الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكاتب: محمد رشيد رضا
فاتحة المجلد التاسع والعشرين من المنار
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الأعظم الأجل، والثناء الأكبر الأكمل، لربنا ذي العظمة والجلال،
والكبرياء والكمال، مقدر الآجال للأفراد والأجيال، ومقلب القلوب ومحول الأحوال
على ممر السنين والأحوال ، والتسبيح الأرفع الأسمى، لاسم ربنا الأعلى (الذي
خلق فسوى، والذي قدر فهدى، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى، عالم الغيب
والشهادة الكبير المتعال) .
خلق السموات والأرض وما بينهما بالحق، وأقام بين عباده ميزان الحكم
بالعدل، وحكمه في كل من التكوين والتشريع هو الفصل، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا
بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ
مِن وَالٍ} (الرعد: 11) .
والصلاة الإلهية النورانية، وتحية السلام الربانية الرحمانية، على خاتم دولة
النبيين، ولبنة الزاوية الذي أكمل الله به بناء الدين، وأتم نعمة هداية الوحي على
المؤمنين، محمد بن عبد الله العربي الأمي الملقب من قومه بالأمين، المرسل من ربه
رحمة للعالمين، وعلى آله الأطهار، وأصحابه المهاجرين والأنصار، ومن اقتفى
آثارهم من المقربين والأبرار، واجعلنا اللهم من هؤلاء المصطفين الأخيار، الذين
يذكرونك ذكرًا كثيرًا، ويسبحون بحمدك بالغدو والآصال.
أما بعد، فإن المنار يذكّر قرّاءه في فاتحة مجلده التاسع والعشرين، بمثل ما
عهدوا منه في غابر السنين، من العظات والمثلات العامة والخاصة بالمسلمين،
وما هم عرضة له من صلاح وفساد، وما يحتاجون إليه من إصلاح وإرشاد، وما
له من هذا شأن فيه، وذكرى في نواحيه، وما أريد أن أذكرهم به اليوم أجل مما
سبق من أمثاله خطرًا، وأوسع فجاجًا وسبلاً، وأدق علمًا وعملاً، على أنه عين ما
ذكرتهم به من قبل في جملته، وإنما هو أجل منه شأنًا وأبعد شأوًا في تفصيله مع
ضيق وقته.
كان سير الأمم والشعوب فيما سبق وئيدًا، كالأباعر يحملن جندلاً أو حديدًا،
ثم صار يسير بسرعة البخار، فيما يجر من المركبات في البر والجواري المنشآت
في البحار، ثم صار يطير في الهواء، ويسير سفنه في جو السماء، ثم إن الإنسان
العالم العامل، فسر لنا كيف سخر الله له ما في السموات وما في الأرض باستخدام
الكهرباء لمنافعه، وتصرفه بنورها وقوتها النافذين في الكائنات كلها لمصالحه،
وهذا ما أشرنا إليه آنفًَا في الصفحة الأولى من الصحيفة الأولى من المنار؛ منذ إحدى
وثلاثين سنة هجرية.
كان أكثر ما وصفنا به أعمال الإنسان المستيقظ يومئذ حقائق واقعة، وأقلها
تصورات متوقعة، وقد وقع ما كان متوقعًا، وتجاوز كل ما كان متصورًا، وعدا
كل ما كان مقدرًا، وأغربها المناطيد والطيارات، وتقريب المسافات، ونطق
الجمادات، وتراسل أهل الأمصار البعيدة بالصور والمخطوطات؛ كتناجيهم
بالأصوات، واستماعهم للخطباء والعازفين والمسمعات (المغنيات) ، فمن هو في
العالم القديم، قد صار بمرأى ومسمع ممن في العالم الجديد، بل ظهر من أسرار
الله في هذه الكهرباء ما صار به كل ما كان يستغرب من أخبار الوحي عن عالم
الغيب غير غريب، وكل ما كنا وصفنا من سعة سير الإنسان في أطوار الحضارة
بطيئًا غير سريع، بل كشف من عجائب سنن الله في الكهرباء ما لم يكن يخطر
على قلب بشر، وهو كل يوم في ازدياد، والناس من عجائب صنع الله في شأن،
يتنقلون بها من طور إلى طور، يتوقلون في نجد ويهبطون إلى غور، وقد عمت
مصنوعاتها الخافقين، فهي مبصرة بالعينين، مسموعة بالأذنين، ملموسة باليدين
موطوءة بالرجلين.
لكن كل هذه العلوم الزاخرة، والفنون الساحرة، والصناعات التي لو خفيت
أسبابها لعدت من السحر أو المعجزات، لم تزد المستمتعين بها إلا فسادًا في
الأخلاق وكفرًا بنعم الخلاق باستعمالها وسائل للحرب والنزال، وأسلحة للعدوان
والصيال، وآلات لتخريب ما لغيرهم من عمران، وتدمير ما لهم من بنيان، أو
يكون لهم ملكًا وأهله من العبدان، فماذا يجب على المسلمين أن ينتفعوا به من تلك
العلوم، وماذا يجب عليهم من اتقاء ضررها؟ .
طغى الغرب على الشرق بقواه العلمية والآلية يستغله ويستذله، ثم دفع دوله
التنازع على غنائمه والسيادة على أهله إلى طغيان بعضهم على بعض في حروب
صغيرة وكبيرة، حتى جاءت الطامة الكبرى وحرب المدنية العظمى، فخربوا
بيوتهم بأيديهم، وأحرقوا ثمرات كسبهم بنارهم، وأضاعوا فيها من رجالهم العاملين
زهاء عشرين ألف ألف نسمة بين قتيل ومشوه، من أقطع وأبتر وأجذم، دع عدد
المسلولين من مخابئ الخنادق والسراديب الشديدة الرطوبة على جوعهم، وفقدهم
الثياب الكافية لتدفئتهم، وأكثرهم كَلّ على أهله وحكومته، ولعل جملة خسائرهم في
أربع سنين تربي على ما ربحوه كلهم من الشرق في مائة سنة أو أكثر.
فإن كانوا كسبوا بهذه الحرب توسعًا في العلوم والفنون والصناعات، فقد
أعقبتهم فسادًا على فسادهم، وزادتهم رجسًا إلى رجسهم، فهم يستعدون في الباطن
لحرب أشر منها وأضر وأدهى وأمر، من حيث يسعون في الظاهر إلى عقد
المحالفات؛ لتحديد صنع الأسلحة وتقليل إنشاء الأساطيل والطيارات، وما كانت
عهودهم إلا دخلاً بينهم؛ أن تكون أمة هي أربى من أمة. فكل دولة من دولهم تمكر
بالأخرى وتكيد لها، بل هم يكيدون لشعوبهم ويمكرون بها، أعني أن كل حكومة
تمكر بشعبها نفسه وتخدعه؛ ليواتيها ويؤيد سياستها الحربية ويقرر لها نوابه المال
الذي تطلبه لها، وقد أحدثت الحرب الأخيرة في قلوب هذه الشعوب مقتًا للحرب
ورعبًا؛ مما عرفوا من أهوالها، ضاعف ما في الغرائز من كراهتها، فإذا جاءت
الحرب التالية كانت هي القاضية، ولن يستطيع أعداء البشر من وزراء دول
الاستعمار أن يتصرفوا في أموال شعوبهم وأنفسها بكيدهم تصرف سفهاء الوارثين،
وخونة القوامين على اليتامى والمجانين، ولا أن يسوقوا مئات الألوف بل
الملايين من شبان مستعمراتهم إلى جحيم الحرب، كما تساق الغنم إلى مجازر الذبح،
ولا أن يستحوذوا على ذهبها وفضتها وغلالها ومواشيها وجمالها وخيلها وبغالها
وحميرها فينتزعوها بالقوة القاهرة، كما فعلوا في الحرب السابقة، وإن صادفوا من
رجال حكوماتها المحلية من يسخرونهم لذلك كما سخروا الحكومة المصرية، فكيف
إذا لم يجدوا حكومةً وطنيةً قابلةً لمثل ذلك التسخير الذي لا يرضى به إلا الحمير؟
فلا ييأسن مسلم ولا شرقي من تحرير أمته من رق أوربة، فإن الفرصة ستسنح عن
قريب، والويل يومئذ للغافلين والمتخاذلين، بل الويل الأكبر للشعب الذي يفرق شمله
ملاحدة المجددين، فهم الخطر الأكبر على المسلمين وسائر الشرقيين.
ازدادت أوربة بعد الحرب علمًا وصناعة، وكذلك ازدادت جشعًا في
الاستعمار، وطمعًا في الدرهم والدينار، وضراوة في سفك الدماء ، وتفننًا في المكر
والدهاء، وصراحة في نقض العهود، وإخلاف الوعود، كما فعلوا في البلاد
العربية التي ضمنوا لها الاستقلال والحرية، ثم تجاوزوا بالعدوان عليها ما كانوا
قرروه سرًّا من اقتسام ذات الثروة الغزيرة منها: تجاوزوا العراق وسورية
الساحلية إلى الصحراء العربية، بل إلى البلاد المقدسة الحجازية، فاقتسموا سكة
الحديد الممتدة من سورية وفلسطين إلى المدينة المنورة؛ وهي وقف إسلامي على
الحرمين الشريفين ثم انتزع الإنكليز منطقة العقبة ومعان التابعة لمدينة الرسول
صلى الله عليه وسلم وأنشئوا يقيمون فيها الثكنات العسكرية والمعاقل الحربية،
وسيمدون فيها سكة حديدية تصل ما بين العقبة والبصرة، أو ما بين ساحل الحجاز
من البحر الأحمر وشط العرب، وحينئذ يكون أداء فريضة الحج تحت مظلة
سلطانهم، وذلة صلبانهم من كل بر وبحر، ويكون الحرم النبوي تحت رحمة
طياراتهم وجنودهم في كل وقت، كل هذا فعلوه بمساعدة الشريفين المكيين
الهاشميين والحسنيين الأميرين الملكين ملك الحجاز - بزعمه - في ذلك الوقت
الشريف علي، وأمير شرق الأردن البريطاني إلى يومنا هذا الشريف عبد الله، فإذا
سكت العرب على هذا العدوان جهلاً، فلماذا يسكت سائر المسلمين والحجاز قبلة
ومنسك للجميع؟ وماذا يخافون والله يقول: {فَلَا تَخَافُوَهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم
مُّؤْمِنِينَ} (آل عمران: 175) .
سارع الإنكليز وحلفاؤهم بعد الحرب إلى استعباد ما لم يكونوا قد استعبدوه من
الشرق، وجعله كله من غنائمهم المحللة لهم، وظنوا أنهم قد ملكوا القسطنطينية
العظمى وبحر مرمرة والبحر الأسود والقسمين الجنوبي والشرقي من البحر
المتوسط وبلاد العرب من مصر والبحر الأحمر إلى شط العرب وبلاد إيران، وأن
قد اتصلت مصر بالهند، وستتصل بمدينة الرأس، ولكن ماذا كان؟ استبسل لهم
الترك استبسال المستيئسين فطردوهم من الآستانة وما حولها، وتنمر لهم الفرس
تنمر المستهتر المستقتل، فأحبطوا أملهم في إيران وضربوا بقصاصة معاهدة
كرزون عرض الحائط، وأعلنوا الاستقلال المطلق، وإلغاء الامتيازات الأجنبية فتم
لهم ما يريدون، وقامت في وجوههم ثورة مصر العزلاء، فاضطرتهم إلى إلغاء
الحماية والاعتراف لمصر بالاستقلال والسيادة القومية. ولكنهم قدموا هذا الاعتراف
بتحفظات، لا تزال مثار النزاع والمفاوضات.
وقامت على إدارتهم الهندية في العراق الثورة المسلحة، فألجأتهم إلى تأليف
حكومة عراقية ملكية. لكنهم جعلوا فيصل بن حسين أخلص صنائعهم لهم ملكًا عليها،
يحقق لهم بالسلم والاقتصاد كل ما يريدون منها، وسوف يخيب بتوفيق الله أملهم
فيها.
وآذنهم بالحرب أمان الله خان أمير الأفغان، فاضطروا للاعتراف له
بالاستقلال المطلق التام، وكانت بلاده تحت حمايتهم المذلة، فأصبحت عزيزة
مستقلة، وكان ما كان من أمر ثورة الصين عداوة لهم ونبذًا لسيطرة امتيازاتهم
واستعمارهم، فحاولوا تأليب أوربة عليهم كما هو المعروف من شنشنتهم، فخذلتها
الدول في هذه المرة، وما كل مرة تسلم الجرة، فعادوا خاسرين وانقلبوا خاسئين.
وثبت الإمام يحيى في اليمن على سياسته السلبية معهم، فلم يستطيعوا إقناعه
بالاعتراف لهم بأدنى حق في بلاده، بل لا يزال يطالبهم بالمقاطعات التسع وبعدن
نفسها.
وانتزع ابن السعود الحرمين الشريفين من صنيعتهم الشريف حسين الذي ولوه
عليه، وكان يعترف لهم بأنه موظفهم فيه، ونقض ما كان من اتفاق سنة 1915 الذي
كان ضربًا من الحماية، واضطرهم إلى الاعتراف له بالاستقلال التام المطلق في
الحجاز ونجد وملحقاتها ولا يزال الخلاف بينهما قائمًا على السكة الحجازية ومنطقة
العقبة ومعان، يطالبونه بالاعتراف بدخول هذه في شرق الأردن أو بالسكوت لهم
عنها، وينذرونه تأليب عرب العراق والأردن عليه، وتهييج مسلمي الهند وإيران
ومصر عليه.
نعم.. يطمع الإنكليز بالاستيلاء على الحجاز بقوة المسلمين عامة والعرب
خاصة؛ لأنهم رأوا من تخاذل العرب الوطني والجنسي، مثلما رأوا من تخاذل
المسلمين الديني، فكان زعيمان من أشهر خصومهم في الهند أشد خدمة لهم في هذا
السبيل من أخلص صنائعهم في بلاد العرب (الملك فيصل والأمير عبد الله) ،
هذان يهددان ملك الحجاز ونجد، ويعتديان حدود الله بالتعدى على حدوده والتحرش
بقوته، وذانك قد اجتهدا في إيقاع الفشل في المؤتمر الإسلامي العام الذي أجمع على
الإنكار على الإنكليز مسألة العقبة ومعان، ومسألة اقتسام منافع السكة الحجازية
بينهم وبين أحلافهم الفرنسيس. وما فعلا ذلك حبًا في الإنكليز بل بغضًا في ابن
السعود؛ لأنه لم يتبع هواهما فيما يريدان أن تكون عليه حكومة الحجاز وهو هوى
باطل، وتنفيذه محال وطلبه غرور بل جنون.
هذه حالهم في الشرق، خابوا في كل عمل، وانكشف خداعهم لكل أحد، ولم
يبق لهم أمل جديد إلا في بلاد العرب، ولولا فيصل وعبد الله ولدا الشريف حسين،
لرجعوا منا بخفي حنين؛ إذ كان يستحيل على التقاليد الإنكليزية أن تستولي على
شيء من أرض الحجاز لنفسها، وقد سبق لنا أن استنجدنا العالم الإسلامي على
والدهما موجد هذا الخطر فأنجد. والآن نستصرخه ليتم ما بدا، وينقذ حرم الله
وحرم رسوله من الردى.
إن الدفاع عن الحجاز واجب على المسلمين أينما كانوا، كل بقدر طاقته، فإن
استيلاء الإنكليز على ثغر العقبة وحده أكبر خطر على المدينة المنورة، وإن هذه
البلاد قد حرمها الإسلام على غير المسلمين، فلا يجوز لإنكليزي ولا لغيره أن يملك
فيها ذراعًا ولا شبرًا، ولا أن يصدر فيها نهيًا أو أمرًا، فإذا لم يبال المسلمون كافة
بمبدأ دينهم، ونقض الأجانب لوصية نبيهم، ولا بجعل ركن الإسلام الاجتماعي
العام تحت رايتهم ووصايتهم، فأي دين يبقى لهؤلاء المسلمين؟ أيظنون أن الإنكليز
يحافظون على حرية الحج وكرامة الحرمين في ظل ملكهم حامي الكنيسة الإنجيلية،
وهم يرون بأعينهم ويسمعون بآذانهم ويقرءون في الكتب والصحف ما يفعل دعاة
النصرانية في ثالث الحرمين (القدس) ؛ من الطعن في الإسلام، والتواطؤ على
تنصير جميع مسلمي الأرض، وتخصيص الحرمين الشريفين وعرفات وسائر
العرب بالذكر؟ وقد ظهر لهم سر قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا ذلت العرب ذل
الإسلام) رواه أبو يعلى بسند صحيح.
أيها المسلمون:
أصغوا، أصيخوا، أنصتوا، استمعوا، وانظروا، وتأملوا في عاقبة دينكم،
وبيت ربكم، وحرم رسولكم، ليست المسألة مسألة حكومة ملكية أو جمهورية، ولا
مسألة أسرة سعودية أو هاشمية، ولا مسألة وطنية حجازية أو يمنية أو نجدية، ولا
عصبية مذاهب سنية أو زيدية أو إمامية، ولا قضية جنسية عربية أو فارسية أو
أفغانية أو هندية، ولا تعاليم سلفية وهابية أو خلفية تأويلية، بل المسألة العظمى
وهي الطامة الكبرى مسألة الديانة الإسلامية والملة الحنفية والوصية المحمدية، كل
ذلك على خطر الزوال، والذل والخزي والنكال؛ إذا ظل الأجانب محتلين بقواتهم
العسكرية للعقبة ومعان إن سكتنا عن القدس وشرق الأردن الآن، وهم يخترقون
منها قلب الصحراء العربية إلى العراق.
سبحان الله! ما بالكم تسمعون الإنكليز يصرحون بأن استقلال المصريين في
مصرهم خطر على الهند البريطانية - وبريطانيا أقوى دول الأرض - ولا يكون
احتلالهم هم للعقبة ومعان وعمان واستيلاؤهم على سكة الحديد الحجازية مع
حلفائهم الفرنسيس خطرًا على الحجاز، وليس للحجاز دولة ذات قوة برية بحرية
جوية، يمكنها أن تدفع عنه هاتين الدولتين القاهرتين كلتيهما ولا واحدة منهما،
اللهم إلا قوة الإيمان في الشعوب الإسلامية التي يجب أن تكون مع الحجاز إلبا
واحدًا عليهم.
ألا يجب عليكم شرعًا أن تستعملوا قوتكم المعنوية، فتجمعوا على مطالبة
الدولة البريطانية بترك ما انتزعت من الحجاز للحجاز، وتطالبوا الدولتين وسائر
الدول بالاعتراف باستقلال الحجاز وسائر جزيرة العرب، وبكونها بلاد حرة حيادية
لا يعتدي عليها أحد؟ بلى والله لئن سكتم عن هذا، ليحكمن عليكم الأجانب بالموت
والفناء أو لتكونن أنتم والحشرات الدنيئة في نظرهم سواء.
انظروا وتأملوا: لماذا أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم في مرض موته بإخراج
اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وأن لا يبقى فيها دينان؟ على ما علمتم من
تسامح الإسلام وما جاء به من حرية الأديان؟ أليس قد أوصى بذلك؛ لأن حرم الله
وحرم رسوله في الحجاز؟ وهما مهبطُ الإسلام ومثابةُ أهله ومفزعُهم وملجؤهم عند
الشدة، ولا يتم ذلك إلا إذا كان الحجاز خاصًّا بهم هو وسياجه من جزيرة العرب.
إذا كان هذا المعنى قد خفي على بعض العلماء المتقدمين، فلا يصح أن يخفى
على عوام المعاصرين فضلا عن العلماء ولا سيما المحدثين الذي اطلعوا على قوله
صلى الله عليه وسلم: (إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جُحْرها)
رواه الشيخان من حديث أبي هريرة، وقوله صلى الله عليه وسلم: (بدأ الإسلام
غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء، وهو يأرز بين المسجدين كما
تأرز الحية في جُحْرها) رواه مسلم من حديث ابن عمر، وحديث (إن الدين ليأرز
إلى الحجاز كما تأرز الحية إلى جُحْرها، وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية
من رأس الجبل) .. إلخ، رواه الترمذي عن عمرو بن عوف المزني، ومعنى أرز:
عاد وانكمش وانضم، والمراد الذي يدل على مجموع الروايات وحالة هذا العصر:
أن الإسلام عندما يضعف ويعود غريبًا ينكمش إلى الحجاز ويلجأ إليه، فيعتصم به
كما تعتصم الوعول في رؤوس الجبال، وهو الواقع الآن الذي أظهر لنا حكمة
وصيته صلى الله عليه وسلم بأن لا يبقى في جزيرة العرب غير الإسلام.
أيها المسلمون: إن الدولة البريطانية أطمع الدول ولكنها أعقلها، فإذا رأت
إجماع السواد الأعظم منكم على مطالبتها بما ذكرنا، وإذا بثثتم الدعوة في العالم
الإسلامي كله على وجوب عداوتها ومقاطعتها، فإنه يرجى أن تترك منطقة العقبة
ومعان للحجاز في المفاوضة السياسية التي ستكون بينها وبين حكومته عن قريب؛
لأن البت فيها قد أرجئ إلى هذه المفاوضة، وكذلك مسألة سكة الحديد الحجازية،
فإن لم تفعل وجب على كل مسلم أن يبث الدعاية التي أشرنا إليها آنفًا بمقتضى
النظام الذي يضعه الزعماء لها، وقد آن وقت الفصل بين الإسلام والإنكليز: فإما
صداقةٌ تامةٌ وهي خير لنا ولهم، وإما عداوةٌ عامةٌ ولن تكون شرًّا علينا منهم.
إن الدولة البريطانية تعلم أن لدى الإمام عبد العزيز بن السعود قوة حربية لم
تر مثلها جزيرة العرب بعد عصر الصحابة، وأن الجيش البريطاني لا يمكنه أن
ينازل هذه القوة في نجد ولا في الحجاز؛ لأسباب جغرافية وسياسية وتقليدية
واقتصادية معروفة، وأن الطيارات ما صارت قوة فاصلة في الحرب ولا سيما في
مثل هذه الأرض، فسالمته ودارته من جهة، ووضعت على حدوده في نجد
والحجاز عدويه الحاقدين عليه في العراق وشرق الأردن من جهة ثانية، وهو أقوى
منهما، ولكنه لا يرضى أن يتقارع العرب والمصلحة لغيرهما.
أفلم يئن للعرب أن يعرفوا كيف أسست أمبراطورية الهند وغيرها بمثل هذه
الحيل، أو لم يئن للمسلمين أن يتقوا الوقوع اليوم في شر مما وقع فيها من أضاعوا
بلادهم من قبل، وهو إضاعة دينهم مع بقية دنياهم.
أيها المسلمون: إن الإسلام لا يزال قوة عظيمة في الشرق كله؛ إذا وجد لها
زعماء جامعون بين العقل والعلم والحزم، فإنه يمكنهم أن يحفظوه ويرقوه ويحفظوا
له بقية بلاده، ويستعيدوا الكثير مما فقد منها، بل يمكنهم أن يحلوا بها عقدة مشكلة
المدنية الكبرى، ويعمموا نشره في بلاد الغرب كلها، أقول هذا عن علم وخبرة
اكتسبتها في بحث استمر زهاء ثلث قرن، ولما أجد لها الزعماء الصالحين لتنفيذها.
وكان شيخنا الأستاذ الإمام موقنًا بهذا وصرح به في الدرس العام بالجامع
الأزهر، وكان قبله حكيم الإسلام والشرق السيد جمال الدين موقنًا بهذا، ويحاول
أن يكون بسعيه - وكان قبلهما بطل أوربة نابليون بونابرت يحاول ذلك عن عقيدة
راسخة - وما أحبط سعي هؤلاء كلهم إلا الدولة البريطانية، وهي التي تحاول
إحباط عمل كل عامل يعمل للإسلام أيضا ما استطاعت. ولكن الزمان قد اختلف،
ومثل هذا العمل يعمله الإنكليز سرًّا لا جهرًا، وكل قوتهم فيه خفاؤه وإخفاؤه، فمتى
ظهر فشل إذا أحكم في مقاومته العمل.
أيها المسلمون: إن مدنية أوربة المادية، لا تجد لها منفذًا من الهلاك القريب
في التنازع بين عباد المال والشيوعيين، وفي الإسراف في الشهوات والمطامع إلا
بدين القرآن، فعلى المؤمنين الراسخين أن يعجلوا بإنقاذها به قبل أن تقضي هي
على ما بقي لهم من ملك وملك وثروة وقوة، وقد شرحنا لهم هذا المعنى في كتاب
الخلافة، وسيرون في باب أحوال العالم الإسلامي من الجزء التالي تتمة ما كنت
عزمت على بيانه من جوانبه في هذه الفاتحة. فمن لم يعلم فليبحث وليسأل إن كان
لديه من الإيمان ما يؤهله للعمل، وإلا فلا يغشن نفسه بدعوى الإيمان.
اللهم إنك قد أمرت بالتبليغ، وقد بلغت ما عندي، اللهم فاشهد وأنت خير
الشاهدين.
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
فتاوى المنار
أسئلة عن أحاديث الصحيحين وما قيل من أغلاطها
ورواية أبي هريرة، والفرق بين أحاديث التشريع وغيرها
س 1-9 من صاحب الإمضاء
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله هادي الأنام، والصلاة والسلام على البشير النذير خاتم الرسل الكرام
وعلى آله هداة الأمم ومنار الإسلام.
أما بعد: من أحمد محمد شهاب إلى حضرة من بعثه الله مجددًا لما اندرس من
معالم الدين، ناصر السنة، وقامع البدعة، حامي بيضة الإسلام، إمام الأئمة
الأعلام [*] صاحب الفضيلة السيد محمد رشيد رضا.
السلام عليكم ورحمة الله، اطلعت على كتاب سبل السلام شرح بلوغ المرام
الذي صححه وعلق عليه حضرة الأستاذ النابه الشيخ محمد عبد العزيز الخولي
المدرس بقسم التخصص في القضاء الشرعي، فَإذَا الكتاب طبع في مطبعتين
إحداهما المطبعة المنيرية لصاحبها حضرة الشيخ محمد منير أغا، والأخرى للشيخ
محمد علي صبيح، وقد جاء في نسخة المطبعة الأولى صحيفة 9 جزء 1 تعليق
لحضرة المصحح على شرح الحديث الشريف 12 عن أبي هريرة قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (إذا وقع الذباب في شراب فليغمسه ثم لينزعه؛ فإن في
أحد جناحي داء وفي الآخر شفاء) نقلاً عما كتبه حضرة الطبيب محمد توفيق
صدقي العالم المتدين في كتابه سنن الكائنات صحيفة 162 جزء10 ومما جاء فيه:
إن من عادة الذباب أن يجتمع على القاذورات والنجاسات، ثم ينتقل منها على طعام
الإنسان أو يسقط في شرابه أو يقف فوق عينيه، وبذلك تنتقل جراثيم الأمراض إلى
الإنسان وتنتشر بين أفراد هذا النوع، واستشهد على ذلك بما قرره أطباء الإنكليز
في حرب الترنسفال من انتقال العدوى في أفراد الجيش بواسطة الذباب، إلى أن
قال: إذا وقف الذباب على الأعين وجب طرده في الحال وإذا وقف على الطعام أو
سقط في الشراب فالأسلم تطهيرهما بالنار. أما ما رواه البخاري عن أبي هريرة
عن النبي صلى الله عليه وسلم فهذا الحديث مشكل وإن كان سنده صحيحًا، فكم في
الصحيحين من أحاديث اتضح لعلماء الحديث غلط الرواة فيها، كحديث (خلق الله
التربة يوم السبت) مثلاً وغيره مما ذكره المحققون، وكم فيهما من أحاديث لم يأخذ
بها الأئمة في مذاهبهم، فليس ورود هذا الحديث في البخاري دليلاً قاطعًا على أن
النبي صلى الله عليه وسلم قاله بلفظه؛ مع منافاته للعلم وعدم إمكان تأويله، مع أن
مضمونه يناقض حديث أبي هريرة وميمونة؛ وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم
سئل عن الفأرة تقع في السمن، فقال: (إن كان جامدًا فاطرحوها وما حولها وكلوا
الباقي، وإن كان ذائبًا فأريقوه أو لا تقربوه) فالذي يقول ذلك لا يبيح أكل الشيء
إذا وقع فيه الذباب؛ فإن ضرر كل من الذباب والفئران عظيم، على أن حديث
الذباب هذا رواه أبو هريرة، وفي حديثه وتحديثه مقال بين الصحابة أنفسهم!
خصوصًا فيما انفرد به كما يُعلم ذلك من سيرته، وهَبْ أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال ذلك حقيقة، فمن المعلوم أن المسلم لا يجب عليه الأخذ بكلام الأنبياء
صلوات الله وسلامه عليهم في المسائل الدنيوية المحضة التي ليست من التشريع،
بل الواجب عليه أن يمحصها ويعرضها على العلم والتجربة، فإن اتضح له صحتها
أخذ بها وإن علم أنها مما قاله الأنبياء (صلوات الله وسلامه عليهم) بحسب رأيهم،
وهو يجوز عليهم الخطأ في مثل ذلك! وقد حقق هذه المسألة القاضي عياض في كتابه
الشفاء، فليراجعه من شاء. ومما رواه فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله:
(إنما أنا بشر فما حدثتكم عن الله فهو حق، وما قلت فيه من قِبَل نفسي فإنما أنا بشر
أخطئ وأصيب) انتهى.
والذي نريد أن نعرفه من فضيلتكم:
1-
ما هي أحاديث الصحيحين التي اتضح لعلماء الحديث غلط الرواة فيها؟
2-
ما في حديث وتحديث أبي هريرة رضي الله عنه من المقال؟ وما الذي
قيل في سيرته؟
3-
إذا كان لا يجب الأخذ بكلام الأنبياء (صلوات الله وسلامه عليهم) في
المسائل الدنيوية المحضة، أفلا يكون الأخذ بها سنة أو مندوبًا؟
4-
هل يوجد ضابط لا يتطرق إليه القيل والقال في التمييز بين ما قيل من
النبي صلى الله عليه وسلم في المسائل الدنيوية، وما قاله من قبل نفسه، وما قاله
على سبيل التشريع؟
5-
جواز خطأ الأنبياء (صلوات الله وسلامه عليهم) ، فما قالوه من أنفسهم
ودليله وحكمه؟ وهل ما وقع لنبينا صلى الله عليه وسلم من هذا القيل محصور وما
هو؟
6-
التوفيق بين حديثي الذباب والفأرة؟
7-
هل حديث الذباب مع ما يشتمل عليه من الأخبار، يقال من قبل الرأي أو
التشريع.
8-
كيف يكون القول الصادر عن الطبيب محمد توفيق صدقي كفرًا مع قول
المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا بشر فما حدثتكم عن الله فهو حق، وما
قلت فيه من قبل نفسي) .. إلخ، وما درجة هذا الحديث ومن خرجه؟
9-
جاء في تعليق النسخة طبعة صبيح، طعن مر على ما كتبه الدكتور محمد
صدقي وأنه كفر، فهل يجوز هذا الطعن، وما حكم قائله؟
نرجو الإفادة عن كل ما تقدم بتوسع، حتى تكون الأمة على بينة منه، وإنا
منتظرون فيما تكتبون الشفاء، والمعهود في سماحتكم الوفاء، ودمتم محفوظين،
وبعناية المولى القدير ملحوظين، والسلام.
…
...
…
...
…
...
…
...
…
28/11/1927
…
...
…
...
…
...
…
...
…
...
…
المخلص
…
...
…
...
…
...
…
...
…
أحمد محمد شهاب
…
...
…
...
…
رئيس نقطة الحبابية مركز منوف منوفية
(المنار)
نحيي السائل بخير من تحيته، من السلام ورحمة الله وبركاته ونعمته،
ونسأله تعالى أن يجعلنا أهلاً لحسن ظنه وإخلاص نيته، ونخبره بأن أسئلته المهمة
قد سبق لنا تحقيقها في المنار؛ لذلك نجيب عنها بالاختصار، فنقول:
(أجوبة المنار بالترتيب)
1-
أحاديث الصحيحين التي ظهر غلط الرواة فيها
لم أقف على إحصاء لأحاديث الصحيحين التي اتضح لعلماء الحديث أن
الرواة غلطوا فيها، وعلماء الحديث قلما يعنون بغلط المتون فيما يخص معانيها
وأحكامها الذي هو مراد السائل، وإنما كانت عنايتهم التامة بالأسانيد وسياق المتون
وعباراتها والاختلاف والاتفاق فيها والمرفوع والموقف منها، وما عساه أن يكون
مدرجًا
فيها من كلام بعض الرواة ليس من النص المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ،
وإنما يظهر معاني غلط المتون للعلماء الباحثين في شروحها وما فيها من أصول
الدين وفروعه وغير ذلك، ولو لم يكونوا من المحدّثين في الاصطلاح على أنهم
يرجعون في ذلك إلى أصول المحدثين؛ كقولهم: إن صحة السند لا تقتضي صحة
المتن في الواقع ونفس الأمر حتمًا، وعدم صحة السند لا تقتضي وضعه في الواقع
ونفس الأمر حتمًا، وقولهم: إن من علامات وضع الحديث - وإن صح سنده - أن
يكون مخالفًا لنص القرآن القطعي، وفي معناه كل قطعي شرعي كبعض أصول
العقائد أو الأعمال المجمع عليها المعلومة من الدين بالضرورة، بحيث يتعذر الجمع
بينهما، ولهذا جزموا بغلط حديث أبي هريرة عند مسلم في خلق السموات والأرض
في سبعة أيام الذي أوله: (خلق الله التربة يوم السبت) ؛ لأنه مخالف لآيات
القرآن الصريحة في خلق السموات والأرض وما فيها في ستة أيام، بل حكموا
بغلط حديث شُريك بن أبي نمر في الإسراء والمعراج من أحاديث الصحيحين في السند
والمتن وهو الحديث الذي فيه أن الإسراء والمعراج كانا في رؤيا منامية، وذكروا له
عللاً أشار إليها مسلم مقرونة بسياقه على أن بعض العلماء والحفاظ انتصروا له فيه.
وإذا كانت مخالفة القطعي سببًا للحكم؛ إما بعدم صحة الحديث لعدم الثقة
برواته، وإما لغلطهم في سياق متنه. فمن الضروري أن تختلف الأفهام في ذلك
باختلاف مدارك أصحابها ومعارفهم، فالذين لا يعلمون أن الشمس لا تغيب عن
الأرض ولا تحتجب عن جميع سكانها من البشر ساعة ولا دقيقة، لا يرون شيئًا من
الإشكال في حديث أبي ذر في بيان أين تكون بعد غروبها؛ لأنهم يظنون أن
غروبها عنهم غروب عن جميع العالم.
ولكن حفاظ الحديث ورجال الجرح والتعديل، قد انتقدوا بعض أحاديث
الصحيحين، وجرحوا بعض رجالهما بحسب أفهامهم ودرجات معرفتهم، وجاء
آخرون فانتصروا للشيخين في أكثر ما انتقد عليهما، وأشهر هؤلاء المنتقدين
وأوسعهم تتبعًا وإحصاء الحافظ أبو الحسن الدارقطني صاحب السنن المشهورة،
وإذا أردت معرفة ذلك مع ما فيه وما يرد عليه، فراجع الفصلين الثامن والتاسع من
مقدمة الحافظ ابن حجر لشرح البخاري. فأما الأحاديث المنتقدة في البخاري فهي
110 أحاديث، منها ما انفرد به ومنها ما أخرجه مسلم أيضًا - وما انتقدوا من إفراد
مسلم أكثر من إفراد البخاري - وإذا قرأت ما قاله الحافظ فيها، رأيتها كلها في
صناعة الفن التي أشرنا إلى المهم منها عندهم. ولكنك إذا قرأت الشرح نفسه (فتح
الباري) رأيت له في أحاديث كثيرة إشكالات في معانيها أو تعارضها مع غيرها،
مع محاولة الجمع بين المختلفات وحل المشكلات بما يرضيك بعضه دون بعض،
فهذا النوع ينبغي جمعه وتحقيق الحق فيه بقدر الإمكان، كما حاول الطحاوي في
كتابه مشكل الآثار، وترى نموذجًا منه في كلامنا على أشراط الساعة ومشكلاتها في
الروايات الصحيحة وغيرها، على أن من أطال البحث فيه وفيما قبله يدهش لدقة
الشيخين ولا سيما البخاري في انتقاء أحاديث الصحيحين وتحريهما فيها.
وأما موضوع الفصل التاسع؛ وهو تضعيف كثير من رجال الجامع الصحيح
فقد سردها فيه الحافظ سردًا وأحصاها عدًا، وترى أن الطعن في أكثرهم مبني على
الاختلاف في أسباب الطعن والجرح، فيبني هذا جرحه على ما يخالف اصطلاح
الآخر، وترى أن المطعون فيهم قلما يخرج لهم حديث في الجامع الصحيح إلا في
المتابعات؛ للتقوية لا لأصل الاستدلال به، فإن جعله أصلاً كان له من الشواهد
والمتابعات ما يقويه، مثال ذلك حديث كثير بن شِنظير (بكسر الشين) البصري
عن عطاء: في الأمر بتغطية الأواني في الليل وربط الأسقية وإقفال الأبواب ومنع
الصغار من الخروج مساء خشية الجن أو الشياطين، كثير هذا قال فيها ابن معين
ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال الساجي: صدوق فيه بعض الضعف
ولكن احتج به الجمهور، وقال البخاري عقب تخريج حديثه من كتاب بدء الخلق:
قال ابن جريج وحبيب عن عطاء (فإن للشياطين يعني أن ابن جريج وحبيبًا المعلم
رويا هذا الحيث أيضًا إلا أنهما قالا: (فإن للشياطين انتشارًا وخطفة) بدل قول
كثير بن شنظير (فإن للجن) إلخ، أقول: ويختلف في غير هذه الكلمة أيضًا، ولم
يذكر البخاري المتابعة إلا لعلمه بأن كثير هذا قد قيل فيه ما قيل، وهو لم يخرج له
غيره إلا حديثًا آخر في السلام على المصلي، له متابع عند مسلم.
فأنت ترى أن هذا من دقائق التحري في الروايات، وإنما اخترت التمثيل
بحديث كثير هذا على كثرة نظائره؛ للإشارة إلى شيء يتعلق بالمتن لم يكن مما
يلتفتون إليه ويبحثون فيه، وهو ما فيه من الخبر عن انتشار الجن والشياطين في
أول الليل والخوف على الأولاد منهم، في هذا من الإشكال أن أكثر أهل الأرض لا
يمنعون أولادهم من الخروج في هذا الوقت، وتمر الأعصار ولا يعرف أحد أن
الشياطين فعلت بأحد منهم شيئًا - هذا إشكال يخطر في بال كل متعلم في الأمصار
التي انتشرت فيها العلوم والفنون التي يسمونها العصرية، وكل متعلم على طريقتهم
في القرى والمزارع، فيقولون: إنه مخالف للواقع في تعليل منع الصغار من
الخروج في المساء أي في أول الليل، وقد يزيد على هذا بعض المشتغلين بالعلوم
الدينية؛ أن هذا خبر عن أمر يتعلق بعالم الغيب، فلا يقبل فيه انفراد راوٍ واحد فيه
من هذه الطرق الثلاث التي لا تخلو واحدة منها من علة، فكثير ضعفه بعضهم،
وكذلك حبيب المعلم قال فيه النسائي: إنه ليس بالقوي، وقال أحمد: ما احتج
بحديثه، وفي رواية عنه وعن ابن معين ثقة. وأما ابن جريج فهو على فضله وسعة
علمه وكثرة روايته مدلس، روى عن كثيرين لم يسمع منهم، وكان يدلس على
المجروحين كما قاله الحافظ الدارقطني، والذي عليه أئمة هذا الشأن أنه إذا قال
حدثني فهو ثقة وإلا فلا. قال يحيى بن سعيد: كان ابن جريح صدوقًا، فإذا قال
حدثني فهو سماع، وإذا قال أخبرني فهو قراءة، وإذا قال (قال) فهو شبه الريح
(لا قيمة له)، وقال الأثرم: قال أحمد: إذا قال ابن جريح: (قال) و (أخبرت)
جاء بمناكير، وإذا قال أخبرني وسمعت فحسبك به، واختلفوا في روايته عن عطاء،
قال علي بن المديني (من كبار شيوخ البخاري ورجال الجرح والتعديل) في كتابه
سألت يحيى بن سعيد عن حديث ابن جريج عن عطاء الخراساني، فقال: ضعيف.
قلت: إنه يقول أخبرني، قال: لا شيء كله ضعيف إنما هو كتاب دفعه إليه. أقول:
فعلى هذا لا ينفعنا في تصحيح هذا الحديث قوله أخبرني كما رواه البخاري عنه،
ولولا مسألة الشياطين لم يكن في متن الحديث إشكال؛ فإن الأوامر فيه كلها نافعة لا
تتعلق بحفظ الطعام والشراب مما يدخل فيها من الحشرات الضارة، وكذلك إغلاق
الباب عند النوم وإطفاء السراج، على أنه يمكن أن يراد بالشياطين فيه شياطين الإنس
الذين يؤذون الأطفال، وفي مصر خطفة منهم يأخذونهم فيستخدمونهم لأنفسهم أو
لغيرهم، ويكرهون البنات على البغاء عند استعداد سنهن لذلك أو قبله، فيزول إشكال
المتن فيه.
***
2-
الجواب عن حديث أبي هريرة وتحديثه
أقول: إن أبا هريرة رضي الله عنه كان من أحفظ الصحابة، وهو
صادق في تحديثه. ولكن إسلامه كان في سنة سبع من الهجرة، فصحب رسول الله
صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين ونيفًا، فأكثر أحاديثه لم يسمعها من النبي صلى الله
عليه وسلم وإنما سمعها من الصحابة والتابعين، فإن كان جميع الصحابة عدولاً في
الرواية كما يقول جمهور المحدثين، فالتابعون ليسوا كذلك، وقد ثبت أنه كان
يسمع من كعب الأحبار، وأكثر أحاديثه عنعنة. على أنه صرح بالسماع من النبي
صلى الله عليه وسلم في حديث (خلق الله التربة يوم السبت) .. إلخ، وقد جزموا بأن هذا الحديث غلط من أصله، وفي تفسير الحافظ ابن كثير أن أبا هريرة أخذه
عن كعب الأحبار.
وأما نهي عمر له عن التحديث؛ فلأن عمر رضي الله عنه كان يرى
التشديد في رواية الحديث وكتابته، وهذه مسألة كبيرة سبق للمنار سبْح طويل فيها.
وقد كتب بعض المبشرين بالنصرانية مقالاً طويلاً بالطعن في حديثه، وجاءوا
بشبهات على ذلك من بعض الكتب؛ وغرضهم من الطعن فيه الطعن في رواية السنة
وصحتها، وقد فندنا كلامهم في مقال مفصل نشرناه في الجزئين الأول والثاني من
مجلد المنار التاسع عشر فليراجعه السائل، فما نظن أنه يبقى مقالاً لقائل، وهو
يتضمن التفصيل في الرد على الدكتور محمد توفيق صدقي رحمه الله الذي
أجملناه في المجلد الثامن عشر.
