهة هذا التردد غير عامل ببدعة حقيقة، ولا يقال أيضًا:
إنه خارج عن العمل بها جملة.
وبيان ذلك النهي الوارد في المشتبهات إنما هو حماية أن يقع في ذلك الممنوع
الواقع فيه الاشتباه، فإذا اختلطت الميتة بالذكية نهيناه عن الإقدام، فإن أقدم أمكن
عندنا أن يكون آكلاً للميتة في الاشتباه.
فالنهي الأخف إذًا منصرف نحو الميتة في الاشتباه، كما انصرف إليها النهي
الأشد في التحقق.
وكذلك اختلاط الرضيعة بالأجنبية: النهي في الاشتباه منصرف إلى الرضيعة
كما انصرف إليها في التحقق، وكذلك سائر المشتبهات إنما ينصرف نهي الإقدام
على المشتبه إلى خصوص الممنوع المشتبه، فإذا الفعل الدائر بين كونه سنة أو
بدعة إذا نهي عنه في باب الاشتباه نهي عن البدعة في الجملة، فمن أقدم على منهي
عنه في باب البدعة؛ لأنه محتمل أن يكون بدعة في نفس الأمر، فصار من هذا
الوجه كالعامل بالبدعة المنهي عنها - وقد مر أن البدعة الإضافية هي الواقعة ذات
وجهين - فلذلك قيل: إن هذا القسم من قبيل البدع الإضافية. ولهذا النوع أمثلة:
(أحدها) : إذا تعارضت الأدلة على المجتهد في أن العمل الفلاني مشروع
يتعبد به، أو غير مشروع فلا يتعبد به، ولم يتبين له جمع بين الدليلين، أو إسقاط
أحدهما بنسخ أو ترجيح أو غيرهما - فقد ثبت في الأصول أن فرضه التوقف، فلو
عمل بمقتضى دليل التشريع من غير مرجح لكان عاملاً بمتشابه، لإمكان صحة
الدليل بعدم المشروعية، فالصواب الوقوف عن الحكم رأسًا، وهو الفرض في حقه.
(والثاني) : إذا تعارضت الأقوال على المقلد في المسألة بعينها، فقال
بعض العلماء بكون العمل بدعة. وقال بعضهم: ليس ببدعة. ولم يتبين له الأرجح
من العالمين بأعلمية أو غيرها، فحقه الوقوف والسؤال عنهما حتى يتبين له الأرجح
فيميل إلى تقليده دون الأخر، فإن أقدم على تقليد أحدهما من غير مرجح كان حكمه
حكم المجتهد إذا أقدم على العمل بأحد الدليلين من غير ترجيح، فالمثالان في المعنى
واحد.
(والثالث) : أنه ثبت في الصحاح عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم
يتبركون [20] بأشياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي البخاري عن أبي
جحيفة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالهاجرة فأُتي بِوَضوء فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وَضوئه فيتمسحون
به، الحديث. وفيه: كان إذا توضأ يقتتلون على وضوئه، وعن المسور - رضي
الله عنه - في حديث الحديبية: (وما انتخم النبي صلى الله عليه وسلم نخامة إلا
وضع في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده) . وخرَّج غيره من ذلك كثيرًا في
التبرك بشعره وثوبه وغيرهما، حتى إنه مس بإصبعه أحدهم بيده فلم يحلق ذلك
الشعر الذي مسه عيه السلام حتى مات، وبالغ بعضهم في ذلك حتى شرب دم
حجامته؛ إلى أشياء هذا [21] كثيرة. فالظاهر في مثل هذا النوع أن يكون مشروعًا
في حق من ثبتت ولايته واتباعه لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يتبرك
بفضل وضوئه، ويتدلك بنخامته، ويستشفى بآثاره كلها، ويرجى نحو مما كان في
آثار المتبوع الأصل [22] صلى الله عليه وسلم [23] .
إلا أنه عارضنا في ذلك أصل مقطوع به في متنه، مشكل في تنزيله، وهو
أن الصحابة رضي الله عنهم بعد موته عليه السلام لم يقع من أحد منهم شيء
من ذلك بالنسبة إلى من خلفه؛ إذ لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم بعده في الأمة
أفضل من أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فهو كان خليفته، ولم يفعل به شيء
من ذلك، ولا عمر رضي الله عنهما، وهو كان أفضل الأمة بعده، ثم كذلك عثمان
ثم علي، ثم سائر الصحابة الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة، ثم لم يثبت لواحد
منهم من طريق صحيح معروف أن متبركًا تبرك به على أحد تلك الوجوه أو نحوها؛
بل اقتصروا فيهم على الاقتداء بالأفعال والأقوال والسير التي اتبعوا فيها النبي
صلى الله عليه وسلم، فهو إذا إجماع منهم على ترك تلك الأشياء.
وبقي النظر في وجه ترك ما تركوا منه، ويحتمل وجهين:
(أحدهما) : أن يعتقدوا فيه الاختصاص وأن مرتبة النبوة يسع فيها ذلك كله،
للقطع بوجود ما التمسوا من البركة والخير؛ لأنه عليه السلام كان نورًا كله في
ظاهره وباطنه، فمن التمس منه نورًا وجده على أي جهة التمسه، بخلاف غيره
من الأمة وإن حصل له من نور الاقتداء به والاهتداء بهديه ما شاء الله لا يبلغ مبلغه
على حال توازيه في مرتبته، ولا تقاربه، فصار هذا النوع مختصًّا به كاختصاصه
بنكاح ما زاد على الأربع، وإحلال بُضْع الواهبة نفسها له، وعدم وجوب القسم
على الزوجات [24] وشبه ذلك؛ فعلى هذا المأخذ: لا يصح لمن بعده الاقتداء به في
التبرك على أحد تلك الوجوه ونحوها، ومن اقتدى به كان اقتداؤه بدعة، كما كان
الاقتداء به في الزيادة على أربع نسوة بدعة.