***
3-
حكم كلام الرسل عليهم السلام في الأمور الدنيوية
إن ما يرد في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم من الأوامر والنواهي
والآراء الدنيوية المحضة يسميه علماء الأصول إرشادًا، كما قالوا في حديث جابر
الذي تكلمنا عليه في الجواب عن السؤال الأول وهذا لفظه (خمّروا الآنية وأوكئوا
الأسقية وأجيفوا الأبواب، وأكفتوا صبيانكم عند المساء فإن للجن انتشارًا وخطفة،
وأطفئوا المصابيح عند الرقاد فإن الفويسقة (أي: الفأرة) ربما اجترت الفتيلة
فأحرقت أهل البيت) ومثله (كلوا الزيت وادّهنوا به فإنه طيب مبارك) رواه
الحاكم وابن ماجه من حديث أبي هريرة بسند صحيح، وفي الأمر به روايات
أخرى ضعيفة، ومثله (كلوا البلح بالتمر) .. إلخ رواه النسائي وابن ماجه والحاكم
من حديث عائشة بسند صحيح، وكذا رأيه صلى الله عليه وسلم في تلقيح النخل
وسيذكر والعمل بأمر الإرشاد لا يسمى واجبًا ولا مندوبًا؛ لأنه لا يقصد به القربة
فليس فيه معنى التعبد، قال القرطبي: جميع أوامر هذا الباب من باب الإرشاد
إلى المصلحة، ويحتمل أن تكون للندب ولا سيما في حق من يفعل ذلك بنية
امتثال الأمر ، اهـ. من الفتح وهو مأخوذ من قول بعض العلماء قبله: إن كل مباح
يفعل في الإسلام بنية القربة يصير عبادة يثاب عليها.
أقول: ولكنه لا يسمى سنة ولا مندوبًا بذاته؛ فإن القربة هنا هي النية.
***
4-
الضابط القطعي بين ما قاله الرسول رأيًا وإرشادًا وما قاله تشريعًا
ظاهر حديث رافع بن خديج في صحيح مسلم (إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء
من أمر دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر) وحديث
عائشة وأنس عن مسلم أيضًا من تعليله صلى الله عليه وسلم تلك المسألة: مسألة
تلقيح النخل بقوله صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلم بأمر دنياكم) ظاهره أن جميع
أمور الدنيا متروكة إلى الناس، يتصرفون فيها باجتهادهم لا يتعلق بها تشريع، ذلك
بأنه صلى الله عليه وسلم لما جاء المدينة ورآهم يؤبرون النخل ارتأى أنه ليس
له تأثير، وسمع بعضهم منه ما يدل على ذلك، فترك تأبير نخله فلم يثمر التمر
الجيد المعتاد بل خرج شيصًا رديئًا، فذكروا له ذلك فقاله كما سبق لنا بيانه، وذكر
لهم أنه قال: ظن أي لا عن وحي، وأنهم أعلم بدنياهم.
وليس هذا على إطلاقه؛ فإن من أمور الدنيا ما فعْلُه أو تركه ضار قطعًا
بشخص العامل أو بالناس، فيتعلق به تشريع التحريم، وما كان مظنة النفع
والضرر فيتعلق به تشريع الندب والكراهة، وكل ما يفعل بنية القربة ورجاء
الثواب من الله تعالى فهو عباده إذا كان مشروعًا، وبدعة إذا لم يكن مشروعًا، وكل
ما رتب على فعله ثواب أو عقاب فهو ما يتعلق به التشريع، والضابط العام أن
التشريع ما ثبت بنص يدل على طلب الشارع لفعل شيء على سبيل القطع وهو
الوجوب، أو غير القطع وهو الندب، أو طلبه لترك شيء بالنهي عنه أو الوعيد
عليه على سبيل القطع وهو المحرم، أو غير القطع وهو المكروه أو بالإباحة
الرافعة للحظر. فأفعال الرسل الدنيوية العادية تدل على أن ما يفعلونه مباح لا
حظر فيه على الناس، ولا وجوب ولا ندب إلا بدليل خاص يدل على ذلك.
فالتشريع لهم ولغيرهم عام إلا إذا قام الدليل على التفرقة بين الرسول وأمته؛
كالخصائص المختصة بنبينا صلى الله عليه وسلم دون الأمة وهي معروفة.
وقد بينت كتب أصول الفقه هذه المسألة في شرح الأحكام الخمسة. ولكنني لم
أر لأحد ضابطًا عامًا لا يمكن فيه القيل والقال، فهنالك الأصل الذي تشير إليه
أحاديث تأبير النخل، فلفظ (أمور دنياكم) عام تدخل فيه جميع أمور الزراعة
والصناعة، وكل ما يصل إليه البشر باختيارهم وبحثهم، ولا يحتاجون فيه إلى
وحي إلهي، وتدخل فيه أمور الطعام والشراب واللباس إلا ما استثنى نص القرآن
من تحريم الميتة والدم المسفوح؛ وما أهل به لغير الله وشرب الخمر، أو نص
الحديث كلبس الحرير (الخالص أو الغالب) للرجال، والأكل والشرب في أواني
الذهب والفضة؛ لما في ذلك من الإسراف والنهي عنه في القرآن، فهذه أمثال لما
استثني بعينه. وآيات حظر التحريم بغير وحي من الله تعالى وتسميته افتراء على
الله؛ كقوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً
وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} (يونس: 59)،وقوله: {قُلْ مَنْ
حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} (الأعراف: 32)
وغيرهما.
وفوق هذا أصل الإباحة بنص قوله تعالى: {خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} (البقرة: 29) ولكن لا يدخل في عموم الحديث والآيات إباحة ما فيه ضرر ولا
ما يتعلق به حقوق الناس، أو يقال: إنه من المستثنى بنصوص وقواعد أخرى؛
لأن التنازع في الحقوق والمصالح وإن كان مما يدخل في استطاعة البشر الاهتداء
إلى الأحكام الفاصلة فيه، يحتاج في قواعده إلى تشريع إلهي تخضع له النفوس
باطنًا بوازع الدين والعقيدة؛ كما تخضع له ظاهرًا بوازع السلطان والقوة.
وهنالك أمور مشتبهات لها جهات مختلفة؛ كإطلاق اللحية وقص الشارب أو
إعفائه وفرق الشعر وخضب الشيب. هذه أمور صح أمر النبي (صلى الله عليه
وسلم) بها، وهي من أمور العادات والزينة المباحة في الأصل، ولكن علل بعضها
بمخالفة أهل الملل الأخرى؛ ليكون المسلمون أمة مستقلة في جميع مشخصاتها
ممتازة عن غيرها، يقتدى بها ولا يقتدى بغيرها فهذه الأمور الدنيوية العادية، قد
نظر فيها إلى مصلحة اجتماعية للأمة. ولما لم تكن من الأمور التعبدية التي يقصد
الامتثال فيها لذاته، يصح أن يقال فيها: إنها تتبع علتها وجودًا وعدمًا، وقد ترك
المسلمون فرق الشعر خلافًا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله، وصار من
يفرق شعره يعد متشبهًا بغير المسلمين من الإفرنج وغيرهم، والنبي صلى الله عليه
وسلم كان يسدل شعره أولاً، فلما رأى أهل الكتاب بعد الهجرة يسدلون شعورهم
صار يفرقه مخالفة لهم، وقد اختلفت الحال اليوم، وقد سبق لنا بيان لها في مواضع
من التفسير والمنار، منها المطول والمختصر، وآخر المختصر ما ذكرناه في
تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا
يُحْيِيكُمْ} (الأنفال: 24) هو في الجزء العاشر من المنار م 28 الذي صدر في
شعبان بتاريخ 30 رجب الماضي، أعني الذي صدر قبل هذا الجزء.
***
5-
جواز خطأ الأنبياء في آرائهم ودليله وحكمه وحصره
قال الله تعالى لخاتم رسله: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} (الكهف:
110) الآية، وقال صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من أمر
دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر) رواه مسلم والنسائي
من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه، وقال أيضًا: (إنما أنا بشر مثلكم
وإن الظن يخطئ ويصيب، ولكن ما قلت لكم قال الله فلن أكذب على الله) رواه
الإمام أحمد وابن ماجه من حديث طلحة رضي الله عنه بسند صحيح، وقال أيضًا:
(إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض،
فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو يتركها) رواه
الجماعة من حديث أم سلمة رضي الله عنها، والجماعة هنا الإمامان مالك وأحمد
والشيخان البخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة، وموضوع الحديث الخطأ
في الحكم؛ بسبب خلابة المخطئ من الخصمين وقوة حجته.
ومن أصول العقائد الإسلامية المأخوذة من هذه النصوص وأمثالها؛ أن الرسل
عليهم السلام بشر، يجوز عليهم كل ما يجوز على البشر من الأمور البشرية التي
لا تخل بمنصبهم من الصدق والأمانة في تبليغ الرسالة، والعصمة عن مخالفة ما
جاءوا به من أمر الدين.. إلخ، وقد اتفق المسلمون على جواز وقوع الخطأ من
الرسل عليهم السلام في الرأي والاجتهاد. ولكن الله تعالى لا يقرهم على خطأ يتعلق
بالتشريع كمصالح الأمة، بل يبينه لهم كما حصل في اجتهاد نبينا صلى الله عليه
وسلم في مسألة الأسرى ببدر مع المشاورة، إذ رجح رأي الصديق في أخذ الفداء
منهم، فأنزل الله تعالى:{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ} (الأنفال: 67) الآية، وفي اجتهاده صلى الله عليه وسلم في الإذن لبعض
المنافقين بالتخلف عن غزوة تبوك، فأنزل الله تعالى عليه {عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ
لَهُمْ} (التوبة: 43) ، وفي اجتهاده صلوات الله وسلامه عليه قبل ذلك في
الإعراض عن عبد الله بن أم مكتوم الأعمى الفقير عندما جاءه؛ وهو يكلم كبراء
قريش راجيا هدايتهم؛ لئلا ينفروا منه لكبريائهم، فأنزل الله عليه {عَبَسَ وَتَوَلَّى *
أَن جَاءَهُ الأَعْمَى} (عبس: 1-2) إلى قوله: {كَلَاّ} (عبس: 11) ردعًا
عن مثل هذه السياسة، وقد كان صلى الله عليه وسلم يرجع عن رأيه لرأي أي من
أصحابه كما فعل عند ما اختار النزول في مكان يوم بدر، فأشاروا عليه بما هو
خير منها، وأولى من ذلك رجوعه إلى رأي الأكثرين بعد المشاورة كما فعل يوم
أحد، ولكني لم أقف لأحد من العلماء على إحصاء لحصر هذه المسائل في موضع
واحد يُرجع إليه، وهذا أشهر ما ورد في هذا الباب، وهو الذي يتبادر إلى الذهن
وقت الكتابة من غير مراجعة كتاب.
***
6-
7 - الجمع بين حديثي الذباب والفأرة
وهل الأول رأي أو تشريع؟
الفقهاء يفرقون بين الحديثين؛ بأن الفأرة مما له دم سائل، فلا يعفى عن
تنجيسه لما ينجسه إذا كان ميتًا والذبابة ليست كذلك، فيعفى عن تنجيسها لما تقع
فيه أو يقال: إنها لا تنجسه. وأما الحكم الطبي فيهما فواحد فكلاهما ضار في
الطعام والشراب باتفاق الأطباء، فإن كان ضرر الذبابة الواحدة لا يبلغ ضرر الفأرة
الواحدة، فللكبر والصغر دخل في ذلك، ويجوز أن يكون مقدار ثقل الفأرة من
الذباب أضر منها، والمعول في مثل هذا على خبرة الأطباء.
وحديث الذباب المذكور غريب عن الرأي وعن التشريع جميعًا، أما التشريع
في مثل هذا فإن تعلق بالنفع والضرر فمن قواعد الشرع العامة أن كل ضار قطعًا
فهو محرم قطعًا، وكل ضار ظنًا فهو مكروه كراهة تحريمية أو تنزيهية على الأقل
إن كان الظن ضعيفًا، فغمس الذباب في المائع الذي يقع فيه لا يتفق مع قاعدة
تحريم الضار، ولا مع قاعدة اجتناب النجاسة. وأما الرأي فلا يمكن أن يصل إلى
التفرقة بين جناحي الذبابة في أن أحدهما سام ضار والآخر ترياق واق من ذلك السم
فإن صح الحديث بلفظه، ولم يكن فيه غلط من الرواة، ولم يكن معناه معروفًا
مسلمًا في ذلك الزمان، فالمعقول فيه أن يكون عن وحي من الله تعالى، وحينئذ
يمكن أن يعرف ببحث الأطباء المبني على القواعد الحديثة؛ كالتحليل الكيميائي
والفحص الميكروسكوبي، بأن يجمع كثير من أجنحة الذباب اليمنى واليسرى كل
على حدته، وينظر في أكبر منظار مكبر، ثم يحلل فينظر هل يختلف تركيبه ثم
تأثيره في بعض الأحياء كشأنهم في هذه النظائر، فإن ثبت بالتجربة القطعية أن
الجناحين سواء في الضرر كما هو الغالب في النظر، ثبتت معارضة الواقع
القطعي لمتنه وهو ظني؛ لأنه خبر واحد، فيحكم بعدم صحته إن لم يكن تأويله كما
هو الظاهر، ولا خلاف في ترجيح القطعي على الظني من منقول ومعقول
ومختلف، كما بينه شيخ الإسلام في كتاب النقل والعقل.
هذا، وإننا لم نر أحدًا من المسلمين، ولم نقرأ عن أحد منهم العمل بهذا
الحديث، فالظاهر أنهم عدوه مما لا دخل له في التشريع كغيره من الأحاديث
المتعلقة بالمعالجات الطبية والأدوية، وقد تكلم علماؤنا في معناه، وذكروا اعتراضًا
عليه لبعض الناس جهلوه به، وهو قوله كيف يجمع جناحاه بين الداء والشفاء؟
وردوا عليه بأن كثيرًا من المخلوقات تجتمع فيها المتضادات؛ كالحية فيها السم
ولحمها يجعل في الترياق منه، والنحلة يخرج من فمها العسل النافع ومن أسفلها
القذر الضار. ونقلوا عن بعض الأطباء أن في الذبابة سمًا، فإذا وقعت في طعام أو
شراب أو غيرهما تلقى بسمها على ما تخشى أن يضرها: أي كما تفعل كل
الحشرات السامة، وذكروا أن من المجربات شفاء لسعة الزنبور بدلكها بالذباب أو
بالزنبور نفسه. وفي الطب الحديث أن نَسَم الجِنَّةِ الخفية التي يسمونها الميكروبات
منها الضار والنافع، وإنهما يتدافعان ويتقاتلان في دم الإنسان حتى يغلب أحدهما
الآخر، فعلى هذا لا يمكن القطع بأن متن الحديث مخالف للواقع ونفس الأمر، وأن
كل ذباب يغمس في الطعام أو الشراب فهو ضار إلا بتجارب خاصة بهذا الأمر.
هذا، وإن إخراج البخاري لهذا الحديث في جامعه لا يعصمه من التماس علة
في رجاله تمس مناعة صحته، فإن مداره عنده على عبيد بن حنين مولى بني
زريق، انفرد به وليس له غيره، فهو ليس من أئمة الرواة المشهورين الذين تخضع
الرقاب لعدالتهم وعلمهم وضبطهم كمالك عن نافع عن ابن عمر مثلاً، ومن الغريب
أنه لم يذكر في تهذيب التهذيب أن له رواية عن أبي هريرة، فإن كان بينهما
واسطة يكون منقطعًا. ولكن لم يذكر الحافظ ذلك على تحريه لمثل هذه العلل. وفيه
أن أبا حاتم قال فيه: كان صالح الحديث، وهي من أدنى مراتب التوثيق، حتى قدم
الحافظ الذهبي وغيره عليها كلمة (لا بأس به) فإذا غلب على قلب مسلم أن رواية
ابن حنين هذا غير صحيحة وارتاب بغرابة موضوع حديث الذباب لا يكون قد ضيع
من دينه شيئًا، ولا يقتضي ارتيابه هذا أو جزمه بعدم صدق ابن حنين فيه الطعن في
البخاري؛ لأنه قبل روايته لأنه لم يعلم جارحًا يجرحه فيه إلا هذا الشذوذ الذي يجبره
حديث أبي سعيد عند النسائي وابن ماجه بمعناه وإن كان على غير شرط البخاري في
الصحيح. ولكن يرد على المرتاب تصحيح لابن حبان لحديث أبي سعيد، وقد يقول:
إذا وجدت علة في رواية البخاري تمنعني من القول بصحة الحديث مع كونه أشد
الحفاظ تحريًا فيما يخرجه في صحيحه مسندًا، فهل يمنعني منه تصحيح ابن حبان
المعروف بالتساهل في التصحيح؟ وكل من ظهر له علة في رواية حديث، فلم يصدق
رفعه لأجلها فهو معذور شرعًا، ولا يصح أن يقال في حقه: إنه مكذب لحديث كذا،
كما أن من اعتقد أن حديث كذا صحيح، وكذبه يصدق عليه أنه مكذب، ويترتب عليه
حكم التكذيب.
(تنبيه) إن ابن حنين رواي حديث الذباب من مسلمة الأعاجم، والظاهر
أنه من النصارى. وراوي حديث الشياطين المتقدم وهو ابن شنظير منهم أيضًا،
وكل منهما غير مشهور بالعلم والرواية، فالظاهر أن البخاري اكتفى بعدم الطعن
فيهما.
***
8-
9 - تكفير محمد توفيق صدقي لعدم تسليمه حديث الذباب
إن الذي كفّر الدكتور محمد توفيق صدقي رحمه الله تعالى؛ لاعتقاده أن
حديث الذباب مخالف للواقع لا يصح رفعه إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه
وسلم جاهلٌ كما عُلم من الجواب الذي قبل هذا، وقد يصدق عليه حديث (إذا قال
الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) رواه البخاري من حديث أبي هريرة وابن
عمر مرفوعًا، وله روايات أخرى عند غيره أيضًا، وأنا وإن لم أعرفه ولا رأيت
تكفيره، أتمنى لو يكون مثل المرحوم الدكتور محمد توفيق صدقي فيما اختبرت من
قوة إيمانه وقدرته على إقامة البراهين العلمية على عقائد الإسلام كلها، وفي قدرته
على رد الشبهات عنها، وفي غيرته على الإسلام التي حملته على درس الكتب
الكثيرة؛ لأجل الدعوة إليه والدفاع عنه جدلاً باللسان وتأليفًا للكتب، وإنني أعلم علم
اختبار واسع دقيق لا علم غيب أن هذا الرجل كان من أقوى المسلمين دينًا في
اعتقاده وفي عبادته واجتنابه لما حرم الله تعالى. فإذا كان مثل هذا الرجل يعد كافرًا؛
لأنه لم يصدق رفع حديث كحديث الذباب ليس من أصول الإسلام ولا من فروعه،
وهو يجل الرسول صلى الله عليه وسلم عن قول مثله، فأين نجد المسلمين
الصادقين؟ !
هذا، وإنني أعلم بالاختبار أيضًا أن ذلك المسلم الغيور لم يطعن في صحة
هذا الحديث كتابة؛ إلا لعلمه بأن تصحيحه من المطاعن التي تنفر الناس عن
الإسلام، وتكون سببًا لردة بعض ضعفاء الإيمان وقليلي العلم الذين لا يجدون
مخرجًا من مثل هذا المطعن إلا بأن فيه علة في المتن تمنع صحته، وكان هو يعتقد
هذا. وما كلف الله مسلمًا أن يقرأ صحيح البخاري ويؤمن بكل ما فيه وإن لم يصح
عنده أو اعتقد أنه ينافي أصول الإسلام.
سبحان الله! أيقول ملايين المسلمين من الحنفية أن رفع اليدين عند الركوع
والقيام منه مكروه شرعًا، وقد رواه البخاري في صحيحه وغير صحيحه عن
عشرات من الصحابة بأسانيد كثيرة جدًّا، ولا إثم عليهم ولا حرج لأن إمامهم لم
يصح عنده؛ لأنه لم يطلع على أسانيد البخاري فيه، وكل من اطلع من علماء مذهبه
عليها يوقن بصحتها؛ ثم يكفر مسلم من خيار المسلمين علمًا وعملاً ودفاعًا عن
الإسلام ودعوة إليه؛ بدليل أو شبهة على صحة حديث رواه البخاري عن رجل يكاد
يكون مجهولاً، واسمه يدل على أنه لم يكن أصيلاً في الإسلام وهو عبد بن حنين،
وموضوع متنه ليس من عقائد الإسلام ولا من عباداته ولا من شرائعه ولا التزم
المسلمون العمل به، بل ما من مذهب من المذاهب المقلدة إلا وأهله يتركون العمل
ببعض ما صح عند البخاري وعند مسلم أيضًا من أحاديث التشريع المروية عن
كبار أئمة الرواة؛ لعلل اجتهادية أو لمحض التقليد، وقد أورد المحقق ابن القيم أكثر
من مائة شاهد على ذلك في كتابه إعلام الموقعين، وهذا المكفر للدكتور منهم،
فنسأله بالله تعالى أن يصدقنا: هل قرأ صحيح البخاري كله واعتقد كل ما فيه
والتزم العمل بكل ما صححه؟ ثم إن كان يدعي هذا فنحن مستعدون لدحض دعواه
مع هذا كله نقول بحق: إن صحيح البخاري أصح كتاب بعد كتاب الله. ولكنه
ليس معصومًا هو ورواته من الخطأ، وليس كل مرتاب في شيء من روايته كافرًا!
ما أسهل التكفير على مقلدة ظواهر أقوال المتأخرين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
_________
الكاتب: أحمد إبراهيم إبراهيم
تفسير القرآن الحكيم
رأي الأستاذ العلامة الفقيه - مدرس الشريعة الإسلامية
في كلية الحقوق بالجامعة المصرية - فيه وفي مجلة المنار
إلى الأستاذ المصلح الكبير السيد محمد رشيد رضا
تعلم أيها الصديق الحميم إعجابي بك وشغفي بما تخطه يمينك من مقالات
الإصلاح؛ لا لأنك صديقي (وعين الرضا عن كل عيب كليلة) بل لأنك تكتب
وتقول عن علم صحيح، وتفكير صائب، وقلب فاهم، ونفس تريد الخير للمسلمين
في كل ما يصدر عنها، فلا عجب إذا كنت أدعو كل من آنسُ فيه الاستعداد للخير
أن يقرأ المنار فينتفع منه على قدر استعداده، فقد تناولتَ فيه من وجوه الإصلاح
الإسلامية - بفضل الله ونعمته - ما لم يتيسر في جملته لغيرك، وقد زدته حسنا
على حسن بما ضمنته من جواهر الكلام، لشيخنا الأستاذ الإمام، عليه من الله الرحمة
والرضوان، فنظمت فيه من اللآلئ ما كان ينثره رضي الله عنه في دروس التفسير
التي يلقيها على الجماهير في الأزهر المعمور، وضممتَ إليها ما شاء الله أن يفتح به
عليه من نفيس الفرائد، ثم انفردت به بعد أن استأثرتْ بالشيخ رحمة ربه فكنته فيما
استقللت به، ولا غَرْو (فإن العصا من العصية) .
ثم جردتَ تفسير المنار وطبعته على حدة جزءًا جزءًا مبتدئًا بالجزء الثاني،
وأخيرًا طعبت الجزء الأول كذلك بعد أن أنشأته خلقًا جديدًا، وقد أسعدني الحظ
بتصفحه وقراءة أدق مباحثه بعد قراءة مقدمتيه - فاتحتكم والمقدمة المقتبسة من
دروس الأستاذ الإمام - فرأيت نور الهداية الربانية قد فاض عليه وغمره من أوله
إلى آخره، وقد استوقفني في فاتحتكم عدة مواضع كان يتوارد على خاطري في كل
موضع منها بحكم تداعي المعاني الشيء الكثير.
من ذلك ما جاء من جعل مقلدة المذاهب - أصولاً وفروعًا - مذاهبهم أصلاً،
والقرآن فرعًا لها فعكسوا القضية، حتى لقد غلا بعضهم غلوًّا فاحشًا نعوذ بالله منه إذ
يقول: إذا خالف النص من كتاب أو سنة قول أصحابنا فإن النص يحال على النسخ أو
التأويل. وأذكر أني تناولت مرة بعض التفاسير المطولة [1] لأراجع فيه تفسير آية من
آيات الأحكام، فكنت في أثناء قراءتي أجدني قد قرأت مثل هذا الكلام في بعض الكتب
الفقهية فما انتهيت إلى آخره، حتى وجدته يقول كذا في فتح القدير، فأطبقت الكتاب
وعقدت النية على أن لا أعود إلى قراءة شيء فيه بعد ذلك؛ لأني إنما تناولته لأقرأ في
كتاب تفسير لا في كتاب الفتاوى الهندية.
ومن ذلك ما أوردتموه من الملاحظات الجيدة على التفسير بالمأثور، وأنه لا
يؤخذ بكل ما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم من ذلك لما ثبت أن بعضهم روى
عن أهل الكتاب كأبي هريرة وابن عباس، فالحق هو ما قلتم أن كل ما لا يعلم إلا
بالنقل عن المعصوم من أخبار الغيب الماضي أو المستقبل وأمثاله لا يقبل فيّ إثباته
إلا الحديث الصحيح المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهذه قاعدة الإمام ابن
جرير التي يصرح بها كثيرًا، فبهذا الطريق نسلم مما لا يحصى كثرة من الأكاذيب
والخرافات المخجلة، وتطهر منها كتب تفسير كلام الله.
ومن ذلك ما حكيتموه عن الأستاذ الإمام من قوله: (إن بعض الناس يوجد
فيهم خاصية أنهم يقدرون على الكلام في أي موضوع أمام أي إنسان؛ سواء أكان
يدرك الكلام ويقبله أم لا، وهذه خاصية كانت موجودة عند السيد جمال الدين يلقي
الحكمة لمريدها وغير مريدها. وأنا كنت أحسده على هذا؛ لأنني تؤثر في حالة
المجالس والوقت، فلا تتوجه نفسي للكلام إلا إذا رأيت له محلاً وهكذا الكتابة،
فإنني أتصور أن أكتب في موضوع، وعندما أوجه قواي لجمع ما تحسن كتابته،
تتوارد على فكري معان كثيرة ووجوه للكلام جمة ثم يأتيني خاطر: لمن ألقي هذا
الكلام ومن ينتفع به؟ فأتوقف عن الكتابة وأرى تلك المعاني التي اجتمعت عندي قد
امتص بعضها بعضًا، حتى تلاشت ولا أكتب شيئًا) فأذكرني هذا ما صنعه أبو
حيان التوحيدي بكتبه إذ أحرقها ضنًا بها على الناس بعد أن بذل ما في وسعه في
تحريرها، وكتب في ذلك خطابه المؤثر لبعض أصدقائه، فهذه ثلاث مراتب مرتبة
من يلقى الحكمة على أيٍّ كان غير ناظرِ إلى من تُلقى عليه، فلعلها إن أخطأت مرة
أصابت مرة، وهذه هي مرتبة السيد رحمه الله، وهي مرتبة حب الخير المطلق
والإخلاص والغيرة على الإصلاح والطمع في هداية الناس أجمعين، فكان لا جرم
أن غبط الأستاذ الإمام السيد عليها قدس الله سرهما.
ومرتبة الحكيم الحذر الذي يتحين الفرص، فلا يلقي الحكمة إلا على من هو
مستعد لقبولها والانتفاع بها، وهذه هي مرتبة الأستاذ الإمام كما حدّث عن نفسه،
لكنه بعد ذلك ما كان يضن بدرره الغوالي كما شاهدنا ذلك منه في دروس التفسير
وفي غيرها، بل كان يصرح كثيرًا بمخالفة ما ألِفه العامة بمنتهى الشجاعة والإقدام
مؤيدًا ما يقوله بالبراهين الناصعة، والحجج الدامغة، والجمهور يستمع لما يقول.
ومرتبة الضنين على الناس بما يراه صالحًا لهم، فكأنهم وتروه فثأر لنفسه
منهم، وهذه مرتبة أبي حيان.
فصاحب المرتبة الأولى ينظر إلى الناس نظر الرحمة والشفقة، وصاحب
المرتبة الثانية ينظر إليهم بعين الحذر والحكمة مع محبته الخير لهم، وصاحب
المرتبة الثالثة ينظر إليهم نظر المقت والانتقام.
هذا بعض ما استوقف نظري مما مر به. لكن أشد ما استوقفني تلك الكلمة
الجامعة الحكيمة التي كأن روح القدس نطق بها على لسانك: (إذا صلحت النفس
البشرية أصلحت كل شيء تأخذ به) فوقفتني وقفة غارقة في بحار التأمل، تارةً
أستعيد ماضي الإسلام المجيد وما طرأ على المسلمين بعد عصر النور من ظلم
الفساد، وأخرى أنظر إلى حاضر المسلمين وما هم عليه من سوء الأحوال
الاجتماعية، وتفرقة الكلمة والانحراف عن كتاب الله تعالى، ثم أفكر في مستقبلهم
إذا استمروا على هذا الحال، فأرتد كئيبًا حزينًا يقتلني الأسى ويمزقني الغيظ.
وكان مما خطر ببالي في وسط تلك الدهشة؛ ما يظنه بعض المساكين من
متعلمي المسلمين ذلك التعليم الحديث الذي ظنوه كاملاً، وما هو إلا في أحط دركات
النقص، ظنوا - هداهم الله - أن السيادة والاستقلال يكفي لاستحقاقهما ذلك القدر من
العلم الذي حصلوه، وتلك الشهادات الدراسية العليا التي نالوها من أرقى المعاهد
العملية الأوربية بجدارة وتفوق؛ حتى على كثيرين من أبناء تلك الأمم التي نالوا تلك
الشهادات من معاهدها، حتى قال مسكين منهم معتزًا بما حمله من تلك الشهادات، وما
حصل عليه من قشور القشور التي ظنها علمًا قيمًا: ما بالنا لا نُعطى الاستقلال وقد
أعطيه العربُ الجهال رعاة الإبل، ونحن (أولاً) على درجة من العلم والمدنية
الغربية تجعلنا خير أهل لذلك. (وثانيًا) نحن من نسل أولئك الفراعنة ذوي الحضارة
القديمة التي بهرت أنظار الغربيين؟ وفات هذا الشيخ الطفل أن الاستقلال ليس منحة
تُعطى، بل هو نتيجة طبيعية لازمة لحالة الأمة الاجتماعية سنة الله في خلقه {وَلَن
تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} (فاطر: 43) .
فهؤلاء العرب الجهال رعاة الإبل الذين لم يتشرف واحد منهم بنيل شهادة
الدكتوراه ولا ما دونها، إنما نالوا الاستقلال بنفوسهم الصالحة تربية ووراثة، فلم
يمسسهم ولا أسلافهم ذلك الاستعباد، ولم يتطرق إلى أخلاقهم الرفيعة الفساد الوضيع،
وأما أعلى الشهادات وأرقى أنواع تلك العلوم فمحال أن تكون من مهيئات
الاستقلال والسيادة مع فساد النفوس وضِعتها، وانحطاط الأخلاق وانحلالها،
والانغماس في الشهوات البدنية والتفاني فيها، فليس للاستقلال والسيادة إلا طريق
واحد هو النفس الصالحة فهي حسبهما وكفى، وأما التبجح بالانتساب إلى الفراعنة
فهو عجيب ممن ينتمون إلى الإسلام، بل الأولى بهؤلاء المنتسبين أن ينسبوا
أنفسهم إلى الأمة التي استعبدتها الفراعنة، وساموها الخسف والهوان وسخروها
لخدمتهم لا غير، فهذا هو الواقع. والانصاف يقضي عليهم بأن ينتسبوا إلى
أصولهم الحقيقيين.
على أن العلم المادي في أقوى معداته ومجهزاته المهلكة المدمرة، لم يستطع
أن يقف بأصحابه أمام الأخلاق المتينة. ولدينا أقرب شاهد على ذلك من الحرب
العظمى التي انهزم بها ذلك العلم المادي بجبروته وعظمته أمام الأخلاق الثابتة
والنفوس المطمئنة الهادئة، وولت الأدبار القوى المادية أمام القوة المعنوية، وما
انتصر المسلمون في عصور الهداية والنور إلا بنفوسهم الصالحة، فانتصروا على
دولتي الفرس والروم وكل من حاربوهم من الأمم مع كثرتها الساحقة في العدد
والعدد قديم حضارتها. ولكن ما قيمة كل ذلك أمام النفوس الصالحة؟ ولما استقرت
قدم المسلمين في البلاد التي فتحوها ونشروا فيها نور الإيمان الصحيح بالله تعالى،
أحلوا فيها العدل محل الظلم، والأمن محل الخوف، والسكينة محل الاضطراب،
والوفاء محل الغدر، والحرية الصحيحة محل استعباد الإنسان لأخيه الإنسان،
فأصلحوا بنفوسهم الصالحة كل شيء اتصلوا به.
نعم.. (إذا صلحت النفس البشرية أصلحت كل شيء تأخذ به) هذه حقيقة لا
ريب فيها، ففي صلاح النفس عزها وفلاحها وإعدادها لإصلاح كل ما اتصل بها
ولا طريق لصلاح النفس صلاحًا حقيقيًا إلا الأخذ بما جاء به الكتاب العزيز
والاهتداء بهديه، ففي ذلك الخير كله، بذا جف القلم وقُضي الأمر.
إن خير تفسير لكتاب الله تعالى على ما نعلم من حيث هو كتاب هداية وإرشار
لهو تفسير المنار، أقول لك ذلك أيها العالم الموفق غير مُداجٍ ولا ممالئ، بل
أترجم لك عما تتحدث به إليّ نفسي غير أني أقترح عليك وأرجو أن يسمح لك وقتك
بما أقترح عليك أن تقتبس من هذا التفسير الممتع تفسيرًا مختصرًا، يحتوي زبدته
لينتفع به العامة، ومن لا يتسع وقته لقراءة التفسير المطول.
أسأل الله تعالى أن يكون معك ويمدك بروح منه، ويهبك القدرة على إتمام هذا
التفسير ومختصره، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
…
...
…
...
…
...
…
أخوك المخلص
…
...
…
...
…
... أحمد إبراهيم إبراهيم
…
...
…
أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق بالجامعة المصرية
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
من عهد الصليبيين
عثر أحد العمال في حي الميناء بطرابلس الشام على لوحة رخامية مكتوب
عليها بالفرنسية القديمة ما ترجمته:
(باسم الروح القدس نحن بومون بنعمة الله أمير أنطاكية وكونت طرابلس
صنعنا هذا البرج من أموال جالية طرابلس عام 1268 لميلاد السيد المسيح) .
وقد أرسلت هذه البلاطة إلى دائرة الآثار في المفوضية الفرنسية لإصلاحها
ووضعها في المتحف اللبناني.
_________
الكاتب: محمد عبد القادر الهلالي
مناظرة في مسألة القبور والمشاهد
الرد على رسالة العالم الشيعي
للأستاذ الشيخ محمد عبد القادر الهلالي
وهو عالم سلفي مستقل لا يتعصب لمذهب من المذاهب المقلدة
(7)
(المقام الثلاثون) قوله سيما أن أول من شيد قبر أمير المؤمنين (عفى الله
عنه) هو هارون الرشيد خليفة المسلمين في عصره، وتابَعه على ذلك سائر
الخلفاء حتى عبد الحميد خان التركي، فإنهم لم يزالوا يجددون عمارته.
أقول: لم يأت السيد مهدي بدليل يصح به ما نقله عن الرشيد، وأنا لا أدري
أول من بنى القبر المنسوب إلى أمير المؤمنين علي (كرم الله وجهه) . ولكني
أذكر أني قرأت في بعض كتب شيخ الإسلام - وهو من أثبت الناس في النقل - أن
أول من بنى المشاهد وسنها للناس هم الشيعة، وظني بهارون الرشيد أنه لا يفعل
ذلك، ولا يبلغ به الجهل إلى هنالك، فإن صح ذلك عنه قلنا كان ماذا؟ غير
معصوم فعل ذنبًا فهو إلى الله، وأقوال هارن الرشيد وأفعاله ليست شرعًا يحتج بها
إلا عند الشيعة الذين يعتقدون أنه من أظلم الناس إن لم يكفروه، بل المفهوم من
كلام بعضهم تكفيره، ولا عند أهل السنة الذين يعتقدون أنه خليفة المسلمين وأفعاله
كأفعال غيره من الأمة، ليست حجة ولو لم تخالف نص الرسول، فكيف إذا خالفته،
وليت شعري أي فائدة في الاحتجاج بأفعال الملوك، وقد حبس الرشيد الكاظم
رضي الله عنه حتى مات في حبسه، فلو قال لك قائل: هذا خليفة المسلمين يجوز
له تعزير من خرج عليه أو توقع خروجه بالنصوص الصحيحة، بل يجوز له قتل
من خرج عليه، لا نعلم في ذلك خلافًا بين أهل السنة، فهل كان في حبسه للكاظم
محسنًا أم مسيئًا؟ فما جوابك؟ وبالاحتجاج بفعل الملوك يتأول المتأولون قتل من
قتله بنو أمية وبنو العباس في دولتيهم من أهل البيت وغيرهم، مع أن أكثرهم قُتَلوا
بلا حق، وبلغ ببعضهم التأول إلى أن قال في قتل الحسين إنما قُتل بسيف جده يريد
بذلك أنه خرج على الإمام، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل من خرج،
وهذه زلة من الزلات صدرت ممن قالها. وسبب ذلك كله هو الغلو في الملوك،
وجعل كل ما صدر منهم شرعًا يدان به، وهذا مسلك وخيم لا يرضى به أهل العلم،
بل يجب أن تعرض أقوال الناس وأفعالهم كائنين من كانوا على ما جاء به
الرسول، فما وافقه فهو الحق وما خالفه فهو باطل، ولو فعله أو قاله خليفة أو إمام
كبير، فلا معصوم إلا النبي صلى الله عليه وسلم .
أما قوله: إن ما شيده المنتسبون إلى السنة من القباب أكثر مما شيده الشيعة،
فقد يكون صحيحًا، والظاهر أن المبتدعين من المنتسبين إلى السنة والشيعة في بناء
القباب والغلو في المقبورين فيها سواسية، وبدعة القباب ضلالة أتباعها شياطين
الجن وشياطين الإنس {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ
رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} (الأنعام: 112) .
(المقام الحادي والثلاثون) أطال السيد مهدي في لوم صاحب المنار وتعنيفه
والنيل منه، وليته تجنب ذلك لا لأنه لا يجدي نفعًا في الحجاج، وإنما يوغر
الصدور ويكثر به اللجاج. ومن العجائب قوله: يحق للشيعة ولكل مسلم أن يعدوا
تشييد تلك القبور الشريفة من أعظم القربات؛ لأن الجهات القاضية برجحان زيارة
قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبور أهل بيته تستدعي اجتماع المؤمنين من سائر
الأقطار والكون فيها؛ للصلاة وسائر العبادات، وذلك موجب لإعداد محال واسعة
حول القبور تكون مجمعًا للزائرين، وهي تفتقر إلى بناءات فخمة واقية لنفس القبور
والفُرش التي حولها، والقناديل المسرجة ليلاً لقراءة القرآن والأدعية، وحافظة لمن
يزور القبور من الحر والبرد والمطر وعواصف الرياح.
أقول هذا الكلام فيه منكرات تقشعر منها الجلود، فيا أسفا لصدوره من أحد
العلماء المتبوعين في الدين، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وسأختصر الجواب عنه
اختصارًا، فقد طال الكلام جدًا. كيف يكون ما لعن النبي فاعله وأخبر باشتداد
غضب الله عليه مباحًا؛ فضلاً عن أن يكون قربة؛ فضلاً عن أن يكون من أعظم
القربات؟ وأما زيارة القبور فهي مشروعة ولا تشد لها الرحال؛ لقول النبي صلى
الله عليه وسلم (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام
والمسجد الأقصى) ، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تتخذوا قبري عيدًا وصلوا
عليّ حيث كنتم فإن صلاتكم تبلغني) ؛ ولنهي حسن بن حسن وعلي بن الحسين عن
إتيان قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم سندًا، ولقول الله تعالى {لَا تَغْلُوا فِي
دِينِكُمْ} (النساء: 171)، وقوله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ
فَانتَهُوا} (الحشر: 7) وغير ذلك، ومن وصل قبر نبي أو صالح فليسلم، ويدعو
لصاحب القبر وينصرف كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل وكذا أصحابه، فلا
حاجة إلى قبة أو فرش ولا قنديل إلا من أراد أن يحادّ الرسول فيتخذ قبور الأنبياء
والصالحين مساجد وأعيادًا، ويتعرض للعنة الله واشتداد غضبه، ويتخذ القبور
أوثانًا، فإنما حسابه عند ربه وجزاؤه عليه {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
لَا يَعْلَمُونَ} (يوسف: 21) .
متى شرع الله الحج لغير البيت العتيق؟ ومتى شرع الله الاجتماع لذكر في
غير المساجد المأذون فيها؟ ولِم يسافر إلى قبر نبي أو صالح؟ إن كان مراده
الاتعاظ والتذكرة فهي حاصلة برؤية قبور بلده كفارًا كانوا أو مسلمين، وإن كان
قصده الدعاء لصاحب القبر فليدع في مكانه والله سميع عليم، وتقدم حديث نهي
النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ قبره صلى الله عليه وسلم عيدًا، ونهي
أهل البيت (عم) عن إتيانه للسلام والدعاء، فلا حاجة إلى القباب ولا منفعة فيها،
بل فيها مضرة وأي مضرة؛ لأنها نفق منها يتنزل إلى دركات الشرك، فالخير
والقربة والبر في هدمها وتسوية القبور، وتركها كما كانت على عهد النبي صلى
الله عليه وسلم والخلفاء، وما أحدث الناس بعدهم في الدين إلا شرًّا.
(المقام الثاني والثلاثون) قوله: فإن بيت النبي وبيوت أهل بيته من أعاظم
البيوت التي أمر الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه كما روى السيوطي ما دل عليه في
تفسير هذه الآية الكريمة، وإن تلك البيوت مما يجب احترامها وتعظيمها في حال
حياتهم فكذا قبورهم، وإن تعظيم بيوتهم في حال حياتهم إنما هو لوجودهم فيها فكذا
قبورهم؛ لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون.
أقول الاحتجاج بما رواه السيوطي محتاج إلى ذكر الإسناد وتصحيح الخبر،
والسيوطي في الدر المنثور ذكر الخبر المشار إليه، وحاصله أن النبي صلى الله
عليه وسلم فسر قول الله: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ} (النور: 36) ببيوت
الأنبياء، فسأله أبو بكر عن بيت علي وفاطمة أهو منها؟ فقال: (نعم من
أفاضلها) وعزاه لابن مردويه بلا سند كعادته، ولم يلتزم أن لا يذكر فيه إلا
الصحيح، بل يذكر فيه ما ورد صحيحًا كان أم ضعيفًا، فالاحتجاج به والحال
هذه فيه ما فيه، سلمنا أنه صحيح فأي علاقة له في مسألة النزاع؛ لأن الله لم يقل
في قبور أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، ولا فسرها النبي صلى الله عليه وسلم ولا
غيره بذلك، وأكثر المفسرين على أنها المساجد، وفسرت ببيت النبي صلى الله
عليه وسلم وببيت عليّ في الخبر المتقدم، وعلى هذا التفسير يكون المراد بالرفع
الاحترام، وهو أن لا يدخلها أحد إلا بإذن كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَاّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ} (الأحزاب: 53) فدلت الآية على تحريم
دخول بيوت النبي صلى الله عليه وسلم إلا بإذنه وتحريم كل ما يؤذي النبي فيها
كالاستئناس للحديث، ويلحق بيوت النبي في ذلك بيت علي وفاطمة وبيوت سائر
بناته، بل وسائر بيوت المسلمين لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً
غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} (النور: 27) ولا يخفى أن
بيوت النبي وبيوت آله أعظم حرمة من بيوت عامة الناس، وأي دلالة في ذلك
على جواز البناء على القبور والصلاة عندها، وقد امتثل الصحابة ما أُمروا
به من تعظيم بيوت النبي ورفعها، ولم يبن أحد فيها قبة، ويقصدها للصلاة
والدعاء، وإنما يصلي فيها أهلها ومن أذنوا له في دخولها، أما تحري الصلاة
والدعاء فيها كالمساجد فلم يشرع لا في حياتهم ولا بعد مماتهم، ولو سلمنا أن تحري
الصلاة والدعاء مشروع في بيوت النبي وآله، ما دل ذلك على مشروعية الصلاة
والدعاء عند قبورهم، وقياس قبورهم على بيوتهم في مشروعية الصلاة والدعاء
عند قبورهم فاسد؛ لأنه مصادم للنصوص الناهية عن اتخاذ قبور الأنبياء
والصالحين مساجد؛ ولأنه قياس مع الفارق، فإن البيوت يستحب لأهلها أن يتخذوا
فيها مساجد كما تقدم في حديث عائشة، والقبور ليست كذلك والبيوت يستحب
لأهلها أن يجعلوا فيها نوافلهم أو شيئًا منها كما تقدم في حديث (لا تتخذوا قبري
عيدًا ولا بيوتكم قبورًا) ولا كذلك القبور؛ فإن الصلاة عندها محرمة وإن قصد
بها التبرك والتعظيم كانت أحرم، وأيضًا البيوت ينتفع بها غير أهلها ولا كذلك
القبور والبيوت يجلس فيها وتوطأ بإذن أهلها وتُبنى وتشيد بخلاف القبور، وكون
الأنبياء والشهداء أحياء في قبورهم لا يقتضي جواز إتيانهم للصلاة والدعاء، والنظر
إلى وجوههم وسؤالهم، وتلقي العلم منهم، والشكوى إليهم من أفعال الكفرة
والمنافقين والظلمة والتحاكم إليهم، وسؤالهم أخذ الحق من الظالم وتغيير المنكر
وغير ذلك مما هو مختص بالحياة الدنيوية، وقد ورد أن الناس يأتون الأنبياء واحدًا
بعد واحد يسألونهم الشفاعة في فصل القضاء يوم القيامة؛ لأنهم حينئذ يرونهم
ويسمعون كلامهم كما في الحياة الدنيا بخلاف الحياة البرزخية، فلا يجوز ولا يمكن
ذلك فيها؛ ولذلك لم يشرعه الله تعالى ولا فعله السلف الصالح ولا من تبعهم بإحسان،
وبقية كلام السيد مهدي يفهم جوابه مما سبق.
وليكن هذا آخر ما أكتب في الحكم بهذا القضية؛ راجيًا أن يكون مقبولاً عند
الله والمؤمنين، وأسأل الله أن يشرح صدور من كتبوا في هذه القضية جميعًا إلى
اتباع ما أنزل الله على رسوله بلا تغيير ولا تبديل، وأن يجمعنا وإياهم على الهدى
وينزع ما نزغه الشيطان في صدور المسلمين من الغل، حتى يكونوا كالبنيان
المرصوص وكالجسد الواحد، فيحب كل منهم لأخيه ما يحب لنفسه، ويغفر لنا ما
طغى به القلم {ربنا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا} (البقرة: 286) إلى آخر السورة، وآخر
دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
قال كاتبه محمد بن عبد القادر الهلالي عفا الله عنه: كتبته في مدة يسيرة
وأنا مشغول البال بالتأهب للسفر إلى الحج - يسره الله على أحسن حال - ومكتنف
بأشغال وافرة، وكل ذلك يمهد لي سبيل المعذرة عند من يقف عليه من الأفاضل،
فيغضي عما فيه من القصور والتقصير {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ
رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَاّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ
يُسْراً} (الطلاق: 7) .
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
مقدمة كتاب يسر الإسلام وأصول التشريع العام
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله الذي أكمل لنا بالقرآن هذا الدين، وختم بمحمد صاحب الرسالة
العامة دولة النبيين، وجعله المثل البشري الأعلى للهداية الإلهية العليا، وأرسله
رحمة للعالمين، وبعثه بالحنيفية السمحة ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك،
وجعلها يسرًا لا عسر معه، وسعة لا حرج فيها، فبلغ عنه أصحابه ما أمرهم
بتبليغه من كتاب الله تعالى بالتلاوة والحفظ والكتابة، ومن سنته في بيانه للناس
بالقول والعمل، والحكم بين الناس بما أراه الله من الحق والعدل، {رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ} (المجادلة:
22) .
تلقى العرب الأميون كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في بيانه
بالقبول؛ إذ لم يكن لديهم فلسفة دينية يحكمونها في دين التوحيد والفضيلة، بعد أن
اجتث الله به شجرة الشرك الخبيثة، ولا كان لديهم تقاليد تشريعية يعقدون بها
شريعته العادلة النقية، فسهل فهم الشعوب والأمم له منهم، وتلقوه بالقبول عنهم،
فلم يلبث الألوف من مواليهم الأعاجم منذ العصر الأول والثاني أن حذقوا لغة هذا
الدين ففهموا كتابه المنزل، وشاركوا أساتذتهم العرب في نشر الدعوة وتدوين اللغة
والسنة، ثم فيما استلزم ذلك من فتح الأمصار، ونشر دين الله في الأقطار، فانتشر
الإسلام في الشرق والغرب بسرعة لم يعهد لها نظير في التاريخ، فبلغ ملكه في
جيل واحد ما لم يبلغ ملك الروم (الرومان) في ثمانية قرون، فكانوا أعظم دول
الفتح والاستعمار في الأرض، وأشدها مراعاة للرحمة والعدل.
ثم نجمت قرون البدع في المسلمين، ودخلت عليهم فلسفة الأمم وتقاليد الملل
من أقطارها، واحتاجوا إلى التوسع في التشريع المدني والقضائي والسياسي،
فوضعوا علم الفقه بداعية حاجة الحكام، وعلم الكلام لحراسة العقائد من البدع
ونظريات الفلسفة المختلفة، فاختلط بعقائد الإسلام وأحكامه العملية ما ليس منها،
وخرجت تعاليمه من فضاء السهولة والبساطة واليسر، إلى مضايق الحزونة
والتعقيد والعسر؛ إذ كان الأعرابي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يتعلم من
عباداته الشخصية في مجلس واحد ما يكون به مسلمًا، فصار يتعذر على المسلم
الناشئ بين المسلمين أن يتعلم مذهبه الديني الموروث في عدة سنين؛ لأن الأحكام
كثرت بأقيسة المذاهب وتفريعاتها، وعسر فهمها بضعف لغة المصنفين لكتبها،
فضاق ذرع الأمة بها، وانحصر الطالبون لتحصيلها في عدد قليل من أهل الأمصار،
يطلبها أكثرهم لأجل الدنيا لا لأجل الدين، فزال بذلك ما ذكرنا من مزايا الإسلام
القطعية التي كان بها على أكمله قبل أن يكتب شيء من المصنفات، ففي الخبر
المتفق على روايته مرفوعًا المجمع على معناه (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم
الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته) .
ثم انتقل المسلمون من طور إلى طور، وركبوا طبقًا عن طبق، بعضهم ينتقد
هذه الكتب الكثيرة، ويقول: إما أن يكون جلها ليس من الدين، وإما أن يكون
الدين نفسه غير حق، وبعضهم لا يزال يقول: إن ما هو مقرر فيها هو دين الله لا
مندوحة لمسلم عن اتباعه وإلا كان خارجًا من هذه الملة، حتى انتهت حال بعض
حملة العمائم، وسكنة الأثواب العباعب إلى أن يقول: إن من يهتدي بالكتاب والسنة
من دون كتب المذاهب الفقهية والكلامية فهو زنديق، وكان لهؤلاء الجامدين
الجاهلين مكانة عند الحكام وعند جمهور الأمة تخشى بها غائلة مخالفتهم، فزال ذلك
رويدًا رويدًا وهم لا يشعرون، حتى إذا لم يبق منها إلا القليل في بعض البلاد
(كمصر) بعد أن زال من بلاد أخرى، وزال بشؤمة الدين كله من دواوين
حكومتها ومحاكمها ومدارها (كبلاد الترك) ، طفق بعضهم يشعر بالخطر على
البقية الباقية من ظواهره ماثلة على شفا جرف، ولكنهم لا يدرون كيف يخرجون
من جحر الضب كما يخرج هو عند الخطر.
قد أنذر دعاة الإصلاح هؤلاء العلماء الرسميين هذا الخطر الذي هو عاقبة
ضرورية لجمودهم على تقاليدهم فتماروا بالنذر، وكان لنا في المنار جولات
تفصيلية في بيان ذلك أسبابًا ومسببات، وعللاً ومعلولات، ونتائج لمقدمات، مؤلفة
من اليقينيات أو المسلمات.
ولما كان أصل الداء، والمانع من قبول كل علاج له ودواء هو التقليد الأصم
الأعمى للكتب المؤلفة لا للأئمة، بدأنا تلك الحملات والجولات بتك المحاورات
التفصيلية التي نشرناها في المجلد الثالث وما بعده تحت عنوان: (محاورات
المصلح المقلد) ، وعرضناها للنقد فلم يرجع إلينا أحد في تفنيدها قولاً، ولم يكتب
لنا أحد في نقدها فصلاً، بل حازت القبول فطبعت وحدها مرة بعد أخرى.
ثم كان من أوسع ما كتبناه في هذه الموضوع تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} (المائدة: 101) إلخ،
والفصل الاستطرادي الذي جعلناه علاوة لتفسير الآيتين الكريمتين، فالقارئ لذلك
يرى فيه من الآيات المنزلة والأحاديث الصحيحة، ومن مدارك أساطين علماء
الملة وأئمتها من الأولين والآخرين، ما هو حجة على الجامدين من المقلدين،
وعلى الملاحدة والزنادقة المعطلين، وعلى المحرفين والمسرفين من المستقلين،
كما أنه برهان مبين لدعاة الإصلاح المعتدلين، ولا يزال هؤلاء هم الأقلين {ثُلَّةٌ
مِّنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ} (الواقعة: 13- 14) و {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ
غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} (البقرة: 249) .
كنا نعد فرق المسلمين الذين يتنازعون أمر الأمة في هذا العصر ثلاثًا:
(الأولى) : حماة تقليد الكتب المدونة في المذاهب المتبعة من سنة وشيعة
زيدية وشيعة إمامية وإباضية. وحجتهم أن علوم الشريعة المودعة في الكتاب
والسنة إجمالاً وتفصيلاً قد انحصرت فيها، فمن لم يأخذ بمذهب منها فليس على ملة
الإسلام، دع ما يرجح به كل منهم مذهبه على غيره.
(الثانية) : دعاة الحضارة العصرية، والنظم المدنية، والقوانين الوضعية،
الذين يقولون: إن هذه الشريعة الإسلامية المدونة لا تصلح لهذا الزمان، ولا
يمكن أن تصلح بها حكومة، ولا تستقيم بها مصالح أمة. فيجب تركها، واستبدال
قوانين الإفرنج بها، أو استقلال كل قوم أو شعب من المسلمين كغيرهم بتشريع
جديد يوافق مصالحهم، وإلا كانوا من الهالكين، ومن هؤلاء من يرى من مصلحة
قومه وبلاده المحافظة على مهمات شعائر الإسلام، وما لا ينافي المدنية من
خصائصه الاجتماعية والأدبية، ومنهم من لا يرى وجوب ذلك، وهم درجات أو
دركات في هذه المسائل، منهم المسلم المتأول، والزنديق المجاهر أو المستكتم.
(الثالثة) : دعاة الإصلاح الإسلامي المعتدلين الذين يثبتون أنه يمكن إحياء
الإسلام، وتجديد هدايته الصحيحة باتباع الكتاب والسنة الصحيحة وهدي السلف
الصالح، والاستعانة بعلوم أئمة المذاهب كلها بدون التزام شيء معين من كتب الفقه
والكلام المذهبية التي جمد عليها الفريق الأول، وأنه يمكن الجمع بينه وبين أشرف
أساليب الحضارة والنظام وهو ما ينشده الفريق الثاني، بل يرى هؤلاء أن ما
يدعون إليه - وهو أقدم هداية الدين وأحدث وسائل الحضارة والقوة - صديقان
يتفقان ولا يختلفان، وإن كلا منهما يزيد الآخر قوة وشرفًا، فدين العصر الأول
للإسلام ينفي خبث المدنية المادية الحاضرة، وينقي قلوب أهلها من الرجس،
وينقذهم من فوضى الحرية البلشفية، وأخطار الفلسفة المادية، ويزكي أنفسهم من
الظلم والفسوق والعصيان. كما أن علومها وفنونها الصحيحة تظهر من إعجاز
القرآن، ومن آيات الله في الأكوان ما يكمل به الإيمان، ويوجه قوى هذه العلوم
إلى العمران، وإصلاح نوع الإنسان.
ثم تولد من بين هذه الفرق أناس مذبذبون بين كل منها.
لا إلى هؤلاء إن نسبوهم
…
وجدوهم ولا إلى هؤلاء
يذمون التقليد ويدعون الاجتهاد، ويزعمون أنهم من دعاة الإصلاح وما هم إلا
دعاة فساد. ولكنهم متقنعون بما أوتوا، راضون بما أتوا {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا
فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِن لَاّ يَشْعُرُونَ} (البقرة: 11-12) .
أولئك الذين يدعون الاستقلال في علم الكتاب والسنة، والاجتهاد المطلق في
أحكام الشريعة، وهم لم يعدوا لذلك عدته، ولا سلكوا لاحِبَ طريقته، لم يحفظوا
القدر الكافي من مفردات اللغة العربية، ولم يطبعوا على سليقة البلاغة المضرية،
ولم تستحكم لهم ملكة البيان بالتمرس والصناعة، ولا حذقوا قواعد الأصول، ولا
مرنوا على مدارك الفروع، ولا جمعوا بين حفظ النصوص وقوة استحضارها عند
عروض الحاجة إليها، وإنما قصارى أحدهم أن يقرأ تفسير آية أو شرح حديث
فيعجبه ما فهم منه، ويغتر بما عساه يخطر بباله أنه انفرد به، مما شأنه أن يقع
للعامي والخاصي، وأن يكون تارة صوابًا وتارة خطأ، ومن شاء منهم أن ينصف
نفسه بامتحانها في دعواها، فليكتب كتابًا أو رسالة طويلة في بعض المباحث
الاجتهادية التي يظن أنه انفرد بها، من غير أن يراجع فيها الكتب وينقل عن
العلماء، ثم لينشرها على أهل العلم، ولو كانوا ممن لا يدعون دعواه، ويعرضها
على نقدهم ثم لينظر قيمتها بعد نقدهم إياها، على أن الصواب في مسألة واحدة من
هذا القبيل أو مسائل معدودة لا يدل على ملكة الاجتهاد المطلق، فالاجتهاد يتجزأ.
من هؤلاء الأدعياء في العلم، المغرورين بالفهم، من هم أشد إحالة ليسر
الشريعة إلى العسر، وسعتها إلى الحرج من مقلدة كتب الفقهاء وغيرهم، ومن هم
أجرأ على شرع ما لم يأذن به الله، وعلى القول على الله ما لا يعلمون، هذا حلال
وهذا حرام، وهذا كفر وهذا إيمان، هذا بدعة وتلك سنة. وهم في كل ذلك مفترون
على الله، وشارعون لما لم يأذن به الله، وما أسهل ذلك على الغلاة في الدين ،
ولا سيما تحريم ما حرموا من زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، وما
جهلوا من العلوم والفنون والصناعات التي عليها مدار سيادة الأمة وتعايش الخلق.
ومنهم من يتعدى حدود اليسر إلى ما هو أدنى إلى الإباحة المطلقة، ويتأول
النصوص بما تتبرأ به مفردات اللغة وأساليبها، حتى يكون كزنادقة الباطنية أو أشد
تحريفًا وتبديلاً، ومن هؤلاء من لا يحتج إلا بما يفهمه هو من نصوص القرآن،
فيرد الأخبار النبوية كلها، ومنهم من يرد ما لا يعجبه منها، ويستدل على ذلك بأن
معناها غير صحيح (عنده) ، فلا يمكن إذًا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم
قاله.
وتجد على الطرف المقابل لهؤلاء ممن يدعون مذهب السلف، وينظمون
أنفسهم في سلك أهل الحديث؛ أناسًا يأخذون بظواهر كل ما رواه الرواة من الأخبار
والآثار الموقوفة والمرفوعة أو التي لم توصف بأنها موضوعة أو مصنوعة، وإن
كانت شاذة أو منكرة أو غريبة المتن، أو من الإسرائليات مثل كعب ووهب، أو
معارضة بالقطعيات التي لا يعرفونها من نصوص الشرع، أو مدركات الحس،
ويقينيات العقل، ويكفرون أو يفسقون من أنكرها أو خالفها.
فالجامدون على تقليد ظواهر كتب الفقه والكلام؛ كالجامدين على ظواهر كتب
الأخبار والآثار، كل منهما فتنة منفر للواقفين على علوم هذا العصر عن الإسلام؛
لأنه يتوقف عند كل منهما على ما ليس منه مما تقوم على بطلانه البراهين القطعية
أو المشاهدات الحية، أو سنن الله المطردة في الأكوان، أو النظام الذي يتوقف
عليه العمران، دع نظريات التشريع المجربة، ومسلمات التاريخ المؤيدة بعلم
طبقات الأرض وغير ذلك، تلك العلوم كلها تعد عندهم من علوم الكفار المحرمة فلا
يعتد بشيء منها، وهم عاجزون عن إقامة أي حجة أو دحض أي شبهة، ومن جهل
شيئًا عاداه، ولا سيما إذا عد جهله نقيصة له.
كذلك المتبعون لأهوائهم في دعوى الجمع بين الإسلام والرقي المدني، هم
منفرون للسواد الأعظم من هذه المدنية وعلومها وفنونها وصناعتها؛ لأنه يعزو إليها
ما يراه من جحد بعضهم للسنة النبوية بجملتها وتفصيلها ورد بعضهم السنن
القولية منها وإنكار بعضهم
…
لما لا يوافق رأيه وهواه منها، وتصدى بعضهم
لتأويلها وتأويل القرآن نفسه بما تتبرأ منه مفردات اللغة وأساليبها، وإجماع الأمة
الإسلامية وسيرة سلفها. ومن أحدث ما كتبه أدعياء القرآن إنكار مصري لحل
التسري، وما يتعلق به من الأحكام الثابتة فيه وفي السنة العملية والإجماع المتواتر.
وزعم هندي منهم أن الصلوات المفروضة فيه ثلاث لا خمس، وكل منهما يحرفه
كتحريف الباطنية أو أشد، دع القاديانية الذين يدعون نزول الوحي عليهم وأمثالهم.
طلاب الإصلاح الصحيح يريدون توحيد الأمة، وقد زادها كل فريق من
هؤلاء تفريقًا، طلاب الإصلاح الحق يبغون أن تكون كما وصفها الله تعالى أمة
وسطًا، وهؤلاء يجذبها كل منهم إلى طرف من محيط الدائرة إفراطًا وتفريطًا، هذا
يريد دينا بغير حكومة إسلامية ذات سيادة وعزة، ولا حضارة علمية فنية ولا قوة
آلية، وهذا يريد دنيا بغير دين ينهى عن الهوى، ولا سياج للفضيلة والهدى، وهذا
يتخبط بين الفريقين لا يدري ما يريد ولا ما يبدئ ويعيد، وكل أولئك في ضلال
بعيد فمن الناس من يقول:] ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق [
ومنهم من يقول: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ *
أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الحِسَابِ} (البقرة: 201-202) .
هؤلاء هم المصلحون المعتدلون طلاب المنهج الوسط، وقد أشرنا إليهم هنا
وبينا حالهم ومذهبهم فيما سبق، تارة في تفسير بعض الآيات، وتارة بالمحاوارات
والمناظرات، وتارة بإنشاء الفصول والمقالات، وتارة بالفتاوى في الأسئلة
والمشكلات.
وقد نشرنا من قبل بعض هذه المباحث في كتاب سميناه (الوحدة الإسلامية)
وفي كتاب آخر سميناه (الخلافة أو الإمامة العظمى) ، وننشر اليوم بعضها في هذا
الكتاب الذي سميناه (يسر الإسلام، وأصول التشريع العام) ، فعسى أن تكون هذه
الكتب مؤيدة ومعممة لدعوة المصلحين المجددين، الداعين إلى صراط الله المستقيم
صراط الذين أنعم الله عليهم من النبين والصديقين والشهداء والصالحين، وحجة
على الجامدين الميتين، وعلى الشذاذ المسرفين، المتبعين لسبل الشياطين، والله
ولي المؤمنين، والعاقبة للمتقين.
_________
الكاتب: سعد زغلول
كتاب آخر جوابي من سعد زغلول
إلى شيخه ومربيه الأستاذ الإمام
عقب نفيه إلى بيروت في إثر الحوادث العرابية
مولاي الأفضل، ووالدي الأكمل، أحسن الله مآبه.
أكتب إلى السيد الأستاذ بعد تقبيل يده الشريفة عن شكر مزيد لمكارمه التي لم
يمنع من تواترها على صنائعه تباعد الديار، ولا تنائي البلدان، معترفًا بالعجز عن
وفاء واجب الحمد، مع الاعتقاد بأن هذا لا يثنيه عن المكرمات يوليها، والمبرات
يسديها، فما يفعل الخير التماس الثناء، ولا يصدر البر ابتغاء الجزاء، إنما يحسن
محبة في الإحسان، ويبر شفقة بالإنسان.
تفضل - أدام الله فضله - على خريج حكمه، الناشيء في نعمه، بكتاب هو
المحكم آياته، المعجز دلالته، الشافي لما في الصدور، الكاشف لحقائق الأمور،
الهادي إلى سبيل الرشد وإلى صراط مستقيم فسر لمرآه، سرور العليل بالشفاء وافاه،
وتلاه متدبرًا دقيق معناه مكررًا رقيق مبناه، فازداد إيمانًا بفضل مولاه، ويقينًا
بحكمة من أوحاه، وشكر الله على صحة من أهداه، دامت نامية وارفة الظلال.
وتكرم - أبقى الله كرمه - ببيان بعض أسماء الكملة الكرام الذين دارسوه
فصولاً من المروءة وأبوابًا من النجدة، وما لهم من كمال الفضل، وما فيهم من تمام
العقل فرسمنا أسماءهم على صفحات القلوب، وحفظنا أمثلة فضائلهم في الصدور،
وتشوقنا لأن تتشرف أبصارنا برؤياهم، كما تحلت بصائرنا بمعرفة أعلامهم
ومزاياهم، وما يحتاج في إقناع النفوس بضعف تلك الحجة، وإن كانت تمكنت في
الأذهان إلى قوة البيان، فمعرفتهم بمقام فضله، ومقدار حكمته ونبله، كافية بذاتها في
الدلالة على نزاهة نفوسهم، وطهارة قلوبهم وغزارة فضلهم، وسمو عقولهم، ورجاحة
هممهم، وسجاحة شيمهم، وفي توجيه ما ثبت من الفساد في أخلاق غيرهم إلى أسباب
أخرى؛ نود أن يبينها الأستاذ الجليل في كتاب مخصوص إذا وجد من الوقت مساعدًا،
إنما نحتاج إلى قوة البيان في هذا الموضع؛ لنتبين كيف يكون تدارس المروءة بين
الأفاضل، وتداول النجدة بين الكرام الأماثل، فما رأيتنا [1] من قبل لدينا إلا فاضلاً
كريمًا يدرس الفضائل بين من لا يعرفون للفضل مقدارًا، ولا يفقهون للكرامة
اعتبارًا.
ولقد زادني ميلاً في السفر، وبغضًا في الحضر، ما جاء في وصف أولئك
الأماجد ذوي النفوس الزكية، والمحامد العلية، وما تلاه من بيان حقيقة غوازي
الأمم، ساقطي الهمم، سافلي القيم، جاهلي مقادير النعم، غير أني عدلت عن
داعية هذا الميل امتثالاً للأمر، وفي النفس حسرات لا يقاومها صبر، وبها إلى
السفر أشواق لا يتناولها حصر.
وأحسن - خلد الله إحسانه - على صنيع آدابه، اليتيم في أترابه، بحكم من
مثل التي تعودها غذاء للعقل، ونورًا للفكر، فتلقاها بقلب شاكر، وتقبلها بفؤاد حامد،
وحفظها في الوجدان، راجيًا من الله التوفيق إلى الأخذ بمعانيها، والهداية إلى اتباع ما
فيها، آملاً من مكارم مواليها، دوام تواليها.
أسفت بل خجلت مما بلغ المقام الشريف عن الشيخ عبد الكريم الفاضل [2]
ثابتًا صدقه بشهادة من سئلوا من الصادقين، ولولا التحقق من سعة بال الأستاذ
الكريم، ومن وثوقه بي فيما أرويه لكان الأسف مضاعفًا.
إني - كما تعلمون - كثير الاجتماع بهذا الشيخ، وما سمعت منه ما يقصد به
مس مقامكم الكريم، ولم يتكلم أمامي يوم أن بلغه خبر الاعتراف باليمين المعروف،
إلا بما معناه الأسف والإشفاق من عاقبة هذا الاعتراف، فلعل ما بلغ المسامع الشريفة
من هذا القبيل، والسامعون لشدة حرقتهم وبلوغ الأسف من فؤادهم مبلغه، انصرف
خاطرهم عن رعاية مقام القول فتوجه ذهنهم إلى مفهوم الكلام الحقيقي، وطبقوا المقام
على ما فهموه، ولهم العذر، فهم لم يتعودوا سماع كلام مثل هذا في جانب حضرتكم
ولو مرادًا به غير حقيقة معناه، ولم يألفوا تأويل العبارات وصرفها عن ظواهرها،
ولم يعرفوا عادة ذلك الشيخ في كيفية تأدية مراده، والعبارة في حد ذاتها يصعب
تأويلها إلى غير المتبادر للأفهام منها كل الصعوبة على من لم يكن أزهريًا متعودًا من
الشيخ سماع أفظع منها مفهومًا وأشنع تركيبًا.
وكيف يتأتى له إرادة الظاهر مع علمه بكون ذلك لا يصدر إلا عن لؤم طبيعة
وخراب ذمة وسفاهة عقل؟
أنسي ما أوليته من كرائم النعم، وجلائل الأمم؟ التي لا يزال متمتعًا بها متفيئًا
ظلالها، وإنك لمؤرق أسفًا المحترق حزنًا المشفق عليه يوم وجدت اسمه مكتوبًا في
تقارير اللئام، حتى شغلك همه عن همك، وسعيت وأنت مسجون في تنجيته من
التهمة بواسطة المحامين.
ما نسي كل هذا وما قدم العهد عليه حتى ينقض ولاءك، ويبتكر هجاءك،
ويمس مقامك، في بيت أواه، ومنزل طالما رتع في بحبوحة نعماه.
فهذه العبارة - إن صح النقل - لا يمكن أن يكون المراد بها شيئًا وراء إعلان
الأسف والإشفاق، أما كونه لم يرسل خطابًا فمولاي يرى أنه من الأدلة الصادقة على
كون ذلك الشيخ الفاضل صادقًا في ولائه، حريصًا على دوام تذكر أوليائه، إذ لم
يدعه إلى ذلك الإتمام رغبته في المحافظة على النعمة التي غرستم أصولها، وأنميتم
فروعها، ليكون على الدوام متذكرًا الحقيقية مبدئها، متصورًا صورة منشئها.
أما كتاب الشيخ محمد خليل فقد علمت ما في إرسال صورته من (حسن
التعليل) وكمال التلطف في التأديب، على ما جرى به عادتكم الشريفة، وقد
طالعت هذه الصورة، فرأيت أنها من أقوى الأدلة على شدة ميل صاحب الأصل
إلى الصدق ورغبته عن التمويه، حيث أوضح حاله صادرًا في الإيضاح عن الحق،
برهانًا على شدة إخلاصه بإثبات العبارة التي نفيتها بين يدي حضرتكم في الدائرة.
فإن إثباتها لا يصدر إلا عن تمام إخلاص لا يشوبه تمويه، ومن هنا يتبين
لحضرتكم سلامة نيته وحسن طويته.
أما عنوان الجواب، فما أداه إلى نسجه على ذلك الأسلوب إلا اعتماده على
معرفتكم بكونه من الصادقين المعظمين لجنابكم الكريم، وعلى كل حال فنحن لا
نستغني عن كريم عفوك، وجميل صفحك، فإن لم تعف عنا وتصفح كنا من
الخاسرين.
إن ظنكم فيما رأيتموه في جريدة البرهان هو الموافق للصواب، ويحق
لحضرتكم السرور بما نال ولدكم [3] فهو المتربي في نعمتكم، المغترف من بحار
حكمتكم، المحفوف بعنايتكم، المشمول بعين رعايتكم، البالغ ما بلغ ويبلغ من
مراتب الكمال بحسن توجهاتكم، وكريم تعطفاتكم، أدامكم الله لكل خير مبدأ.
رفعت تحيتكم إلى حضرات من ذكرتم أسماءهم، وأشرتم إليهم فتقبلوها
بالاحترام، وهم جميعًا يقبلون يديكم، ويسلمون عليكم، وأخص منهم بالذكر منبع
الصفا ومصدر الوفاء الذاكر لفضائلكم في كل حين، والدي حسين أفندي. وحضرة
ولدكم الصادق في متابعتكم الشيخ عامر إسماعيل الذي امتن غاية الامتنان بما
اختصصتموه به في كتابكم الشريف وحضرة الشيخ سليمان العبد والسيد أمين أفندي.
ونحن جميعًا نرفع أحسن التحيات وأزكاها لحضرات الكرام الذين تشرفنا
بمعرفة أسمائهم من الذين دارسوكم فصول الكرامات، ونقدم لهم واجبات الاحترام،
أدامهم الله مثالاً للفضل وعنوانًا للكمال، ونسلم على حضرات أخينا الفاضل إبراهيم
أفندي اللقاني وإبراهيم أفندي جاد ونجلكم الكريم وجميع من بمعيتكم حفظهم الله.
أحوالنا العمومية أنتم أعلم بها منا فلا حاجة إلى بيانها. نرجو تفصيل
أحوالكم وما تشتغلون به من قراءة وتأليف إذا حسن لديكم ذلك.
كتب سامي لم تشهر إلى الآن في المزاد، ولا زلت مراقبًا لإشهاره.
حضرة البيك صاحب الكتاب، توجه قبل ورود كتابكم إلى البلد، ولم يحضر
إلى الآن. وعند العلم بحضوره أتوجه إليه وأرفع لحضرته مزيد تشكراتكم، دامت
معاليكم. أفندم ، في 8 جا سنة 1300.
…
...
…
...
…
...
…
... صنيعكم - سعد زغلول
أرجو عدم انقطاع المراسلات ، وأتمنى أن لا أحرم كل أسبوع من كتاب
تطمينا للخاطر وترويحًا للفؤاد، ولمولاي في إجابة هذا الرجاء النظر العالي.
…
...
…
...
…
...
…
...
…
...
…
سعد [3]
_________
(1)
الكلمة في الأصل هكذا (رايتنا) ، ولعل المراد فما رأيناك إلخ، الخطاب للأستاذ الذي بعث الفضيلة بالعلم والعمل في جماعة نكثوا عهده، وخانوا وده ووشوا به عند الشدة.
(2)
ذكر لي الأستاذ الإمام رحمه الله أيام غضب الشيخ عبد الكريم سلمان علي؛ أنه كان بلغه في أثر الفتنة العرابية أنه طعن فيه يتبرأ من كونه من حزبه، فكتب في ذلك كلمة في كتاب لآخر؛ أظنه سعدًا قال: وأما ذلك الشيخ الذي اكننته كني وأدنيته مني، وجعلته في مكان النحو من ابن جني فهو يصرح بسبي ولا يُكني.
(3)
يعني سعد نفسه، وأظن أن الخبر المشار إليه هو اشتغاله بالمحاماة.
الكاتب: محمد رشيد رضا
اقتراح إبطال الأوقاف الأهلية
ومكان الدين من الدولة المصرية
في قسميها التشريعي والتنفيذي
اضطربت هذه البلاد اضطرابًا عظيمًا؛ لاقتراح أحد أعضاء مجلس النواب
وضع قانون تلغى به الأوقاف الأهلية، ويحرم إنشاء شيء منها في المستقبل؛ لما
فيها من المفاسد الاقتصادية وغيرها، فكان الناس في هذا الاقتراح فريقين: فريقًا
يود ذلك لأن في أيديهم أعيانًا من هذه الأوقاف، يريدون أن يتصرفوا فيها تصرف
المالكين، فتكون لهم دون من بعدهم، ويؤيد هذا الفريق زنادقة المسلمين دعاة
الإلحاد في هذه البلاد، وكل ما يحب من غير المسلمين إبطال حكومتها لكل ما بقي
من التشريع الإسلامي فيها، وفريقًا لهم منافع في بقاء هذه الأوقاف على حالها،
ويؤيدهم جمهور علماء الشرع، ومن يؤلمهم التعدي على التشريع الإسلامي أن
يكون مباحًا للبرلمان، فيتصرف فيه برأي أكثرية أعضائه، فيكون تشريعه فوق
الشرع المستند إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو اجتهاد أئمته،
وهذه الأكثرية قد تحصل بمن لا يدينون بالإسلام من ملاحدة وكتابيين، فإن من
هؤلاء الملاحدة من صرحوا - حتى في بعض جلسات النواب الرسمية - بردتهم عن
الإسلام وطعنهم في القرآن؛ لأنه يخالف مدنية أوربة في إباحة تعدد الزوجات
ولغير ذلك.
كتب كل من الفريقين مقالات كثيرة في الجرائد، يؤيد فيها رأيه بأدلة من
الشرع والقوانين والمصلحة العامة، ولا يعدم الفريق الأول شيئًا منها، فإن في هذه
الأوقاف من المفاسد ما لا يجيزه شرع الله بنص صريح، ولا باجتهاد صحيح على
ما فيه من المفاسد الاقتصادية، وكثر إلحاح أناس من الفريقين عليّ أن أكتب في
تحقيق الحق في المسألة؛ ما يعهدون أو يعتقدون من فصل الخطاب في أمثال هذه
المشكلات كمسألة الخلافة وغيرها، فكنت أقول لكل مقترح: إن لدى كل فريق
صوابًا وخطأ وحقًّا وباطلاً، وضارًّا ونافعًا، وإن الأوقاف الخيرية المسكوت عنها
الآن كذلك، فيها أوقاف باطلة مخالفة لأصول الشرع وفروعه، وفي التصرف فيها
مثل ما في التصرف في الأوقاف الأهلية من المفاسد والمضار، وتمحيص القول في
هذا الباب كله، وتحقيق الحق فيه من كل وجه لا يمكن إلا بتأليف كتاب ككتاب
(الخلافة أو الإمامة العظمى) ، ولو كان البرلمان المصري والحكومة يأخذان بما يقوم
عليه الدليل الأقوم، وتظهر فيه المصلحة العامة، لتركت جل أعمالي وتفرغت لذلك.
ولكن لا سبيل إلى هذا ولا سبيل إلى إقناع أهل الشأن به.
على أنه قد وضح من مجموع ما كتب الكاتبون أن للوقف أصلاً في الشرع
الإسلامي ثابت بالنص والعمل المتواتر من العصر الأول إلى اليوم، فلا يمكن
إبطاله باجتهاد مجتهد متقدم ولا متأخر، وإن سوء التصرف فيه وكون بعضه مخالفًا
لمقاصد الشرع، أو ما يعبر عنه بروحه وهو مناط التشريع، وبعضه مخالفًا
للنصوص أيضًا بحيلة شرعية أو بآراء فقهية؛ فهو واقع لا مراء فيه، فقلما يوجد
وقف أهلي أريد به القربة ومرضاة الله تعالى التي هي الأصل فيه، وما عساه يحلي
به مما صورته الخير، فمنه ما هو شر ومنه ما يحول بسوء التصرف إلى شر
وفساد، ومن ذلك ما يوقف على تشييد القبور وتجصيصها أو تزيينها، ووضع
المصابيح عليها وحمل الأطعمة إليها في الأعياد والمواسم المبتدعة أو المبتدع فيها
وغير ذلك، قلما يوجد في شيء من ذلك شيء مشروع يرضاه الله تعالى، فالوقف
عليها باطل كالوقف على بعض الوارثين لحرمان الآخرين.
ولكن سوء التصرف والاستعمال ليس مقتضى للشرع في ذلك، ولا لازمًا من
لوازمه، حتى يقال: إنه يجب إبطاله بإبطال مقتضيه وملزومه، فإن المبطلين
والأشرار يسيئون التصرف بجميع النعم الفطرية والكسبية: يسيئون التصرف
بمداركهم العقلية وبحواسهم وقواهم كلها، ويسيئون التصرف بأموالهم وبمعاملة
أزواجهم وأولادهم، وبالقوانين والعلوم والفنون والصناعات، فالواجب على أنصار
الحق وأهل الخير من أولي الأمر والحكم أن يمنعوا سوء التصرف بالشرائع والقوانين
وبالقوى والمشاعر وبالنعم؛ ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، كما يجب على العلماء أن
يبينوه للناس.
***
الدين في الدولة المصرية
فأول ما أنكره ويوافقني على إنكاره كل مسلم يعرف دينه ويغار عليه؛ أن هذا
البرلمان المصري لا يجوز أن يعطى من حق التشريع ما ينسخ شيئًا من شرع الله
الثابت بنص الكتاب أو السنة الصحيحة؛ التي جرى عليها عمل سلف الأمة أو
بإجماع الصحابة رضي الله عنهم، وأعني ليس للقانون الأساسي أن يعطى هذا الحق؛
وهو يعترف بأن دين الحكومة الرسمي هو الإسلام.
وأما ما دون ذلك من مسائل الفقه الاجتهادية: فلأولي الأمر أن يتركوا منها ما
ضعف دليله، أو ضر فعله، أو كان منافيًا لمصلحة الأمة العامة، فإن مخالفة مثل
هذا من اجتهاد الفقهاء لا ينافي الإسلام.
وقد آن لهذه الحكومة الدستورية أن تفرق بين نصوص الإسلام القطعية من
الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح؛ وبين اجتهادات أئمة الفقه الظنية، فتعلم أن
الأول لا بد من الاعتراف به لمن يدين الإسلام، وأن الثاني تحكم فيه الأدلة ومنها
مراعاة مصلحة الأمة، وإلا كان نص القانون الأساسي في كون دين الدولة هو
الإسلام لغوًا، كما كان في قانون الجمهورية التركية.
وقد ظهر بهذه المسألة مسألة ما اقترحته الحكومة من إصدار قوانين ببعض
أحكام الزوجية من: نكاح وطلاق ونفقة وفسخ عقد وتطليق حاكم؛ أن بعض علماء
مصر لا يرضيه من الحكومة إلا أن تتقيد بتقليد ما قرر اعتماده في كتب الفقه
المشهورة في الأزهر على مذاهب الفقهاء الأربعة المشهورة، بل يوجب عليها بعض
الحنفية منهم التقيد بمذهبهم وحده، وإن كان بعض المذاهب الأخرى أقوى منه دليلا ً،
وأقوم مصلحة وأيسر في التعامل، وأن بعضهم يقول بوجوب النظر في أدلة الأحكام
واتباع الأقوى والأصلح منها، فعلى الحكومة أن تؤلف مجلسًا شرعيًّا من الفريقين
يكون من أعضائه شيخ الأزهر، والمفتي الأكبر، ورئيسا المحكمة الشرعية الكبرى
والعليا، وبعض المشتغلين بالتفسير والحديث وآثار السلف وتطرح على هذا المجلس
ما تحتاج إلى معرفة حكم الشرع فيه، وتعتمد ما تقوم الحجة على أنه الحق الموافق لما
ثبت بنصوص الكتاب والسنة القطعية من يسر الشرع، وتقرر في نظام هذا المجلس
أنها مقيدة من الإسلام بالمُجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة الذي أجمعوا على
تكفير جاحده، ولا تقيد بغير ذلك من المسائل الخلافية بل تتبع فيها الأصح والأصلح.
اقترح بعض النواب في مجلسهم إلغاء منصب المفتي الرسمي؛ لأجل الاقتصاد
المالي، وليس راتب المفتي وكاتبه ونفقة مكتبه بالشيء الذي يعد كثيرًا
على الحكومة المصرية الغنية المسرفة؛ التي يمكن إدارة جميع أعمال وزاراتها
ومصالحها بنصف ما تنفقه عليها أو أقل من نصفه، وإنما الذي صار يثقل على
كثير من النواب أن يكون لهذه الحكومة مظهر للشرع الإسلامي مثل مظهر المفتي
الأكبر، ما أشد جهل هؤلاء المسلمين الجغرافيين بطبائع المال ونظام الاجتماع،
كنا ألفنا لجنة في حزب الاتحاد السوري؛ لتضع مشروع قانون أساسي لسورية،
واخترنا لرياستها إسكندر بك عمون المحامي الشهير؛ لأنه أعلم الأعضاء بالحقوق
والقوانين، فقال: أنا لا أقبل رياسة لجنة كهذه وفيها السيد رشيد؛ وهو أعلمنا
بالشريعة الإسلامية التي يجب علينا الاستمداد منها في هذا القانون؛ لأن أكثر أهالي
البلاد من المسلمين.
إننا نرى كثيرًا من المسلمين، ينشرون في بعض الصحف مقالات، يقيمون
بها الحجة على الحكومة المصرية بمخالفة نصوص الدين الإسلامي القطعية في
أحكام وأعمال بعض وزاراتها ومصالحها ولا سيما وزارتي المعارف والحقانية،
وهو الدين الرسمي لها بنص القانون الأساسي، ومن أفظع هذه المخالفة بل الجناية
على الأمة فيها إباحة الطعن في الإسلام في الجامعة المصرية، وإفساد عقائد النابتة
ووجدانها وآدابها النفسية بالإلحاد والإباحة، فيجب على الحكومة أن تتنصل من هذه
المطاعن بما ذكرنا؛ ليعلم رجالها وجمهور الأمة بما هو دين لا مندوحة عن الإيمان
به واحترامه، وما هو محل نزاع واجتهاد لا يكلفه إلا من ثبت عنده.
إني أوافق الذين يعتقدون من رجال الحكومة وغيرهم أنه ليس من الميسور لها
أن تدير نظام حكومة مدنية في هذا العصر، مع التزام مذهب الحنفية أو الشافعية
مثلاً، ولا سيما المذهب التقليدي الذي يوجبه المقلدون من أهل الأزهر وغيرهم من
كتبهم، وأقول مع هذا: إن الله لم يوجب على فرد ولا حكومة التزام تقليد كتب
مذهب من المذاهب، بل أبطل ذلك في محكم كتابه، ومن يدعي وجوب هذا التقليد
لتحقيق الأخذ بالإسلام، فهو أجنى على الإسلام ممن يرده وينكره، فقد كان الإسلام
على أكمله في الزمن الذي لم يكن فيه من هذه الكتب شيء، على أن في هذه الكتب
شيئًا كثيرًا تحتاج إليه الأمة، ولكن يكفي في ثبوت الإسلام ما أجمع عليه أهل
الصدر الأول من الدين؛ ومنه نصوص الكتاب والسنة القطعية الرواية والدلالة،
وما عداه فهو محل للاجتهاد، ومن أصول الإسلام فيه مراعاة مصلحة الأمة العامة
في جميع المعاملات السياسية والقضائية والإدارية، وإنه لا يكلف أحد أن يدين الله
باتباع أحد من الفقهاء فيه إلا ما صدر به حكم حاكم شرعي، فيجب اتباعه إقامة
للنظام العام.