(الثاني) : أن لا يعتقدوا الاختصاص ولكنهم تركوا ذلك من باب الذرائع
خوفًا من أن يجعل ذلك سنة - كما تقدم ذكره في اتباع الآثار - والنهي عن ذلك، أو
لأن العامة لا تقتصر في ذلك على حد؛ بل تجاوز فيه الحدود، وتبالغ بجهلها في
التماس البركة؛ حتى يداخلها للمتبرك به تعظيم يخرج عن الحد، فربما اعتقد في
المتبرك به ما ليس فيه، وهذا التبرك هو أصل العبادة، ولأجله قطع عمر -
رضي الله عنه الشجرة التي بويع تحتها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بل هو
كان أصل عبادة الأوثان في الأمم الخالية - حسبما ذكره أهل السير - فخاف عمر
رضي الله عنه أن يتمادى الحال في الصلاة إلى تلك الشجرة حتى تعبد من دون الله،
فكذلك يتفق عند التوغل في التعظيم.
ولقد حكى الفرغاني مذيل تاريخ الطبري عن الحلاج أن أصحابه بالغوا في
التبرك به حتى كانوا يتمسحون ببوله ويتبخرون بعذرته، حتى ادعو فيه الإلهية،
تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.
ولأن الولاية - وإن ظهر لها في الظاهر آثار - فقد يخفى أمرها؛ لأنها في
الحقيقة راجعة إلى أمر باطن لا يعلمه إلا الله، فربما ادعيت الولاية لمن ليس
بولي، أو ادّعاها هو لنفسه، أو أظهر خارقة من خوارق العادات هي من باب
الشعوذة لا من باب الكرامة، أو من باب [25] أو الخواص أو غير ذلك، والجمهور
لا يعرف الفرق بين الكرامة والسحر، فيعظمون من ليس بعظيم، ويقتدون بمن لا
قدوة فيه - وهو الضلال البعيد - إلى غير ذلك من المفاسد. فتركوا العلم بما تقدم -
وإن كان له أصل - لما يلزم عليه من الفساد في الدين وقد يظهر بأول وهلة أن هذا
الوجه الثاني أرجح، لما ثبت في الأصول العلمية أن كل قرابة أعطيها النبي صلى
الله عليه وسلم فإن لأمته أنموذجًا منها، ما لم يدل دليل على الاختصاص.
إلا أن الوجه الأول أيضًا راجح من جهة أخرى، وهو إطباقهم على عدم
التبرك؛ إذ لو كان اعتقادهم التشريع لعلم به بعضهم بعده، أو عملوا به ولو في
بعض الأحوال، إما وقوفًا مع أصل المشروعية، وإما بناء على اعتقاد انتفاء العلة
الموجبة للامتناع.
وقد خرج ابن وهب في جماعة من حديث يونس بن يزيد عن ابن شهاب،
قال: حدثني رجل من الأنصار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أو
تنخم ابتدر من حوله من المسلمين وضوءه ونخامته فشربوه ومسحوا به جلودهم؛
فلما رآهم يصنعون ذلك سألهم: (لِمَ تفعلون هذا؟) قالوا: نلتمس الطهور والبركة
بذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من كان منكم يحب أن يحبه الله
ورسوله فليصدق الحديث، وليؤد الأمانة ولا يؤذِ جاره) ، فإن صح هذا النقل فهو
مشعر بأن الأولى تركه [26] وأن يتحرى ما هو الآكد والأحرى من وظائف التكليف،
ولا يلزم الإنسان في خاصة نفسه، ولم يثبت من ذلك كله إلا ما كان قبيل الرقية
وما يتبعها، أو دعاء الرجل لغيره على وجه سيأتي بحول الله.
فقد صارت المسألة من أصلها دائرة بين أمرين: أن تكون مشروعة، فدخلت
تحت حكم المتشابه والله أعلم. [27] .
***
فصل
ومن البدع الإضافية التي تقرب من الحقيقة أن يكون أصل العبادة مشروعًا إلا
أنها تخرج عن أصل شرعيتها بغير دليل، توهمًا أنها باقية على أصلها تحت
مقتضى الدليل، وذلك بأن يقيد إطلاقها بالرأي، أو يطلق تقييدها، وبالجملة فتخرج
عن حدها الذي حد لها.
ومثال ذلك أن يقال: إن الصوم في الجملة مندوب إليه لم يخصه الشارع
بوقت دون وقت، ولا حد فيه زمانًا دون زمان، ما عدا ما نهي عن صيامه على
الخصوص كالعيدين، ندب إليه على الخصوص كعرفة وعاشوراء بقول؛ فإذا
خص منه يومًا من الجمعة بعينه، أو أيامًا من الشهر بأعيانها - لا من جهة ما عينه
الشارع - فإن ذلك ظاهر بأنه من جهة اختيار المكلف، كيوم الأربعاء مثلاً في
الجمعة، والسابع والثامن في الشهر، وما أشبه ذلك؛ بحيث لا يقصد بذلك
وجهًا بعينه مما لا ينثني عنه، فإذا قيل له: لم خصصت تلك الأيام دون غيرها؟ لم
يكن له بذل حجة غير التصميم، أو يقول: إن الشيخ الفلاني مات فيه أو ما أشبه
ذلك، فلا شك أنه رأي محض بغير دليل، ضاهى به تخصيص الشارع أيامًا بأعيانها
دون غيرها. فصار التخصيص من المكلف بدعة؛ إذ هي تشريع بغير مستند.
ومن ذلك تخصيص الأيام الفاضلة بأنواع من العبادات التي لم تشرع لها
تخصيصًا، كتخصيص اليوم الفلاني بكذا وكذا من الركعات، أو بصدقة كذا وكذا،
أو الليلة الفلانية بقيام كذا وكذا ركعة، أو بختم القرآن فيها أو ما أشبه ذلك [28] فإن
ذلك التخصيص والعمل به إذا لم يكن بحكم الوفاق أو بقصد يقصد ومثله أهل العقل
والفراغ والنشاط، كان تشريعًا زائدًا.