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
المسألة السورية بمصر
كتبنا في جزء سابق كلمة وجيزة؛ فيما وقع من الخلاف بين أعضاء اللجنة
التنفيذية للمؤتمر السوري الفلسطيني وبين رئيسها السابق الذي اقتضى أن تقرر
اللجنة إلغاء الرياسة الشخصية الدائمة لها، وذكرنا أن بعض الفضلاء يسعون
للصلح بين الأعضاء، والرئيس السابق الذي ألف لجنة جديدة تعترف له برياسته
الملغاة، ليس فيها أحد من أعضاء اللجنة القانونية إلا واحد مستخدم عنده براتب
شهري، ونذكر الآن بالإيجاز أن الساعين بالصلح قد فشلوا، وظهر لهم ولغيرهم أن
سبب الخلاف الذي شجر؛ هو ما ثبت من أن الرئيس السابق يسعى مع أخويه
لاستغلال القضية السورية وثورتها لدى فرنسة، بزعمه أنه يمكنه بنفوذ اللجنة
إخضاع البلاد كلها لفرنسة بالشروط التي يتفق هو معها عليها سرًّا، وينفذها باسم
اللجنة جهرًا، وقد صرحت الجرائد الفرنسية حتى الطان منها: بأن أولاد لطف الله
معترفون بالانتداب ويسعون للاتفاق مع فرنسا خلافًا لرشيد رضا وأسعد داغر من
الأعضاء المتطرفين الذين يسعون للاستقلال العربي، وأن لطف الله وجد قوة جديدة
ترجح على هؤلاءالمتطرفين بمشايعة الدكتور عبد الرحمن شاهبندر له، واشتغاله
معه في خدمته السياسة الفرنسية.
كانت حجة طلاب الصلح علينا؛ أن اتفاق ميشيل وشاهبندر يحدث مضار
كثيرة في القضية السورية، يزيد شرها على قبولنا لرياسة ميشيل للجنة مع حفظ
الأكثرية فيها، واشتراط جعل الرياسة صورية بسلب الرئيس حق تمثيل اللجنة في
الخارج والكلام باسمها إلخ، ما قالوا: إنه قد قبله، وقبل أن يوضع في النظام
الداخلي.
وقد حدث بعد العلم بتعذر الاتفاق أن الهيئات السورية في داخل البلاد
وخارجها وفي مقدمتها سلطان باشا الأطرش والأمير عادل أرسلان وسائر جماعة
المرابطين في الصحراء، كلها أيدت إلغاء اللجنة للرياسة الذي اقتضى خروج
رئيسها السابق من جماعتها، وأصبح تأليفه للجنة أخرى عبثًا وسدى، ثم إن
الحزب الوطني في الأرجنتين قد ألغى تمثيل الدكتور شهبندر له في اللجنة كما فعل
الحزب الوطني في شيلي، والجمعية السورية الوطنية في الولايات المتحدة بإلغاء
تمثيل توفيق أفندي اليازجي، فلم يبق للجنة الجديدة وجود يصح أن يستند إلى
مؤتمر جنيف، ولا حزب يمكن أن تتوكأ عليه، ولا عصبية في الوطن ولا في
المهاجر يمكن أن يتقرب رئيسها إلى فرنسة بها، والمال وحده لا يفعل ذلك، وقد
راينا منتهى ما عمل، فإذا هو ضعف وعجز وخذلان.
رأينا وعلمنا أن بعض الجرائد السورية الساقطة، تنشر لهم بالأجور الكبيرة
مقالات في إطراء أنفسهم بما يهوون من ألقاب الرياسة والزعامة ! والطعن في
خصومهم بألفاظ البذاء والسفاهة حتى لقب الكلاب. وتنزهت الجرائد المصرية
المحترمة عن نشر شيء من ذلك لهم، وعهد التضليل لا يطول في هذه المسالة،
فسيعلم من لم يعلم من الشعب السوري من يخدمه ويخدم وطنه، ومن يستغلهما
ويتجر بهما.
ولكن الذي بدا لنا من حيث لم نحتسب، أن يخيب الأمير ميشيل وشقيقه آمالنا
في آدابهما الشخصية برضاهما من مستخدميهما أن يكتبوا تلك المقالات الحمقاء
المشتملة على التبجح الدنيء؛ بذكر موائد سراي لطف الله وإهانة ضويفهم الآكلين
عليها وضيوف القوم أمثالهم أو أكبر؛ ومن أحقر ذلك وأمسه بكرامتهم زعمهم أن
فلانًا وفلانًا بايعا جورج لطف الله بإمارة لبنان عقب غداء ثقيل.
ألا يفهم هؤلاء أن هذه مسألة لا تذكر إلا مداعبة ومزاحًا أو سخرية واستهزاء؛
لأن الإمارة في مثل سورية ولبنان لا تكون بمبايعة أحد من أهلهما ولا سيما في
خارجهما وهما تحت سلطة أجنبية، فلا يكون الحديث فيها من الجد في شيء.
إننا عاشرنا ميشيل وجورج بضع سنين، لم نر فيها منهما إلا الأدب العالي
في القول والعمل؛ ولذلك كنا مغتبطين بمعاشرتها، وقد قال لي الأمير ميشيل عقب
قرار 19 أكتوبر: إن اختلافنا في السياسة لا يمنع الصداقة الشخصية بيننا، فإن
مثل هذا معهود بين الأصدقاء في أوربة وغيرها، وقلت له أخيرًا عندما اجتمعنا
باقتراحه؛ لبحث في مسألة الصلح إنه لا يليق بآدابكم الشخصية استئجار السفهاء
البذاء، والطعن واستئجار الجرائد لنشرها ثم توزيعها من مكتب لجنتكم، ولا تظنوا
أن معرته لا تلحقكم فقد قال الشاعر:
ومن يربط الكلب العقور ببابه
…
فكل أذاة الناس من رابط الكلب
فأطرق ولم يعتذر، وقد ذكرت له أنني أحتقر الشتامين وجرائدهم فلا أقرأها؛
ولذلك أرد لمكتبه السياسي بشارع عابدين جميع الجرائد التي يرسلها بغلافها وطابع
البريد عليها كما هو، ولولا أنه كان مما نشروه في منشوراتهم وجرائدهم المأجورة
للكذب؛ أننا قبلنا أن يكون من قواعد الصلح إعادة رياسة الجنة كما كانت، وسكتوا
عن القيود التي جعلنا الرياسة معها سدى لما نشرت هذه الكلمة هنا، وقد كان أخسر
الناس بما حصل عاشق الرياسة وعاشق الزعامة؛ إذ خسراهما وخسرا ما كان من
حسن ظن الأمة بهما (والعاقبة للمتقين) .
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
فتاوى المنار
نظرية النصارى في خطيئة آدم
الطعن في حديث البخاري
س 10و 11 لصاحب الإمضاء
حضرة صاحب الفضيلة والإجلال؛ شيخ الإسلام ومفتي الأنام مولانا الأستاذ
الإمام السيد رشيد رضا نفع الله المسلمين به.
السلام عليكم ورحمة الله (أما بعد) : فإن اعتقادي ومذهبي واعتقاد الكثيرين
من الذين اطلعوا وقرءوا مؤلفات فضيلتكم في الكتب والصحف: أن فضيلتكم أكبر
عالم بحقيقة روح الإسلام ومقاصده السامية، وأعلم المدافعين عنه الذابين عن
بيضته، فنسأل المولى جل ثناؤه أن ينسأ في عمركم، ويمتعكم بالصحة والهناء.
رحمةً منه تعالى بالمسلمين إنه سميع مجيب. اللهم آمين.
أحيط علم سيادتكم أنه ضمني وبعض المبشرين مجلس، فتباحثنا في الدين
ونتج من هذا البحث؛ أن أسأل سيادتكم هذين السؤالين، وأرجو أن تتفضلوا
وتتكرموا بالجواب عنهما في المنار الأغر المحبوب.
أولاً - يقول المبشر: إن خطيئة آدم صلى الله عليه وسلم بأكله من الشجرة
التي نهي عن الأكل منها، صارت عالقة بذريته جميعهم لم يخل منها أحد؛ مهما
عمل صالحًا وتاب من ذنوبه؛ لذلك جاء المسيح وصلب، وبصلبه كفر عن خطيئة
من آمن به (أي المسيح) من ذرية آدم، ومن لم يؤمن بالمسيح أنه مات فداء عنه،
لم يزل خاطئًا بالوراثة من آدم، مهما عبد الله أو تاب من ذنوبه؛ لأنه بدون سفك
دم (كذا) لم تكفر خطيئته، وأن المسلمين لحد الآن يضحون عن أنفسهم، وأن
النبي صلى الله عليه وسلم ضحى عن نفسه، وقال ما معناه: اللهم اغفر لي ذنوبي،
واجعل هذه الضحية فداء عني.
فما هو اعتقاد المسلم في ذلك، وهل حقيقة خطيئة سيدنا آدم عالقة بذريته لا
يمكن أن تغفر أبدًا أم لا علاقة بين خطيئة آدم صلى الله عليه وسلم وذريته؟ أرجو
الجواب.
ثانيًا - تقول العلماء: إن أصح كتب الحديث صحيح البخاري رضي الله
عنه، ويليه صحيح مسلم رضي الله عنه إلخ، فهل إذا أنكر أحد من المسلمين حديثًا
في صحيح البخاري يعد طاعنًا في الدين الإسلامي؟ مع العلم أن الأحاديث دونت في
الكتب بعد زمن المصطفى صلى الله عليه وسلم بمدة مديدة، وأن البخاري رفض
أكثر من ستمائة ألف حديث، بل قال أحد نقاد الأحاديث: إن في صحيح البخاري
نفسه أحاديث موضوعة مثل (تعاد الصلاة من قدر الدرهم) يعنى من الدم، ذكر
في (كتاب اللؤلؤ المرصوع فيما لا أصل له أو بأصله موضوع) .
أرجو الجواب أثابكم الله تعالى
…
...
…
...
…
...
…
... المخلص المتعاني في حبكم
…
...
…
...
…
...
…
عبد العزيز نصحي عبد المجيد
…
...
…
... أمين مخزن الجمية الزراعية الملكية بأشمون
…
(جواب المنار)
أقول ما ذكر السائل من المبالغة في الثناء والتفضيل، فليس مما يثبت في
نفسه بما ذكره من دليل، وأما دعاؤه فأسأله تعالى أن ينفعني به ويجزيه عني خيرًا
وأما السؤالان: فأجيب عنهما بالاختصار؛ لما سبق لنا في موضوعهما من تفصيل.
***
عقيدة النصارى في خطيئة آدم وفداء المسيح
اعلم أولاً أن هؤلاء الدعاة للنصرانية الملقبين بالمبشرين جيش من جيوش
الدول الغربية؛ لفتح البلاد الشرقية ولاسيما الإسلامية كما قال لورد سالسبوري
الوزير الإنكليزي الشهير: (إن مدارس المبشرين أول خطوات الاستعمار، فأول
ما يحدثونه في البلاد التي ينشرونها فيها تفريق الكلمة، وإيقاع الشقاق بين الشعب
الواحد حتى ينقسم على نفسه، ويكون بعضه لبعض عدوًا) . هذا، وإن الله تعالى
قد أكمل دينه الذي أرسل به جميع رسله بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، حتى
لو كان موسى وعيسى وغيرهما من الرسل أحياء، لما وسعهم إلا اتباعه صلى الله
عليه وسلم، فلا يجوز لمسلم أن يقرأ شيئًا من كتب هؤلاء المبشرين، ولا أن
يضيع وقته بمجادلتهم؛ لأنهم بجملتهم جند مستأجر؛ للإفساد في الأرض كما علمنا
بالاختبار، وإن شذ بعض الأفراد.
ثم اعلم أن عقيدة كون المسيح جاء ليفتدي البشر من خطيئة آدم؛ هي عقيدة
وثنية قديمة كما هو مفصل في كتاب (العقائد الوثنية في الديانة النصرانية) ،
ومثلها عقيدة التثليث، وأن مستقلي الفكر من علماء النصارى في أوربة وغيرها،
لا يعتقدون هذا ولا ذاك، ولا ما يتعلق بهما من البدع كالعشاء الرباني، وتحويل
الخبز إلى لحم المسيح والخمر إلى دمه حقيقة بمجرد القداس الذي يتلوه الكاهن أو
بدونه؛ لأن كل ذلك مخالف لبداهة العقل ومدارك الحس جميعًا، ومخل بعظمة الله
وتنزيهه عن الظلم والحلول في أجساد خلقه، فبعض أحرارهم فند هذه العقائد
الخرافية بكتب كثيرة، وبعضهم يسكت للجمهور عليها؛ لئلا تكون معرفة العوام
ببطلانها سببًا لمروقهم من الدين، واستباحتهم لجميع الرذائل والمعاصي المفسدة
للعمران.
أذكر أنه كان لهؤلاء المبشرين مدرسة في باب الخلق، فبينما كنت مارًّا من
أمامها منذ 29 سنة، قال لي رجل منهم: تفضل واسمع كلام الله، فدخلت، فإذا
بخطيب يقرر لهم عقيدة الصلب والفداء، فلما أتم كلامه قمت بجانبه، وقلت له:
اسمح لي أن أعيد عليك ما فهمته منك؛ لتعلم هل كان فهمي صحيحًا كما أردت أم
لا؟ فأذن، فقلت:
ملخص كلامك: أن الله تعالى وقع في مشكل عظيم بعد خلقه لآدم وعصيان
آدم له؛ وهو أنه لما كان سبحانه رحيمًا كامل الرحمة، وعادلاً كامل العدل، رأى
أنه إذا عاقب آدم لا يكون رحيمًا، وإذا عفا عنه لا يكون عادلاً، فظل يتفكر في
استنباط وسيلة للجمع بين العدل والرحمة، حتى اهتدى إليها بعد ألوف من السنين
وذلك في السنة التي ولد فيها المسيح، وهذه الوسيلة هي أن يعذب المسيح المعصوم
من كل ذنب بعذاب الصلب، وقبول اللعن، ودخول الجحيم - المسجلين في الكتاب
على كل من يصلب - لأجل إنقاذ آدم وذريته من عذاب تلك الخطيئة التي لحقت
بهم كلهم على دعواكم، وبذلك جمع بين العدل الرحمة.
ولكنني رأيت أن الظاهر المتبادر من هذه الحكاية؛ أن الرب سبحانه وتعالى
قد فقد كلاً من العدل والرحمة بتعذيبه للبريء وعفوه عن المذنب بل عن الملايين
من المذنبين، فضلاً عما يلحقهم من خطيئة آدم على زعمكم.
ثم إنه مع هذا لم يتم للرب تعالى عما تقولون ما أراد من الرحمة ببني آدم؛
لأنكم تقولون: إنه لا ينال نعمة النجاة من العذاب بهذا الفداء إلا من صدق، هذه
الحكاية غير المعقولة وغير اللائقة بجلال الرب وعظمته وتنزهه عن كل نقص،
ومن المعلوم عندنا بالضرورة أن أكثر بني آدم لم يصدقوها، فإذًا لا بد أن يعذبهم
الله بذنب آدم، حتى من كان منهم لم يعص الله تعالى قط، فهل تدعوننا لأن ننسب
كل هذا الجهل والحيرة والفشل إلى الله تعالى الكامل المنزه عن كل نقص؟
فصاح المسلمون الحاضرون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقال القس
المبشر: جوابي أننا غير مأمورين هنا بأن نجادل أحدًا، ولكن لنا مكتبا مفتوحًا؛
لأجل الجدال، فإذا زرتنا فيه نجيبك عن كل ما ذكرته، قلت: إننى على علم
برهاني فيما أقول وأعتقد، فلست بمحتاج إلى جوابكم عن شيء. ولكن كيف
تلقنون الناس ما يفسد عليهم إيمانهم بتنزيه الله وتعظيمه، وتتركونهم في ضلالهم
يعمهون إن صدقوكم؟
وإذا أراد السائل الفاضل أن يعرف فساد هذه العقيدة بالأدلة التفصيلية، فليقرأ
تفسير قوله تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ
وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ} (النساء: 157) .. إلخ من أواخر سورة النساء في
الجزء السادس من تفسيرنا، أو رسالة (عقيدة الصلب والفداء) المستخرجة من هذا
التفسير وهي مطبوعة على حدتها مع رسالة (نظريتي في قصة الصلب) للمرحوم
الطبيب محمد توفيق صدقي، ففيهما يجد القارئ ما لا يجده في الأسفار الكبار
المؤلفة في الرد على النصارى مؤيدة بالحجج من كتبهم وكتب أحرار علماء أوربا.
وأما سفك الدم في الأضاحي وأمثالها، فلم يشرع في الإسلام لمثل هذه
الخرافات الوثنية، وإنما شرع شكرًا لنعم الله تعالى علينا بهذه الأنعام بالتمتع بها مع
حمده وشكره وإطعام المحتاجين منها، وقد قال عز وجل فيها: {لَن يَنَالَ اللَّهَ
لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ} (الحج: 37) ، فاقرأ الآية وما قبلها،
تجده صريحًا في ذلك، وقد فصلناه من قبل.
وأما ما ذكره المبشر من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عند التضحية كذا
فهو كذب؛ يريد به إثبات الفداء في الإسلام بالمعنى الوثني الذي يقولون به.
***
أحاديث البخاري وحكم من أنكر شيئًا منها
لا شك في أن أحاديث الجامع الصحيح للبخاري في جملتها أصح في صناعة
الحديث، وتحري الصحيح من كل ما جمع في الدفاتر من كتب الحديث، ويليه في
ذلك صحيح مسلم، ومما لا شك فيه أيضًا أنه يوجد في غيرهما من دواوين السنة
أحاديث أصح من بعض ما فيهما، وما روي من رفض البخاري وغيره لمئات
الألوف من الأحاديث التي كانت تروى يؤيد ذلك، فإنما نفوا ما نفوا لينتقوا الصحاح
الثابتة. ودعوى وجود أحاديث موضوعة في أحاديث البخاري المسندة بالمعنى الذي
عرفوا به الموضوع في علم الرواية ممنوعة، لا يسهل على أحد إثباتها. ولكنه لا
يخلو من أحاديث قليلة في متونها نظر، قد يصدق عليه بعض ما عدوه من علامة
الوضع؛ كحديث سحر بعضهم النبي صلى الله عليه وسلم الذي أنكره بعض العلماء
كالإمام الجصاص من المفسرين المتقدمين، والأستاذ الإمام من المتأخرين؛ لأنه
معارض بقوله تعالى: {وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَاّ رَجُلاً مَّسْحُوراً * انظُرْ كَيْفَ
ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} (الفرقان: 8-9) وقد أجاب
الجمهور عن ذلك بما كانوا يرونه مقبولاً، لا يمس مقام الرسول صلى الله عليه
وسلم وعصمته. ويغنيكم عن التفصيل في هذا المقام ما فصلنا فيه في باب الفتاوى
من الجزء الماضي. هذا، وإن في البخاري أحاديث في أمور العادات، والغرائز
ليست من أصول الدين ولا فروعه، كما بيناه في تلك الفتوى.
فإذا تأملتم هذا وذاك، علمتم أنه ليست من أصول الإيمان ولا من أركان
الإسلام؛ أن يؤمن المسلم بكل حديث رواه البخاري مهما يكن موضوعه، بل لم
يشترط أحد في صحة الإسلام ولا في معرفته التفصيلية الاطلاع على صحيح
البخاري والإقرار بكل ما فيه، وعلمتم أيضًا أن المسلم لا يمكن أن ينكر حديثًا من
هذه الأحاديث بعد العلم به إلا بدليل يقوم عنده على عدم صحته متنًا أو سندًا،
فالعلماء الذين أنكروا صحة بعض تلك الأحاديث، لم ينكروها إلا بأدلة قامت عندهم
قد يكون بعضها صوابًا وبعضها خطأ، ولا يعد أحدهم طاعنًا في دين الإسلام.
وأما حديث (تعاد الصلاة من قدر الدرهم) يعني من الدم، فالذي في اللؤلؤ
المرصوع - نقلاً عن النووي - أن البخاري ذكره في تاريخه لا أنه رواه في
صحيحه، وما يدريك أنه ذكره في ترجمة أحد الوضاعين، واستشهد به على أنه
يروي الموضوعات.
وأما قول السائل: إن البخاري رفض أكثر من ستمائة ألف حديث فهو خطأ،
أخذه من قوله رحمه الله تعالى: (صنفت الجامع الصحيح من ستمائة ألف حديث
في ست عشرة سنة، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى) ولم تكن بقية هذه
الستمائة موضوعات عنده، بل كان منها الصحيح والحسن والضعيف، ولم يكن
يثبت في الجامع الصحيح كل ما صح عنده، بل كان من عنايته في أحاديثه فيه
اشتراط العلم باجتماع كل راو بمن روى عنه؛ لأجل الثقة بسماعه منه، ولم يكن
كل ما ذكره فيه على هذا الشرط بل الأحاديث المسندة بالأسانيد المتصلة، وكان
الذي يحفظه أكثر من ذلك، قال بعضهم: كان يحفظ ألف ألف حديث، وأحاديث
الجامع الصحيح المسندة أي غير المعلقات والمتابعات 7397 آلاف مع المكرر،
وإذا أضيفا إليها بلغت 9083 بالمكرر على ما اعتمده الحافظ ابن حجر في عدها.
***
حديث شد الرحال ومخالفة المسلمين له
(س12، 13) من صاحب الإمضاء في بلد الدية (السودان) .
سيدي الأستاذ المصلح فخر الإسلام والمسلمين، صاحب مجلة المنار السيد
محمد رشيد رضا: السلام عليكم ورحمة الله؛ إيفاء لما التزمتم به بالنصح لعامة
المسلمين، نرجوكم إفادتنا بالآتي:
1 -
الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه قوله صلى الله عليه وسلم:
(لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد
الأقصى) ما معناه؟
2-
أرى الناس يسافرون لزيارة أضرحة الصالحين، وكذا أناس يسافرون
لحفلات تقام في بعض عواصم المدن، وأناسًا يسافرون للخارج لحضور حفلات
تقام هناك، هل يصح منهم قصر الصلاة؟ أفتونا مأجورين، وابسطوا لنا القول
جزاكم الله خير الجزاء.
…
...
…
...
…
...
…
...
…
...
…
كاتبه
…
...
…
...
…
...
…
...
…
... علي إسماعيل
…
...
…
...
…
...
…
... ناظر محطة الدية سودان
(ج) الحديث رواه الجماعة كلهم من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري
وعبد الله بن عمر، ومعناه أن السفر إلى هذه المساجد الثلاثة مشروع وأنه غير
مشروع إلى غيرها، أما سبب ما أثبته من كونه مشروعًا إليها؛ فلما رود في
أحاديث أخرى من فضلها ومضاعفة ثواب الصلاة فيها وكذا غيرها من العبادات.
وأما كونه غير مشروع إلى غيرها؛ فإن العبادات لا تشرع إلا بنص وقد جاء
النص هنا بالمنع، وأما سببه وحكمته؛ فلأن غير الثلاثة من المساجد متساوية في
الفضل الديني، فالسفر إلى بعضها عبث، والذين يسافرون إلى أضرحة الصالحين
سواء أكانت في المساجد أم لا؛ لإقامة الاحتفالات هنالك لهم، وبأسمائهم يعتقدون أن
أضرحتهم والصلاة لديها أو في المساجد التي بنيت عليها له مزية فضل وثواب،
وهذا كذب وافتراء على الله، وشرع لم يأذن به الله والحق خلافه، بل يعتقدون أنهم
ينفعون من يزورها ويدعوهم لديها، ويدفعون عنه المضار، وفي ذلك من الشرك
والخرافات ما فيه، وقد بينا هذا بالتفصيل والدلائل في أجزاء كثيرة من المنار فلا
نعيده.
وأما استباحة رخص السفر من تيمم وقصر للصلاة، فمن اشترط في السفر
المبيح لها أن لا يكون لسفر معصية كالشافعية، لا يبيحها للمسافرين إلى الموالد
المعهودة والزيارات غير المشروعة، والمختار عندنا أن ذلك ليس بشرط.
نعم.. إن من سافر إلى مسجد آخر لسبب فني أو تاريخي أو علمي لا يدخل
عمله في عموم المنع؛ لأنه من المباحات لا من القربات والعبادات، فالعبادة هي
التي يشترط فيها ما ذكر، وكذا من يسافر إلى المساجد التي اتخذت مدارس كالأزهر
وجامع الزيتونة لأجل طلب العلم، فإن طلب العلم في كل المساجد مشروع، والله
أعلم.
***
حقوق الوالدين وحد عقوقهما
(س15) من صاحب الإمضاء في دنقلة السودان.
سيدي الفاضل الشيخ رشيد رضا، نفع الله به العباد:
السلام عليكم يا سيد ورحمة، وبعد: نرجو إفتاءنا بما هو آت:
إن حقوق الآباء على الأبناء غامضة بحسب نظر الكثيرين، وكثير من الآباء
يتطلب الدخول في كل شخصيات ابنه بدعوى هذا الحق المبهم، كما أن جل الأبناء
يريدون الحرية المطلقة في المعاملات والمجاملات، فوافونا في مجلتكم المنار بما
جبلتم عليه، وأرشدونا لكتاب يشفي العليل مع استقصاء الحد للعقوق وحكمة ذلك،
وهل للأب أن يأمر ابنه بمقاطعة أحد من المسلمين؛ بدعوى عدائه له؟ والله
يحفظكم.
…
...
…
...
…
...
…
...
…
... المخلص
…
...
…
...
…
...
…
...
…
... أحمد النجار
…
...
…
...
…
...
…
... المدرس بالجامع بدنقلة
(ج) هذا موضوع كبير، لا يمكن بسطه إلا في سِفْر كبير، ويمكن لمن
اطلع على الآيات الواردة فيه في سورتي الإسراء ولقمان، وكان فقيه النفس أن
يستغني بها في معرفة حقوق الوالدين، فكيف إذا أضاف إليها الأحاديث الصحيحة
فيها وفي كون العقوق من أكبر الكبائر، وأمثل كتاب بَيَّن الموضوع بيانًا وسطًا
مفيدًا، هو كتاب (الزواجر عن اقتراف الكبائر) للفقيه ابن حجر، فليراجعه
السائل في كتاب النفقات من الجزء الثاني منه.
بدأ الكلام في الكبيرة 302 وهي عقوق الوالدين بالآيات الكريمة الواردة في
الأمر بالإحسان بالوالدين، مقترنًا بالأمر بعبادة الله وعدم الشرك به، وأمره تعالى
بالشكر له وللوالدين مقترنين، ثم بالأحاديث في برهما، وجعل عقوقهما من أكبر
الكبائر، ثم بآثار السلف وأقوال بعض العلماء والأدباء في ذلك، ثم تكلم في حد
العقوق الذي هو كبيرة، قال: وهو أن يحصل منه لهما أو لأحدهما إيذاء ليس
بالهين عرفًا، ويحتمل أن العبرة بالمتأذي (أي لا بالعرف) . لكن لو كان في غاية
الحمق أوسفاهة العقل، فأمر أو نهى ولده بما لا تعد مخالفته فيه في العرف عقوقًا،
لا يفسق ولده بمخالفته فيه لعذره. وعليه لو كان متزوجًا بمن يحبها، فأمره
بطلاقها ولو لعدم عفتها فلم يمتثل أمره، فلا إثم عليه) .. إلخ، ثم نقل فتوى من
شيخ الإسلام السراج البلقيني في الموضوع، وعسر تحديده أي لاختلاف العرف
والآراء والشعور والمصالح فيه - وذكر له بيانًا تفصيليًّا لدرجات العقوق ناقشه فيه.
ولعل كل هذا وأمثاله مما ذكره المتقدمون، لا يغني السائل عما فصلناه في
هذه المسألة في تفسير قوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ
إِحْسَاناً} (النساء: 36) من سورة النساء؛ لأنهم لا يشرحون ما عليه أصناف
الناس المخاطبين بالأحكام في طباعهم وآدابهم، واختلاف معارفهم وشعورهم
ومصالحهم، وقد أشار السائل إلى ذلك في سؤاله، فأكثر الوالدين ولا سيما الآباء
يظنون أنهم بصفة الوالدية أو الأبوة يجب أن يكونوا أعلم وأعقل وأكيس من أولادهم
، وإن تعلم أولادهم من علوم الدين والدنيا ما لم يقفوا على شيء منه، وكانوا أذكى
وأكيس منهم في كل شيء، بل يظنون أنه يجب على الولد أن يطيع والده في كل
شيء، وإن خالف الشرع والعقل والمصلحة العامة والخاصة والوجدان لأنه والد،
كما أن بعض الأولاد في هذا الزمان من لا يقيمون لبر الوالدين وزنًا، ولا يراعون
لكرامتهما وشعورهما حرمة، مع أن الله تعالى أوصى حتى بالوالدين المشركين
الداعيَين إلى الشرك مع عدم طاعتهما، فقال: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي
مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً} (لقمان: 15) فمن
اضطر إلى مخالفة أحد والديه بحق، فينبغي له أن يتلطف ويراعي الذوق والأدب
ولا يصادمه بالعنف، ومنه يعلم ما ينبغي له إذا أمره بمعاداة من لا يجوز معاداته
شرعًا أو بغير ذلك من المحرمات، ومن المعلوم من الدين بالضرورة قوله صلى
الله عليه وسلم: (لا طاعة لأحد في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف) رواه
البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن علي مرفوعًا، وليراجع السائل عبارتنا في
التفسير من ص 84 من الجزء الخامس إلى ص 90.
***
حكم الثياب الحازقة التي تصف العورة
(س 14) من صاحب الإمضاء في بيروت.
حضرة صاحب الفضل والفضيلة: سيدنا ومولانا العالم العلامة الإمام مفتي
الأنام ومرجع العلماء الأعلام شيخ الإسلام، الأستاذ الجليل السيد محمد أفندي رشيد
رضا صاحب مجلة المنار الغراء، حفظه الله تعالى.
السلام عليك ورحمة الله وبركاته، وبعد: فما قولكم دام نفعكم في البنطلون
الإفرنجي؛ إذا كان يظهر منه جرم العورة كالقبل والدبر وغيرهما، بحيث يكون
ضيقًا كثيرًا، فهل ظهور ذلك الجرم حرام؛ لأنه مثار للشهوة أم مكروه أم جائز؟
أفتونا مأجورين.
…
...
…
...
…
...
…
...
…
... السائل
…
...
…
...
…
...
…
... عبد الحفيظ إبراهيم اللاذقي
…
...
…
...
…
...
…
...
…
... ببيروت
(ج) لبس الثياب الحازقة الضاغطة مكروه طبًا؛ لضرره بالبدن، وشرعًا
لضررها، ومضايقتها للمصلي، حتى إن بعضها يتعذر السجود على لابسه، فإذا
أدى لبسها إلى ترك الصلاة حرم قطعًا ولو لبعض الصلوات، وقد ثبت بالتجارب
أن أكثر من يلبسونها لا يصلون أو إلا قليلاً كالمنافقين، حتى إن منهم من يعتذرون
عن الصلاة؛ بأنها تحدث في السراويل (البنطلون) تجعدًا يشوه منظره، سمعنا
هذا بآذاننا من كثيرين؛ فإذا كانت مع هذا تصف السوأتين إحداهما أو كلتيهما، كان
التغليظ في لبسها أشد، وقد نهى سيدنا عمر رضي الله عنه عن لبس ضرب من
قباطي مصر الضيقة؛ وعلل ذلك بقوله: فإن لا تشف فإنها تصف، أي فإن لم تكن
رقيقة تشف عما وراءها من البدن فيرى فإنها بضيقها تحكي العورة وتصف شكلها
وحجمها. ولكن المفتونين اليوم بهذه الطرز (أو المودات) من الثياب، يقصدون
هذه العيوب الشرعية والطبية قصدًا لأنهم أسرى الشهوات وعبيد العادات، ولهم من
دعاة الإلحاد والإباحة من يرغبهم فيها، ويفضلها لهم على غيرهما بأنها من الجديد
اللائق، بمجددي الفسق والفجور وليست من العتيق البالي المذموم لأنه قديم.
***
كلمة: الله ورسوله أعلم
س 15 من عدن
بسم الله الرحمن الرحيم
لحضرة الأستاذ الكبير العلامة الشهير، السيد محمد رشيد رضا صاحب
مجلة المنار الغراء، بعد إنهاء كامل التحية عليكم ورحمة الله وبركاته، فإن أخاكم
وصديقكم الشيخ أبا بكر بن عبد الله باعشن بارحيم العدني، قد كلفني حين مروري
عليهم بعدن بسؤال أرفعه لحضرتكم بعد وصولي مصر، ثم إنه ألح علي ثانيًا - وأنا
هنا أيضًا - بذلك، فالرجاء من منصبكم العالي إتحافه وإيانا بالكلام على ما ذكر
مفصلاً مقرونًا بالدليل، وإن نشرتموه في مجلتك فهو أولى؛ ليعم النفع به للمسلمين،
وهذا نص السؤال: ما تقول السادة الفضلاء وبالخصوص منهم السيد رشيد رضا
رضي الله عنه وأرضاه؛ في قول القائل: الله ورسوله أعلم، هل يجوز إسناد العلم
شرعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في مثل هذه الصيغة، واستعمال
ذلك مطلقًا أو هو خاص به ما دام حيًا؟ فإن قلتم بالثاني، فما معنى عرض أعمالنا
عليه صلى الله عليه وسلم في كل أسبوع، أفتونا بالدليل لا زلتم كشافين المشكلات،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
…
...
…
...
…
...
…
...
…
صاحب الإمضاء
…
...
…
...
…
...
…
... محمد بن سعيد غباش
…
...
…
...
…
...
…
...
…
... السلفي العماني
(ج) كان الرسول صلوات الله وسلامه عليه يسأل أصحابه عن شيء لا
يعلمونه أو لا يعلمون مراده من السؤال، يقولون في جوابه الله ورسوله أعلم كما
سألهم يوم النحر في منى: (أي يوم هذا) ، فظنوا أن سؤاله تمهيد لتسميته بغير
اسمه الذي كان في الجاهلية بأمر من الله تعالى، فقالوا: الله ورسوله أعلم، ولم
يكونوا يقولون هذا لكل سؤال عن أي أمر، وإنما كان المسئول يجيب بما يعلم أو
يقول: لا أدري أو الله أعلم، ومن المعلوم من الدين بالضرورة أنه لا يعلم أحد كل
شيء إلا الله خالق كل شيء، فمن قال في جواب كل سؤال: الله أعلم، سواء أجاب
بما عنده أم لا، كما يختم كثير من العلماء فتاواهم بقولهم الله أعلم، فقد صدق
وأصاب، ومن قال مثل هذا في النبي صلى الله عليه وسلم كان قائلاً ما لا علم له به،
ولا يجوز لأحد أن يقول بغير علم، ومتى علم السائل والمسئول عنهم سبب قول
الصحابة لتلك الكلمة في مواضعها التي بيناها، ظهر لهم أن اتباعهم فيها اليوم في غير
محله، فتركوه إن شاء الله تعالى.
وأما حديث عرض الأعمال على النبي صلى الله عليه وسلم الذي تسمعونه من
بعض خطباء الجمعة (حياتي خير لكم) .. إلخ، فهو مرسل رواه ابن سعد عن
بكر بن عبد الله وغير صحيح، فلا يحتج به ولا سيما في مسائل تتعلق بعالم الغيب
وهو من المسائل الاعتقادية، ولو صح اتصاله وسنده لما كان حجة على إسناد كل
شيء إلى علم النبي صلى الله عليه وسلم ، كإسناده إلى علم الله تعالى.
_________
الكاتب: طبيعي
بحث في الطبيعة
النشأة الأولى [*]
إذا أراد الإنسان أن ينظر في نفسه وما حوله؛ ليتأمل في الوجود ونشأته،
وما في الطبيعة من مخلوفات، يرى نفسه قد خلق من نطفة، وأصله أبونا آدم عليه
السلام، وقد خلق من تراب، يرى في السماء والأرض وما بينهما مخلوقات كثيرة
الأنواع سائرة في حياتها بنظام متحد، والبعض منها له مواعيد منتظمة، وكل نوع
من هذه المخلوقات كالإنسان والحيوان والنبات والجماد إلخ خلقت بشكل منتظم،
وصنع دقيق؛ يزعم بعض الطبيعيين أن هذه الطبيعة وُجدت من تلقاء نفسها أو من
لا شيء، ونسائلهم: هل نظامها وجد معها أيضًا في كل نوع من المخلوقات؟ وإذا
حدث ما يخل بنظام شيء منها، كيف يعاد نظام سيرها؟ لو صح زعمهم لما أمكن
سير الطبيعة في نظامها سنين طويلة، ولرأينا منها اعوجاجًا واختلافًا كثيرًا من
حين لآخر؛ إذ أمد من حاد منها عن نظام سيرها لا يهتدي لطريقه، ولضل عنه
واضطرب في سيره.
بل الحقيقة أن المخلوقات التي نشاهدها في الطبيعة على اختلاف أنواعها،
خلقت بدقة ونظام، وهي تحيا حياة منتظمة مما يدل على أن نظامها هذا سائر بقوة
كبيرة جدًا تديره بعناية تامة ولا تفتر عنه لحظة واحدة، وهذا القدرة العظيمة لا
تراها العيون، ولا تدركها العقول.
وإذا رجع الإنسان إلى تاريخ أصله، يجد بالكتب السماوية قصة آدم من وقت
نشأته، ومنها يعرف أن الذي أنشاه وصوره في أحسن صورة إله عظيم الشأن، هو
صاحب هذه القوة العظيمة، وهو الخالق لهذا الكون الكبير وما فيه من مخلوقات.
عاش آدم في الأرض، وعلّم بنيه بما علم، وعرفهم ربهم لعبادته وتكاثر
النسل جيلاً بعد جيل، حتى صارت الذرية قبائل وشعوبًا في أنحاء الأرض،
وبعضًا منهم أغواهم الشيطان وأضلهم، فبغوا وطغوا وازدادوا في الأرض فسادًا،
ولقد اتخذ بعض المضلين منهم آلهة من دون الله، وهم لا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا
نفعًا، فأنذرهم ربهم وحذرهم بأن أرسل لهم رسلاً مبشرين ومنذرين، يرشدونهم
للطريق القويم، ويأمرونهم بالإيمان بالله الذي خلقهم وخلق هذه الكائنات، واتباع
أوامره، ومن عهد آدم للآن أرسل الله تعالى الرسل للناس في أوقات مختلفة،
وأنذرهم بالإيمان بالله الذي خلقهم ولطاعته، فبعضهم كفروا بالله وأنكروه ولم يؤمنوا
لهم استكبارًا وعنادًا، ولقد كان في الناس أمم شديدة البأس، ظلموا أنفسهم بما كفروا،
فأخذهم الله بظلمهم {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} (الكهف: 49) ، وصاروا عبرةً
لأمم من بعدهم.
بعد الذي ذكر ما على الإنسان إلا أن يؤمن بما أنزل الله تعالى من كتب على
رسله الكرام من عهد آدم للآن، وعليه أن يعلم بما أمره أخيرًا بكتابه المنزل على
رسوله آخر الأنبياء {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} (النساء: 82) ، وبذلك يعتبر نفسه مؤمنًا بالله وكتبه ورسله جميعًا.
إن من يؤمن ببعض ما أنزل الله، ويترك البعض كالذين لا يؤمنون بالقرآن
لأي سبب كان، يدل على أنه مكابر، وقد ظلم نفسه أو لم يعقل شيئًا في نظام
الوجود، وليس له عذر بل عليه أن يبحث ويسأل أولي الألباب إذا كان لم يفهم ما
جاء بالكتب السماوية، ولا ريب أنه تظهر له الحقيقة، أما إذا عاش جاهلاً في
طريق حليته دون أن يفكر فيها، فقد جازف بنفسه في طريق الضلال دون أن
يشعر، وربما تمادى في جهله وتبعه بعض الجهلاء؛ لعقيدة حسنت في نظرهم،
وهو في الحقيقة كسراب اغترت به أنظارهم، وتمشت معها أفكارهم، وصاروا
حزبًا من الأحزاب له مبدأ العقيدة وبرنامج الطريق.
ومن هنا، اختلف الناس في عقائدهم في الأزمان الغابرة، فإذا بحثنا في مبدأ
كل عقيدة على ما جاء بالكتب السماوية، وجدنا أنها أجمعت على أن الله سبحانه
وتعالى إله واحد لا شريك له في ملكه، ولنترك ما قيل فيها للذين يعقلون، ولنجعل
بحثنا في الطبيعة ونظام الحياة فيها، فالناس جعلهم الله تعالى قبائل وشعوبًا وولى
عليهم ملوكًا وحكامًا، وزين للناس حب البنين ليكونوا لهم ورثة من بعدهم، ولا
يكتفي الإنسان من الذرية بواحد أو اثنين، بل يلتمس المزيد، وكذلك الملوك
يلتمسون من البنين والحفدة أكثر من واحد حفظًا لملكهم، حتى إذا خلا ملكهم من
الوراث الأول شغله الثاني وهكذا؛ لكيلا يأخذه ملك غريب، أو يغتصبه قوي رقيب.
علمنا أن الله تعالى إله واحد ولا شريك له في ملكه، وأنه يحيي ويميت؛
لأنه على كل شيء قدير، وهو باق لا يموت أبدًا، وكل مخلوق في هذه الحياة
سيفنى بانحلال عناصر حياته أو بموته، والأرض وما عليها من ميراث ونعيم
يرثها رب السموات والأرض، ثم بإذنه تعالى تحيا الناس في الآخرة حياة أبدية،
وفي مبدئها يحاسبهم ربهم على حياتهم الأولى، ويفعل ما يشاء بهم حسبما بشرهم
وأنذرهم في كتبه السماوية، ومما ذُكر يُعلم أن الله سبحانه وتعالى حقيقة غني عن
كل شيء، وقادر على كل شيء، وملك ومالك لملكه يفعل به ما يشاء {كُلَّ يَوْمٍ
هُوَ فِي شَأْنٍ} (الرحمن: 29) ، ولا وارث له إلا هو؛ لأنه باق لا يفنى.
ومن العقائد القديمة التي سار الناس عليها بالوراثة للآن؛ اعتقاد النصارى
بأن لله تعالى ولدًا - وحاشا لله أن يكون له ولد لأنه غني عن ذلك - ونسائلهم في
عقيدتهم هذه: لأي شيء يتخذ لنفسه ولدًا واحدًا؟ ولماذا لم يتخذ أكثر من ذلك وهو
قادر على كل شيء؟ وكيف يسمح بصلب ولده والتمثيل به؛ فداء للعالم مع أنه
سبحانه وتعالى فدى إسماعيل بكبش، ولم يرض بتضحيته في سبيل طاعته؟ وهل
يعز العالم على ولده فيتركه لأعدائه يمثلون به تمثيلا؟ إن ذلك لا يعقل أبدًا؛ إذ لا
يوجد مخلوق يرضى بتسليم ولده لأعدائه لا سيما إذا كان وحيدًا والله أعز وأرحم
وأعدل، وحيث إن الله تعالى قادر على كل شيء، فهو قادر على أن يغفر لمن
يشاء من خلقه خطاياهم بدون حدوث فداء لأحد من العالمين، ولقد خلق في
السموات ملائكة يسبحون بحمده ويستغفرون لمن في الأرض كما ذكر في القرآن
الشريف.
ثم إن حقيقة مسألة الصلب؛ هي أن الذي صلب كان أكبر أعداء المسيح،
فأراد الله تعالى رفع المسيح إلى السماء، وألقى شبهه في الخلقة على الذي صلب،
فبحث الأعداء عن المسيح للتنكيل به، فوقع الذي هو شبهه في أيديهم، وعرفهم
باسمه الحقيقي. ولكنهم لم يصدقوه فأخذوه وصلبوه ودفنوه بعد موته، فإذا قالت
اليهود والنصارى: إن ما نجادلهم فيه مذكور في الكتب السماوية التي تؤمن بها،
لقلنا لهم: إن ربنا أرسل كتبه بالحق لا يقول إلا الحق للذين يعقلون، وعليهم أن
يبحثوا عن حقيقة ما أسند إلى الله تعالى بغير الحق، وأن لا يتبعون إلا ما يجدونه
أمامه حقًا؛ إذ ربما حصل شيء لم يكن في الحسبان، وخال على قوم كانوا في
غفلة منه فضلوا الطريق القويم، وضل من تبعهم من الذرية بغير علم.
ويدهشني أن يعرف بعض الناس الحقيقة ولا يرضى بها؛ إما حياء من
عشيرته أو اقتناعًا بميراث أبيه من الدين وإن كان على غير هدى، وبذلك يضحي
بنفسه في سبيل آبائه وأجداده، والله تعالى أحق منهم بذلك؛ إذ خلقه ورباه ووالاه
جنينا في بطن أمه قبل أن يراه والده ثم طفلاً ورجلاً وكهلاً، وهو الذي أحياه مدى
عمره ثم يميته ثم يحييه تارة أخرى كما ذكر آنفًا. أفبعد ذلك يقول: أتبع أبي إلا إذا
كان على غير هدى من ربه؟ وكل إنسان مسئول عن نفسه لا ينفعه أحد إلا إيمانه
وعمله.
وفي الختام نسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يرضاه، ويحسن لنا العاقبة ولجميع
المسلمين إنه سميع مجيب.
…
...
…
...
…
...
…
...
…
... طبيعي
_________
(*) لصاحب الإمضاء الرمزي، نشرناها لسهولتها وسذاجتها بحيث يفهمها كل عامي.
الكاتب: محمد رشيد رضا
دعوة المنار السنوية إلى انتقاده
فاتنا التصريح في فاتحة الجزء الأول وفي خاتمته بهذه الدعوة؛ لأننا
اضطررنا إلى إطالة الفاتحة، حتى احتجنا إلى الحذف منها، وإلى إعادة جمعها
بحرف صغير بعد جمعها بحرف كبير.
فنقول الآن: إننا نرغب إلى قراء المنار، بل نطالبهم بأن يكتبوا إلينا ببيان ما
يرونه من الخطأ في مباحثه ولا سيما مسائل الدين ومصالح الأمة العامة؛ بشرط أن
يقتصروا في بيانهم على موضع الخطأ ووجه الصواب فيه بالدليل من غير مقدمات
ولا استطرادات، ونعدهم بأننا ننشر لهم ذلك ونقفي عليه: إما بقبوله والرجوع إليه
إذا ظهر لنا أنه الحق، وإما ببيان ما عندنا من الرد عليه ولو من بعض الوجوه دون
بعض.
وبهذه المناسبة، نصرح بأنه جاءنا في العام الماضي كتاب من أحد أعضاء
الجمعية المؤسسة في برلين - ألمانيا - يؤنبنا فيه على ما كتبناه من استنكار أمرها
في دعوتها إلى الخلافة وجمع أموال الزكاة من جميع أقطار العالم الإسلامي، وما
هذا الذي كتبه برد ولا بيان لحقيقة حال الجمعية وإنما هو انتقام من المنتقد بسبه
وشتمه، فكيف يتصور عاقل أن يُشتَم إنسان ثم يحمله على نشر شتمه في صحيفته؟
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
أعداء الإسلام المحاربون له في هذا العهد
للإسلام أعداء كثيرون من أهله ومن غير أهله، كلهم يحاربونه ويسعون
لإطفاء نوره، وخضد شوكته، وتمكين أعدائه من مقاتله. منهم من يسعى لهذا
عالمًا به متعمدًا له، ومنهم الجاهل غير المتعمد، والجاهل الذي يظن أن ينصره
ويدافع عنه.
ويمكننا أن نحصر هنا هؤلاء المحاربين للإسلام في تسعة جيوش: ثلاثة من
الأجانب، وخمسة من المسلمين - وأعني المسلمين الجغرافيين أو الرسميين - أي
الذين يعدون في الإحصاء العام لأهل كل قطر من المسلمين.
فأما الأجانب منهم فهم: المستعمرون والمبشرون (دعاة النصرانية)
والمعلمون منهم لأولانا في مدارسهم ومدارسنا.
وأما المسلمون الجغرافيون فقسمان: منهم قدماء طال عليه العهد وهم مقلدة
الكتب الجامدون ومشايخ الطرق المبتدعون ، وقسمان منهم حدثوا بعد ذلك وهم:
المتفرنجون والملحدون ، والقسم الثامن دعاة التجديد والثقافة الناسخة لما قبلها، وهو
آخر جيش تألف لمحاربة الأديان كافة والإسلام خاصة ، والقسم التاسع المتفرنجات
من النساء وهو الآن في طور التكوين، على أن هذه الأقسام يتداخل بعضها في
بعض.
من المفروض على المنار أن يكافح جميع أعداء الإسلام المهاجمين له في
عقائده وتشريعه وآدابه وملكه ولغته، وهو منذ أنشئ قائم بأعباء هذه الفريضة
على قلة النصير والظهير، وقد بدأنا في السنين الأولى بجهاد أعداء دينهم وأنفسهم
من المسلمين، فدعوناهم إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلناهم بالتي
هي أحسن، ثم خضنا معامع مهاجمي الأجانب ولا سيما دعاة النصرانية
(المبشرين) ، فكان من أبواب المنار المفتوحة في كل جزء باب (شبهات
النصارى وحجج الإسلام) ، كما كان من أبوابه فيها باب (البدع والخرافات
والتقاليد والعادات) ، وفي أثناء ذلك كنا نلم المرة بعد المرة بمضار التفرنج
الصورية والمعنوية والاجتماعية، ثم ظهرت مفاسد الملاحدة من المتفرنجين؛
بمجاهرتهم بمهاجمة الدين في المحاورات والخطب تلقى في المحافل، والمقالات
تنشر في الجرائد، فنهد إليهم المنار متتبعا عوارهم مقلمًا أظفارهم، مبينًا مفاسدهم
ومضارهم.
وماذا عسى أن يبلي قلم واحد في صحيفة واحدة؛ يناضل هؤلاء المهاجمين
الكثيرين؟ جهد المقل، وأداء فرض كفاية أو فروض كفايات، تأثم الأمة الإسلامية
كلها بتركها، وما كان عمل المنار بدافع هذا الإثم عن جميع شعوبها في جميع
أقطار الأرض التي ظهرت فيها تلك الإغواءات النصرانية والإلحادية والبدعية،
وإنما كان يغني عنهم ويدفع لو كان منتشرًا كانتشارها، يصل إلى كل من تصل إليه
منهم بنفسه أو بترجمة ما ينشره، على أن هذه المفاسد تظهر في كل بلد أو قطر؛
بشكل قد يحتاج في رده وبيان بطلانه إلى عبارات وحجج غير التي يحصل بها
المراد في قطر آخر.
نعم.. إن بعض الجرائد الهندية كانت أكثر الجرائد الإسلامية عناية بالترجمة
عن المنار، وإن بعض أصدقائه قد نهض بمساعدته في تفنيد شبهات المبشرين،
وإبطال دعوتهم، وتخسير دعايتهم، وفي الرد على ملاحدة المسلمين أيضًا - ألا
وهو الطبيب محمد توفيق صدقي تغمده الله تعالى برحمته، وكل ما نشر لغيره من
أصدقاء المنار في مجلداته الثمانية والعشرين، لا يوازي بعض ما نشر له في مجلد
واحد، إنما الذي يفوقه قدرًا وتأثيرًا؛ ما نشرناه لشيخنا الأستاذ الإمام أجزل الله
ثوابه، ولا سيما مقالات الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية.
ولم يكن هذا التقصير من قلة حملة الأقلام من طلاب الإصلاح الإسلامي الذي
يدعو إليه المنار، فإنه أنشئ ليكون صحيفتهم، وقد كثروا بدعوته - ولله الحمد -
ولكن أكثرهم يرى خطأ أن اضطلاع منشئه يغنيه عن مظاهرتهم له، وبعضهم
غافل عن وجوب هذا التعاون.
هذا ما كان من قبل حرب المدنية الكبرى، ثم كان من عقابيل هذه الحرب أن
اشتدت وطأة جميع أعداء الإسلام، كل يحاول الإجهاز عليه من جهته، وينصر
بعض الأجانب منهم بعضًا عليه، فكان من عدوان المستعمرين الظافرين ما كان،
وشرحناه مرارًا آخرها ما أجملناه في فاتحة هذا المجلد إجمالاً أشد تأثيرًا من
التفصيل، وكان من جرأة المبشرين عقد المؤتمر في تلو المؤتمر جوار المسجد
الأقصى؛ لجمع كلمة الشعوب النصرانية، وتنظيم عمل الدعاة للإجهاز على الدين
الإسلامي، ونشر عبادة المسيح في جزيرة العرب عامةً والحرمين الشريفين خاصةً.
وأما مكافحو الإسلام من المتفرنجين والزنادقة الملحدين، فقد ابتدعوا دعاية
شرًا من دعاية المبشرين، وهي دعوة جمهور الأمة إلى التعطيل والإلحاد، وعلى
ما يترتب عليهما من الزندقة وإباحة الأعراض والأموال، وانتهاك حرمات الفضائل
والآداب، وحل جميع الروابط التي تتكون بها الأمة من مقومات ومشخصات، لا
يراعي في شيء من اقتراف هذه المفاسد والمخازي إلا اتقاء عقاب الحكومة على
مخالفة قوانينها وإنما يراعي هذا من يخاف هذا العقاب لترجيحه اطلاع الحكومة على
جرمه وإثباته عليه وأكثر المجرمين يرجحون إمكان إخفاء جرائمهم أو تعذر إثباتها
في المحاكم - فهم يحاولون هدم الدين الإسلامي من جميع جهاته: الاعتقاد والتشريع
والآداب والفضائل، وكذا هدم سائر مقومات الأمة الإسلامية ولا سيما العربية من:
اللغة والزي؛ حتى لا يكون للأمة شيء من ماضيها تحافظ عليه بل حتى لا تكون
أمة؛ فإن الأمم بماضيها وتاريخها ومقوماتها الصورية والمعنوية بل منهم من يدعوها
جهرًا إلى ترك جنسيتها ووطنيتها والالتحاق بدولة أجنبية قوية كالإنكليز، دع من
يعملون لذلك سرًّا.
وحجتهم على هذا الإفساد كله؛ أن كل ما كانت به الأمة أمة في الماضي، قد
صار قديمًا باليًا ضارًّا، يجب أن يستبدل به غيره من الجديد، يقتبس من النظريات
والآداب والتقاليد والأزياء الأوربية، فهم يدعون إلى كل جديد، وينفرون من كل
قديم. متكلين في رواج دعايتهم على النابتة الجديدة من الشبان والشابات الذين
يتعلقون عادة بكل جديد؛ لطرافته ولذته؛ ولعدم رسوخ عقائدهم وآدابهم واستكمال
عقولهم، ثم على العوام الذين يتلذذون بكسر قيود الصيانة وإباحة الشهوات،
وناهيك بمسلمي بلادنا الذين ليس لهم حكومة تغار على عقائدهم وآدابهم وتربي
أولادهم عليها، وهم على فقدهم للحكومة الإسلامية الموصوفة بما ذكر لا الإسلامية
الرسمية، فاقدون لطبقة أهل الحل والعقد من السروات الذين يحافظون على مقومات
أممهم واستقلالها ورفعة قدرها من جهة، ويقومون لها في كل طور وحال بما
يقتضيه من علم وعمل من جهة أخرى، فأمْر الناس فوضى ليس لديهم قواعد ثابتة
يلوذون بها عند اشتداد عصف هذه الرياح المتناوحة التي تهب عليهم؛ بما ينشر في
الصحف الضارة والمصنفات المفسدة، وقلما توجد في البلاد جريدة أو مجلة تتجنب
ما يضر الجمهور نشره في عقائدهم وآدابهم، وتتحرى ما تعتقد أنه النافع، دع
اختلاف آراء كتّاب هذه الصحف وأفهامهم وشعورهم في الضار والنافع الذي سببه
اختلاف التربية والتعليم والمعاشرة. ولكن يوجد جرائد يومية وأسبوعية ومجلات
تتوخى وتتحرى وتتعمد الدعاية إلى هذا الهدم والتجديد، على تفاوت بينها في
التصريح أو التعريض والتلويح، وأشهرها جريدة السياسة التي يكفلها الحزب الحر
الدستوري؛ المؤلف من أصحاب الدولة والمعالي والسعادة الوزارء والكبراء وكبار
رجال الحكومة.
ومثلها في ذلك بل أشد مجلة الهلال المشاركة لها في أشهر محرريها، التي
تدعي أنها لسان حال الشبان العصريين، ففي كل جزء من أجزائها عدة مقالات
لدعاة تجديد الإلحاد والزندقة والإباحة المطلقة، وقلما تنشر لغيرهم شيئًا يخالفه،
وحسبك أن سلامة أفندي موسى هو الركن الثابت المتين في تحريرها، وهي لا
تكتفي بما تنشر له من المقالات في ذلك، بل تطبع له في كل عام كتاب في تأييد
هذه الدعاية الهادمة للأمة المصرية؛ ولكل أمة شرقية تغتر بفلسفته المادية الإفسادية،
وترسله هدية إلى قرائها ترغيبًا لهم في قراءته. وقد زاد هذا الرجل على إخوانه
بأنه يدعو إلى خلع ثوبي الجنسية والوطنية، والانضمام إلى دولة أجنبية. ثم إنها
تنشر مجلات أسبوعية مصورة، تجرئ قراءها على نبذ كل عفة وصيانة وفضيلة
سمعنا عنها، وقرأنا في الأخبار من تفنيد لها، وإنه ليعز علينا أن يتنكب زميلنا
أميل أفندي زيدان منهج والده الفاضل في مراعاة العقائد والفضائل الدينية وسائر
مقومات الأمة، ولو في مجلة الهلال وحدها، إذا كان يصعب عليه ترك المال
العظيم الذي يجنيه من مجلاته الأخرى التي تزين للناس اتباع أهوائهم وشهواتهم،
وإننا كنا منذ سنتين ننوي بيان هذا بعد مجاهرته به حتى جاء أوانه.
ثم ظهرت منذ سنتين مجلة أخرى أشد جرأة على هدم الدين؛ والجهد بالطعن
فيه بسخافات من النظريات الفلسفية العصرية، وقد سبق لي تقريظ لها قبل غلوها في
المجاهرة، وأشرت إلى ما أنكره عليها، ثم ظهر من غرور صاحبها في دعوى
العلم والفلسفة ومن معرفة الدين أيضًا ما يقضي العاقل منه العجب. وما له بذلك من
علم ولا فلسفة، هي رأي ومذهب له يقدر أن يثبته ويدافع عنه وكذلك أمثاله، وإنما
يترجمون من بعض الكتب والصحف الإفرنجية بعض آراء أهلها ونظرياتهم،
ويأخذونها قضايا مسلمة بغير علم ولا بصيرة، وحسبنا دليلاً على هذا ما يردون
عليه من أمور الدين، ومنها ما هو افتراء يتبرأ منه الدين.
وقد اقتفت أثر هذه الصحف فيما ذكر مجلة حديثة أنشئت في حلب، فأنكر
عليها بعض الناس هنالك ما نشرته من حكاية طعن في الإسلام؛ لأن أكثرهم لا يزال
غافلاً عما تعنيه بالجديد والحديث والاستغناء به عن القديم، وأن المراد ترك الإسلام
من أساسه.
لا نريد في هذا المقال الرد على هؤلاء، وإنما نريد إعلام قراء المنار بحالهم
وبرواج إفسادهم في البلاد؛ بسبب الجهل بحقيقة الدين وعدم التربية عليه، مع عدم
التربية الاجتماعية والسياسية أيضًا، وأن نعلمهم مع هذا بأن بعض قراء المنار
ومحبيه، يقترح عليه أن نزيد فيه بعض الفصول العلمية والأدبية والمباحث الفنية
العصرية؛ لترغيب القراء من كل الطبقات في قراءته.
أعود إلى أول سياق المقال فأقول: إنه لولا جمود مقلدة الفقهاء الذين احتكروا
التعليم الديني في بلاد الإسلام منذ قرون، ولولا بدع أهل الطرق الصوفية
وخرافاتهم؛ وهم الذين كان سلفهم يعنون بالتربية الدينية؛ ليكون الدين وجدانًا عند
صاحبه لا يقبل البحث والجدل، فانقلب بعدهم إلى إفساد لا يقبل الإصلاح بحيلة من
الحيل؛ لولا هؤلاء وأولئك لما كان لهؤلاء المفسدين ولا للمبشرين أدنى تأثير في
إغواء المسلمين.
لئن كانت مقلدة المذاهب المعروفة هي بقية الآخذين بظواهر الإسلام، فما هذا
بمبرئ لهم من تهمة الجناية عليه والتنفير عنه في هذا العصر؛ باحتكارهم لأنفسهم
الحكم في كل شيء باسم الدين، وإيجابهم على الناس اتباعهم فيه، لتعودهم هذه
الرياسة منذ قرون؛ وهي رياسة ما أنزل الله بها من سلطان، وكان ضررها في
الزمن الماضي قليلاً فأصبح عظيمًا؛ إذ كان من أسباب ارتداد من لا يحصى عن
الدين، إلى أن تجرأت حكومة إسلامية عظيمة الشأن والتاريخ على الارتداد عنه،
ومحاولة محو أصوله وفروعه وآدابه، وكل ماله صلة به من أمتها، كما محته من
حكومتها؛ وهي حكومة مصطفى كمال التركية.
العلوم والفنون والصناعات العصرية لا يمكن لحكومة أن تحفظ استقلالها
بدونها، ولا يمكن لأمة أن ترتقي في زراعتها وتجارتها بدونها، ومنها ما هو
قطعي لا يمكن الشك في ثبوته، ولكن هؤلاء الفقهاء الجامدين يتحكمون في الحكم
على من يعتقد هذه القطعيات بالكفر، وهم الذين كانوا يعارضون الدولة العثمانية
وغيرها بالانتفاع بهذه العلوم والفنون؛ بدعواهم أنها معارضة للدين مخالفة للقرآن
حتى إنهم كانوا يحرمون علم الجغرافيا، مع أنه ليس في موضوعه ولا مسائله ما له
علاقة بالمباحث الدينية إلا أن يكون إثبات كروية الأرض ودورانها، وكان فيهم من
يقول: بتحريمه ويعارض الدولة في تعليمه إلى عهد غير بعيد، كما يُعلم مما روي
لنا عن العلامة الشيخ سليم بوحاجب التونسي؛ إذ سأله أحد الوزراء في الآستانة
عن حكمها، فقال: الوجوب، فكبر ذلك على عالم كان عنده وسأله عن الدليل،
فقال: أرأيت إذا كانت الدولة في حرب مع العدو، وأمر الخليفة وزيرَ الحربية أن
يضع بعض الضباط رسمًا لمواقع هذه الحرب وطرق الجيوش فيها، مما يتوقف
عليه درء خطر العدو ويرجى سبقه إلى المواضع الحصينة، (مثلاً) ، فهل تجب
طاعته في ذلك أم لا؟ قال: تجب، قال وهل يكن هذا لمن لا يعرف علم الجغرافيا؟
اهـ، بالمعنى، ويراجع نصه في ترجمته رحمه الله من المنار.
إن أمثال هؤلاء المتفقهة المحتكرين لعلم الدين والمنتصبين للدفاع عنه بغير
علم، يزيدون فيها ما ليس منه تقليدًا لبعض المؤلفين الميتين الذين درسوا في كتب
التفسير والحديث، وشر زياداتهم خرافات زنادقة اليهود والفرس في الخلق
والتكوين وصفة السموات والأرض والكواكب والرعد والبرق وجبل قاف وقرن
الثور والحوت وما أشبه ذلك، ثم قاموا يكفرون من يخالفهم في ذلك، فجعلوا هذه
الخرافات الإسرائيلية من أركان الإيمان الذي يخرج منكره من الملة، على أن الذين
ابتلوا بذكرها في كتبهم من المتقدمين؛ لغرامهم بكل ما روي لم يرفعوها إلى هذا
الأفق من أصول الدين ولا من فروعه، فكيف يقل إسلام هؤلاء من أعطاهم الله
تعالى علمًا يقينيًا بأن تلك خرافات باطلة؟
إن الأرض صارت معروفة للناس طولاً وعرضًا، مشاهدة بالعينين من أولها
إلى آخرها، وقد طاف حولها كثير من الناس مرارًا، يخرج أحدهم من مكانه
متوجهًا إلى الشرق مثلاً، فلا يزال يستقبل شرقًا ويستدبر غربًا حتى يعود إلى
مكانه من الجانب الآخر، ثم إن مراكز المخاطبات التلغرافية عمت شرقها وغربها
فكل قطر يعلم ما يتجدد من الأحداث المهمة من غيره كل يوم. أفبعد هذا يقول لهم
هؤلاء الجهال: يجب أن تدينوا الله بأن الأرض سطح مبسوط غير كروي ثابت
على رأس ثور.. إلخ.
إن مسألة شكل الأرض ليست من عقائد الدين ولا من أحكامه ولا من آدابه،
ولم يوجب الله تعالى على عباده أن يعتقدوا أنها كالرغيف أو لوح الخشب ولا أنها
كرة، ولا يسأل أحد يوم القيامة عن إيمانه بشكل الأرض، فإذًا لا يضره في دينه
أن يجهل شكلها، ولا يضره أن يعرفه بطريق من طرق المعرفة ولكن ينفع في
الدنيا، وإنما يزعم هؤلاء الجاهلون المفتاتون على الناس في دينهم؛ الملحقون به
ما ليس منه أن قوله تعالى: {وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} (الغاشية: 20)
ظاهر في أنها سطح لا كرة. قال الجلال في الأول وعليه علماء الشرع، وفي
الثاني أن عليه علماء الهيئة (لكنه قال) : وإن لم ينقض ركنًا من أركان الشرع.
والصواب أن كثيرًا من كبار علماء الشرع قالوا: إنها كرة، وأن قوله:(سطحت)
لا ينافي كرويتها؛ لأن للكرة سطحًا كغيرها من الأجسام، وأنه يوجد في القرآن
ما هو أظهر في الدلالة على الكروية منه على غيرها؛ كقوله تعالى: {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ
عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ} (الزمر: 5) ، وإنما التكوير في اللغة اللف
على الجسم المستدير كما بسطناه في مواضع أخرى. ومع هذا كله يوجد من هؤلاء
المفتاتين ومن مقلدتهم من يعدون الاعتقاد بكروية الأرض كفرًا بالله ومروقًا من دينه،
وهم يجهلون أن هذا المسألة أصبحت في هذا العصر من المسائل القطعية، فإن
الأدلة على كرويتها لا يمكن نقضها ألبتة، فإنكاره باسم الدين جناية على الدين.
نعم.. إنه يوجد كثير من أدعياء العلم الديني من يفتنون العوام بتكفير القائلين
بكروية الأرض، سواء كانوا من الفئة التي أوشكت أن تبيد من الأزهريين أو من
أمثالهم من مقذوفات سائر المدارس الدينية في الشرق والغرب، بل منهم من لا
يزال يقول: إن الأرض قائمة على قرن ثور، وإن الزلازل تحدث بهز رأس الثور
أو نقله إياها من قرن إلى قرن، ولكن أكثر المتعلمين في الأزهر على الطريقة
النظامية، صاروا يعرفون الحقيقة في ذلك.
وقد بلغني أن عالمًا من أجلّ علماء نجد وأوسعهم اطلاعًا على الكتب المختلفة،
قال بتكفير من يقول بكروية الأرض. وقد راعني هذا؛ لأن الذي نص عليه
الشيخ محمد عبد الوهاب إمام النهضة النجدية وغيره من علمائهم؛ أنهم لا يكفرون
أحدًا إلا بمخالفة الإجماع في المسائل الدينية القطعية، وهذه ليست مسألة دينية ولا
إجماع عليها. ولأن أكبر أئمة الحنابلة التي استمد الشيخ وخلفاؤه من كتبهم تجديده
للدين في نجد شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وقد ذكر الثاني في بعض كتبه أن
الأرض كروية، فهل يكفره هذا العالم إن صح الخبر عنه؟
هذه مسالة جناية المقلدين الجامدين على الدين، قد فتحنا بابها وتغلغلنا في
زوايا بيوتها منذ السنة الأولى للمنار سنة 1315، وإنما ذكرناه هنا لإثبات اشتراك
هؤلاء مع الملاحدة في هدم الإسلام من حيث لا يشعرون كما تقدم في صدر المقال
فهم يفتنون جميع المتعلمين على الطريقة العصرية الاستقلالية عن الإسلام من
جانب، ويقطعون الطريق على حكماء الدين الراسخين؛ أن ينشروا حقيقته التي لا
يمكن المراء فيها من جانب ثان، وأن يدحضوا شبهات الماديين والمبشرين عليه
من الطريق العلمية التي لا يمكن إقناعهم أو إلزامهم الحجة بدونها من جانب ثالث،
فماذا يفعل المنار ومن على منهج المنار، في مكافحة أولئك الكفار الفجار، والحال
ما ذكرنا؟
إنني أرى كثيرًا من أفضل رجالنا علمًا ودينًا وعقلاً يائسين من الإصلاح هنا
ولست موافقًا لهم على اليأس التام، وإذا كان هذا رأيي في أعضل أدواء مفاسد هذه
الأمة، فما دونه من مفاسد المبشرين عندي أهون، إنني أقول بإمكان تلافي الشر
إذا نهض القادرون عليه نهضة سريعة بنظام محكم، وذلك أن القوة التي تغلب كل
قوة في هذا العصر هي قوة الرأي العام للأمة، والرأي العام في مصر لا يزال
متدينًا، سواء في ذلك مسلموه وقبطه وغيرهم من النصارى واليهود ، والنصارى
منهم من جميع الفرق أشد اعتصامًا برابطتهم الدينية الاجتماعية من المسلمين؛ كما
بيناه من قبل في مقالاتنا (المسلمون والقبط) ، وقد طال هذا المقال فزاد على ما
قدرت له؛ لذلك أرجئ بيان ما ذكرت من الرجاء في انتصار التدين على الإلحاد،
والإصلاح على الإفساد، في مقال أفرده له في جزآت فقد آن لنا التصريح وعدم
تهيب سفهاء الكتاب المضلين، والوزراء والرؤساء المفسدين والله ولي المتقين.
_________
الكاتب: الزنكلوني
كلمة الأستاذ الزنكلوني
في تفسير القرآن الحكيم ومجلة المنار
حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ العظيم السيد محمد رشيد رضا صاحب مجلة
المنار الإسلامية حفظه الله، وأدام النفع به آمين.
السلام على سيدي الصديق ورحمة الله، أما بعد: فقد طلع على العالم
الإسلامي في هذا الأيام الجزء الأول من تفسير القرآن الحكيم، الذي دبجه يراعك،
وأحكمه تفكيرك ورسوخك في علوم الدين، فقد أودعت فيه من آيات العلم والحكمة
ما يشهد لك بالنبوغ والتفوق على رغم من حسادك، ولقد كان من دلائل نصر الله
لك على الدوام أن تزداد ثقة الناس بك واقتناعهم بعظيم فضلك، كما برز لك أثر
جليل - وآثارك الجليلة لا تنقطع - وأن تشتد حاجتهم إليك وإلى قولك الفصل كلما
ظهرت فتنة عمياء، تكاد لشدتها تقضي على الكثير من الحق، وتنتقص من أطراف
النور الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وسار عليه الراشدون من أصحابه
رضوان الله عليهم أجمعين؛ لأنك من وقت إلى آخر تطلع على الناس في منارك بما
يزيل الجهل ويمحو آثار الظلمة، ولقد عرفك الناس من عهد بعيد، وعرفك المنصفون
منذ بدء حياتك العلمية على خير ما يعرف العلماء الأفذاذ. ولقد كان إعجاب رجال
العلم الديني بك شديدًا في جميع بلاد الإسلام؛ منذ ظهرت مجلة المنار الإسلامية التي
أنشأتها من ثلاثين عامًا، ولا تزال تنشئها بفضل الله إلى اليوم حافلة بالأبحاث العلمية
القيمة التي لا توجد في أمهات الكتب، ولا يخلو عدد من أعدادها من مشكلة دينة
يكشفها منارك، وقد خفي أمرها وتعذر حلها على كثير من الرجال المبرزين.
أما المتقدمون فعذرهم أن أحداث الناس الاجتماعية التي لها صلة بالدين، لم
يكن قد اتسع نطاقها، ولم تصل في كثرة وجوهها المختلفة إلى ما وصلت إليه اليوم
وقد كانت أمارات الحوادث الدقيقة التي يحملها كتاب الوجود العام غير واضحة
للعقول، وليس في إمكان العقل مهما قوي أن يقضي قضاءه الصحيح في حادثة لم
يكشف لها الوجود وجه الدليل، والعقل الإنساني في فطرته السليمة اليوم أقوى منه
بالأمس؛ لأن مواد التغذية العقلية الآن بين يديه أدسم وأوفر، وليس التفاضل بين
المتقدم من القرون والمتأخر منها راجعًا إلى جوهر العقول، واستكمال عناصرها
الذاتية، فالعقل هو العقل، والقرآن هو القرآن، وشواهد هذا العصر أتم منها في
كل عصر سابق، وإنما مرجع التفاضل؛ ضعف الإرادة وتأثرها بالأوساط السيئة
التي لم تكن لها قوة في عصر النبوة ولا في القرون التي تليها. أما العقل من حيث
ذاته وجوهره فلا دخل له في هذا التفاضل، فالمسألة هنا وهناك مسألة هداية
وتوفيق.
وأما المتأخرون، فعذرهم إن صح أن يكون ذلك عذرًا أنهم أضاعوا كل شيء
وباعدوا بينهم وبين منهل التشريع الإلهي، وما مثلهم في حياتهم العلمية الدينية إلا
كمثل من استعمل الماء الآسن في حياته للشرب، ينحدر من مستنقع إلى مستنقع،
وقد انقطع تمام الانقطاع عن مهبط السيل ومجاري الأنهار، لا يحمل غير جراثيم
الضعف وعوامل الفناء - كذلك رجال الدين في عصورهم المتأخرة، قد انقطعوا
عن الكتاب والسنة وعن فهمهما على الوجه الصحيح، وهما بلا شك مصدر الحياة
والقوة، عليهما مدار السعادة التامة - لهذا لا بدع إذا وهبك الله من الذكاء والفهم في
الدين ما لا عهد للناس به، ومكنك من استعراض الحوادث والحكم عليها بما لاح
لك من الأمارات والدلائل، وليس ذلك بدعًا في دين الله ولا من الدعاوى العريضة
كما يظن الجاهلون؛ لأن الإنسانية الكاملة التي لا تسابق ولا تجارى هي إنسانية
الأنبياء وحدهم لا يشاركهم فيها مشارك؛ لأنها موهبة من الله تعالى خاصة بهم لا
دخل للكسب فيها و {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} (الأنعام: 124) .
أما من عداهم من الورثة فلكل نصيبه بقدر اجتهاده، فكتاب الله الذي خاطب
به العالم على السواء، لم يتغير ولم يتبدل وكذلك سنة رسوله، وفضل اليوم على
الأمس ما دام الإنسان مرموقًا بالهداية والتوفيق، إن العقل أقوى والدلائل أوضح،
وإن كان الفضل دائما للمتقدم.
وليست المسألة أكثر من متشابهات في الدين، يجليها الله على يد من يمنحهم
فضله، ولا تقوم الساعة إلا والحلال كله بيِّن والحرام كله بيِّن، حيث يرد العقل
بالدليل كل مشتبه في الماضي إلى فصيلته الحقيقية. وإذا لم يحقق الله بك وبأمثالك
هذه السنة فيمن يحققها؟ {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ} (الحديد: 21) .
وقد كان من مزيد توفيق الله لك؛ أن خصصت جزءًا عظيمًا من منارك لتفسير
كتاب الله تعالى على طريقة لم تسبق إليها من كبار رجال التاريخ [1] في عصور
الإسلام، فقد وجهت كل عنايتك إلى بيان أغراض الكتاب والكشف عن مراميه،
وأجهدت نفسك في لفت العقل إلى روح التشريع الإلهي وإظهار سره في الوجود،
ولم يفتك المهم من الأبحاث الإصلاحية التي ألهت جمهور المفسرين عن غرض
الكتاب الأسمى، وصرفتهم عن الغاية التي من أجلها نزل الكتاب الكريم؛ وهي
الهداية والسعادة.
نعم.. لا ننكر نحن ولا أنت أن واضع طريقتك ومحكم أساسها هو أستاذنا
الإمام؛ الذي جدد الله به عهد الإسلام على رأس القرن الرابع عشر الهجري
(الشيخ محمد عبده) رحمه الله ورضي عنه. ولكن إحكام البناء إلى التمام على
الوجه الذي وضع عليه هذا الأساس المتين لشاهد صدق على النبوغ والتفوق. ومن
الإنصاف أن نجاهر بأن الروح التي جارت في عملها التكميلي روح ذلك المؤسس
الحكيم؛ لهي الروح الكبيرة التي تستحق مزيد الإكبار والإجلال، والتي لها مع
استعدادها الفطري القوي بالمؤسس العظيم مزيد صلة وارتباط؛ لأنك في أبحاثك
القيمة تأتي كل يوم بالجديد المثمر، ولا زلت ترقب عن كثب في تفسيرك وأبحاثك
الدينية آثار سنن الله في الوجود، وهي نعمة كبرى لن تستطيع شكرها مهما حاولته،
وسر هذه النعمة فيما أعتقد أنك آمنت، كما آمن الموفقون من قبلك بأن خير ما
يفسر به كتاب الله فعل الله وسننه في عالم الشهادة، وكثيرًا ما أسمع من أهل العلم
وعنهم أن سبب انحطاط المسلمين؛ هو عدم العمل بالدين، وهو كلام حق في ذاته
إن لم يريدوا الدين بحسب تقدير عقولهم. إلا أن وراء هذا القول حلقة مفقودة يجب
إظهارها للعالم والتصريح بها على الدوام، حيث السعادة موقوفة عليها في نظر
العقل والدين معًا: هي أن سبب التأخر الحقيقي عدم فهم الكتاب والسنة على الوجه
الصحيح؛ لأن فهمهما كذلك يولد الإيمان بهما إيمانًا قويًا، والإيمان بهما كذلك لا
محالة يولد السعادة والقوة والعمل الصالح، رغم الصوارف التي ازدحم بها الوجود،
فالوجود ملوث بمثل هذه الصوارف منذ بدء الخلقة، والصراع قديم بين الخير
والشر وبين النور والظلمة.
ولقد أخذتني الدهشة يا صديقي حينما اطلعت على الجزء الأول من التفسير
الذي أخرجته في هذه الأيام مستقلاًّ عن مجلة المنار، لأنا كلما تصفحنا منارك وراجعنا
ما ظهر من التفسير، نظن أن ليس في الإمكان أبدع مما كان، وإذا بالجزء الأول
يطالعنا بخير ما أخرج للناس في هذا الباب.
وفي الحق أن هذا السفر آية الآيات ومعجزة المعجزات في التفسير إلى اليوم
وليس من المبالغة في القول أن أصارحك بأن هذا السفر الجليل منحة إلهية كبرى،
قدر الله بها أن يكمل فضلك، ويعظم أمرك، وما يدرينا ما يجود به الغيب عليك في
المستقبل القريب والبعيد.
لهذا أحمد الله لك، وأرجو أن يديمك سعيدًا آمنًا في سربك، صحيحًا في بدنك؛
لتكمل التفسير على النحو الذي سرت عليه إلى اليوم، كما أرجو أن يوفقك الله
قريبًا لإنجاز تفسير متوسط ينتفع به العامة والخاصة، فالخير كل الخير في هدي
الكتاب.
ولقد حقق الله لي يا صديقي ما كنت أرجوه من قبل، فقد تمنيت من عهد بعيد
أن أكتب عنك كلمة الحق التي امتلأت بها نفسي؛ ليسجلها التاريخ لي ولك فيما
يسجل، وأنا أحوج إليها منك؛ فلك من الآثار الخالدة في خدمة العلم والدين ما لا
سبيل إلى إنكاره. أما أنا فأقل ما أنتفع به من وراء هذه الكلمة الصادقة أن يقول
المنصفون: إنها كلمة حق بريئة من الحقد والحسد، فرحم الله قائلها.
وقد كانت هذه الأمنية اللذيذة تتردد وتقوى في نفسي كلما انتشر فضلك،
وازدادت عناية الله بك، إلا أن الحياء الشديد قد حال دوني ودون أمنيتي، فقد خشيت
أن تقصر العبارة عن آداء ما تحمله نفسي لك من الإكبار، فيمقتني منصفوك وعارفو
فضلك، أو يقول حسادك وهم كثيرون: إن الأمر لا يعدو مدح صديق لصديق؛ أما
وقد ظهر الجزء الأول من تفسيرك وفيه من الإبداع ما لا عهد لنا به، ومن الزيادات
ما لم يشافهنا به الأستاذ الإمام في درسه، فها أناذا أتقدم إليك بكلمتي هذه شاكرًا داعيًا
لأبلغ النفس أمنيتها غير مبال بالتقصير، ولا بما يتحدث به الجاهلون والحاسدون،
وتفضل يا صديقي بقبول خالص تحياتي والسلام.
…
...
…
...
…
...
…
علي سرور الزنكلوني
…
...
…
... مدرس التفسير والحديث بالقسم العالي للأزهر
(المنار)
الأستاذ الشيخ على سرور الزنكلوني من أشهر علماء الأزهر المستقلي الفكر
العارفين بحال العصر، وحاجة المسلمين إلى الإصلاح الديني والمدني، وإخوانه
المشاركون له في هذه المزية قليلون، ولو كانوا كثيرين لما كان الأزهر محتاجًا إلى
الإصلاح، وحاجته إلى الإصلاح صارت مسألة اجتماعية بين جمهور أهله حتى
الجامدين منهم وبين سائر طبقات الناس، لا خفية كما كانت في أول عهد الأستاذ
الإمام ، وقد كان الجامدون يضطهدون هؤلاء العلماء المستقلين ولا سيما دعاة
الاعتصام بالكتاب والسنة. ولكن الزمان يظهر فضلهم وشدة حاجة الأزهر إليهم
وسيكونون هم المحبين للعلم فيه إذا أذن الله أن يعود إليه مجده كما يحب كل مسلم
ثم إن الأستاذ الزنكلوني ممتاز فيهم بالصراحة والفصاحة قولاً وكتابة وخطابة
ومناظرة، يمده في ذلك ما أوتي من عزة النفس والشجاعة الأدبية، فهو يقول ما
يعتقد ولا يبالي بمخالفه فيه مهما تكن منزلته، ومهما يكن سبب خلافه له، وهذا ما
أشار إليه بقوله في آخر كلمته: إنه لا يبالي بما يتحدث به الجاهلون والحاسدون.
لست أقول هذا لأثيبه حمدًا بحمد، وأقارضه ثناء بثناء، فكل منا بعيد الطبع
والخلق عن هذه التجارة أو المداينة، وإنما قلته لأبين لبعض قراء المنار في
الأقطار النائية الذين لا يعرفون من مزايا الرجل ما تعرفه مصر، ومن لا يحصى من
زائريها في هذا العصر، أن قيمة كلمته عندي ليست في إطرائي الذي لا أستحقه بل
في صدورها عن عقيدة وإخلاص، مع تواضع حمله على الاعتذار، فقد أرسل إليَّ
معها رقعة قال فيها: (هذه كلمتي أبعث بها إليك؛ عنوان فرح وشكر لله على ظهور
الجزء الأول من التفسير، أكتبها وأنا متحقق بأنها غير وافيه بالغرض. ولكن شفيعها
إخلاص صاحبها) فهو كأفراد أجواد العرب الذين كان أحدهم يبذل النوال العظيم
وربما كان كل ما في يده؛ ثم يعتذر مع هذا لمن يبذله له.
ما هذه أول منة لصديقي التليد الشيخ علي سرورعلى المنار، بل كان في أيام
المجاورة يدعو إلى المنار في أيام مسامحات الأزهر، ويطوف على البلاد في
مديرية الشرقية وغيرها فيحصل قيمة الاشتراك من المشتركين، ثم يوصلها إلينا
ولا يأخذ على ذلك عمولة ولا جزاءً - وكان هذا قبل شروعه في حضور دروس
الاستاذ الإمام - فهو عملٌ دعته إليه فطرته الزكية وميله العقلي إلى الإصلاح، فالله
تعالى يشكر له ذلك ويثيبه عليه والله شاكر عليم.
_________
(1)
المنار: المراد برجال التاريخ من دونت تراجمهم في كتبه العامة أو الخاصة ببعض دون بعض؛ ككتب الجرح والتعديل وكتب الطبقات.
الكاتب: محمد رشيد رضا
الوقف وأصح ما ورد فيه وأشهر أحكامه [*]
روى الجماعة - أحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة من حديث
عبد الله بن عمر: أن عمر أصاب أرضًا من أرض خيبر، فقال يا رسول الله:
أصبت أرضًا بخيبر، لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟ فقال
صلى الله عليه وسلم: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها) فتصدق بها عمر
على أن لا تباع ولا توهب ولا تورث، ولفظ الشيخين أنه لا يباع أصلها - زاد
مسلم ولا يبتاع - ولا يورث ولا يوهب: في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي
سبيل الله وابن السبيل والضيف؛ لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف
أو يطعم صديقًا غير متمول، وفي لفظ غير متأثل مالاً، وفي بعض روايات
الصحيح أن تلك الأرض يقال لها ثمغ وأنها نخل.
وذكر الحافظ في الفتح الروايات في وصية عمر، أن تكون بنته حفصة أم
المؤمنين هي التي تتولى أمر هذا الوقف بعده، ثم يكون بعدها إلى الأكابر من آل
عمر، وذكر من رواية عمر بن أبي شبة أنه اطلع على نسخة صدقة عمر قال:
أخذتها من كتابه الذي كان عند آل عمر فنسختها حرفًا حرفًا؛ هذا ما كتب عبد الله
عمر أمير المؤمين في ثمغ؛ أنه إلى حفصة ما عاشت تنفق ثمره حيث أراها الله،
فإن توفيت فإلى ذوي الرأي من أهلها.
(قال الحافظ) : فذكر الشرط كله نحو الذي نقده في الحديث المرفوع، ثم
قال: والمائة وسق الذي أطعمني النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنها مع ثمغ على
سننه الذي أمرت به، وإن شاء والي ثمغ أن يشتري من ثمره رقيقًا يعملون فيه فعل،
وكتب معيقيب وشهد عبد الله بن الأرقم.
(وكذا أخرج أبو داود في روايته نحو هذا، وذكرا جميعًا كتابًا آخر نحو هذا
الكتاب وفيه من الزيادة: وصرمة بن الأكوع والعبد الذي فيه صدقة كذلك. وهذا
يقتضي أن عمر إنما كتب كتاب وقفه في خلافته؛ لأن معيقيبًا كان كاتبه في زمن
خلافته، وقد وصفه فيه بأنه أمير المؤمنين فيحتمل أن يكون وقفه في زمن النبي
صلى الله عليه وسلم باللفظ، وتولى هو النظر عليه إلى أن حضرته الوصية فكتب
حينئذ الكتاب. ويحتمل أن يكون أخر وقفيته، ولم يقع منه قبل ذلك إلا استشارته
في كيفيته، وقد روى الطحاوي وابن عبد البر من طريق مالك عن ابن شهاب قال:
قال عمر: لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله صلى الله عليه وسلم لرددتها.
فهذا يشرع بالاحتمال الثاني، وأنه لم تجز الوقف إلا عند وصيته، واستدل الطحاوي
بقول عمر هذا لأبي حنيفة وزفر في أن إيقاف الأرض لا يمنع من الرجوع فيها،
وأن الذي منع من الرجوع؛ كونه ذكره للنبي صلى الله عليه وسلم فكره أن يفارقه
على أمر ثم يخالفه إلى غيره. ولا حجة فيما ذكره من وجهين:
(أحدهما) أنه منقطع؛ لأن ابن شهاب لم يدرك عمر.