لا حجة له في أن يقول: إن هذا الزمان ثبت فضله على غيره فيحسن فيه
إيقاع العبادات؛ لأنا نقول: هذا الحسن هل ثبت له أصل أم لا؟ فإن ثبت
فمسألتنا [29] كما ثبت الفضل في قيام ليالي رمضان وصيام ثلاثة أيام من كل شهر
وصيام الاثنين والخميس فإن لم يثبت فما مستندك فيه - والعقل لا يحسن ولا يقبح،
ولا شرع يستند إليه؟ فلم يبق إلا أنه ابتدع في التخصيص، كإحداث الخطب
وتحري ختم القرآن في بعض ليالي رمضان. اهـ
((يتبع بمقال تالٍ))
_________
(*) تابع لما نشر في ص 433 ج 6.
(1)
كذا في الأصل.
(2)
سقط لفظ: (دليل) من الأصل.
(3)
لعله: وعلى هذا.
(4)
كذا في الأصل.
(5)
كذا في الأصل وهو محرف ولعل في الكلام حذفًا أيضًا، والمعنى المراد ظاهر، وهو أن ما لم يحتج إلى تقريره في عصر النبوة من جزئيات الأحكام قد وجد في الشريعة من القواعد الكلية ما يدخل فيه ويستنبط.
(6)
كذا والمعني ولم ينبه على قاعدة لاستنباطه منها.
(7)
انظر اسم أن يكون وخبره، والظاهر أنه قد سقط من الناسخ، والمعنى الذي يقتضيه السياق ويتعين مما يأتي هو نفي كون المصلحة الحادثة آكد؛ لأنه يقول إنها مساوية أو أضعف، فلعل أصل الكلام:(ولا يمكن أن يكون آكد) وقوله: مع كون المحدثة إلخ تعليل للنفي.
(8)
كذا ولعل الأصل نقصه بالصاد المهملة، أي نقص التكليف وتخفيفه.
(9)
كذا ولعل الأصل: (وقد مر شيء منه) ، أو ما هو بمعنى هذا.
(10)
لعل الأصل (فهي إذًا عبث) .
(11)
لعل الأصل (بسبب للآخرين ما فات للأولين) .
(12)
لعله (إنما وضعها للشارع) .
(13)
أي توجيه القلب إلى الله تعالى المأخوذ من قوله: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض) ويحتمل أن تكون (التوجه) الذي هو مطاوع التوجيه.
(14)
لعل الأصل (غير طردي) .
(15)
كذا والظاهر أنه سقط منه شيء، ولعل أصله (فمما تقدم يعلم بطلانه) .
(16)
كذا والترخيص هنا غير مناسب ولا يتعدى بعلى فلعل الأصل (ويحضون) .
(17)
ظاهر أن في هذه العبارة غلطًا والمعنى المفهوم من السياق أن صاحب البدعة إذا كان يعرض له الكسل في بدعته ولمن شايعه عليها، فلا بد من عروض الكسل له في غيرها من الأعمال بالأولى؛ لأن نظرية البدعة أنها بجدتها تحدث نشاطًا بعد الفتور كما تقدم.
(18)
لفظ محل منصوب خبر ليس، أي وليس هذا محل النزاع.
(19)
كذا ولعله (المرتبكة) .
(20)
لعل الأصل: كانوا يتبركون.
(21)
لعله: كهذا.
(22)
يظهر أن هذه الجملة محرفة.
(23)
قد استفاض أنه صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن الغلو في تعظيمه.
(24)
لعل أصله: وعدم وجوب القسم عليه للزوجات.
(25)
بياض في الأصل، ولعل الساقط لفظ (السحر) فإنه يذكره قريبًا.
(26)
قد يقال: إن هذا يدل على الإنكار وكراهة النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الفعل، ويؤيده ما ثبت من مجموع سيرته من كراهة الغلو فيه وإطرائه، وحبه للتواضع ومساواة الناس بنفسه في المعاملات كلها إلا ما خصه الله به؛ حتى إنه طلب أن يقتص منه من لعله آذاه - وهو القائد والمربي الذي جعله الله أولى بالمؤمنين من أنفسهم - ولم يعرف من الأحوال التي تبركوا فيها بفضل وضوئه وببصاقه إلا يوم الحديبية وظهر له يومئذٍ حكمة، فإن مندوب المشركين في صلح الحديبية لما حدثهم بما رأى من ذلك هابوا النبي صلى الله عليه وسلم وخافوا قتال المسلمين فلعل المسلمين قصدوا هذا لهذا.
(27)
ينظر أين الأمر الثاني؟ ولعل الساقط: (أو تكون غير مشروعة) .
(28)
ومنه صلاة الرغائب وصلاة ليلة النصف من شعبان، ومنه تخصيص أيام معينة لزيارة القبور والصدقة عندها؛ كأول جمعة من رجب كل ذلك من البدع والتشريع الذي لم يأذن به الله وقد يتصل بالبدعة الواحدة بدع ومعاص أخرى توجب تركها - ولو لم تكن بدعة - لسد ذريعة هذه المفاسد.
(29)
أي فهو مسألتنا.
الكاتب: محمد رشيد رضا
الجنسيات
في المملكة العثمانية
الجنس في عُرف أهل السياسة كالصنف في عُرف علماء المنطق، فيُطلق
على الأجيال التي تفصل بينها الفصول العامة (كالنسب واللغة) وهما أقدم روابط
الجنسية، ويليها الدين والوطن الأرضي والسياسي. ولم يوجد دين من الأديان ألف
بين شعوب وقبائل مختلفة في جميع روابط الجنسية وجعلها أمة واحدة وجنسًا واحدًا
إلا الدين الإسلامي، وقد بيَّنَّا هذا مرارًا فلا نعيده الآن. ولما كان اتحاد الأمة لا يتم
إلا بوحدة لغتها كان من مقاصد الإسلام جعل لغة القرآن لغة لجميع المسلمين،
وعلى هذا جرى المسلمون في خير القرون بالعمل، فصارت العربية لغة المسلمين
في المشرق والمغرب من القرن الأول. وقد زال من نفوس المسلمين الشعور
بالغيرية الجنسية زمنًا طويلاً، حتى أحياه الفرس والترك كما بيّنّا من قبل.