(ثانيهما) أنه يحتمل ما قدمته، ويحتمل أن يكون عمر كان يرى صحة
الوقف ولزومه، إلا إن شرط الواقف الرجوع فله أن يرجع. وقد روى الطحاوي
عن علي مثل ذلك، فلا حجة فيه لمن قال: بأن الوقف غير لازم مع إمكان هذا
الاحتمال، وإن ثبت هذا الاحتمال كان حجة لمن قال بصحة تعليق الوقف وهوعند
المالكية، وبه قال ابن سريج وقال: تعود منافعه بعد المدة المعينة إليه ثم إلى ورثته
فلو كان التعليق مآلاً صح اتفاقًا، كما لو قال: وقفته على زيد سنة ثم على الفقراء.
(قال الحافظ) : وحديث عمر هذا أصل في مشروعية الوقف: قال أحمد:
حدثنا حماد - هو ابن خالد - حدثنا عبد الله هو العمري - عن نافع عن ابن عمر
قال: أول صدقة - أي موقوفة - كانت في الإسلام صدقة عمر، وروى عمر بن
شبة عن عمرو بن سعد بن معاذ قال: سألنا عن أول حبس في الإسلام، فقال
المهاجرون: صدقة عمر، وقال الأنصار: صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وفي إسناده الواقدي [1] وفي مغازي الواقدي أن أول صدقة موقوفة كانت في الإسلام
أراضي مخيريق - بالمعجمة مصغر - التي أوصى بها إلى النبي صلى الله عليه
وسلم فوقفها النبي صلى الله عليه وسلم، قال الترمذي: لا نعلم بين الصحابة
المتقدمين من أهل العلم خلافًا في جواز وقف الأرضين. وجاء عن شريح أنه أنكر
الحبس ومنهم من تأوله، وقال أبو حنيفة: لا يلزم، وخالفه جميع أصحابه إلا زفر
ابن الهذيل، فحكى الطحاوي عن عيسى بن أبان قال: كان أبو يوسف يجيز بيع
الوقف، فبلغه حديث عمر هذا فقال: من سمع هذا من ابن عون؟ فحدثه به ابن
عُلية فقال: هذا لا يسع أحدًا خلافه، ولو بلغ أبا حنيفة لقال به، فرجع عن بيع
الوقف حتى صار كأنه لا خلاف فيه بين أحد. ا. هـ، ومع حكاية الطحاوي هذا
فقد انتصر كعادته، فقال قوله في قصة عمر حبس الأصل وسبل الثمرة لا يستلزم
التأبيد، بل يحتمل أن يكون أراد مدة اختياره لذلك، ولا يخفى ضعف هذا التأويل
ولا يفهم من قوله وقفت وحبست إلا التأبيد، حتى يصرح بالشرط عند من ذهب إليه
وكأنه لم يقف على الرواية التي فيها حبيس ما دامت السموات والأرض.
(قال القرطبي: رد الوقف مخالف للإجماع فلا يلتفت إليه، وأحسن ما
يعتذر به عمن رده ما قال أبو يوسف؛ فإنه أعلم بأبي حنيفة من غيرهم وأشار
الشافعي: إلى أن الوقف من خصائص أهل الإسلام؛ أي وقف الأراضي والعقار،
قال: ولا نعرف أن ذلك وقع في الجاهلية، وحقيقة الوقف شرعًا ورود صيغة
تقطع تصرف الواقف في رقبة الموقوف الذي يدوم الانتفاع به، وتثبت صرف
منفعته في جهة خير.
وفي حديث الباب من الفوائد؛ جواز ذكر الولد أباه باسمه المجرد من غير
كنية ولا لقب، وفيه جواز إسناد الوصية والنظر على الوقف للمرأة، وتقديمها على
من هو من أقرانها من الرجال. وفيه إسناد النظر إلى من لم يسم إذا وصف بصفة
معينة تميزه، وأن الواقف يلي النظر على وقفه إذا لم يسنده لغيره، قال الشافعي:
لم يزل العدد الكثير من الصحابة فمن بعدهم يلون أوقافهم، نقل ذلك الألوف عن
الألوف لا يختلفون فيه، وفيه استشارة أهل العلم والدين والفضل في طرق الخير،
سواء كانت دينية أو دنيوية، وأن المشير يشير بأحسن ما يظهر له في جميع
الأمور، وفيه فضيلة ظاهرة لعمر لرغبته في امتثال قوله تعالى: {لَن تَنَالُوا البِرَّ
حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} (آل عمران: 92) ، وفيه فضل الصدقة الجارية،
وصحة شروط الواقف واتباعه فيها [2] وأنه لا يشترط تعيين المصرف لفظًا، وفيه
أن الوقف لا يكون إلا فيما له أصل يدوم الانتفاع به، فلا يصح وقف ما لا يدوم
الانتفاع به كالطعام.
(وفيه أنه لا يكفي في الوقف لفظ الصدقة؛ سواء قال تصدقت بكذا أو جعلته
صدقة حتى لا يضيف إليها شيئًا آخر؛ لتردد الصدقة بين أن تكون تمليك الرقبة أو
وقف المنفعة، فإذا أضاف إليهما ما يميز أحد المحتملين صح بخلاف ما لو قال:
وقفت أو حبست، فإنه صريح في ذلك على الراجح، وقيل الصريح الوقف خاصة
وفيه نظر؛ لثبوت التحبيس في قصة عمر هذه، نعم.. لو قال: تصدقت بكذا على
كذا، وذكر جهة عامة صح. وتمسك من أجاز الاكتفاء بقوله: تصدقت بكذا بما
وقع في حديث الباب من قوله، فتصدق بها عمر ولا حجة في ذلك لما قدمته من أنه
أضاف إليها لا تباع ولا توهب، ويحتمل أيضًا أن يكون قوله فتصدق بها عمر؛
راجعًا إلى الثمرة على حذف مضاف أي فتصدق بثمرتها، فليس فيه متعلق لمن
أثبت الوقف بلفظ الصدقة مجردًا، وبهذا الاحتمال الثاني جزم القرطبي. وفيه
جواز الوقف على الأغنياء؛ لأن ذوي القربى والضيف لم يقيد بالحاجة وهو الأصح
عند الشافعية.
وفيه أن للواقف أن يشترط لنفسه جزءًا من ريع الموقوف؛ لأن عمر
شرط لمن ولي وقفه أن يأكل منه بالمعروف، ولم يستثن إن كان هو الناظر أو
غيره، فدل على صحة الشرط، وإذا جاز في المبهم الذي تعينه العادة كان فيما
يعينه هو أجوز، ويستنبط منه صحة الوقف على النفس، وهو قول ابن أبي ليلى
وأبي يوسف وأحمد في الأرجح عنه، وقال به من المالكية ابن شعبان وجمهورهم
على المنع إلا إذا استثنى لنفسه شيئًا يسيرًا بحيث لا يتهم أنه قصد حرمان ورثته،
ومن الشافعية ابن سريج وطائفة وصنف فيه محمد بن عبد الله الأنصاري شيخ
البخاري جزءًا ضخمًا، واستدل له بقصة عمر هذه وبقصة راكب البدنة [3] بحديث
أنس في أنه صلى الله عليه وسلم أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها، ووجه
الاستدلال به أنه أخرجها عن ملكه بالعتق، وردها إليه بالشرط، وسيأتي البحث
فيه في النكاح، وبقصة عثمان الآتية بعد أبواب. واحتج المانعون بقوله في حديث
الباب: (سبل الثمرة) وتسبيل تملكيها للغير، والإنسان لا يتمكن من تمليك نفسه
لنفسه، وتُعُقِّبَ بأن امتناع ذلك غير مستحيل، ومنعه تمليكه لنفسه إنما هو لعدم
الفائدة، والفائدة في الوقف حاصلة؛ لأن استحقاقه إياه ملكًا غير استحقاقه إياه وقفًا؛
ولا سيما إذا ذكر له مالاً آخر، فإنه حكم آخر يستفاد من ذلك الوقف، واحتجوا
أيضًا بأن الذي يدل عليه حديث الباب أن عمر اشترط لناظر وقفه أن يأكل منه
بقدر عمالته؛ ولذلك منعه أن يتخذ لنفسه منه مالاً، فلو كان يؤخذ منه صحة الوقف
على النفس لم يمنعه من الاتخاذ، وكأنه اشترط لنفسه أمرًا لو سكت عنه لكان
يستحقه لقيامه. وهذا على أرجح قولي العلماء: إن الواقف إذا لم يشترط للناظر
قدر عمله جاز له أن يأخذ بقدر عمله ، ولو اشترط الواقف لنفسه النظر
اشترط أجره، ففي صحة هذا الشرط عند الشافعية خلاف؛ كالهاشمي إذا
عمل في الزكاة، هل يأخذ سهم العاملين؟ والراجح الجواز ويؤيده حديث عثمان
الآتي بعد.
واستدل به على جواز الوقف على الوارث في مرض الموت، فإن زاد
عن الثلث رد، وإن خرج منه لزمه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ لأن عمر
جعل النظر بعده لحفصة وهي ممن يرثه، وجعل لمن ولي وقفه أن يأكل منه،
وتُعُقِّبَ بأن وقف عمر صدر منه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، والذي
أوصى به إنما هو شرط النظر.
واستدل به على أن الواقف إذا شرط للناظر شيئًا أخذه، وإن لم يشترط له
لم يجز إلا إن دخل في صفة أهل الوقف؛ كالفقراء والمساكين، فإن كان على
معينين ورضوا بذلك جاز.
واستدل به على أن تعليق الوقف لا يصح؛ لأن قوله: حبس الأصل
يناقض تأقيته، وعن مالك وابن سريج يصح، واستدل بقوله لا تباع على أن
الوقف لا يناقل به [4] وعن أبي يوسف: إن شرط الواقف أنه إذا تعطلت منافعه بيع
وصرف ثمنه في غيره، ويوقف فيما سمي في الأول، وكذا إن شرط البيع إذا رأى
الحظ في نقله إلى موضع آخر، واستدل به على وقف المشاع؛ لأن المائة سهم
التي كانت لعمر بخيبر لم تكن منقسمة. وفيه أنه لا سراية في الأرض الموقوفة
بخلاف العتق، ولم ينقل أن الوقف سرى من حصة عمر إلى غيرها من باقي
الأرض، وحكى بعض المتأخرين عن بعض الشافعية أنه حكم فيه بالسراية وهو
شاذ منكر، واستدل به على أن خيبر فتحت عنوة، وسيأتي البحث فيه في كتاب
المغازي إن شاء الله تعالى اهـ، كلام الحافظ وفي بعض كلامه بحث.
وروى أحمد والشيخان وغيرهم من حديث أنس واللفظ للبخاري قال: لما
نزلت {لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} (آل عمران: 92) ، جاء أبو
طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، يقول الله تعالى:
{لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} (آل عمران: 92) وإن أحب أموالي
بيرحاء؛ قال: وكانت حديقة كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدخلها،
ويستظل فيها ويشرب من مائها، فهي إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم،
أرجو بره وذخره، فضعها أي رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله: (بخ
يا أبا طلحة، ذلك مال رابح، قبلناه منك ورددناه عليك، فاجعله في الأقربين)
فتصدق به أبو طلحة على ذوي رحمه، قال: وكان منهم أُبي وحسان. قال:
وباع حسان حصته من معاوية. فقيل له تبيع صدقة أبي طلحة، فقال: لا أبيع
صاعًا من تمر بصاع من دراهم؟ قال: وكانت تلك الحديقة في موضع قصر بني
جديلة الذي بناه معاوية اهـ.
قال الحافظ في الفتح عند قوله: وباع حسان حصته.. إلخ: هذا يدل على أن
أبا طلحة ملكهم الحديقة المذكورة، ولم يقفها عليهم؛ إذ لو وقفها لما ساغ لحسان أن
يبيعها، فيعكر على من استدل بشيء من قصة أبي طلحة في مسائل الوقف إلا فيما لا
تخالف فيه الصدقة الوقف ويحتمل أن يقال شرط أبو طلحة عليهم؛ لما وقفها عليهم أن
من احتاج إلى بيع حصته منهم جاز له بيعها، وقد قال بجواز هذا الشرط بعض
العلماء كعلي وغيره والله أعلم اهـ.
وليعلم أن حسان بن ثابت وأبي بن كعب لم يكونا من ورثة أبي طلحة، بل
كان حسان يجتمع معه في الأب الثالث وأبي يجتمع معه في الأب السادس؛ كما
بينه البخاري نفسه في سياق نسبه في أول (باب إذا وقف أو أصى لأقاربه ومن
الأقارب) وذكر الحافظ في شرح هذه الترجمة من الفتح ما نصه:
قال الماوردي: تجوز الوصية لكل من جاز الوقف عليه من صغير وكبير
وعاقل ومجنون وموجود ومعدوم؛ إذا لم يكن وارثًا ولا قاتلاً والوقف منع بيع
الرقبة والتصدق بالمنفعة على وجه مخصوص. وقد اختلف العلماء في الأقارب
فقال أبوحنيفة: القرابة كل ذي رحم محرم من قبل الأب أو الأم، ولكن يبدأ بقرابة
الأب قبل الأم: وقال أبو يوسف ومحمد: من جمعهم أب منذ الهجرة من قبل أب أو
أم من غير تفصيل، زاد زفر وتقدم من قرب منهم وهي رواية عن أبي حنيفة أيضًا.
وأقل من يدفع إليه ثلاثة، وعند محمد اثنان، وعند أبي يوسف واحد، ولا
يصرف للأغنياء عندهم إلا أن يشرط ذلك، وقالت الشافعية: القريب من اجتمع في
النسب، سواء قرب أم بعد، مسلمًا كان أو كافرًا، غنيًا كان أو فقيرًا، ذكرًا كان أو
أنثى، وارثًا أو غير وارث، محرمًا أو غير محرم. واختلفوا في الأصول والفروع
على وجهين، وقالوا: إن وجد جمع محصورون أكثر من ثلاثة استوعبوا، وقيل:
يقتصر على ثلاثة. وإن كانوا غير محصورين، فنقل الطحاوي الاتفاق على
البطلان وفيه نظر لأن عند الشافعية وجهًا بالجواز، ويصرف لثلاثة منهم ولا يجب
التسوية، وقال أحمد: في القرابة كالشافعي إلا أنه أخرج الكافر. وفي رواية عنه
القرابة كل من جمعه والموصي الأب الرابع إلى ما هو أسفل منه، وقال مالك:
يختص بالوصية سواء كان يرثه أو لا، ويبدأ بفقرائهم حتى يغنوا ثم يعطى الأغنياء،
وحديث الباب يدل لما قاله الشافعي سوى اشتراط ثلاثة، فظاهره الاكتفاء باثنين
اهـ.
***
شروط الواقف
المشهور على الألسنة أن شرط الواقف كنص الشارع، يجب العمل به،
وهذا باطل على إطلاقه كما تقدم في تعليقنا على عبارة الحافظ ابن حجر بحديث
عائشة المتفق عليه في الولاء، وأقوال الحنابلة في هذه المسألة أقوى مما خالفها،
فننقل هذا الفصل عن كتاب الفروع منها قال:
ويرجع إلى شرطه في تقديم وتسوية وجمع وضد ذلك، واعتبار وصف
وعدمه وعدم إيجاره أو قدر المدة، واختار شيخنا لزوم العمل بشرط مستحب خاصة
وذكره ظاهر المذهب؛ لأنه لا ينفعه ويعذر غيره، فبذل المال فيه سفه ولا يجوز،
وأيده الحارثي بنصه الآتي في شرط أجرة للناظر، وقال شيخنا: ومن قدر له
الواقف شيئًا فله أكثر إن استحقه بموجب الشرع، وقال: الشرط المكروه باطل اتفاقًا،
وقيل: لا يتعين طائفة وقف عليها مسجد أو مقبرة كالصلاة فيه، وفي الانتصار:
يحتمل أن عين من يصلي فيه من أهل الحديث أو يدرس العلم اختص إن سلم؛
فلأنه لا يقع التزاحم بإشاعته، ولو وقع فهو أفضل؛ لأن الجماعة يراد له، وقيل
يمنع تسوية بين فقهاء كمسابقة. قال شيخنا: قول الفقهاء (نصوصه كنصوص
الشارع) يعني في الفهم والدلالة لا في وجوب العمل مع أن التحقيق أن لفظه ولفظ
الموصي والحالف والناذر، وكل عاقد يحمل على عادته في خطابه ولغته التي يتكلم
بها، وافقت لغة العرب أو لغة الشارع أو لا، قال: ولا خلاف أن من وقف على
صلاة أو صيام أو قراءة أو جهاد غير شرعي ونحوه لم يصح، والخلاف في المباح
كما لو وقف على الأغنياء لا يخرج مثله هنا؛ لأنه يفعل لأنه مباح، ولا يجوز
اعتقاد غير المشروع مشروعًا وقربة وطاعة واتخاذه دينًا، والشروط إنما يلزم
الوفاء بها إذا لم يفضِ ذلك إلى الإخلال بالمقصود الشرعي، ولا يجوز المحافظة
على بعضها مع فوات المقصود بها، قال: ومن شرط في القربات أن يقدم فيها
الصنف المفضول، فقد شرط خلاف شرط الله كشرطه في الإمامة تقديم غير الأعلم،
فكيف إذا شرط أن يختص بالصنف المفضول.
والناظر منفذ لما شرطه الواقف، ليس له أن يبتدئ شروطًا، وإن شرط أن
لا ينزل فاسق وشرير ومتجوه ونحوه عمل به؛ وإلا يوجه أن لا يعتبر في فقهاء
ونحوهم، وفي إمام ومؤذن الخلاف، وظاهر كلامهم وكلام شيخنا في موضع،
وقال أيضًا: لا يجوز أن ينزل فاسق في جهة دينية كمدرسة وغيرها مطلقًا؛ لأنه
يجب الإنكار عليه وعقوبته، فكيف ينزل وإن نزل مستحق تنزيلاً شرعيًّا، لم يجز
صرفه بلا موجب شرعي وإن حكم حاكم بمحضر الوقف فيه شروط، ثم ظهر
كتاب وقف غير ثابت وجب ثبوته والعمل به إن أمكن، وإن شرط للناظر إخراج
من شاء منهم وإدخال من شاء من غيرهم بطل؛ لمنافاته مقتضاه لا قوله: يعطي
من شاء منهم ويمنع من شاء؛ لتعليقه استحقاقه بصفة ذكره الشيخ [5] وقال الحارثي:
الفرق لا يتجه، وقال شيخنا كل متصرف بولاية إذا قيل ما شاء يفعل، فإنما هو
لمصلحة شرعية حتى لو صرح الواقف بفعل ما يهواه وما يراه مطلقًا، فشرط باطل
لمخالفته الشرع، وغايته أن يكون شرطًا مباحًا، وهو باطل على الصحيح المشهور،
حتى لو تساوى فعلان عمل بالقرعة، وإذا قيل هنا بالتخيير فله وجه، قال وعلى
الناظر بيان المصلحة، فيعمل بما ظهر، ومع الاشتباه إن كان عالمًا عادلاً يسوغ له
اجتهاده، قال: ولا أعلم خلافًا أن من قسَّم شيئًا يلزمه أن يتحرى العدل، ويتبع ما
هو أرضى لله ورسوله استفاد القسمة بولاية كإمام وحاكم أو بعقد كالناظر والوصي
ويتعين مصرفه نقله الجماعة، وقيل: إن سبَّل ماء للشرب جاز الوضوء به،
فيشرب ماء للوضوء يتوجه عليه وأولى اهـ المراد منه.
((يتبع بمقال تالٍ))
_________
(*) نكتب هذا الفصل وما يتصل به؛ إجابة لطلب الكثيرين بمناسبة اقتراح بعض أعضاء البرلمان
المصري إلغاء الوقف الأهلي.
(1)
يعني وهو ضعيف الحديث.
(2)
أي إذا لم يكن مخالفًا لنص شرعي، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه (ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؛ ما كان من شرط ليس في كتاب الله؛ فهو باطل وإن كان مائة شرط قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق) .
(3)
الرجل الذين أذن له النبي صلى الله عليه وسلم بركب البدنة التي كان يسوقها هديًا إلى الحرم، متأثمًا من ركوبها.
(4)
أي لا يبادل به.
(5)
يعني الموفق ابن قدامة صاحب المغني والمقنع.
الكاتب: محمد نصيف
إبطال الوقف الأهلي
فتوى للإمام مصلح نجد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى
في إبطال الوقف على الذرية.
نقلها صديقنا الأستاذ الشيخ محمد نصيف من كتاب روضة الأفكار والأفهام
لمرتاد حال الإمام، وتعداد غزوات ذوي الإسلام (وهو تاريخ نجد في زمان الإمام
محمد بن عبد الوهاب وأمراء نجد آل سعود) المطبوع في بومباي الهند بالمطبعة
المصطفوية عام 1337، الجزء الأول صفحة 160 وهو كثير الأغلاط والتحريف.
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه كلمات جواب عن الشبهة التي احتج بها من أجاز وقف الجَنَف والإثم،
ونحن نذكر قبل ذلك صورة المسألة، ثم نتكلم على الأدلة؛ وذلك أن السلف اختلفوا
في الوقف الذي يراد به وجه الله على غير من يرثه مثل: الوقف على الأيتام
وصوام رمضان أو المساكين أو أبناء السبيل. فقال شريح القاضي وأهل الكوفة:
لا يصح ذلك الوقف، حكاه عنهم الإمام أحمد، وقال جمهور أهل العلم: هذا وقف
صحيح؛ واحتجوا بحجج صحيحة صريحة ترد قول أهل الكوفة، فهذه الحجج التي
ذكرها أهل العلم، يحتجون بها على علماء أهل الكوفة مثل (صدقة جارية)[1]
ومثل وقف عمر وأوقاف أهل المقدرة من أصحابه على جهات البر التي أمر الله بها
ورسوله ليس فيها تغيير لحدود الله.
وأما مسألتنا: فهي إذا أراد الإنسان أن يقسم ماله على هواه، وفر من قسمة
الله، وتمرد عن دين الله؛ مثل أن يريد أن امرأته لا ترث من هذا النخل ولا تأكل
منه إلا حياة عينها، أو يريد أن يزيد بعض أولاده على بعض فرارًا من وصية الله
بالعدل، أو يريد أن يحرم نسل البنات، أو يريد أن يحرم على ورثته بيع هذا
العقار لئلا يفتقروا بعده، ويفتي له بعض المفتين أن هذه البدعة الملعونة صدقة بر
تُقَرِّب إلى الله [2] ويوقف على هذا الوجه قاصدًا وجه الله، فهذه مسألتنا. فتأمل هذا
بشراشر قلبك، ثم تأمل ما نذكره من أوله، فنقول:
من أعظم المنكرات وأكبر الكبائر تغيير شرع الله ودينه والتحيل على ذلك
بالتقرب إليه وذلك مثل أوقافنا هذه، إذا أراد أن يحرم من أعطاه الله من امرأته أو
امرأة ابن أو نسل بنات أو غير ذلك، أو يعطي من حرمه الله أو يزيد عما فرض
الله أو ينقص من ذلك، ويريد التقرب إلى الله بذلك مع كونه مبعدًا عن الله، فالأدلة
على بطلان هذا الوقف وعوده طلقًا، وقسمه على قسم الله ورسوله أكثر من أن
تحصر، ولكن من أوضحها دليل واحد؛ وهو أن يقال لمدعي الصحة: إذا كنت
تدعي أن هذا مما يحب الله وسوله وفعله أفضل من تركه، وهو داخل فيما حض
عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة الجارية وغير ذلك، فمعلوم أن الإنسان
مجبول على حبه لولده وإيثاره على غيره حتى أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم، قال الله تعالى:{إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} (التغابن: 15) ، فإذا
شرع الله لهم أن يوقفوا أموالهم على أولادهم ويزيدوا من شاءوا، أو يحرموا النساء
والعصبة ونسل البنات، فلأي شيء لم يفعل ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم؟ ولأي شيء لم يفعله التابعون؟ ولأي شيء لم يفعله الأئمة الأربعة وغيرهم؟
أرغبوا عن الأعمال الصالحة، ولم يحبوا أولادهم، وآثروا البعيد عليهم وعلى
العمل الصالح، ورغب في ذلك أهل القرن الثاني عشر [3] أم تراهم خفي عليهم
حكم هذه المسألة، ولم يعلموها حتى ظهر هؤلاء فعلموها؟ سبحان الله ما أعظم
شأنه وأعز سلطانه.
فإن ادعى أحد أن الصحابة فعلوا هذا الوقف، فهذا عين الكذب والبهتان؛
والدليل على هذا أن هذا الذي تتبع الكتب وحرض على الأدلة، لم يجد إلا ما ذكره
ونحن نتكلم على ما ذكره.
فأما حديث أبي هريرة الذي فيه (صدقة جارية) فهذا حق، وأهل العلم
استدلوا به على من أنكر الوقف على اليتيم وابن السبيل والمساجد، ونحن أنكرنا
على من غيَّر حدود الله وتقرب إليه بما لم يشرعه، ولو فهم الصحابة وأهل العلم
هذا الوقف من هذا الحديث لبادروا إليه.
وأما حديث عمر أنه تصدق بالأرض على الفقراء والرقاب والضيف وذوي
القربى وأبناء السبيل، فهذا بعينه من أبين الأدلة على مسألتنا، وذلك أن من احتج
على الوقف على الأولاد ليس له حجة إلا هذا الحديث؛ لأن عمر قال: لا جناح على
من وليه أن يأكل بالمعروف، وأن حفصة وليته ثم وليه عبد الله بن عمر،
فاحتجوا بأكل حفصة وأخيها دون بقية الورثة.
وهذه الحجة من أبطل الحجج، وقد بينه الشيخ الموفق رحمه الله والشارح [4] وذكر
أن أكل الولي ليس بزيادة على غيره، وإنما ذلك أجرة عمله كما كان في زماننا هذا،
يقول صاحب الضحية لوليها الجلد والأكارع، ففي هذا دليل من جهتين:
(الأول) : أن من وقف من الصحابة مثل عمر وغيره، لم يوقفوا على
ورثتهم، ولو كان خيرًا لبادروا إليه، وهذا المصحح لم يصحح بقوله: (ثم أدناك
أدناك) ، فإذا كان وقف عمر على أولاده أفضل من الفقراء وأبناء السبيل، فما باله
لم يوقف عليهم؛ أتظنه اختار المفضول وترك الفاضل؟ أم تظنه أنه هو ورسول
الله صلى الله عليه وسلم الذي أمره لم يفهما حكم الله.
(الثاني) : أن من احتج على صحة الوقف على الأولاد وتفضيل البعض،
لم يحتج إلا بقوله: (تليه حفصة ثم ذوو الرأي وأنه يأكل بالمعروف) وقد بينا
معنى ذلك وأنه لم يبر أحدًا، وإنما جعل ذلك للولي عن تعبه في ذلك. فإذا كان
المستدل لم يجد عن الصحة إلا هذا، تبين لك أن قولهم تصدق أبو بكر بداره على
ولده وتصدق فلان وفلان، وأن الزبير خص بعض بناته ليس معناه كما فهموا،
وإنما معناه أنهم تصدقوا بما ذكر صدقة عامة على المحتاجين، فكان أولاده إذا قدموا
البلد نزلوا تلك الدار؛ لأنهم من أبناء السبيل كما يوقف الإنسان مسقاة ويتوضأ منها
وينتفع بها هو وأولاده مع الناس، وكما يوقف مسجدًا ويصلي فيه، وعبارة
البخاري في صحيحه: وتصدق أنس بدار فكان إذا قدم نزلها، وتصدق الزبير
بدوره واشترط للمردودة من بناته أن تسكن. فتأمل عبارة البخاري يتبين لك أن ما
ذكره عن الصحابة مثل: من وقف نخلاً على المفطرين من الفقراء في هذا المسجد،
ويقول إن افتقر أحد من ذريتي فليفطر معهم، فأين هذا من وقف الجَنف والإثم
على أن هذه العبارة من كلام الحميدي، والحميدي في زمن القاضي أبي يعلى.
وأجمع أهل العلم على أن مراسيل المتأخرين لا يجوز الاحتجاج بها، فمن
احتج بهذا فقد خالف الإجماع، هذا لو فرضنا أنه يدل على ذلك، فكيف وقد بينا
معناه؟ ! ولله الحمد.
إذا تبين لك أن من أجاز الوقف على الأولاد والتفضيل، لم يجد إلا حديث
عمر وقوله ليس على من وليه جناح.. إلخ، وأن الموفق وغيره ردوا على من
احتج به [5] تبين لك أن حديث عمر من أبين الأدلة على بطلان الوقف الجنف
والإثم.
وأما قوله: لم يكن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو مقدرة
إلا وقف، فهل هذا يدل على صحة وقف الجَنف والإثم، وما مثله إلا كمن رأى
رجلاً يصلي في أوقات النهي، فأنكر عليه فقال: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا
صَلَّى} (العلق: 9-10)، ويقول: إن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه
وسلم) يصلون أو يذكرون فضل الصلاة؛ وكذلك مسألتنا إذا قلنا {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي
أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} (النساء: 11)، {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ} (النساء: 12) ، وغير ذلك أو قلنا: (إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا
وصية لوارث) ، أو قلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم غلَّظ القول فيمن
تصدق بماله كله، أو قلنا:(اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)[6] وادعوا علينا أن
الصحابة وقفوا هل أنكرنا الوقف كأهل الكوفة حتى يحتج علينا بذلك؟
وأما قول أحمد: من رد الوقف فكأنما رد السنة، فهذا حق ومراده وقف
رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كما ذكره أحمد في كلامه. وأما وقف
الإثم والجنف، فمن رده فقد عمل بالسنة ورد البدعة واتبع القرآن.
وأما قوله: إن في صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأكل
بالمعروف، وأن زيدًا وعمر سكنا داريهما التي وُقفتا؛ فيا سبحان الله من أنكر هذا
وهذا كمن وقف مسجدًا وصلى فيه هو وذريته، أو وقف مسقاة واستقى منها وذريته،
وقول الخرقي: والظاهر أنه عن شرط فكذلك، وهذا شرط صحيح وعلم صحيح؛
كمن وقف داره على المسجد أو أبناء السبيل واستثنى سكانها مدة حياته، وكل هذا
يردون به على أهل الكوفة، فإن هذا ليس من وقف الجنف والإثم.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم : (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول)، وقوله:
(صدقتك على رحمك صدقة وصلة) وقوله: (ثم أدناك أدناك) وأشباه ذلك، فكل
هذا صحيح لا إشكال فيه، لكن لا يدل على تغيير حدود الله، فإذا قال: {يُوصِيكُمُ
اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} (النساء: 11) ، وقف الإنسان على
أولاده ثم أخرج نسل الإناث محتجًا بقوله: (ثم أدناك أدناك) أو صلة الرحم،
فمثله كمثل رجل أراد أن يتزوج خالة أو عمة فقيرة فتزوجها يريد الصلة، واحتج
بتلك الأحاديث، فإن قال: إن الله حرم نكاح الخالات والعمات، قلنا: وحرم تعدي
حدود الله التي حدَّ في سورة النساء، قال: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ
يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا} (النساء: 14) فإذا قال الوقف ليس من هذا، قلنا: هذا
مثل قوله: (من تزوج خالة إذا تزوجها لفقرها ليس من هذا) فإذا كان عندكم بين
المسألتين فرق فبينوه.
وأما قول عمر: إن حدث بي حادث إن ثمغي صدقة هذا يستدلون به على
تعليق الوقف بالشرط، وبعض العلماء يعطله فاستدلوا به على صحته، وأما القول:
إن عمر وقفه على الورثة فيا سبحان الله كيف يكابرون المنصوص ووقف عمر
وشرطه ومصارفه في ثمغ وغيرها معروفة مشهورة، وأما قول عمر: إلا سهمي
الذي بخيبر أردت أن أتصدق بها فهذا دليل على أهل الكوفة كما قدمناه، فإن هذا
دليل على صحة هذا الوقف المعلول الذي بطلانه أظهر من بطلان أصحابه
بكثير [7] .
وأما وقف حفصة الحلي على آل الخطاب فيا سبحان الله هل وقفت على
ورثتها أو حرمت أحدًا أعطاه الله أو أعطت أحدًا حرمه الله أو استثنت غلبة مدة حياتها
فإذا وقف محمد بن سعود نخلاً على الضعيف من آل مقري أو مثل ذلك هل أنكرنا هذا
وهذا وقف حفصة، فأين هذا مما نحن فيه.
وأما قولهم: إن عمر وقف على ورثته فإن كان المراد ولاية الوقف فهو
صحيح وليس مما نحن فيه، فإن كان مراد القائل أنه ظن أنه وقف يدل على صحة
ما نحن فيه فهذا كذب ظاهر ترده النقول الصحيحة في صفة وقف عمر، وأما كون
حفصة وقفت على أخ لها يهودي فهو لا يرثها ولا ننكر ذلك، وأما كلام الحميدي
فتقدم الكلام عنه.
وسر المسألة أنك تفهم أن أهل الكوفة يبطلون الوقف على المساجد وعلى
الفقراء والقربات الذين لا يرثونهم فرد عليهم أهل العلم بتلك الأدلة الصحيحة،
ومسألتنا هي إبطال هذا الوقف الذي يغير حدود الله وأشياء [8] حكم الجاهلية، كل
هذا ظاهر لا خفاء فيه، ولكن إذا كان الذي كتبه يفهم معناه، وأراد به التلبيس على
الجهل كما فعل غيره فالتلبيس يضمحل وإن كان هذا قدر فهمه وأنه ما فهم هذا الذي
تعرفه العوام في الخلفاء والخليفة على الله؟
وأما ختمه الكلام بقوله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا} (الحشر: 7) فيا لها من كلمة ما أجمعها، ووالله إن مسألتنا هذه من إنكارها وقد أتانا
رسول الله صلى الله عليه وسلم بلزوم حدود الله والعدل بين الأولاد ونهانا عن تغيير
حدود الله، والتحيل على محارم الله، وإذا قدرنا أن مراد صاحب هذا الوجه وجه
الله لأجل من أفتاه بذلك فقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البدع في دين
الله ولو صحت نية فاعلها فقال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)
وفي لفظ: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)[9] هذا نص الذي قال الله فيه:
{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا} (الحشر: 7) وقال:
{وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} (النور: 54) وقال: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} (آل عمران: 31) فمن قَبِلَ ما آتاه الرسول وانتهى عما نهى
وأطاعه ليهتدي واتبعه ليكون محبوبًا عند الله فليوقف كما أوقف رسول الله صلى الله
عليه وسلم وكما وقف عمر رضي الله عنه وكما وقفت حفصة وغيرهم من الصحابة
وأهل العلم، وأما هذا الوقف المحدث المعلول المغير لحدود الله، فهذا الذي قال الله
فيه بعد ما حدَّ المواريث والحقوق للأولاد والزوجات وغيرهم {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن
يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الفَوْزُ
العَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ
مُّهِينٌ} (النساء: 13- 14) ، وقد علمت ما قال الرسول فيمن أعتق ستة العبيد
وما ردوا أبطل من ذلك فهو شبيه من أوقف ماله كله خالصًا لوجه الله على مسجد أو
صُوام أو غير ذلك فكيف بما هو أعظم وأطم من هذه الأوقاف؟
وأما قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الخَيْرَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (الحج: 77) فوالله الذي لا إله إلا هو إن فعل الخير اتباع ما
شرع الله وتبطيل من غيَّر حدود الله، والإنكار على من ابتدع في دين الله، هذا هو
فعل الخير المعلق به الفلاح خصوصًا مع قوله صلى الله عليه وسلم: (وإياكم
ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة) وقوله لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا
محارم الله بأدنى الحيل وقوله: (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها
فباعوها وأكلوا ثمنها) فليتأمل اللبيب الخالي عن التعصب والهوى الذي يعرف أن
وراءه جنة ونارًا، الذي يعلم أن الله يطلع على خفيات الضمير هذه النصوص ويفهمها
فهمًا جيدًا ثم ينزلها على مسألة وقف الجنف والإثم، ثم يتبين له الحق إن شاء الله
وصلى الله على محمد وآله وسلم.
_________
(1)
أي قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم والسنن الثلاث: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) .
(2)
أوقف يوقف لغة قليلة، ووقف أكثر وأفصح.
(3)
عصر الشيخ رحمه الله.
(4)
الشيخ الموفق هو ابن قدامة صاحب المغني في الفقه الذي هو أجل كتب الإسلام في الفقه وصاحب المقنع، وأما الشارح فهو ابن أخيه شارح المقنع والكتابان يطبعان الآن بمطبعة المنار بأمر الإمام عبد العزيز ملك الحجاز ونجد.
(5)
وقد تقدم فيما نقلنا عن الحافظ ابن حجر من شرح الحديث حكاية هذا الرأي وأنه تعقبه بمثل ما نقله الشيخ هنا عن الشيخ الموفق وغيره.
(6)
رواه الشيخان من حديث النعمان بن بشير مرفوعا.
(7)
كذا في الأصل وفيه بياض بعد كلمة أصحاب، ويجب أن يكون المعنى المراد أن قول عمر - على صحة وقفه- لا الوقف المعلول الذي بطلانه إلخ.
(8)
كذا في الأصل.
(9)
الأول رواه أحمد والشيخان وغيرهما، والثاني رواه أحمد ومسلم، وكلاهما عن عائشة رضي الله عنها.
الكاتب: محمد رشيد رضا
من عنيزة إلى قاهرة مصر
في رجب سنة 1346
بسم الله الرحمن الرحيم
أبعث جزيل التحيات، ووافر السلام والتشكرات، لحضرة الشيخ الفاضل
السيد محمد رشيد رضا المحترم حرسه الله تعالى من جميع الشرور، ووفقه وسدده
في كل أحواله آمين، أما بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فالداعي لذلك ما
اقتضاه الحب ودفعه الود المبني على ما لكم من المآثر الطيبة التي تستحقون بها
الشكر من جميع المسلمين التي من أعظمها تصديكم في مناركم الأغر لنصر الإسلام
والمسلمين، ودفع باطل الجاهلين والمعاندين، رفع الله قدركم وأعلى مقامكم،
وزادكم من العلم والإيمان ما تستوجبون خير الدنيا والآخرة، وأنعم عليكم بنعمه
الظاهرة والباطنية، ثم إننا نقترح على جنابكم أن تجعلوا في مناركم المنير بحثًا
واسعًا لأمر نراه أهم البحوث التي عليها تعولون وأنفعها لشدة الحاجة بل دعاء
الضرورة إليه ألا وهو ما وقع فيه كثير من فضلاء المصريين وراج عليهم من
أصول الملاحدة والزنادقة من أهل وحدة الوجود والفلاسفة بسبب روجان كثير من
الكتب المتضمنة لهذه الأمور ممن يحسنون بهم الظن ككتب ابن سينا وابن رشد
وابن عربي ورسائل إخوان الصفا بل وبعض الكتب التي تنسب للغزالي وما أشبهها
من الكتب المشتملة على الكفر برب العالمين والكفر برسله وكتبه واليوم الآخر،
وإنكار ما عُلِمَ بالضرورة من دين الإسلام، فبعض هذه الأصول انتشرت في كثير
من الصحف المصرية بل رأيت تفسيرًا طبع أخيرًا منسوبًا للطنطاوي قد ذكر في
مواضع كثيرة في تفسير سورة البقرة شيئًا من ذلك ككلامه على استخلاف آدم وعلى
قصة البقرة والطيور ونحوها بكلام ذكر فيه من أصول وحدة الوجود وأصول
الفلسفة المبنية على أن الشرائع إنما هي تخييلات وضرب أمثال لا حقيقة لها، وأنه
يمكن لآحاد الخلق ما يحصل للأنبياء ما يجزم المؤمن البصير أنه مناقض لدين
الإسلام وتكذيب لله ورسوله، وذهاب إلى معانٍ يُعلم بالضرورة أن الله ما أرادها
وأن الله بريء منها ورسوله، ثم مع ذلك يحث الناس والمسلمين على تعلمها وفهمها،
ويلومهم على إهمالها وينسب ما حصل للمسلمين من الوهن والضعف بسبب
إهمال علمها وعملها.
وَيْح من قال ذلك، لقد علم كل من عرف الحقائق أن هذه العلوم هي التي
أوهنت قوى المسلمين وسلطت عليهم الأعداء وأضعفتهم لزنادقة الفرنج وملاحدة
الفلاسفة، وكذلك يبحث كثير منهم في الملائكة والجن والشياطين ويتأولون ما في
الكتاب والسنة من ذلك بتأويلات تشبه تأويلات القرامطة الذين يتأولون العقائد
والشرائع فيزعمون أن الملائكة هي القوى الخيرية التي في الإنسان فعبَّر عنها
الشرع بالملائكة كما أن الشياطين هي القوى الشريرة التي في الإنسان فعبَّر عنها
الشرع بذلك، ولا يخفى أن هذا تكذيب لله ولرسله أجمعين، ويتأولون قصة آدم
وإبراهيم بتأويل حاصله أن ما ذكر الله في كتابه عن آدم وإبراهيم ونحوهما لا حقيقة
له، وإنما قصد به ضرب الأمثال، وقد ذكر لي بعض أصحابي أن مناركم فيه
شيء من ذلك وإلى الآن ما تيسر لي مطالعته ولكن الظن بكم أنكم ما تبحثون عن
مثل هذه الأمور إلا على وجه الرد لها والإبطال كما هي عادتكم في رد ما هو دونها
بكثير، وهذه الأمور يكفي في ردها في حق المسلم المصدق للقرآن والرسول مجرد
تصورها، فإنه إذا تصورها كما هي يجزم ببطلانها ومناقضتها للشرع، وأنه لا
يجتمع التصديق بالقرآن وتصديقها أبدًا، وإن كان غير مصدق للقرآن ولا للرسول
صار الكلام معه كالكلام مع سائر الكفار في أصل الرسالة وحقيقة القرآن.
وقد ثبت عندنا أن زنادقة الفلاسفة والملحدين يتأولون جميع الدين الإسلامي:
التوحيد والرسالة والمعاد والأمر والنهي بتأويل يرجع إلى أن القرآن والسنة كلها
تخييلات وتمويهات لا حقيقة لها بالكلية ويلبسون على الناس بذلك ويتسترون
بالإسلام، وهم أبعد الناس عنه كما ثبت أيضًا عندنا أنه يوجد ممن كان يؤمن بالله
ورسوله واليوم الآخر ويعظم الرسول وينقاد لشرعه وينكر على هؤلاء الفلاسفة
ويكفرهم في أقوالهم أنه يدخل عليه شيء من هذه التأويلات من غير قصد ولا
شعور لعدم علمه بما تؤول إليه ولرسوخ كثير من أصول الفلسفة في قلبه، ولتقليد
من يعظمه وخضوعًا أيضًا، ومراعاة لزنادقة علماء الفرنج الذين يتهكمون بمن لم
يوافقهم على كثير من أصولهم ويخافون من نسبتهم للبلادة وإنكار ما علم محسوسًا
بزعمهم فبسبب هذه الأشياء وغيرها دخل عليهم ما دخل، فالأمل قد تعلق بأمثالكم
لتحقيق هذه الأمور وإبطالها فإنها فشت وانتشرت وعمت المصيبة بها الفضلاء
فضلاً عمن دونهم، ولكن لن تخلو الأرض من قائم لله بحجة يهتدي به الضالون،
وتقوم به الحجة على المعاندين، وقد ذكرت لحضرتكم هذه الأشياء على وجه التنبيه
والإشارة؛ لأن مثلكم يتنبه بأدنى تنبيه، ولعلكم تجعلونه أهم المهمات عندكم؛ لأن
فيه الخطر العظيم على المسلمين، وإذا لم ير الناس لكم فيه كلامًا كثيرًا وتحقيقًا تامًا
فمن الذي يعلق به الأمل من علماء الأمصار؟ والرجاء بالله أن يوفقنا وإياكم لما
يحبه ويرضاه ويجعلنا وإياكم من الهادين المهتدين إنه جواد كريم، وصلى الله على
محمد وسلم.