إن العصبية الجنسية في هذا العصر قد دخلت في طور سياسي جديد، وكان
العرب آخر الأجناس شعورًا بها؛ لأن سوادهم الأعظم مسلمون لا يكادون يشعرون
بغير الجنسية الدينية؛ ولكن الآستانة بسياسة حكومتها وإدارتها بعد الدستور وسياسة
جرائدها قد كونت هذا الشعور وجعلته حيًّا ناميًا - فصدقت كلمتي المحفوظة: إن
العرب يعجزون بأنفسهم عن تكوين جنسية عربية سياسية لهم، ولا يقدر على ذلك
إلا الآستانة وحدها، ولما رأينا بوادر هذا الأمر وكنا نعلم أن التحولات الاجتماعية
السريعة تكون دائمًا محفوفة بالأخطار سعينا لتدارك الخطر في الآستانة نفسها،
ومقالاتنا الست التي نشرناها هنالك تحت عنوان (العرب والترك) لا تزال
محفوظة تشهد لنا بأننا سعينا إلى الوحدة بين العنصرين جد السعي، وبينا من
الحجج على ذلك ما لم يبينه أحد، ولكن ذلك كله لم يفد، ولماذا؟
إن من المقاصد الأساسية لجمعية الاتحاد والترقي إحياء الجنسية التركية
وتقويتها لتوجد منها أمة تركية كأمم أوربا في مدنيتها، ودولة تركية كدول أوربة في
عزتها وحضارتها. وكانوا يظنون أنهم يستطيعون بقوة الدولة أن يتركوا جميع
الأجناس العثمانية في البلاد الحضرية القابلة للعمران، ويجعلوا سائر البلاد
مستعمرات ليس لها من الحقوق ما لسائر العثمانيين. ولهذا كانوا يجدون في تقوية
الجنسية التركية ونشر اللغة التركية، ويعاقبون من يقتدي بهم في ذلك من غير
الترك أشد العقاب.
دار الفلك دورته، فثبت للاتحاديين ضرر هذه التجربة - محاولة تتريك
شعوب المملكة -، وكان من نتائجها المشؤومة الفتنة الألبانية، فالحرب البلقانية
العثمانية، فرجعوا عن فكرة تعميم تتريك الشعوب كلها إلى الاكتفاء بتتريك
الضعيف منها، إما بقلة العدد كاللاز والشركس، وإما بقلة العلم وعدم تدوين اللغة
كالأكراد، وإما بالخضرمة في اللغة كالعرب المتصلين بالترك بالقرب من
الأناضول، ثم بتقوية اللغة التركية في جميع البلاد العثمانية، وجعل الارتقاء في
الحكومة والعلوم والمدينة موقوفًا عليها. وترتب على هذا ترك الضغط السابق
على المستيقظين من الشعوب الكبيرة؛ إذ كانت الجرائد تحاكم وتقفل إذا ذكرت
اسم جنسها، والاعتصام بحبل لغتها، والتذكير بمجد سلفها، حتى إن المجلس
العسكري العرفي في بيروت حاكم مدير جريدة المفيد، وعدّه مجرمًا، وحكم بمنع
صدور الجريدة بذنب غريب جدًّا في هذا الباب، وهو كلمة (يا قوم) وردت في
قصيدة، نشرت في تلك الجريدة! ! قرر رئيس المجلس وأعضاؤه من الترك أن
كلمة (يا قوم) معناها عنصر العرب، فذكرها تفريق بين العناصر العثمانية، وهو
من أعظم الجنايات! ! (كما مر) ذلك بأن الترك يستعملون كلمة (قوم) بمعنى
الجنس والجيل من الناس الذي يعبرون عنه بالعنصر. ولم يلتفت
المجلس لاحتجاج المتهم بأن القصيدة المنشورة في جريدته عربية ولفظ القوم في
اللغة العربية معناه الجماعة من الناس، كما هو منصوص في المعاجم، قيل: يشمل
الرجال والنساء، وقيل: هو خاص بالرجال. وإن الشعراء يستعملونه الآن بمعنى
(يا ناس) . كانت جمعية الاتحاد والترقي قد صرَّحت تصريحًا نشرته جريدتها
(طنين) بالرجوع عن فكرة (تتريك العناصر) وكان ذلك مداراة لم يصدقه العمل،
ولكنها في العهد الأخير عقدت اتفاقًا مع (جمعية الشبيبة العربية) التي يمثلها
(المنتدى الأدبي) في الآستانة، وأشهروا هذا الاتفاق بالاحتفالات والمآدب،
وجعلوه وسيلة وذريعة للاتفاق بين جمعية الاتحاد والترقي والمؤتمر العربي الذي
انعقد في باريس. وصار زعماء الجمعية من وزراء الحكومة يزورون المنتدى
الأدبي ويحضرون بعض احتفالاته، وتمثيل القصة العربية التي يمثلها أعضاؤه كل
سنة. وقد احتفل أعضاء المنتدى في هذا العالم بذكرى المولد النبوي الشريف
فحضر احتفالهم فيه طلعت بك ناظر الداخلية وجمال باشا ناظر البحرية (الآن) ،
وخطب طلعت بك بالتركية باستمساك الترك بالعرب، وأنهم إذا فرّوا منهم
يتبعونهم ويلتزمونهم، فاهتزت لهذه الخطبة أسلاك البرق في العالم، ووعد الزعيم
الكبير في خطبته هذه بأن يخطب في احتفال مولد العام القابل بالعربية، هذا بعد أن
كان أعضاء المنتدى الأدبي لا يسمون أنفسهم جمعية خوفًا من إقفال الحكومة
الاتحادية لناديهم، ومحاكمتهم على ذلك في المجلس العسكري العرفي. فأين هذا
من تسقط هذا المجلس لبعض أعضاء المنتدى بتسميتهم جمعية ليعترف بعضهم بذلك
فيحكم المجلس فيهم حكمه؟ وقع هذا التسقط في تحقيق المجلس مع المتهمين في
حادثة الاعتداء على صاحب جريدة (إقدام) التركية الشهيرة، عقب نشر مقالة أهين
بها العرب، وكان المنتدى الأدبي لم يتجاوز السنة الأولى من عمره.
علم من هذا أن السياسة الجديدة التي ظهر بها الاتحاديون في العاصمة هي أن
العصبية الجنسية نافعة أو ضرورية لترقي كل جنس، وأنه يمكن الجمع بينها وبين
الوحدة العثمانية، ولا سيما الوحدة بين العرب والترك من العثمانيين، وأنه يجب
على كل جنس أن يرقي نفسه من غير أن يضر غيره أو يحول دون الوحدة
العثمانية.