…
...
…
...
…
...
…
...
…
محبكم الداعي
…
...
…
...
…
...
…
عبد الرحمن بن ناصر السعدي
(المنار)
إننا لا نألو جهدًا في الرد على كل ما نطلع عليه من البدع المخالفة لكتاب الله
والصحيح من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي الدعوة إليهما على الوجه
الذي كان عليه جمهور السلف الصالح، وفي الرد على خصومهما كما يرى في
مقالة أعداء الإسلام من هذا الجزء، والذي نعلمه أن بدعة وحدة الوجود وفلسفة
اليونان في الإلهيات والرسالة التي فتن الناس بها الباطنية وغيرهم في عصرهم قد
نسخت وزالت في هذا العصر فلم يبق لهم دعاة، وإن كان لها اتباع قليلون وتفسير
الشيخ طنطاوي جوهري لم نطلع عليه وإنما رأينا جزءًا واحدًا منه عند أحد
أصدقائنا فتصفحت قليلاً منه في بضع دقائق فرأيت أن همه منه حث المسلمين على
علوم الكون وشرح الكثير من مسائلها بمناسبة الآيات التي ترشد الناس إلى آياته
تعالى في خلقه ونعمه على عباده كما جرى عليه في كتب أخرى له، وما نعرفه
إلا مسلمًا يغار على الإسلام ويحب أن يجمع المسلمون بين الاهتداء به والانتفاع
بعلوم الكون التي تتوقف عليها قوة الدول وثروة الأمم في هذا العصر، ونحن قد
سقناه بالدعوة إلى هذا، وبيناه بالدلائل في مواضع كثيرة من تفسيرنا من المنار وإن
كنا أشرنا إلى الانتقاد على خطة الأستاذ المذكور في تفسيره فيما بيناه من أساليب
المفسرين في فاتحة الجزء الأول من تفسيره ومراجعة ما كتبه من الآيات التي
ذكرتموها.
ويجب عليكم أن تفرقوا بين علوم الكون التي ندعو إليها وبين الفلسفة قديمها
وحديثها، فالفلسفة آراء ونظريات فكرية، وعلوم الكون عبارة عن العلم بما أودع
الله تعالى في خلقه من المنافع كمنافع الماء وبخاره والهواء وما تركبا منه ومنافع
الكهرباء التي منها التلغراف والتليفون وغيرهما بجميع الصناعات العجيبة والآلات
الحربية من برية وبحرية وهوائية وجميع العقاقير الطبية مأخوذة من هذه العلوم
فهي حقائق قطعية ثابتة بالحس، فمن يزعم أنها تخالف ما بعث به الله رسله فقد
طعن في دين الله وصد العلماء بها عنه؛ لأنهم لا يستطيعون أن يكذبوا حواسهم.
وأما كفر من يكفرون في هذا العصر فأكثره من تأثير فلسفة الإفرنج المخالفة
لفلسفة اليونانيين ومن جرى على طريقتهم كالعرب، وإن خالفهم في بعض
النظريات كابن سينا وابن رشد وغيرهما، والرد على هؤلاء بما يرجى أن ينفعهم
أو يقي كثيرًا من الناظرين في فلسفة العصر من إضلالهم يتوقف أحيانًا على تأويل
بعض الآيات والأحاديث تأويلاً ينطبق على مدلولات اللغة في مفرداتها وأساليبها
ويتفق مع العلم والعقل.
وليعلم أخونا صاحب هذه الرسالة أن الملاحدة والمعطلين في مصر وأمثالها قد
يصرَّحون بكفرهم ولا يخشون عقابًا ولا إهانة فهم لا يحتاجون إلى التستر بالإسلام
كزنادقة الباطنية المتقدمين، وقصارى ما يلقونه من النقد إذا صرَّحوا بكفرهم في
الكتب أو الجرائد أن يرد عليهم بعض المسلمين بالكتابة والناس أحرار فيها، فإذا
ادعى بعضهم مع نشر الكفر أنه مؤمن وجد من ينصره ويقول: إن ما كتبه لا ينافي
الإيمان ولا يصادم الإسلام، ولم يصرح أحد من المصريين في هذا العهد بالطعن
في الإسلام وتكذيب القرآن بمثل ما صرَّح به الدكتور طه حسين المشتغل بالجامعة
المصرية تدريسًا وتأليفًا ولم يلق أحد من التكفير والتجهيل والطعن على ذلك مثل ما
لقي من الكُتَّاب والمؤلفين من علماء الدين وعلماء الدنيا حتى اقترح بعض أعضاء
مجلس النواب عزله من الجامعة فلم تعزله الحكومة؛ لأن أنصاره فيها كانوا أقوى
من خصومه وكان منهم عدلي باشا رئيس الوزارة وثروت باشا وزير الخارجية
الذي طرز الدكتور طرة كتاب الطعن باسمه، وعلي باشا الشمسي وزير المعارف
وأحمد لطفي السيد مدير الجامعة.
وقد بيَّنا في فاتحة تفسيرنا وفي مواضع أخرى منه مسألة التأويل فذكرنا أننا
نلم بتأويل بعض الآيات لأجل الدفاع عن القرآن، ورد بعض الشبهات التي يوردها
الفلاسفة أو غيرهم عليها حتى لا يكون لهم حجة مقبولة عليها مع تصريحنا بأن
اعتقادنا الذي ندعو إليه ونرجو أن نموت كما نحيا عليه هو اتباع مذهب السلف في
كل ما يتعلق بعالم الغيب من الإيمان بالله وصفاته وملائكته وجنته وناره.
والتأويل قد يكون المنقذ الوحيد لبعض الناس من الكفر وتكذيب القرآن؛ إذ
من المعلوم أن الموقن بصدق القرآن لا يخرج من الملة بفهم بعض آياته فهمًا مخالفًا
لفهم غيره إذا لم يكن في فهمه هذا جحد لشيء مجمع عليه معلوم من الدين
بالضرورة، ونرجو أن يقرأ أخونا صاحب هذه الرسالة الجزء الأول من تفسير
المنار المشتمل على هذا البحث ويكتب إلينا بما يراه فيه، فإنني كنت منذ سنين
كثيرة أتمنى لو يطلع بعض علماء نجد على المنار ويفتح بيني وبينهم البحث
والمناظرة العلمية الدينية فيما يرونه منتقدًا لينجلي وجه الصواب فيها، وقد كنت
كتبت إلى إمامهم بذلك، وإنني سأرسل إليه عشر نسخ من كل جزء ليوزعها على
أشهرهم، وفعلت ذلك عدة سنين ولكن لم يأتني منه جواب، ثم ترجَّح عندي أن تلك
النسخ كانت تختزل من البريد البريطاني في سني الحرب وما بعدها.
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
خرافات عباد القبور في الصومال
جاءنا من الموحد السني صاحب الإمضاء الرمزي في (مركة - بنادر)
بالصومال الرسالة الآتية:
ظهرت بهذا القطر الصومالي الإسلامي البحت فئة تشبه الأَرَضَة التي تأكل
خشب السفينة، تلك الفئة الضالة المضلة التي تجردت من كل عاطفة بعد أن خلت
من كل مزية وفضيلة، تلك الفئة التي تظهر في كل زمان ومكان يفتنون المسلمين
بزيارة المشاهد والقبور والذبح والنذور ويزينون لهم الخرافات بزخرف أقوالهم
وبظاهر كبر عمائمهم وطول ذقونهم حتى ليخيل للناظر لأول مرة أنهم من أفاضل
العلماء أو من الرجال والوجهاء على حين لو اطلعت على ما في قلوبهم أو تيسر لك
الوقوف على أسرارهم وما يفعلونه في الخفاء لوليت منهم فرارًا ولملئت منهم رعبًا.
فياللأسف وايم الله لقد فشت بهذا القطر الإسلامي البحت المنكرات والخرافات
بزيارات المشاهد والقبور والذبح لها والطواف بها كطواف الكعبة المشرفة
وخصوصًا عند مشهد عويس (أويس القرني) بمقدشوه إذ تجتمع بهذه الزيارة الألوف
المؤلفة وعند الطواف كل طائفة تأمر الأخرى بآية الاستغفار هكذا {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ
إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً} (نوح: 10-11) ثم يتوجهون
نحو البلاد يطوفون طولاً وعرضًا صائحين بأعلى أصواتهم بآية الاستغفار على ما
تقدم إلى أن تصل كل قبيلة حارتها فينتهي الاحتفال، وبعد غروب الشمس يتوجه نساء
البلاد نحو المشهد للزيارة ومعهن طبول وعيدان خشب مثقوب يصفقن بها بأيديهن
حاملات للبخور ويمكثن هناك قدر ساعتين يغنين ويمدحن سيدتنا فاطمة الزهراء،
وعند القيام يتبركن بصاحب المشهد بأخذ شىء قليل من تراب المحل يأكلن منه لأجل
الحبل أو للجاه والقبول عند الرجال وغير ذلك.
وكذلك تأسست من مدة قريبة زيارات جديدة للسيد أحمد الرفاعي بمقدشوه
وغيرها وهي من أكبر المنكرات، وليلة زيارة السيد المذكور ترخص الدولة جميع
اللعوبات والملاهي، كاليوم يعمل بها الطبول والمزامير والرقص والطنبرة السودانية
ولعب الزار ورقص في الخدم وغيرها من أصناف لعب الأرض حول المسجد الذي
تقام فيه بدع الطريقة الرفاعية مدة أربع ليال، وشيخ الطريقة ومريدوه وأنصاره
الناشرون للخرافات داخل المسجد يتلون مناقب السيد أحمد الرفاعي، والغوغاء
والطبول والمزامير حولهم ولا ينكرون عليهم شيئًا سوى أنهم يهنئ بعضهم بعضًا
بأن هذه السنة للزيارة تحسنت جدًّا، يكثر أصناف الرقص والملاهي أمام المسجد
والغرض من قولهم: تحسنت الزيارة لديهم، نعم تحسنت جدًّا بحصول الدراهم
والمال من عامة الجهال، عباد القبور والخيال، حتى إن أحد السادة ادعى أنه رأى
سيدتنا الزهراء فبنى لها مشهدًا يُزَار كل سنة وتجتمع عنده ناس كثيرون لتلاوة
المولد النبوي الشريف، وإن المنكبين على هذه الزيارة النساء فقط؛ لأن منهم
يحصل المقصود.
وكذلك زيارة الشيخ صوفي المشهور بعلمه وورعه المدفون بمقدشوه له زيارة
عظيمة تجتمع إليها الخلائق من جميع أنحاء القطر، ويكون بها رخصة لجميع
الملاهي والرقص مثل ما تقدم ذكره، ولكن قبة الشيخ المذكور خارج المدينة بعيدة
من محل الراقصات والطبول والمزامير، وعشية ليلة الزيارة تروح إلى القبة جميع
الطرائق بزفات كمثل زفة الرفاعي والقادري وزفة الصالحية والأحمدية، ويذكرون
هناك أذكارًا مبدلة وأسماء محرَّفة إلى غروب الشمس فإذا غربت توجهت زفات
الطرائق نحو المدينة إلى بيت أولاد الشيخ المذكور وهناك يتلون الفاتحة وينتهي
عملهم، وتلك الليلة تروح نساء المدينة ويمكثن هناك طول الليل إلى قرب الفجر
وتذبح البقر وبعض الغنم ويستمر الطبخ هناك طول الليل، والبعض إلى ثاني يوم
إلى وقت الرجوع يدخلن لتقبيل التابوت وأخذ قليل من تراب القبر.
ومن هذا النوع زيارة الشيخ عثمان بمركة يطوفون بقبته مثل زيارة عويس
(أويس) القرني المتقدم ذكره، وتلك الزيارة لها فسحة لجميع اللعوبات أصحاب
الطبول والمزامير وغيرها وتجتمع خلائق من أنحاء القطر الصومالي رجالاً ونساء
وأغلبية هذه الخلائق تجتمع لأجل الفحشاء والمنكرات، وثاني ليلة تكون زيارة
النساء الناشئات على الخرافات وسيء العادات فيغتسلن من ماء بركة المسجد
عاريات؛ لأن الشيخ المدفون كان يغتسل عند هذه البركة في أيام حياته، ومن
اعتقاداتهم أن من اغتسل من تلك البركة فقد محا الله ما تقدم من ذنوبه، ويقضي الله
مراده ولا يصيبه داء طول السنة ولا يخلو من اختلاط بعض الشبان معهن، وثالث
ليلة تجتمع جميع الطرائق، وكل طريقة تأخذ راية من الرايات التي على المسجد
ويدخلون في البلاد بزفات وحامل الراية أمامهم وعند مرورهم بالأزقة يقرب حامل
الراية حول شبابيك البيوت قصد التبرك بمسح الراية على وجوه النساء ويربطن
بالراية بعض نقود لحامل الراية الولي المذكور إلى أن يصل الجميع إلى دار القائم
بخدمة الولي المذكور فتنتهي الزيارة هكذا.
ومثله زيارة رجل عالم من علماء مركة وشيخ الطريقة الأحمدية تجتمع لها
جميع البوادي البرية وأهل بلدان أخرى رجالاً ونساء ويختلط الحابل بالنابل فهي
أعظم زيارة من نوعها لجمع المال من الجهال العامة ويجري بها حسب ما تقدم من
الكلام، وأحيانًا يقف أحد أولاد الميت ويخطب في القوم بأن من فاته هذه الزيارة
كمن فاته الحج بمكة والوقوف بعرفات.
وكذلك زيارة أحد علماء مقدشوه ورئيس القضاة سابقًا توفي إلى رحمة الله من
مدة قريبة فبنت الدولة على قبره أحسن قبة وأنشأت له زيارة بكل سنة مثل هذه
الأمور المتقدمة من عباد القبور الخرافيين، وإنها لخطة طيبة لجمع المال من عامة
الجهال بدون تعب، ومن هذا القبيل كل من مات له والد أو ولد أو أخ بنى على
قبره وبعد حلول سنة رتب الزيارة على القبر ونادى في البلاد بحضور زيارة الشيخ
فلان اليوم فتجتمع خلائق كثيرة: فبعض لأجل الأكل، وبعض للزيارة والتبرك من
الشيخ المدفون، وبعد تلاوة المولد النبوي الشريف يقف عند الباب أحد أقرباء
الميت يسأل الناس الخارجين من القبة واحد بعد آخر إيش جبت للشيخ حق الزيارة
فيتلجلج الزائر فيدفع الذي يتيسر له بجيبه خوف أن يبطش به الشيخ المدفون في
الليل عند المنام.
فإذا نصح لهم ناصح كفَّروه وأخرجوه من الدين بسبب أنه أهان معبودهم
المشهور أو المقبور فلقبوه بعدئذ بالوهابي أو الإرشادي وعندهم أصحاب هذه
الألقاب أهل بدعة وزندقة وخارجون عن المذاهب الأربعة:
فهل يجوز لهم أن يتجروا بالأموات؟ وهل يجوز أكل تراب المشهد؟ أو
تقبيل التابوت أو يحلفوا بهم؟ وهل يجوز الطواف على الصفة المتقدمة؟ وما حكم
هذه الأمة وهذه حالتها وهذه الزيارات المذكورة وخلافها أغلبها بدعية وشركية؟
ربنا اهدنا إلى الصراط المستقيم.
…
...
…
...
…
...
…
...
…
...
…
غيور
حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الجليل السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار
أحيي فضيلتكم، وبعد فإن دفاعكم عن الدين الإسلامي يشجعني على سؤالي هذا،
وأن أرفع طرفي إلى السماء وأبسط أكف الضراعة إلى الله تعالى راجيًَا رد هذا
الجواب وإفادتي وأهل هذا القطر بنشره في مجلة المنار، نفعنا الله بكم وبالمسلمين
آمين.
…
...
…
...
…
...
…
...
…
الإمضاء الحقيقي
(المنار)
إن خرافات أهل الطرائق المنسوبة إلى الصوفية قد أفسدت عوام المسلمين في
المشرق والمغرب، وإن فتنتها في إفريقية أعظم مما في غيرها، ويظهر أن
إفسادها لدين أهل الصومال أشد من إفسادها لغيرهم؛ لعدم وجود العلماء العارفين
بالكتاب والسنة ومذاهب الأئمة، وإن هذا الفساد عندكم لم يُبق للتوحيد الإسلامي بقية
تعصم أصحابها من دعاء غير الله ورجاء النفع وخوف الضرر من الموتى بدون
الأسباب العادية التي يتساوى فيها البشر.
فما سألتم عنه من المتاجرة بالأموات وأكل تراب المشهد والقبر وتقبيل
التوابيت لو لم يكن ناشئًا عن عقيدة وثنية وخرافية شركية لكانت من المعاصي
العادية، ولكن كل هذه أعمال وثنية صرفة وأصحابها ممن وصفهم الله في كتابه
بأنهم {اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا} (الأنعام: 70) وبقوله:
{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} (البقرة: 165)
وبقوله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (الزمر: 3) الآية، وبقوله: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ
اللَّهُ} (الشورى: 21) نعم، إن كل هذه الجموع التي وصفتم أعمالها عند هذه
المشاهد والمقابر يتقربون إلى الله تعالى بما يعملون، وكل ما يتقرب به إلى الله فهو
عبادة.
وأجمع المسلمون على أن الله تعالى لا يُعْبَدُ إلا بما شرعه من الدين وبيَّنه عنه
خاتم رسله صلى الله عليه وسلم، فإن عُبِدَ بما لم يشرعه كانت العباده معصية كما
قال الفقهاء في صلاة الرغائب وصلاة شعبان قال النووي في المنهاج: (وصلاة
رجب وشعبان بدعتان قبيحتان مذمومتان) فكيف القول ببدع القبور الوثنية وهي
عبادة لغير الله، نسأله تعالى أن ينصر إمام السنة عبد العزيز بن سعود ملك الحجاز
ونجد وقومه ليجعل الحرمين الشريفين مثابة لإعادة دين التوحيد بالعمل كما كان،
فإن نشره بالعلم وحده صار متعذرًا؛ لعموم الجهل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
مختارات من الجرائد
فصل الدين عن السياسية [1]
من جملة بنود بروغرام الوزارة البلجيكية الجديدة مساعدة المبشرين للدين
المسيحي على تنصير أهل الكونغو الوطنيين.
وهذا البروغرام قد قُرئ في المجلس النيابي وجرى قبوله مع أن أكبر حزب
في بلجيكا هو حزب الاشتراكيين إذا قيس بكل من سائر الأحزاب السياسية في هذه
البلاد، ومعلوم أن حزب الاشتراكيين غير متدين لكنه لم يعترض.
ونحن لا يسوءنا أصلاً أن يتنصر أهالي الكونغو ويتخلصوا من الفتيشية ولا
نخشى أن النزر من المسلمين العرب الذين في تلك البلاد يتحولون عن الإسلام،
كما أننا نعتقد أن مرمى الحكومة البلجيكية في مشروع الدعاية المسيحية هو
الفتيشيون الذين هم الأكثرية في الكونغو، لذلك فكلامنا ليس من باب الاعتراض
على مشروع التنصير الذي قرَّرت الحكومة البلجيكية معاضدته، ولكن مقصودنا من
هذا الخبر شيء آخر، وهو أن الحكومات المتشبعة بروح المدنية لا تعادي الدين
كما يقول بعض الملحدين، بل هي تعاونه وتتزلف بنشره إلى شعوبها.
وعلى كل الأحوال فدولة بلجيكا دولة مدنية تامة الإرادة.
وعلى كل الأحوال أمة بلجيكا أمة متمدينة راقية لا تنحط عن أمة أخرى
أوربية في سلم الاجتماع ولا في درجات الثقافة.
وهي مع ذلك تجعل من أركان بروغرامها نشر الدين المسيحي في مستعمرة
الكونغو التي هي من أعظم مستعمرات أوربة في أفريقية وأغناها.
إذن المدنية تجتمع مع الدين
إذن الحكومة تتصل بالكنيسة.
إذن اللادينية ليست شرطًا من شروط الحضارة الأوربية.
إذن بلجيكا أمة مسيحية، لا تزال مسيحية وحكومتها تتقرب إليها بإعلان نشر
الدين المسيحي.
إذن هذه الدعاية الدينية لن تضير رقي بلجيكا شيئًا.
إذن الحكومات الشرقية التي تزعم أنها إنما تقطع صلتها بالدين الإسلامي
اقتداء بحكومات أوربة التي بزعمها قطعت صلتها بالدين المسيحي إنما هي حكومات
تضلل أفكار السُّذَّج من رعيتها وتموه عليهم وتقصد حربًا وتوري بغيرها.
إذن هذه الحكومة كاذبة فيما تزعم، وإذن ناشرو دعايتها في مصر والبلاد
العربية كاذبون أيضًا.
إذن على الأمة المصرية وعلى الأمة العربية جمعاء أن يتنبهوا للحقائق.
بروكسل 16 ديسمبر (ش)
(المنار)
من الجلي الواضح أن الكاتب يعني أن الحكومة التركية كانت تقصد حرب
الدين الإسلامي وتدعي أنها إنما تتبع مدنية أوربة الراقية، وقد برح الخفاء وظهر
غرضها لكل أحد.
***
الإسلام في أميركا
قسيس مسيحي يسلم
نشرت إحدى المجلات الأمريكية بحثًا ممتعًا لراهب جزويتي تناول فيه مسألة
سرعة انتشار الدين الإسلامي في الولايات المتحدة الأمريكية، ومما جاء فيه:
لقد أخذ الإسلام ينتشر بسرعة مدهشة في جميع أنحاء الديار الأمريكية،
ويبذل ناشروه جهدًا عظيمًا في هذا السبيل حتى عم القرى والمدن الأمريكية، وكلما
حل بجهة اتخذ له مقامًا فيها بشكل محفل أو لجنة أو جمعية يرأسها أناس من
المسلمين.
وفي أميركا خمسة مراكز إسلامية عالية: أهمها مركز نيويورك وأعضاؤه
135 شخصًا ثم مركز ديترويت ثم مركز أنديانانوس وأعضاؤه 36 شخصًا. وإمام
المسجد مسلم من إفريقيا، وفي سنت لويس 75 مسلمًا، ويرجع الفضل في ذلك كله
إلى قسيس مسيحي أسلم، وقام بمهمة التبليغ بالإسلام بين عامة الشعب وقد كلل
جهاده بالنجاح.
وهناك أيضًا سبعين عضوًا من عِلْيَة الأميركيين يقومون بوظيفة تبليغ الدين
الإسلامي ونشره في الأرجاء الأميركية، ولقد صار مركز المسلمين الأميركيين في
بلدة (ووتوكارو) وفيها مسجد شامخ.
وقد كثرت المساجد في أميركا، والصلاة تقام فيها في كل أوقاتها بانتظام
مستمر، وقد أثرت وأثمرت تعاليم الدين الإسلامي في قلوب الكثير من أبناء أميركا.
…
...
…
...
…
...
…
...
…
الجامعة العربية
***
النصب الصهيوني
جامع عمر وهيكل سليمان
في العام الماضي نشرت جريدة الحرية التي تصدر في ديترويت من الولايات
المتحدة الأمريكية ما يأتي:
هل الصهيونية يهودية محضة أم هي أحدث الزحافات التي أخترعتها لندن
لتدويخ العالم أجمع؛ ولإنهاء أجل التمدن الحالي بالمعامع الكبرى الآتي وقوعها في
الشرق الأدنى، وستشعلها شرارة الصهيونية حول القبر المقدس وجامع عمر
ورجمة حجارة يحجها اليهود ويبكون مجد الهيكل الزائل منذ زوال الدولة اليهودية
على أيام الرومانيين أو بعد المسيح بنحو ستين سنة.
***
شيء عن الصهيونية وحكاية الهيكل
تذيع أخبار البروبغندا اليهودية أن الصهيونيين ساعون في الاستعداد لإقامة
هيكل سليمان مكانه القديم وعلى أنقاض أقدس جامع لدى العالم الإسلامي بعد مكة
والمدينة، وقد توسعت البروبغندا المذكورة فقالت: إن اليهود قد أتموا معدات
الهيكل لكنهم لم يجمعوها بعد، ولكنها معدة من حجارة ورخام وحديد وهلم جرَّا
وموزعة على مراكز الجمعيات اليهودية في أقطار أوربا وأميركا، وقد اصطنعوها
على طريقة منظمة كما تصنع أجزاء سيارة فورد في معامل عديدة، ثم متى حان
تركيبها معًا تجمع في المكان المعد لتأليفها وتركيبها وبقليل من الوقت تخرج من
المعمل معدة للاستعمال، وهكذا قضية الهيكل السليماني في أخبار الجرائد
الأميركية، وقد شفعه مذيعوه بالإشارة إلى ما دون ذلك من أهوال الحروب؛ لأن
العالم الإسلامي بأجمعه يقاوم بالقوة اعتداء كهذا على مقام ديني له أمجد أثر في
تاريخ التمدن الإسلامي بعد المقامات النبوية في مكة والمدينة ويعترف مخترعو
هذه الدعوة اليهودية أن مجرد ترويجها خطر على سلام فلسطين فكيف بهم إذا
حاولوا تنفيذها.
ويقولون - وليسوا بمكترثين لوخامة العاقبة -: إن أكبر المعامع في تاريخ
العالم ستجيء في فلسطين، ولكنهم يعتقدون أن مسيحهم المنتظر سيظهر على
الأرض وينصر الدولة اليهودية الجديدة ويُرجع إليها عز داود ومجد سليمان ويكون
الهيكل الجديد قصر الملك اليهودي ومقام النبي أو المخلص مسيّا الآتي، وتشف
البروبغندا التي يذيعونها بهذا الصدد عن كون الجامعات اليهودية قد أعدت مسيّا مع
معدات الهيكل وأخذت تمهد للهجوم بخيلها ورَجْلها ومالها وآمالها على جامع عمر
فتهدمه وعلى كنيسة القيامة فتكمل ما فعلته بها الزلازل، ثم بعد أن تكتسح المحمدية
والمسيحية من أرض الفلسطينيين تعيد إلى العالم اليهودي دولته وتجمع أشتاته من
أطراف الدنيا، وإذا لم تستطع الصهيونية تحقيق كل هاتيك الأوهام والأحلام تعود
قانعة بما تستطيعه من جمع أموال التبرعات اليهودية في الولايات المتحدة وسائر
بلدان العالم.
(المنار)
لا شك عندنا أن كلا من اليهود والإنكليز يكيد للآخر ليستعمله في الوصول
إلى غرضه المنافي لغرض الآخر، ولا شك عندنا في أن الفتنة المنتظرة هي من
أعظم فتن الأرض أو أعظمها على الإطلاق، وهي محاولة إعادة ملك اليهود المعبر
عنها في الأحاديث بفتنة المسيح الدجال.
_________
(1)
نقلا عن جريدة الأخبار الصادرة في 28 جمادى الثانية سنة 1346.
الكاتب: محمد رشيد رضا
الملك فيصل بمصر
مر الملك فيصل بمصر في الخريف الماضي عائدًا من أوربة إلى العراق
واتفق لنا التلاقي مع جلالته بسعي الأخ إحسان بك الجابري الذي كان رئيس الأمناء
له في دمشق إذ كنت فيها؛ لاعتقاده أن تلاقينا قد يفضي إلى ما يفيد الأمة العربية ما
كنا سعينا له هنالك، ولم يتم أو أكثر منه، ذلك بأنه ذكر لي بعد زيارته له أنه
جرى ذكري في الحديث معه في اختلاف السوريين المشتغلين هنا بسياسة المسألة
السورية، وأن جلالته أثنى عليَّ بهذه المناسبة ونوَّه بما كان من احترامه إياي
وتقديمي والثناء عليَّ، وأنه لم يجر بيننا من التغاير ما يسوغ في نظره ما كان بعد
ذلك من طعني فيه، وذكر أنه مع ذلك لم يقل فيَّ كلمة سوء وما زال يقول كل خير.
وسألني إحسان بك هل لدي مانع يصدني عن لقائه بعد هذا العلم بشعوره
الشريف، وكلامه اللطيف، قلت: إن إخواني من هيئة إدارة جمعية الرابطة
الشرقية قد كتبوا إليَّ بأنهم قرروا أن يستقبل جلالته وفد منهم ودعوني إلى ذلك فلم
أذهب؛ لأنني لم أر من الذوق أن أقابله بادئ ذي بدء بعد أن كان ما كان من كلامي
في سياسته وسياسة والده وإخوته، ولو فعلت لكان ذلك مدعاة للقيل والقال، وسوء
التأويل.
قال: وما تقول إذا أبدى جلالته رغبة في هذا التلاقي؟ قلت: أقابل هذه
الرغبة بمثلها بل بخير منها؛ لأنني أسأت إليه ولم يسئ إليَّ، فهل يصح أن
يرضى هو وأظل أنا ساخطًا؟ إذًا أكون حكمت على نفسي باللؤم، وحكمت له
بأعلى مكارم الأخلاق، مهما أكن موقنًا بأنني كنت مصيبًا في انتقادي عليهم وخادمًا
لأمتي وملتي فيه وأنه كان واجبًا عليَّ.
ثم جاءني إحسان بك وأخبرني بأنه كلَّم جلالة فيصل في الموضوع فأظهر
حسن الرغبة في التلاقي، وقال: إنه لم يبق وقت فراغ للقاء الخاص إلا الليلة
المستقبلة، وكان ذلك مساء يوم الثلاثاء، وأن جلالته سيتعشى مع المندوب السامي
البريطاني ويعود إلى الفندق في منتصف الساعة الحادية عشرة ويكون مستعدًا
لمقابلتك، فإن لم يكن لديك مانع أخبرته، قلت: لا مانع وقد عاد جلالته في الموعد
وكان كل منا قد سبقه بدقائق قليلة فخلونا به في حجرة صغيرة من الحجرات التى
خصت به ومكثنا معه إلى نهاية الساعة الأولى بعد نصف الليل، وكنت أنا الذي
استأذنت بالانصراف خلافًا للمعتاد في لقاء الملوك معتذرًا عنه بأنه يريد السفر ظهر
غد فلا بد من ترك فرصة له للنوم، ولم يحضر مجلسنا أحد غير إحسان بك إلا
الأمير أمين أرسلان الذي كان حضر بمعيته من الإسكندرية.
بدأت الكلام معه بعد السلام والمصافحة بذكر وساطة إحسان بك الجابري وأنه
ذكرنا بعهدنا في التلاقي بدمشق، وذكرت له ما قلته له وقال هو مثل ما نقله لي
عنه إحسان أيضًا من استغرابه لطعني فيه مع ما كان بيننا من المودة وعدم صدور
شيء منه يكدرها، وكون اختلافي مع والده لا ينال منه شيء؛ لأنهما لم يكونا
متفقين في موضوعه، بل كان والده ساخطًا عليه وبقى خمس سنين لا يكتب له.
لا أستحسن أن أنقل من حديثه في هذا الخلاف إلا قوله: إنه بذل جهده لدى
والده في أمور منها ما كنا بدأنا بالسعي له في دمشق من الصلح بينه وبين ابن سعود
قال: إنه كان يعتقد أنه مهما يتساهل والده فيه يكن خيرًا له ولهم وللقضية ولا سيما
مسألة الحدود بين الحجاز ونجد وبين سبب ذلك بما علمت منه أنه كان يريد به
حصر ابن السعود مع قومه في دائرة نجد الفقيرة؛ لاعتقاده أنه لا يمكنهم الحياة فيها
فتذكرت أنني لما اتفقت معه على السعي لإقناع كل من والده وابن السعود بالصلح
والاتفاق وكتب كل منا كتابًا لابن السعود بذلك وكتب هو وحده لولده جاء في جواب
ابن السعود لي مع التصريح بالرغبة في الاتفاق بطاقة صغير بأنه هو يرغب في
ذلك ظاهرًا وباطنًا بخلاف شرفاء مكة الذين تنقض أفعالُهم أقوالَهم، وأما هو فلم
يستطع أن يحول والده عن رأيه فيه، ولكنه على كل حال والده يجب عليه تقبيل
يده والمحافظة على كرامته والأدب معه فيما وافق رأيه وفيما خالفه كما قال،
ووافقته على قوله هذا.
ولما ذكر جلالته أن موقفي معه كان غير موقفي مع والده وافقته أيضًا مع
الإشارة بلطف إلى أن سياسة أهل بيتهم في أساسها واحدة، وصرحت بأنني لم
أكتب شيئًا في ذلك كله إلا وأنا أعتقد أنه حق وواجب عليَّ لمصلحة ملتي وأمتي قال:
وأنا ووالدي نعتقد مثل ذلك، ولكن كل أحد يخطئ في اجتهاده ويصيب أفلست
أنت كذلك؟ قلت: بلى، وحاش لله أن أدعي العصمة، ولكني أرجع عن خطئي إذا
ظهر لي، وإنني قد صرحت في أول مقالة كتبتها في انتقاد سياستهم ونشرت في
جريدة الأهرام قبل المنار بأنه هو ووالده من قبله وأخوه الأمير عبد الله من قبلهما قد
عاملوني بمنتهى الاحترام والتكريم والآداب العالية، وإنني لم أنتقد أحدًا وأنا في
خجل من نفسي مما سبق من حسن لقائه وتكريمه غير أهل هذا البيت، ولكن
مصلحة الأمة فوق المجاملات الشخصية.
ثم ذكرت له أنني من عهد قريب ذكرت في المنار ما كان في دمشق من لطف
احتياله عليَّ لقبول شيء لائق من التكريم المادي منه؛ إذ ألح عليَّ بأن أستأجر دارًا
لأن طول الإقامة في الفندق غير لائقة بي وقال: عليك الدار وعلينا الفرش والأثاث
وأنني لما استأجرت الدار لم أخبر جلالته بها، وكتبت إلى نسيبي في طرابلس
فأحضر لي جميع الأثاث منها (قلت له) : إنني ذكرت هذا في ردي على الذين
زعموا أنني أخدم الآن ملك الحجاز ونجد لما بذل لي من المال وأنني فعلت ذلك
معكم من قبل، ليعلموا أنني لم أخدم أحدًا ولا أخدم أحدًا، إنما أخدم أمتي في كل
وقت بما أعتقد أنه الصواب والمصلحة وإنكم تعلمون ذلك كملك الحجاز ونجد،
ويعلمه كل من اطلع على كلامي.
ثم انتقلنا من بحث العتاب إلى البحث الأهم وهو بحث الأمة العربية ومستقبلها
وما يجب على ولاة أمورها وأهل الرأي والعمل فيها وهو الذي كنت أحاول
استخلاصه من لقائه لأعلم ما عسى أن يكون بقي من تأثير تلك الأيمان المغلظة
والعهود الموثقة التي أخذتها عليه جمعيته العربية، بل لأعلم ما يقول في المسألتين
العربية والإسلامية اللتين بينت له في دمشق القول الفصل فيهما، وقد صار ركنًا
في تنفيذ ما وافقني عليه يومئذ من ذلك ولا سيما الاتفاق مع عبد العزيز آل سعود
الذي بدأنا به في دمشق وقد علمت من فحوى الحديث أنه لا مجال لعمل شيء في
المسألتين على أنه ذكر في حديثه رأيه في ابن السعود وملكه، وليس من الأصول
أن أذكر ما سمعته ولا استنبطته من كلامه، ولكنني أجيز نشر كلمة صالحة من
كلامه في خصمه باعترافه الملك عبد العزيز بن سعود ومعاهدته الأخيرة مع
الإنكليز قال ملخصه: إن عبد العزبز زعيم كبير ذو مزايا نادرة تفتخر به الأمة
العربية فإنه عمل بكفايته الشخصية عملاً عظيمًا في زمن قصير، إنه وفق في هذه
المعاهدة توفيقًا عظيمًا، ثم لما ذكر رأيه في قومه وسياسته لهم وتعذر دوامها مع
فقرهم وصعوبة مراسهم، ذكر مسألة إغارة فيصل الدويش على العراق وقال: إنه
يعتقد أن هذا الاعتداء بدون إذنه ولا رضاه وأنه لا يبعد أن يسر بتمكن العراق من
كبح جماحه إن حصل، ثم جاءت الأنباء بما يؤيد هذا بعد وصوله إلى العراق بمدة
طويلة، لكن لم تلبث المصادر الشبيهة بالرسمية في الحجاز أن بينت أن حكومة
العراق هي المتحرشة بالنجديين وحكومتهم ببنائها سلسلة حصون على الحصون
خلافًا للمعاهدة بين الحكومتين المانعة من ذلك.
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
تقريظ المطبوعات الحديثة
(إعجاز القرآن)
الطبعة الثالثة، وهي الملكية بمطبعة المقتطف، صفحاته 450 تقريبًا.
سبق لنا أن قرظنا هذا السِّفْر الجليل بمقدمة الطبعة الثانية، ونشرها الأستاذ
المؤلف في صدر الكتاب وجعلها عرضًا له على الأنظار، ولما نفدت نسخ هذه
الطبعة رأى صاحب الجلالة الملكية الجالس على عرش مصر أن يعاد طبعه ويعم
نشره فأصدر أمره الكريم بطبع ألوف كثيرة من نسخه على نفقة الخاصة الملكية
وأمر -وفقه الله- أن يباع الكتاب للجمهور بخمسة قروش مصرية وهي تكاد تكون
نصف النفقة المطبعية، وقد أخرجه مؤلفه الفاضل في هذه المرة بثوب قشيب وحلة
جميلة ازدانت بصورة جلالة مولانا الملك فؤاد الأول مع صور شمسية لأوراق من
القرآن الكريم المعروف (بمصحف الملك) الذي لم يطبع بعد كذلك تحلى جيد هذا
الكتاب بتقريظ من أسمى التقاريظ وأبلغها يكفي أن يعرف أن كاتبه الرئيس الجليل
المرحوم سعد زغلول باشا وأضيف إلى ذلك حكمة للمؤلف كتبها لهذه الطبعة الثالثة
من خيرة ما خطه يراعه البليغ، والناس تتهافت على شرائه فهو في غنًى عن
ترغيبهم فيه.
***
(تاريخ اليمن)
المسمى (فرحة الهموم والحزن في حوادث وتاريخ اليمن) تأليف الأستاذ
العلامة الشيخ عبد الواسع اليماني تناول فيه مؤلفه طرفًا هامًّا من تاريخ اليمن
وجغرافيتها، وقد انتصر على ذكر الحوادث التى اختارها بعد المائة الثانية عشرة
للهجرة، وقد طبع على ورق من القطع المتوسط والعادي وثمن الأول اثنى عشر
قرشًا والثاني عشرة قروش مصرية ويباع في مكتبة المنار.
***
(الوجيز في الأدب وتاريخه)
تأليف الأستاذ عبد السميع أفندي البطل أستاذ الأدب بمدرسة رقي المعارف
يشمل مقرر الكفاءة والبكالوريا مطبوع على ورق صقيل جيد من القطع المتوسط
وثمن النسخة عشرة قروشٍ يباع في مكتبة المنار وغيرها.
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
الرد على الزعيم محمد علي الهندي
في موضوع ملك الحجاز وحكومته وقومه والخلافة
(1)
وردت على مؤتمر الصحافة بمصر برقية من مكة المكرمة تنبئ بأنه
(اكتشف في مكة مؤامرة خطيرة ضد حكومة الحجاز أدت إلى القبض على شخص
يدعى الشيخ عبد الله من العسير بتهمة التجسس، وقد ضبطت في حيازته أوراق
من بينها خطابات إلى الإمام يحيى وولي عهده من (شوكت علي) الهندي يحثهما
فيه على النهوض لغزو ابن السعود كما ضبطت خطابات أخرى في حيازة حسن
عطاس وعبد العزيز اليمني تثبت اتصالهما بهذا الزعيم الهندي) .
وقد اتفق أن ألم بمصر في أثناء ورود هذه البرقية الزعيم محمد علي الهندي
شقيق شوكت علي الشهيرين في طريق سفره إلى أوربة فاطلع على هذه البرقية فرد
عليها (بتصريحات) ألقاها إلى جريدة الأخبار الغراء فنشرتها في اليوم 23 من ذي
الحجة الحرام، فألفينا فيها من المواربة وإخفاء الحقيقة التي نعرفها منه ومن أخيه
أيام عقد المؤتمر الإسلامي العام بمكة المكرمة ومن بعض ما خطب به في الهند
ونشره في جرائدها ما دَعَّنَا إلى الرد عليه دعًّا (على إردام الحُمَّى [*] علينا منذ
شهر ونصف ونهي الأطباء إيانا عن الكتابة والقراءة) فكتبنا مقالاً لم يتيسر نشره
في الأخبار حيث نشرت تلك التصريحات بل فُقِدَ فاضطررنا إلى كتابة هذا المقال
الثاني، وكان بعض الكتاب من إخواننا المسلمين نشروا في جرائد أخرى ما
استهجنوا به طعن الزعيم محمد علي في جلالة ملك الحجاز وبث دعايته بمصر في
عداوته له في الوقت التي تظهر الأمة كلها شكر جلالته والثناء عليه لما قام به من
خدمة حجاج بيت الله الحرام بتأمين البلاد المقدسة وتسهيل المواصلات فيها وغير
ذلك، وتحث الحكومة على موالاته وشد أواخي الاتفاق مع حكومته لمصلحة
القطرين؛ ولما يقتضيه دين الحكومتين والأمتين، وإنني أقسم الكلام إلى ثلاثة
فصول:
(1)
في دفاع الزعيم عن أخيه ونفسه.
(2)
في حكومة الحجاز وما وعد به ابن السعود فيها.
(3)
في قوم ابن السعود وقوته والخلافة، وتصدي الزعيمين لإقامتها أو
الاتجار بها.
***
(1)
دفاع الزعيم عن أخيه ونفسه
احتج على تبرئة أخيه مما جاء في برقية مكة بأمور:
(أحدها) قوله: (وهل مبادئنا وآراؤنا وأفكارنا في حاجة إلى مؤامرات أو
تدبيرات خفية أو أعمال غير مشروعة) ؟
(ثانيها) قوله: (إننا لم نكن ضد ابن السعود شخصه، ولكن لأنه جعل
نفسه ملكًا على الحجاز، ونكون ضد الإمام يحيى إذا حدثته نفسه بأن يكون ملكًا
على الحجاز؛ لأننا نعتقد أن الملوكية هي أول بدعة في الإسلام بخلاف الخلافة
التي لا تعرف الملوكية بحال) وسماها في آخر تصريحاته وثنًا قال: إنه يجب
هدمه والتخلص منه، ذكر أنهم يحاربون مبدأ الملوكية، ويعتقدون أنهم ينتصرون
بالحق ومقارعة الحجة بالحجة، ويعتقدون: (أن غير ذلك من الوسائل التي يلجأ
إليه ذوو الغايات من التدبيرات والمؤامرات أو استخدام وسائل الضعف (كذا)
والقتل والاغتيال من أضر الوسائل المؤدية إلى الفشل) إلى أن قال: (ولا نعمل
كما يعمل غيرنا؛ إذ يجمع النقود من المسلمين باليمين لينفقها بالشمال في سبيل
تقوية دعائم ملكه، ولو علم أنها لا تنفق إلا على الملذات والشهوات لضن بها
وصرفها فيما هو خير من ذلك) اهـ (رمتني بدائها وانسلت) .