وقد سر جمهور المتعلمين من العرب بهذه السياسة الجديدة، وهم لا يشترطون
لاعتقاد إخلاص الاتحاديين للعرب فيها إلا إطلاق الحرية لجرائدهم وجماعاتهم
وأفرادهم كما أطلقوها للترك، ومساواة الحكومة بينهما في التربية والتعليم
والمساعدة على الأعمال. ولكن الترك في هذا الطور الجديد قد ألفوا عدة جمعيات
تركية محضة، وقاموا بعدة مشروعات تركية خالصة، وألفوا عدة كتب ورسائل في
النهضة التركية والرابطة الجنسية البحتة، وصار شغل جرائدهم الشاغل وجوب
إنشاء أمة تركية محضة ودولة تركية محضة وكان كلام بعضهم في هذا أن الدولة
تركية لا عثمانية.
وإن العثمانية وهم من الأوهام. ولم يفعل العرب شيئًا يذكر من ذلك. نعم إن
بعضهم يتكلم أو يكتب في الجرائد كتابة تعد ضئيلة نحيلة إذا قيست بما يكتبه الترك.
ولم أر لأحد منهم مصنفًا خاصًّا في هذا الموضوع إلا رسالة لأحد أدباء بيروت من
آل الفاخوري. ونشر بعض الغلاة منشورات تهييج وثورة، وقالوا فيها: إن لهم
جمعية، وأنا لا أصدق ذلك.
* * *
الجنسية والإسلام وحزب اللامركزية:
بعد هذا كله قام من كتّاب العرب كاتب من طائفة لها دين لا يتفق مع دين
الإسلام في أصوله ولا فروعه [1] فكتب كتابًا جعل نفسه فيه أشد إسلامًا من جميع
علماء الإسلام. وأشد عصبية تركية من غلاة الترك أنفسهم، وأشد اتحادية من
زعماء جمعية الاتحاد والترقي ووزرائها؛ إذ قام يجاهد فيه الجنسية العربية وحدها،
ويجعلها هادمة للإسلام الذي يغار عليه - بزعمه - ما لا يغار عليه الذين أفنوا
أعمارهم في القيام به علمًا وعملاً ودعوة ودفاعًا، ويلصق تهمة هذه الجناية على
الإسلام بحزب اللامركزية وحده. على أن حزب اللامركزية عثماني محض ليس في
برنامجه ولا في بياناته كلمة واحدة تدعو إلى الجنسية العربية، أو تنفر من
الجنسية التركية؛ وإنما هو يدعو جميع العثمانيين إلى مطالبة الحكومة بالإدارة
اللامركزية، بالطرق المشروعة القانونية. نعم إن فكرته قد انتشرت في العرب؛ لأن
المؤسسين له من العرب، ولم يقدروا على نشر دعوتهم في غير الشعب العربي.
وذلك الكاتب المنحي عليهم يقول: إن دعوتهم لم يحفل بها أحد يذكر.
ولم يستجب لها إلا عدد لا يقدم ولا يؤخر. فلماذا عني إذًا بتأليف كتاب خاص
في التشنيع عليهم؟
ما رأيت مثالاً لإطالة هذا الكاتب القدح في حزب اللامركزية - بدعوى الجناية
على الإسلام بتقوية الجنسية العربية وجعلها هي واللامركزية التي تراد لأجلها أسرع
ما يمحو الإسلام ويوقع المملكة في أيدي الأجانب! ! إلا ما أطال به كاتب أمريكانى
في التشنيع على جمعية إبطال المسكرات في أمريكا. ذلك بأن هذه الجمعية سلكت
أخيرًا السبيل القانوني الموصل إلى غرضها الشريف؛ وهو السعي لانتخاب
أعضائها ومشايعيها لمجلس النواب. وقد فازوا في بعض الولايات فوزًا عظيمًا،
فانبرى لمحاربتهم تجار المسكرات، الذين يربحون الملايين من الريالات، وكان
أغرب حربهم القلمية، مقالات لأحد الكتاب عنوانها (الحرية الشخصية) ما ترك
هذا الكاتب شيئًا اهتدى إليه باطلاعه وذكائه في مدح الحرية الشخصية إلا وقاله،
وجعل إبطال المسكرات مزيلاً له، كأنه الذي يهدم الحكومات الدستورية،
ويوقع العالم في الفوضى والهمجية! ! فكثير من كلامه حق أريد به باطل، ومنه
ما هو باطل أريد به باطل، وهكذا فعل كاتبنا العربي، ونقول في كل منهما: إنه
يمكن تفنيد مقالاته، ودحض شبهاته، بمقالات أصح منها دليلاً، وأقوم قيلاً،
وأوسع تفصيلاً. ولكن الرد على ما يكتب اتباعًا للهوى، وارتيادًا للمناصب إضاعة
للوقت، وسبب للتمادي في الباطل واللغو.
قد يظن هذا الكاتب ويظن من تقرب إليهم بما كتب - ممن لا يحبون أن تقوم
للعرب قائمة، ولا تستيقظ لهم عين نائمة - أن مثل هذه الكتابة تقنع السواد الأعظم
من مسلمي العرب بأن يجيبوا دعوة لمن يدعونهم إلى إحياء لغتهم، وإلى قيامهم
بعمران بلادهم، والاستئثار بخيراتها دون الصهيونيين والأجانب الذين تقذفهم بهم
الحكومة المركزية من كل جانب، بما تعطيهم من امتياز، وما تمكن لهم من امتلاك
البلاد، وأن ينبذوا هؤلاء الدعاة إلى الإصلاح نبذ النوى، اعتقادًا بصدق ذلك
الكاتب في زعمه أن هذا يميت الإسلام ويزيل هداية السنة والقرآن! وإن هذا هو
الذي يرمي إليه زعماء اللامركزية، بدعوتهم إلى إحياء الجنسية العربية. وسيعلم
الظانون كذب ظنهم، وإن هذه الكتابة لا تخدع عامة العرب فضلاً عن خاصتهم؛
بل تكون سببًا لقوة نهضة العرب، وإساءة الظن بمصادر هذه الخدع.
كنا عزمنا على ترك الكتابة في هذه المسائل، ثم بدا لنا بعد هذه الخلابة
والخديعة أن نبين للأمة والتاريخ لباب الحقيقة، وأن ننشر نموذجًا من كلام دعاة
الجنسيتين التركية والعربية؛ لأجل المقارنة بينهما، وليعرف اعتدال حزب
اللامركزية بين غلاتهما، ومنه يظهر أن تخصيصه باللوم والتعنيف، ليس نصرًا
للدين الحنيف؛ إذ الدين لا يحيا إلا بحياة لغته، وارتقاء أمته، وإننا نبدأ بنموذج
من كتاب (قوم جديد) ؛ لأنه جاء الدعوة إلى الجنسية التركية من طريق الدين،
بما فيه أكبر عبرة للمعتبرين، من التحريف والتبديل، والتحريم والتكفير بمحض
الرأي والهوى. وجعل الدين كالمحصور في بذل المال والنفس لحكومة الآستانة
الاتحادية.
* * *
نموذج من كتاب
(قوم جديد)
(مترجم عن النسخة التركية المطبوعة في الآستانة)
جاء في الصفحة 14 من هذا الكتاب:
يجب تعطيل المساجد والتكايا الموجودة في الآستانة ما عدا الجوامع التي بناها
السلاطين، وتخصيص نفقاتها إلى الشؤون الحربية والعسكرية كما ورد في الآيات
الكريمة والأعمال النبوية.
وفي الصفحة 15:
ورد منذ مدة في إحدى الجرائد السياسية أنه من الضروري الاهتمام بتعميم
تعليم اللغة العربية لتفهم الأمة على الأقل الخطب التي تلقى أيام الجمع في المساجد
وهذا الكلام يدل على البلاهة، إذ بدلاً من تعلم جميع الأتراك اللغة العربية تلقى
الخطبة باللغة التركية، وهل هناك أمر أسهل من هذا؟ لا سيما أن ترجمة الحديث
والخطب والقرآن جائز في مذهب الإمام الأعظم [2] . إن النبي لم يبعث إلى العرب
فقط لذلك أصبحت ترجمة القرآن إلى اللغات الأخرى فرضًا من الفروض [3]
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 107) .
نعم إن القرآن الذي نزل على سيدنا محمد المأمور بدعوة العالم جميعًا إلى
الإسلام نزل باللغة العربية؛ ولكن لا يستدل من هذا أن كل قوم دعوا إلى الإسلام
يكونون مضطرين إلى تعليم اللغة العربية.
وفي الصفحة 25:
وهنا أكرر ما قلته آنفًا من أن أكثر الناس يستثنى منهم الفقير المعدوم
والأعرج والأعور ومنهم المشايخ الذين يدّعون أنهم ورثة الأنبياء والمدرسون
والمفتون والقضاة مشايخ الطرق والدراويش والتجار والصناع، والحاصل جميع
الناس أصبحوا في حكم القرآن المجيد مرتدين ومن زمرة المنافقين؛ ومن ثَمَّ وجب
قتلهم؛ لأنهم تعمدوا ترك الجهاد بالمال والنفس الثابت بوجود آلاف من الآيات
البينات، وأورد هنا اثنين منها: الأولى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} (التوبة: 73)، والثانية:{فَرِحَ المُخَلَّفُونَ} (التوبة: 81) .
قال: ويتوقف تجديد إيمان هؤلاء أولاً على الاشتراك بدنًا بالحرب، وثانيًا
على إعطاء نصف ما يمتلكونه إلى دار الخلافة الإسلامية إذا كانوا من أصحاب
الغنى والأموال ليتسنى لرجال الإسلام الانتقام من الكفار الفجار، ونزع البلاد التي
انتزعوها من أيديهم، وإعادة ذكر كلمة الله في مساجدنا وجوامعنا، وإذا لم يفعلوا
هكذا (أي إذا لم يدفعوا نصف ما يمتلكونه للدولة) فلا يقبل منهم تجديد الإيمان
فيحشرون وهم مرتدون وكفرة، ويلحقون بأهل جهنم، وهذا لا بد منه ولو قرؤوا
في اليوم مئة ألف مرة: (آمنت بالله
…
) ولو صلوا الليل والنهار ولو كانو من الذين
صلوا وراء النبي، ولو حجُّوا إلى بيت الله الحرام مئة ألف مرَّة، ولو كان بدرجة
الإمام الأعظم من العلم أو بدرجة الغوث عبد القادر الكيلاني من القطبية.
وفي (ص 27) :
إن بعض المشايخ والحفاظ والحجاج في الآستانة وكثيرين ممن يتبعونهم وكلهم
من الذين يجرؤن على ارتكاب أنواع المنكرات اشتغلوا بالكتب كالحمير التي تحمل
التوراة فتركوا الجهاد، البعض منهم فسروا الآيات والأحاديث حسب ما تقتضيه
منافعهم، وللحصول على غرض دنيوي، فلعنة الله على أمثال هؤلاء الحفاظ الذين
يقرؤن القرآن بالدراهم وعلى المنافقين الذين تسلطوا بالاشتراك مع أعداء الدين
على فرقة الاتحاد والترقي التي هي في الحقيقة الفرقة المحاربة والساعية لاتحاد
الإسلام، والمجاهدة في سبيل تشييد قوى الإسلام، وبالنتيجة لعنة الله على الذين
كانوا سببًا لدروس الملايين من المسلمين تحت أقدام أعداء الإسلام، وعلى أولئك
الذين سلكوا طرق الدسائس والتغفيل والتزوير لمنع الذين كانوا يريدون أن يجاهدوا
بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، لعنة الله عليهم وعلى آلهم وأقوالهم وعلى تأليفاتهم
ومصنفاتهم واعتقاداتهم أجمعين.
وفي (ص 31) :
يفسر آية {فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ} (التوبة: 81) بما
يأتي: إن الذين ثبتوا في الصوم والصلاة والحج أعرضوا اليوم عن الجهاد المفروض
مالاً وبدنًا وأصبحوا خلاف رسول الله، فهؤلاء من المنافقين.
إن البروغرام القديم البالي الفاسد يعرف به بقاء الدين بالصوم والصلاة والحج،
والحقيقة ليست كذلك؛ بل هو حسب البروغرام الجديد بالجهاد مالاً وبدنًا وهذا
ثابت أيضًا بهذه الآية: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلَا النَّصَارَى} (البقرة:
120) فيفهم من هذه الآية صراحة أن المسلمين الموجودين تحت حماية ملوك
النصارى ليسوا مسلمين بحق؛ لأن ملوكهم النصارى راضون عنهم ويضعونهم في
صف أمتهم، على أن الملل النصرانية لا ترضى عنهم إلا بعد أن يرتدّوا إلى دينهم
الباطل.
وفي (ص 32) :
إذا رضي الكافر يغضب الرحمن، وكذلك إذا غضب الرحمن رضي الكافر،
يعني إذا رضي كافر تمام الرضا عن مسلم فهذا المسلم يكون على كل حال موضوع
قهر الرحمن وغضبه مثل المسلمين الساكنين في البلاد المسيحية. وبالعكس كل
كافر يغاضب ويعادي مسلمًا يكون موضوع رضاء الرحمن وحبه مثل خلفاء
المسلمين من الأتراك.
وفي (ص33) :
يفسر هذه الآية {وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} (البقرة
: 193) بما يأتي:
فيفهم من هذه الآية الجليلة أن دين المسلمين الموجودين تحت التابعية أو
الحماية الروسية والإنكليزية والفرنسوية لا يتم ولا يعدون من المسلمين ما داموا لا
يشتركون في الجهاد المفروض ما داموا محرومين من إعانة الآستانة مالاً وبدنًا.
وفي (ص 36) :
إن من لا يشترك من رعايا الدولة الإسلامية العثمانية الثابتة خلافتها بالنص
القاطع [4] من العرب أو التتار أو الألبان أو أبناء مكة واليمن، والحاصل جميع
الأقوام المختلفة إذا لم يشتركوا مالاً وبدنًا ونقدًا بالجهاد الذي هو أعظم العبادات في
صفوف حضرات عبد الرحيم وجمال ورضا وشكري وبكر وجاويد ورؤوف وأنور
وعزت وطلعت وأمثالهم من أبناء الترك الذين هم أولياء الله صلى الله تعالى عليهم
وعلى آلهم وأصحابهم وقدّس الله أسرارهم، يكونون في صف المرتدين عن الدين
والمعتنقين طوعاً لدين الصليب الباطل. ومن هذا القبيل الأرناؤد، فإنهم ارتدوا
عن الإسلام - إما لاستعمالهم السلاح ضد الجنود الإسلامية مشتركين مع الكفار
الفجار في ذلك، أو إضعاف قوة الجيش الإسلامي بفرارهم من ساحات القتال،
فسببوا بذلك انهزام الإسلام وأصبحوا من الكفرة الفجرة، ومن هذا القبيل أيضًا
المصريون والهنود والبخاريون والتتار الروسيون وسكان فاس وتونس والجزائر
وأهل الحجاز واليمن فإنهم لم يمدوا الخلافة الإسلامية بالنقد، ولم يكتف قسم من
العثمانيين الأتراك بذلك؛ بل إنهم اتفقوا مع قوزيمدي وبوشو والبطركخانة الرومية
وأعانوا دين الصليب، وأعلنوا العصيان سمعًا وطوعًا على الإسلام، وأقاموا الدنيا
على أهل الإيمان.
وفي (ص39) :
إن القوم العتيق (أي القدماء الذين لا يتبعون كتابه هذا) يتركون الأوامر
الإلهية الأصلية التي تعد بالألوف ويتمسكون بالصوم والصلاة والحج والزكاة وكلمة
الشهادة فقط، ويتخذون كتب البركوي والحلبي والشافعي والكنز ومنية المصلي
والمالكي والحنبلي دستور العمل في أعمالهم وحركاتهم، مع أن هذه الكتب مملوءة
بالنفاق والشقاق والمنافرة (كذا) والاختلافات الكثيرة، فالعمل بما فيها غير جائز.
وفي (ص 52) :
أما القوم الجديد (ويريد بهم: من مدحهم في كتابه من الترك الاتحاديين ومن
يسير على طريقتهم وطريقه) فإنهم لا يبالون بمثل هذه الخرافات القديمة؛ بل إنهم
استخرجوا من الأحكام القرآنية والحديثية الأركان الدينية الآتية: [5]
1-
العقل.
2-
كلمة الشهادة.
3-
الأخلاق الحسنة.
4-
الجهاد مالاً وبدنًا والحرب.
5-
السعي لإعداد لوازم الحرب بالاتحاد والاتفاق تحت راية الخلافة المعظمة
العثمانية.
وفي (ص 56-57) :
يجب أن تقرأ الخطب أيام الجمع والأعياد باللغة التركية ثم تقرر خطبة كل
جمعة بتلقين من الحكومة تتضمن الأحوال السياسية. ويجب أيضًا أن تفضل الأمور
السياسية في بعض الأحوال على الأمور الشرعية حتى ولو لم تكن منطبقة على
الأحكام الشرعية! !
فتعطل مؤقتًا الأمور الشرعية. ويوجد جواز شرعي للعمل هكذا بدليل وضع
النبي توقيعه على عهدة الصلح في وقعة الحديبية مجردًا من ألقاب ونعوت النبوة
حسب طلب كفار قريش، وكما تقتضيه الأحوال ويوجبه الزمان. وكذلك الآيات
الناسخة والمنسوخة هي من متقضيات السياسة.
وفي (ص60) :
وعليه فإن الهنود الذين هم تحت حماية النصارى من الإنكليز لو كانوا من
أصحاب الأخلاق الحسنة فإنهم لا ريب محرومون من العقل، ولو كانوا عقلاء لما
رضوا بالذلة تحت حكم دولة ظالمة شريرة تسلك دين الصليب.
(وفي ص 63) :
وبهذه الصورة سيخرج المسلمون المحكومون بالنصارى من دينهم بالتدريج
ويندمجون بدين حكامهم وسبب ذلك عدم ارتباط هؤلاء المسلمين مالاً وبدنًا بالخلافة
الإسلامية.
(وفي ص 70-71) :
كثير من المسلمين - حتى من علمائهم ومشايخهم - أثبتوا في الحرب البلقانية
الحاضرة أنهم ارتدوا عن دينهم؛ لأنهم ائتلفوا (عبر بلفظ الائتلاف في الأصل)
مع البطركخانة لأجل الدراهم والمنافع، ومن هذا القبيل أيضًا الضباط والجنود
والمعممون الذين فرّوا من ساحات القتال، فهؤلاء ليسوا مسلمين؛ بل هم منافقون
ومرتدون عن دينهم. أما المسلمون الحقيقيون فهم الذين حاربوا في حرب طرابلس
الغرب وحرب البلقان تحت إمرة أنور ورضا وأسعد وجاويد ورؤوف صلى الله
تعالى عليهم، وبقية رجال جمعية الاتحاد والترقي المقدسة، الذين لم يولوا ظهورهم
إلى العدو؛ بل داوموا في جهادهم في سبيل الله، فهؤلاء هم المسلمون الحقيقيون.
وقد كان عدد الذين ينتمون إلى جمعية الاتحاد والترقي في هذه الحرب لا يتجاوز
مئة ألف. أما الباقون فإنهم كانوا من المرتدين المنتمين إلى الائتلاف (أي حزب
الائتلاف) والبطركخانات.
وفي ص 76:
يفسر آية {إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} (الكهف: 110) : الحرب بيننا وبينهم
سجال ينالون منا وننال منهم - أفئن مات.... إلخ. فيقول: أنا بشر مثلكم فلا
تستبعدوا موتي، إن الانتصار في الحرب يتوقف على التجهيزات العسكرية....
وفي ص 89:
ما هذا الجهل؟ وما هذه الغفلة التي استولت عليكم أيها الناس؟ تعلقون أسماء
خلفاء العرب على جدران جوامعكم [6] وتتركون أسماء خلفاء الترك الذين قدستهم
الأحاديث النبوية، ولا تكتفون بذلك؛ بل ينزل الخطيب قدمه واحدة عندما يذكر
أسماء الخلفاء الترك تنزيلاً لمقامهم وتذليلاً، ثم تزيدون ركعتين يوم الجمعة باسم
(آخر ظهر) فكل هذا مبتدع ومحدث للحط بشأنكم سياسة.
إنكم أيها الأتراك قوم مقدسون ومبجلون، ومع ذلك تقدسون عبد القادر الكيلاني
والشيخ البدوي والشيخ الفلاني وتدّعون أن الله وملائكته - حتى الموكلين منهم بعذاب
القبر منكر ونكير - يتكلمون باللغة العربية، وتقولون دائمًا:(أوله شام وآخره شام)
وتسعون دائمًا لتغفيل أبناء الترك بأنه سيخرج من العرب مهدي. والحاصل تشتغلون
منذ سبعمائة سنة بمثل هذا الخرافات، فتغشون العالم وتحتقرون بذلك أبناء العثمانية
النجباء الذين ما فتئوا يجاهدون في سبيل الله للدفاع عن الإسلام ويدفعون عنه
تعرض الكفار الفجار له، فكل ما ذكرته موضوع بصورة خصوصية ومقصودة
بالذات لتحقيركم والحط من منزلتكم.
أما سمعتم الآية: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً} (العاديات: 1) فإن الله قدّس
بهذه الآية الجيوش التركية، فخيل هذه الجيوش هي أشرف وأقدس أضعاف مضاعفة
من شرافة وقداسة رؤساء وأشراف الشعوب الأخرى الذين تقدمونهم وتحترمونهم [7] .
* * *
(المنار)
هذا نموذج من كتاب (قوم جديد) الذي صنف لإقناع الترك بما يجب أن
يكونوا عليه في هذا العصر. ولا شك في كون جميع علماء الدين من الترك كغيرهم
ينكرون هذه الضلالات المودعة في هذا الكتاب، ويعلمون أن هذه الجرأة على
تحريف القرآن واتخاذ الإسلام هزؤًا ولعبًا، وهدم أركانه، وتكفير أهله والكذب
على الله ورسوله المراد به تقوية الجنسية التركية - كله كفر وضلال؛ ولكن الملاحدة
الذين ليس لهم من الإسلام إلا اللقب الرسمي أو الجغرافي يرضون بهذا ويغشون به
جهلة العامة من الترك، فما للمنكر على حزب اللامركزية تقوية الجنسية العربية باسم
الإسلام، لا يؤلف كتابًا في الرد على هؤلاء الغلاة المحرفين للقرآن. الهادمين
للإسلام؟ ؟
((يتبع بمقال تالٍ))
_________
(1)
دين هذه الطائفة سري، ومن المعروف عنهم جواز مشايعة غير أهل دينهم على سبيل التقية، ولهذا صرّح بعض الفقهاء بعدم الاعتداد بإظهار أحد منهم للإسلام، وأما أنا فأرى صحة إسلام من تدل القرائن على صدقه، كمن يصرّح على مسمع من أهل ملّته بالخروج منهم وبتخطئتهم في دينهم مع التزام الإسلام بالعمل.
(2)
كذب الكاتب في هذه الدعوى.
(3)
جعل الكاتب الجاهل نفسه شارعًا، وقد أفتى شيخ الإسلام في الآستانة بعدم جواز ترجمة القرآن.
(4)
مذهب أهل السنة أن خلافة الراشدين لم تثبت بالنص؛ بل باجتهاد الصحابة.
(5)
أي ليس في دين (القوم الجديد) صلاة ولا صيام ولا زكاة ولا حج؛ فهم لا يمتُّون إلى المسلمين لأكل أموالهم ومشاركتهم في حقوقهم إلا بعد إنكار الشهادتين، وعلى هذا كثير من ملاحدة العصر ومنافقيه كما قال المؤلف.
(6)
جرت عادة إخواننا الترك بأن يعلقوا في قباب مساجدهم ألواحًا فيها أسماء الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم وسبطي الرسول صلى الله عليه وسلم.
(7)
أي كالخلفاء الراشدين وأئمة آل البيت الطاهرين عند العرب.