ونقول في تفنيد هذا الدفاع: (أولاً) إن مما لا يمكن إنكاره ولا المكابرة فيه
أن عداوته وعداوة أخيه لابن السعود عداوة سياسية، والسياسة هي التي تكون دائمًا
ذات مبادئ ظاهرة ودسائس باطنة، فهما ينازعان الرجل في ملكه ويسعون لإسقاطه،
ولا يظن عاقل أن الغرور قد بلغ منهما أن يعتقد أنهما يقلبان ملكًا عن كرسي ملكه
بالحجج، وقد تألب العالم الإسلامي كله (تقريبًا) على الملك حسين وكان هو
وأخوه من أشد الناقمين عليه، وكان كاتب هذا الرد أشد منهما في ذلك وله في ذلك
المقالات السياسية والفتاوى الشرعية، والحجج الدينية الناهضة التي نشرت في
المنار وفي غيره من الجرائد اليومية السياسية، ومنها مقالات (السيد العلوي) التي
نشرت في جريدة الأخبار، ولم يستطع العالم الإسلامي بسخطه ولا بإنكاره وحججه
أن يثل عرش الملك حسين ثم ولده علي من الحجاز، وإنما ثله سيف ابن السعود
فقط فالمبادئ الظاهرة لا تنافي السعي في الدسائس الباطنة، والأعمال الخفية غير
المشروعة.
(ثانيًا) إنه لا معنى لنفي العدواة الشخصية لملك ممن يعترف أنه يسعى
لإسقاط ملكه؛ لأن عداوة الملك الشخصية لا تكون شرًّا من هذا؛ إذ لا يعقل أن
يعادى الملك لطوله أو قصره أو لونه أو سمنه أو هزاله أو دمامة صورته أو غير
ذلك من صفاته الشخصية.
ولو كانت عداوة الزعيمين لجلالة عبد العزيز آل سعود لأجل تسميته ملكًا
على الحجاز عداوة لصفة حكمه لا لشخصه، وكان سببها ما زعمه الزعيم محمد
علي من كون الملكية أول البدع في الإسلام - وكانا لشدة تمسكهما بالسنة يعاديان
كل صاحب بدعة- لعاديا جلالة ملك مصر وجلالة ملك الأفغان أيضًا، ولواليا الإمام
يحيى؛ لأنه لم يلقب بلقب الملك، ومراده ومراد قومه بلقب الإمامة عين ما يريده
الزعيمان من لقب الخلافة، وإذًا يصح ما يقال من أنهما يغريانه بالزحف على
الحجاز وإنقاذه من الملك عبد العزيز؛ لتعميم إمامته وتقرير خلافته، فإن كان
يصدهما عن هذا ما ينتحلان من مذهب السنة وعلمهما أنه هو وقومه على مذهب
الزيدية وأصول المعتزلة فيما يسمونه العدل والتوحيد بالمعنى الذين ينكره عليهم
أهل السنة، فلم لا يعاديانه لأجل بدعتي التشييع والاعتزال، وهما المدعيان القيام
بإقامة السنة وهدم الابتداع.
على أن الزعيمين يطعنان في شخص عبد العزيز آل سعود بما لا علاقة له
بملكه ولا بشكل حكمه، وما أظن الأخ محمد علي نسي يوم وجدته في الصباح
جالسًا في الحرم الشريف مع جماعة وأنا منصرف من طوافي فسلمت عليهم
وجلست إليهم فألفيته يغتاب ابن السعود حتى في شكل لحيته، وما يقال من كثرة
زواجه، فأنكرت عليه ذلك أمام بيت الله تعالى حيث تتضاعف السيئات كما
تتضاعف الحسنات، وما اعتذر به من إخلاصه وحسن نيته وما رددت عليه
بالمعروف واللطف من كون الإخلاص وحسن النية لا يحيلان المعصية طاعة ولا
يبدلان السيئة حسنة، وكونهما سريرة بين العبد وربه لا نعلمهما فتقوم بهما علينا
الحجة.
حينئذ استدل على إخلاصه وإخلاص أخيه باضطهاد حكومتهما البريطانية لهما
واعتقالها إياهما ورفع شعبهما لهما إلى مقام الزعامة، فقلت له: أنا لا أطعن في
إخلاصكما فيما قاومتما به حكومتكما ولا في غيره، لا لما احتججت به عليه بل لأنه
سريرة خفية لا يعلمها إلا الله تعالى، وأما هذه الحجة فهي داحضة عند من يعرف
التاريخ الماضي وأحداث العصر الحاضر، فإننا نعرف في بلادنا أناسًا اعتقلتهم
السلطة الأجنبية بجهل وغباوة منها فصارت العامة تعظمهم وتجلهم وتعدهم من
المجاهدين في سبيل الأمة والوطن، ومنهم من نعرفه معرفة الخبر الطويل بأنه
مادّيّ محض يتجر بالوطن والأمة، ويحتقر الدين والملة، ثم يدعي الزعامة بمثل
هذه الشبهة.
(ثالثًا) إن كانا لا يسعيان إلى غرضهما من تحويل حكومة الحجاز الملكية
إلى الجمهورية كما قالا في الحجاز، أو الخلافة كما قال هو في مصر إلا من
الطرق المشروعة كما ادعى فما بالهما قد بثا الدعوة في الهند إلى ترك إقامة فريضة
الحج ما دام ابن السعود ملكًا في الحجاز، فهل شرع الله لهما أن يهدما الركن
الاجتماعي الديني العام من أركان الإسلام (وهو ركن الحج) لأجل نكاية ابن سعود
وإخضاعه لسياستهما الوهمية؟ ماذا يجيبان الله تعالى يوم القيامة إذا سألهما عمن
أضلا من عوام الهنود فتركوا أداء فريضة الحج مع الاستطاعة حتى ماتوا ثم جاءوا
في ذلك اليوم يقولون: {رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ} (الأعراف: 38) .
(رابعًا) أغرب ما جاء في تصريحات الزعيم الهندي قوله: (ولا نعمل كما
يعمل غيرنا؛ إذ يجمع النقود من المسلمين باليمين لينفقها بالشمال) إلخ، ما تقدم،
فأول العبارة صريح في أن الذي يجمع النقود هو الملك ابن السعود، وأن غرضه
منها تقوية دعائم ملكه، وهو غرض شريف وآخرها صريح في كونه لا يعلم أين
تنفق، ولوعلم لضن بها وأنفقها فيما هو خير من ذلك (وهذه شهادة صالحة)
(والفضل ما شهدت به الأعداء) ولكن العبارة تنافي ما قبلها فهي تدل على أن الذي
يجمع النقود المشار إليها غيره، ولعل المراد أنه يجمعها له وباسمه ولكنه لا يوصلها
إليه، ولم يبلغنا أن فردًا من الأفراد ولا جماعة من الجماعات تجمع نقودًا من الهند
ولا من غيرها لملك الحجاز أو باسمه، وإن وجد من يعمل ذلك وصح ما قاله
الزعيم فيهم فإن ذلك لا يعيب جلالة الملك الصالح المصلح الذي علم مئات الألوف
من الحجاج بالمشاهدة وعلم الملايين من الناس بالنقل المتواتر أنه ينفق المال فيما لم
يسبقه إليه أحد من ملوك المسلمين ولا خلفائهم من تسهيل أداء فريضة الحج ومنع
الأذى عن مؤديها، ومنه ما رأوه في الموسم الأخير من تبليط المسعى بين الصفا
والمروة ومنع الرواحل والدواب منه وإراحة الحاج من ذلك الغبار الذي كان يملأ
الأفواه والأنوف حتى يصل إلى الصدور، ومنها المظلات العامة في الحرم الشريف
وفي منى وفي طريق عرفات لوقايتهم من ضربة الشمس التي كان يموت بها في
كل عام عدد كثير، دع الأمن العام الشامل من أول يوم والإسعافات الطبية
والسيارات التى كانت تغدو وتروح بين مكة وعرفات لافتقاد من يعجز عن المشي
أو يصاب بأذًى في الطريق فتحمله إلى مواضع الإسعاف.
ولعل الزعيم لم يجرؤ على التصريح بمن عرَّض به أو بهم في مسألة النقود؛
لئلا يسألوه عن مئات الألوف من الجنيهات التي أخذتها جمعيته من بلاد الهند،
وقيل: إن كذا وكذا منها قد ذهب بإفلاس أمين الصندوق، والباقي علمه عند علام
الغيوب ثم يضربوا له ولهم المثل المشهور (رمتني بدائها وانسلت) .
هذا، وإنه قد ورد النبأ الرسمي من حكومة الحجاز على الوكالة العربية في
مصر بأن خبر المؤامرة على الحكومة الذي بلغته نقابة الصحافة المصرية لم يثبت
وإنما ثبت وجود الخطابات من (شوكت علي) مع الجاسوس عبد الله العسيري،
ويؤخذ من فحوى هذه الخطابات أنها اتخذت ذريعة لابتزاز الأموال.
لو شئت لأحصيت كل دعاوى الزعيم الكبير محمد علي في تصريحه وفندتها
وجنيت على قراء مقالي بتكليفهم قراءتها، وهي لا تعنيهم ولا يعنيهم أمر صاحبها،
وإن كان زعيمًا لبعض الهنود على أنه فَقَدَ جُلَّ زعامته، والباقي منها على شفا جرف
هار، لهذا أكتفي بالمسألتين اللتين تعنيان جماهير المسلمين ومحبي التاريخ الصحيح
من غيرهم، وهما وعد ابن سعود للعالم الإسلامي بعقد مؤتمر يستنير برأيه في أمور
الحجاز، وكتابته لملوك المسلمين ورؤساء حكوماتهم وأشهر جماعاتهم وبعض
علمائهم بذلك، ومسألة رجال قوم ابن السعود وشعبه ومسألة الخلافة وخطل الزعيمين
فيها فأقول:
***
(2)
حكومة الحجاز وما وعد ابن السعود فيها
قد صرَّح الإمام عبد العزيز آل سعود بقصده وغرضه من الزحف على
الحجاز تصريحات أذاعت بعضها الصحف المصرية وغيرها، أولها ما فاه به في
نجد قبل خروجه منها إلى الحجاز، وخلاصتها أنه يريد تطهيره من إلحاد الظلم
والاستبداد ويؤمنه ويقيم فيه الشرع والعدل مسترشدًا بآراء أهل العلم والرأي في
العالم الإسلامي، وبعد أن التقى في مكة المكرمة بفضيلة الأستاذ المراغي مندوب
جلالة ملك مصر وبسعادة سفير إيران في مصر (اللذين ألما بالحجاز على إثر ما
أذاعه الشريف علي وهو محصور في جدة من هدم الوهابيين لقبة الحجرة النبوية
وهدمهم للمساجد والمشاهد) وما كان من تحاوره مع هذين المندوبين الذكيين اقتنع
بأن ينجز وعده المجمل المشار إليه بصفة تفصيلية رسمية هي أن يدعو أشهر
رؤساء الحكومات الإسلامية المستقلة، وشبه المستقلة وأشهر الجماعات الإسلامية
في الهند وسورية إلى إرسال مندوبين من قبلهن لعقد المؤتمر الإسلامي الموعود به
ثم يدعو بعض أفراد العلماء في البلاد التي ليست فيها حكومات إسلامية ولا جمعيات
مشهورة لذلك.
كتب بذلك إلى أصحاب الجلالة ملك مصر، وإمام اليمن وشاه إيران، وملك
الأفغان، ورئيس جمهورية الترك، وسمو باي تونس، وإلى جماعة علماء الحديث،
وجمعية العلماء، وجمعية الخلافة بالهند، والمجلس الإسلامي الأعلى في القدس
الشريف، وإلى الأستاذ المحدث الشيخ بدر الدين الحسني وإخوانه العلماء في الشام،
كتب لهؤلاء كتابًا بنص واحد نشر في أشهر الجرائد، وكان تاريخه 8 ربيع
الآخر سنة 1344 وأهم ما جاء فيه قوله بعد قصده من جهاده: (إنني والذي نفسي
بيده لم أُرِدْ التسلط على الحجاز ولا تملكه، وإنما الحجاز وديعة في يدي إلى الوقت
الذي يختار الحجازيون واليًا منهم يكون خاضعًا للعالم الإسلامي وتحت إشراف الأمم
الإسلامية والشعوب التي أبدت غِيرة تذكر كالهنود) .
(إن الخطة التي عاهدنا عليها العالم الإسلامي التي لا نزال نحارب من
أجلها مجملة فيما يلي:
1-
إن الحجاز للحجازيين من جهة الحكم، وللعالم الإسلامي من جهة الحقوق
التي لهم في هذه البلاد.
2-
سنجري الاستفتاء التام لاختيار حاكم للحجاز تحت إشراف مندوبي العالم
الإسلامي، وسنسلم الوديعة لهذا الحاكم على الأسس الآتية، وذكر خمسة أسس:
(أولها) : كون الحكم بالشريعة المطهرة ومرجع الناس إليها.
(ثانيها) : حكومة الحجاز يجب أن تكون مستقلة في داخليتها، ولكن لا
يصح أن تعلن الحرب على أحد، إلخ.
(ثالثها) : لا تعقد حكومة الحجاز اتفاقات سياسية مع أي دولة كانت.
(رابعها) : لا تعقد اتفاقات اقتصادية مع دولة غير إسلامية.
(خامسها) : تحديد الحدود الحجازية ووضع النظم للحكومة (موكول
للمندوبين المختارين من الأمم الإسلامية وسيحدد عددهم باعتبار المركز الذي تشغله
كل دولة في العالم الإسلامي والعربي، وسيضم لهؤلاء ثلاثة مندوبين من جمعية
الخلافة وجمعية أهل الحديث وجمعية العلماء في الهند، ثم قال: إن هذا ما نواه
وطلب من كل مخاطَب الإسراع بإرسال مندوبيه وإخباره عن الوقت الذي يناسب
عقد المؤتمر فيه، هذا ملخص المهم من الكتاب ومن شاء أن يطلع على نصه كله
فعليه بالمجلد 26 من المنار ص 54.
فالقارئ يرى أن ابن السعود إنما وعد بأن يمنح الحجاز استقلالاً إداريًّا في
داخليته ويقيم فيه واليًا منتخبًا، وقيد فيه هذا الوالي في التصرف الاقتصادي ولم
يجعل له حقًّا في الأمور السياسية ولا العسكرية بل احتفظ بهما لنفسه بالطبع، ولكن
رؤساء الحكومات الإسلامية التي أراد أن تكون مشرفة على اختيار الوالي الإداري
للحجاز وتحد حدوده وتضع للبلاد النظم الداخلية كلها في حدود الشريعة لم يجب
دعوته العاجلة منهم أحد فسقط ما أعطاهم من الحق في ذلك.
فهذه هي الوثيقة الرسمية التي يدندن حولها الزعيمان شوكت علي ومحمد علي
وكذا سفير إيران بمصر كما نشر عنه في الجرائد من قبل قد بلغ الغرور من
الزعيمين الهنديين مبلغًا لا تتطاول إلى مثله أعناق الملوك أولي الجيوش الجرارة
فتوسعا في تفسير هذا الوعد وأباحا لأنفسهما الإسراف في الطعن والزراية على
الملك المصلح العادل التقي الذي عرضت عليه البيعة بالخلافة العظمى فلم يقبلها
تواضعًا وتنصلاً من أعبائها، وما يترتب عليها من الفتن فوصفه الزعيم محمد علي
في تصريحه الأخير بمصر ببعض ما نبذه في خطبه بالهند من ألقاب الكذب
وإخلاف الوعد والحنث بالأيمان.
قال في تصريحه: (لقد رأينا سوء الإدارة الملكية طول مدة حكم الشريف
حسين فقرَّرْنَا تطهير بيت الله الحرام، وكعبة الإسلام، بل وجزيرة العرب من
رجس الاستبداد الملكي بحيث لا نسمح ولا نرضى بوجود ملك أو سلطان هناك،
وقد كان ابن سعود من رأينا وأقرنا على هذه الفكرة ووافقنا على مبدئنا وأعطانا
عهدًا صريحًا ووثيقة كتابية بذلك لا تحتمل التأويل، وكنا نودّ وهو يقول بأنه من
أشد الناس محافظة على سنة الرسول أن يتذكر أنه عليه الصلاة والسلام هو
(الصادق الوعد الأمين وأن يتذكر بأن من أخلاق الإسلام أن المؤمن إذا قال صدق،
وإذا وعد لا يخلف، وإذ حلف لا يحنث) إلخ، فما قيمة هذين الرجلين، وما قيمة
جمعيتهما التي فشلت فيما أنشئت لأجله حتى يدعيان هذا التصرف في جزيرة
العرب.
إن ابن سعود لم يخص محمد علي وشوكت علي بوعد غير ما وعد به العالم
الإسلامي عامة، ومن ذكرنا من رؤساء حكوماته وأشهر جماعاته وهو ما يفهم من
كلام محمد علي هنا بأن لا يكون في جزيرة العرب ملك ولا سلطان، وإنما وعدهم
كما وعد العالم الإسلامي كله بتطهير الحجاز من الظلم والاستبداد وقد وفى بوعده
هذا خير الوفاء، وأما وعده المتعلق بشكل الحكومة الداخلية في الحجاز الذي ذكرنا
نصه الرسمي فلا يصح أن يقال: إنه أخلفه إخلافًا يستحق عليه أمثال هذه المطاعن
وإنما حال دون إنجازه أمران ليسا من سعيه ولا من عمله:
(أحدهما) : ما أشرنا إليه من عدم إجابة رؤساء الحكومات الإسلامية إياه
إلى إرسال مندوبين من قبلهم للتمهيد لذلك الإنجاز بعقد المؤتمر الإسلامي وغيره،
فاضطر إلى عقده بدون تدبير أحد منهم لتقصيرهم لا لتقصيره، وسنذكر ما كان من
أمر من أرسلوا وفودهم إلى المؤتمر وأهمه تهنئتهم لابن السعود بنصبه ملكًا على
الحجاز.
(ثانيهما) : رأي أهل الحجاز أنفسهم، فهم لم يرضوا أن يكون عليهم
مسيطرون من دول أجنبية عنهم المستقل منها مخالف لهم في المذهب كاليمن وإيران
أو في الجنس كالترك والأفغان، وناهيكم بحال الترك بعد انسلاخ دولتهم من دين
الإسلام، وغير المستقل في أموره تحت سيطرة دول الاستعمار الأوربية ولا سيما
الخارجية، وإذا لم يرضوا بسيطرة ولا تدخل من الدول الإسلامية في شؤونهم فعدم
رضاهم بتدخل الشعوب الإسلامية المستذلة لدول الاستعمار كالهند والجاويين
والمغاربة أحق وأولى، وهم - أي أهل الحجاز - معترف لهم من الدول العظمى
بالاستقلال المطلق لذلك بادروا بعد استيلاء الإمام عبد العزيز بن السعود على جميع
الحجاز وتسليم الشريف علي له رسميًّا على مبايعته بشروط تتضمن: التفصي من
كل سيطرة ونص البيعة يدل على ما بيناه من رأيهم آنفًا فلم يسعه إلا قبول بيعتهم،
وإلا كان مستبدًّا فيهم بتحكيم غيرهم في أمورهم، وإنما غرضه الأول إزالة
الاستبداد من الحجاز، فلو أجاب أولئك الملوك والرؤساء دعوته التي سبق
بيانها ورفض ذلك أهل الحجاز لما ساغ له إجبارهم على قبول تلك السيطرة فكيف
وهم لم يجيبوا الدعوة؟ فهل يقال مع هذا: إن ابن السعود وعد بأن يجعل الحجاز
تحت مراقبة العالم الإسلامي ثم أخلف الوعد مختارًا، وكذب متعمدًا؟ كلا إنما تعذر
ذلك عليه من الجانبين جانب الحجاز وجانب الدول والجماعات الإسلامية، وكان
ذلك هو الخير ولله الحمد.
وهذا نص بيعة علماء الحجاز وشرفائهم وممثلي جماعاتهم لابن السعود بعد
البسملة والحمدلة والتصلية (نبايعك يا عظمة السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن
الفيصل آل السعود على أن تكون ملكًا على الحجاز على كتاب الله وسنة رسوله
صلى الله عليه وسلم وما عليه الصحابة رضي الله عنهم والسلف الصالح والأئمة
الأربعة رحمهم الله تعالى، وأن يكون الحجاز للحجازيين، وأن أهله هم الذين
يقومون بإدارة شؤونه، وأن تكون مكة المكرمة عاصمة الحجاز، والحجاز جميعه
تحت رعاية الله ثم رعايتكم) .
كتب هذا النص أهل الحل والعقد في العاصمة ثم بايعوه به وتلاهم أمثلهم من
سائر الأمصار وتلاهم مشايخ الأعراب ورؤساؤهم، وأنت ترى أنهم بايعوه على ما
كان يبايع به الخلفاء الراشدون، واشترطوا عليه إقامة مذهب أهل السنة ومنهم أئمة
الفقه الأربعة، وأن يكون الحجاز لأهله لما ذكرناه من ملاحظتهم آنفًا.
وإنما سموه ملكًا؛ لأن هذا اللقب له شأن عند الدول الأجنبية التي اعترفت
باستقلالهم المطلق، وهو لقب لا يقتضي الاستبداد والظلم، ولا هو ممقوت عند الله
ولا عند رسوله والمؤمنين فقد كان نبي الله داود، ونبيه سليمان عليهما السلام ملكين،
وقد امتن الله عليهما بذلك بل امتن على قومهما بني إسرائيل بقوله: {اذْكُرُوا
نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً} (المائدة: 20) الآية، وبهذه
احتججت على محمد علي بمكة المكرمة.
ولقب الخليفة لم يكن بأمر من الله تعالى، ولم يطلقه الصحابة إلا على أبي
بكر وحده لأنه خلف الرسول صلى الله عليه وسلم ولقبوا سائر الراشدين بأمير
المؤمنين، ثم صار المؤرخون يطلقونه على الراشدين من بعدهم وعلى خلفاء
الأمويين والعباسيين.
ومن استقرأ أقوال ابن السعود في شكل حكمه، سواء منها ما نشره في
بلاغاته وخطبه الرسمية وغير الرسمية، وما دار بينه وبين الجماعات أو الأفراد
من أهل الحجاز وغيرهم يراها صريحة في التبرؤ من عظمة الملك وحب العلو في
الأرض، أو تفضيل نفسه على أحد من الخلق، بل هو يتنصل كثيرًا من لقب ملك
وقول: أنا رجل بدوي أو من عامة الناس، ويرى أعماله وأحكامه وشمائله مصدقة
بذلك فهو أبعد من الطبقات الوسطى في الثروة والترف والتنعم في مأكله ومشربه،
والتطرس والتطرز في ملبسه، والإفناق والتورُّن في سائر أحوال معيشته، اللهم
إلا الطيب فإنه يتطيب دائمًا ويفضل عطر الورد على غيره، ويحب النساء
ويكرمهن متأسيًا بالرسول صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله في قوله: (حُبِّبَ
إليَّ من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة) رواه الإمام أحمد
والنسائي من حديث أنس، وهو كثير الصلاة، ولا سيما في الليل.
وجملة القول أنه ليس في عبد العزيز بن السعود شيء مما يشكو منه محمد
علي الهندي وبعده من غطرسة الملك وكبريائه - من قول ولا عمل ولا خلق ولا
تحكم ولا تحجب ولا تكبر- بل هو يتحرى سيرة الخلفاء الراشدين بقدر طاقته،
فهل يعذر هو وأخوه وجمعيتهما على عداوته لأجل لقب يزعمون أنه منبع الضلال
والشرور، وإن تحلى به بعض الصالحين والأنبياء المرسلين؟
كلا إن الرجلين ليسا من البلادة والجهل بحيث يعتقدان أن للألقاب هذا الشأن
والتأثير بل يغالطان ويسفسطان كما هو شأن أمثالهما من أهل النزعات السياسة،
وإنما كانا يسعيان لأمر لهما فيه هوًى شخصي، وهو جعل الحجاز جمهورية يدير
أمرها مجلس إسلامي مؤلف من جميع الشعوب الإسلامية لكل شعب فيه من
الأعضاء بنسبة عدده، فإذا كل لكل مليونيين فما دونهما من كل شعب مندوب أو
عضو في هذا المجلس كما نقل لي عنهما، وليكن مثلا يكون لنجد عضو واحد
وللحجاز عضو واحد، ولمصر سبعة أعضاء؛ لأن أهلها 14 مليونا؛ وأما الهند
فيكون لمسلميها 35 عضوًا؛ لأنهم يبلغون 70 مليونا؛ وعلى هذا يكون لهم الرأي
الغالب في أنفسهم، فكيف إذا أمكنهم استمالة بعض الأعضاء من الشعوب الأخرى
والاتفاق معهم؟
وقد بينا في هذا المقال ضعف هذا الرأي وأفن العقل الذي يتخيله، وما لأهل
الحجاز من العذر في عدم قبوله، وإن ابن السعود لم يَعِدْ بهذا وإنما أشار في خطابه
لرؤساء الحكومات الإسلامية بأن المندوبين في المجلس الإسلامي الذي يحدد الحدود
الحجازية ويضع النظم المالية والإدارية للحجاز (سيحدد عددهم باعتبار المركز
الذي تشغله كل دولة في العالم الإسلامي والعربي) إلخ، ما تقدم آنفًا، ومنه أنه لم
يعط الهند إلا ثلاثة أعضاء لجمعية الخلافة واحد منهم.
وقلنا فيه أيضًا: إن رؤساء هذه الدول لم يقبلوا الدعوة لإنجاز هذا الوعد
ونزيد عليه أنه لما عقد ملك الحجاز المؤتمر الإسلامي العام حضر مندوبون من قبل
إمام اليمن ورئيس جمهورية الترك وملك الأفغان دون غيرهم، وقد جاءت هذه
الهنود مهنئة لجلالة الملك عبد العزيز وراغبة في شد أواخي المودة والصداقة معه،
ولم يتعرض أحد منهم للاعتراض على ملكيته.
وإنني لما اقترحت في المؤتمر الاحتجاج على إلحاق منطقة عقبة ومعان
بحكومة شرق الأردن التي جعلتها الدولة البريطاني تحت سيطرتها، وهي منطقة
حجازية وتقرير طلب إعادتها إلى الحجاز كان مندوبا الحكومة المصرية قد حضرا
المؤتمر متأخرين فانسلا من الجلسة بحجة أنهما غير مفوضين بالتدخل في أمور
الحجاز السياسية تبعهما مندوب اليمن ومندوب الأفغان لهذه الحجة، ومعلوم أن هذه
المسألة تتعلق بحدود الحجاز التي وعد ابن السعود بجعلها من خصائص مندوبي
الدول الإسلامية.
ثم إن جلالة ملك الحجاز قد أرسل إلى المؤتمر بيانًا بخطته في حكومة الحجاز
ليبدي رأيه فيه فقرأه الرئيس وطلب من الأعضاء إبداء رأيهم فيه فقلت: إنني لا
أرى حاجة للمناقشة فيه، فهذه الخطة صارت معلومة لنا إلخ، فلم ألق معارضة
تذكر في هذا الرأي، بل كان مقبولاً من المؤتمر وتقرر عدم المناقشة فيه.
هذا وإن تفصيل هذه المسائل سيجده محبو الاطلاع عليه في رحلتي الحجازية
الأخيرة إذا يسر الله طبعها، وخلاصة القول: أن الزعيمين الهنديين كانا شاذين في
مكة المكرمة وكان شذوذهما وتهورهما مدعاة الاستغراب من مندوبي جميع الشعوب
وتعجب العقلاء كيف صار هذان الرجلان زعيمين سياسيين في الهند ولا عجب فإن
التهور في الجرأة والشذوذ في القول والعمل أعظم مجلبة للعوام.
ولم نسمع من الزعيمين المكرمين في مكة كلمة في طلب إحياء الخلافة
الإسلامية في الحجاز ولا في غيره، وإنما هذه نبأة جديدة صاح بها محمد علي في
مصر، ويرى القراء في آخر هذا المقال ما يهمهم من أمرها مختصرًا مفيدًا.
***
(3)
رجال ابن السعود وشعبه
لخص الزعيم المذكور ما بسطه من أسباب عداوتهم لابن السعود بقول:
(ومما تقدم تبين أننا نخالف ابن السعود لسببين: (الأول) تمسكه بالملك وعدم وفائه
بالعهد الذي تعهده لنا (الثاني) أن تمسكه بالملك يجعله في حاجة إلى من يعتز به
في ملكه، فهو يعتز برجاله ورجاله جهلاء، ونشهد أنهم مخلصون للدين إخلاصًا
أعمى، وعيبهم جهلهم، أما ابن السعود، فنشهد أنه لم يكن جاهلاً، ويعرف أن
الحق معنا، وأن الدعوة إلى الخير لا تكون إلا بالتي هي أحسن، ولكنه لم يستطع
مقاومة جهل رجاله، وإلا خرجوا من يده ولم يبق له من يستعين به على الاحتفاظ
بالملك غيرهم، فلهذا تراه يغمض العين على القذى) اهـ.
يعني الزعيم برجال ابن السعود شعبه من أهل نجد، وغير نجد من البلاد
التي تدين لسلطانه، وهم الذين اشتهروا بلقب الوهابية، ويعني بجهلهم عدم
وقوفهم على أمر السياسة وآداب الحضارة والعمران، وشدتهم في الدعوة والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، هو يشهد لهم بالإخلاص للدين وسمى إخلاصهم
أعمى؛ لأنهم لا يراعون فيه أساليب الدعاية وآداب الحضارة وعلومها العصرية فيها
ويشهد لسلطانهم ابن السعود بأنه ليس بجاهل مثلهم، ولكنه مضطر إلى الإغضاء
عن جهلهم وعدم التصدي لمقاومة هذه الجهل؛ لئلا يخرجوا عليه فلا يبقى له قوة
يحافظ بها على ملكه، وجناب الزعيم السياسي اللائم المليم يصرح بأن محافظة ابن
السعود على رجاله هؤلاء وإغماض عينه على قذى جهلهم هو السبب الثاني
لعداوتهم له ومقاومتهم إياه، وقد تلطف هنا فسمى ذلك مخالفة ونتيجة هذه المقدمات
أن عداوتهم أو مخالفتهم له لا تزول إلا إذا ترك ملك الحجاز أولا وقاوم قومه حتى
يلجئهم إلى الخروج عليه ترك طاعته وإسقاط حكمه ثانيًا.
فأي عادل أو عاقل بريء من الهوى يوافق جناب الزعيم ويخطئ ابن السعود؛
لأنه لا يوافقه ويوافق أخاه شوكت علي في الأمرين كليهما، والسعي معهما لإقامة
جمهورية في مكة تكون تحت سيطرة جميع الشعوب الإسلامية على فرض أن هذا
صواب في نفسه، وما هو إلا خطأ لا يحتمل الصواب؟ بل أي عاقل يتوقف في
الحكم بالهوس والجنون على رجلين يطالبان ملكًا من الملوك بخلع نفسه من الملك
والانسلاخ من إمامة شعب قوي يطيعه طاعة دينية مكنته من تأسيس سلطنة عظيمة
أقام فيها العدل ونشر الإصلاح والتعليم والتحضير للبدو وحفظ الأمن في بدوها
وحضرها حفظًا لا يوجد له نظير في مملكة من الممالك حتى الأوربية والأمريكانية،
ويتوقع لها جميع العارفين بحالها في الشرق والغرب مستقبلاً عظيمًا إذا أطال الله في
عمره حتى يتمكن من تنفيذ مقاصده، ويعللان طلبهما بأنهما على حق فيما يقترحان
عليه ترك ملكه وقومه لأجله واتباعهما فيه؟ وأي عاقل يصدق هذا الزعيم اللائم المليم
أن ابن السعود يعتقد أنهما على حق فيما ذكر ويوافقه على أن جريمته الموبقة هي
الحرص على ملكه الباطل والمحافظة على شبعه الجاهل: وإيثارهما على خيال محمد
علي العالم الفاضل؛ لأن متخرج في مدرسة إكسفورد البريطانية؛ ولأن له جمعية
سياسية خيالية جعلته هو وأخاه زعيمين لها؟ صدق الله العظيم في قوله: {وَلَا
تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} (ص: 26) وقوله: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ
هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ
مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} (الجاثية: 23) .
أما والله لولا اتباع الهوى والغرور بالزعامة لما صدر مثل هذه الكلام عن مثل
(مولاي محمد علي الزعيم الكبير) فالرجل لوذعي الذكاء متخرج من أعلى
المدارس الإنكليزية ولكنه عصبي المزاج حديده إذا غضب وغلب عليه الهوى لا
يدري ما يقول، في طلاقة لسان، وجرأة جنان، وزهو بالزعامة، وتعود على
تصفيق عوام الهنود له في كل ما يقول، ومنه كما نقل إلينا أنه قال في جماعة منهم
(إنه لا تأتي سنة 1927 أو 1928 (الشك مني) إلا وقد خرج الإنكليز من الهند)
فصفقوا له تصفيقا.
لو كان الرجل مخلصًا للإسلام والمسلمين في مساعيه السياسية لعد وجود
الشعب النجدي على الحال التي يعرفها ونعرفها من أعظم نعم الله على هذه الملة في
هذا العصر، وأعظم أسباب الرجاء في تجديد مجد الإسلام، وإقامة شرعه الذي
هدمته حكومات الحضارة الإسلامية الناقصة في كل مكان، كان شرهم في ذلك
الترك الذين لم يشتهر محمد علي وشوكت علي في الهند وغيرها إلا بتصديهما
لتعزيز خلافتهم الوهمية الباطلة، وإن كان لهما عذر سياسي في هذا لأن الدولة
العثمانية كانت سياجًا للمسلمين في الجملة كما كان يقول الأستاذ الإمام.
الشعب النجدي أو الوهابيون هم أصح الشعوب الإسلامية عقيدة وأقواها إيمانًا
فإن آية الإيمان الكبرى هي بذل المال والنفس في سبيل الله وهم كذلك، ويظهر أثر
إيمانهم في أعمالهم فكلهم يؤدون جميع الفرائض من صلاة وزكاة وصيام وحج
وجهاد وأمر بالمعروف ونهي عن منكر، حتى إنه ليقل فيهم من تفوته صلاة
الجماعة حيث تقام بغير عذر شرعي، وهم أصدق الناس حديثًا وأشهم أمانة قد تمر
السنين، ولا يتهم أحد منهم بخيانة أو عدوان على غيره، وأما شدتهم في الدعوة
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهي موجهة في الغالب إلى البدو وهي لائقة
بهم لخشونتهم.
وكلهم طائعون لإمامهم وسلطانهم في المنشط والمكره فإذا دعاهم إلى النفير
العالم أو الخاص نفروا خفافًا وثقالاً لا يكلفونه مالاً ولا وسلاحًا إلا من حاجة فهم على
سيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم بقدر علمهم
ومعرفتهم، وهم من جراء ذلك يقبلون كل علم وعمل يوافق الشرع ويردون كل ما
خالفه، فإذا تيسر تعليمهم كل ما ترتقي به الأمم في الحضارة من طريق الشرع
قبلوه (ومنه أساليب الدعوة والإرشاد في الأمصار) وإمامهم ابن السعود يعلم هذا
وينوي تنفيذه، وكل ذلك يتوقف على كثرة المال ومساعدة الزمن، والزعيم اللائم
المليم يعلم كل هذا، ولكنه يريد أن يكون ابن السعود تابعًا لهواه؛ لأنه كان ناصرا
له بجمعيته على الشريف حسين.
***
(4)
مسألة الخلافة
إذا أطلق المسلمون كلمة الخلافة فإنما يعنون بها الحكم الإسلامي الصحيح
الذي كان الخلفاء الراشدون أكمل مثال له، وحكم الخلفاء الراشدين قد اشتهر في
العالم الإنساني لا الإسلامي وحده بأنه أكمل حكم أقام العدل المطلق بلا أدنى محاباة
لأحد من البشر لأجل دينه أو نسبه أو قوته أو غناه أو فقره أو قرابته أو عداوته أو
صداقته كما أمر الله تعالى في كتابه العزيز بالنصر الصريح، وأنه أكمل مثال لما
يسمونه في هذا العصر (بالديمقراطية) أي حكم الشعب، وقد شهد بذلك العارفون
المنصفون من غير المسلمين، وإن تخبط في فهمها ومعرفة قيمتها علي أفندي عبد
الرازق وأمثاله من الهادمين لمجد الإسلام الذين يلقبون أنفسهم بالمجددين.
كل مسلم صادق الإيمان بما جاء به خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم
يتمنى لو يعود للمسلمين حكم الخلافة هذا، وكل من وقف حق الوقوف على حكم
عبد العزيز بن السعود في بلاده ثم في الحجاز، وإن لم يتم له فيه ما تم له في نجد
يعلم - وإن منعه الهوى أن يشهد بما يعلم- أنه هو النواة الوحيدة لإعادة حكم
الراشدين ومجد الإسلام الذي أسسوه إذا أتيحت له الأسباب والمساعدة من المسلمين،
ومحمد علي وشوكت علي من أعلم الناس بهذا الأمر ولكنهما يدعيان أنهما
سيقيمان حكم الخلافة بإقناع جميع الشعوب الإسلامية به، وإن من المقدمات لإقامتها
هدم قوة ابن السعود التي هي القوة الإسلامية الوحيدة القائمة على أساس الدين.
لا أستثني من هذا العموم حكومة الإمام يحيى في اليمن فإن قومه الزيدية الذين
هم دعامة حكمه وأصل عصبيته لا يقاتلون إلا في مقابلة جُعْل مالي يتقاضونه منه،
وقد كان كثير منهم يقاتلون جيشه تحت لواء عدوه السيد الإدريسي؛ لأنه يعطيهم
من الدراهم ما لا يعطيهم الإمام يحيى، وأما غير الزيدية وهم الشافعية الذين يؤلفون
السواد الأعظم في اليمن فهم لا يقاتلون معه لإمامته بل كثيرًا ما يقاتلونه، وسبب
خضوع أولي القوة والعصبية منهم له وجود رهائن من أبناء سادتهم وزعمائهم عنده
يهدد من عصاه بالفتك بهم، ولعله لا يوجد في بلاد نجد وملحقاتها رجل واحد لا
يطيع الإمام عبد العزيز بوازع العقيدة الدينية.
أفيعقل مع هذا أحد من البشر أن الوسيلة الوحيدة لإحياء حكم الخلافة هدم
سلطان هذا الإمام بحجة أن أهل الحجاز سموه ملكًا وإن اشترطوا عليه مع هذا
اللقب أن يكون على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إلخ، ما تقدم في
نص بيعته.
وأما سائر الشعوب الإسلامية فأمر حكوماتها من حيث القرب أو البعد من حكم
الخلافة معلوم: الترك نبذوا الخلافة والشرع الإسلامي برمته من حكومتهم،
وشرعت جمهوريتهم التي يقدس نوع حكمها (أي الجمهورية) محمد علي وشوكت
علي في تغيير دين الشعب نفسه، فبدأت بإباحة الردة عن الإسلام وكثير من
المحرمات التي يعد الإسلام استحلالها كفرًا، ثم ألغوا من قانونهم المادة القائلة: إن
دين الدولة هو الإسلام فتركوا مخادعة الشعب باسمه بعد ما خضع صاغرًا لترك
شرعه، ولبس البرنيطة كارهًا؛ لأنها شعار غير أهله، والآن نسمع نبأة جديدة
عنهم في تغيير الصلاة بجعلها كصلاة البروتستانت وغيرهم من النصارى بأن
يجلس المصلون على كراسي يسمعون المعازف وآلات الطرب في المساجد إلخ [1]
وملك الأفغان قد شرع في الاقتداء بهم في التفرنج والاستعانة برجالهم على إدارة
جيشه وملكه وبالإفرنج أيضًا، ومصر التي هي أجدر بلاد الحضارة الإسلامية
بالحكم الإسلامي وإعادة الخلافة قد اقتبست القوانين الإفرنجية للأمور المدنية
والعقوبات وأحلتها محل الشريعة ثم وضعت أساس حكومتها على قوانين أوربة
النيابية، ولما قام كبار علماء الأزهر ومَنْ وافقهم من سائر طبقات الشعب منذ سنتين
بالدعوة إلى عقد مؤتمر للبحث في شئون الخلافة وإقامة خليفة للمسلمين كانت
الحكومة المصرية ومعظم نوابها المنوط بهم أمر التشريع ضدًّا على جمعية الخلافة،
وكانت أكثر الجرائد التي تسمى إسلامية تهزأ بهم وتسخر منهم وتصد عنهم، ثم قامت
قيامتها وقيامة مجلس النواب على وزارة الأوقاف؛ لأنها أجابت دعوة الأستاذ الأكبر
شيخ الجامع الأزهر إلى صرف مبلغ حقير من الأوقاف الخيرية باسم المعاهد الدينية
صرفه على السعي لعقد مؤتمر الخلافة، ثم عقد المؤتمر، ولم ينته إلا بالخيبة
والفشل، وأما حكومة إيران فهي أبعد حكومات الشعوب الإسلامية عن إحياء حكومة
الخلافة التي يدّعي الزعيمان الدعوة إليها؛ لأنها حكومة شعب شيعي يدين الله تعالى
ببطلان خلافة أبي بكر وعمر وعثمان
…
ويعتقد أن الحكم الإسلامي الحق لن يقوم في
الأرض إلا بظهور الإمام المهدي المنتظر الذي هو محمد بن الحسن العسكري الذي
دخل السرداب في (سُر من رأى) التي تسمى الآن (سامرا) منذ أحد عشر قرنًا،
وينتظرون خروجه منه كل يوم.
هذا حال الشعوب الإسلامية المستقلة، على ما في استقلال مصر من قيود
وسيطرة احتلال أجنبي، ومن المعلوم أن سائر المسلمين خاضعون لدول أوربة.
فاسمع بعد تذكر هذا ما صرح به الزعيم محمد علي الهندي لجريدة الأخبار
عن خطة جمعيته في إعادة الخلافة:
قال: (واعتقادنا الراسخ أننا سنعمل إن شاء الله إلى اليوم الذي تجتمع فيه
كلمة الأمم الإسلامية ملوكية كانت أو غير ملوكية فتنفرد كل أمة بشئونها الداخلية
حسبما يتفق مع عوائدها وطباعها وما يتفق مع مصالحها وإدارة شئونها.
(وأما الشئون الخارجية فيجب على المسلمين جميعًا أن يكون (أمرهم
شورى بينهم) وبذلك ترى المسلمين جميعًا في المستوى اللائق بهم) يعني وإن هذا
لا يتم إلا بإعادة حكم الخلافة أي الرجوع إلى أحكام كتاب الله كما قال: والمراد إذًا
أن تكون السياسة الخارجية لجميع الأمم الإسلامية وحكوماتها على اختلاف أنواعها
تحت إدارة الخليفة الأعظم القائمة على أساس الشورى في مجلس مؤلف من جميع
تلك الأمم ليتفق سابق كلامه مع لاحقه.
على أنه ذكر بعد هذا أن أهل الهند ساخطون على ابن السعود لتدمير رجاله
الجاهلين لآثار النبي صلى الله عليه وسلم والعِترة والصحابة رضي الله عنهم، ثم
قال: (وكل مهمتنا أننا نواجه تيار هذا السخط والغضب إلى تحقيق غايتنا السامية
التي نعتقد بحق أنها لخير الإسلام والمسلمين، فما علينا إلا إحياء الهمم وتوجيه
القلوب وتحويل الأنظار إلى وجوب إعادة عهد أبي بكر وعمر) اهـ بنصه.
أما قوله: إن رجال ابن السعود ذمروا آثار النبي صلى الله عليه وسلم وآثار
عِترته وأصحابه فهو كذب وبهتان دليله أن هؤلاء ليس لهم آثار مبنية تدمر وإنما
دمر القوم بعض مشاهد القبور المشيدة المزينة على خلاف ما ثبت في الأحاديث
الصحيحة من النهي عن ذلك ولعن فاعليه، والأمر بهدمه وتسويته بالتراب كما بيناه
مرارًا.
وقوله: إن مسلمي الهند ساخطون على ابن السعود باطل على إطلاقه فخيار
مسلمي الهند من علماء الحديث وأنصار السنة ومن العقلاء والسياسيين راضون
عن ابن السعود ومؤيدون له، وإنما الساخط عليه الشيعة وخرافيو أهل الطرق
المبتدعة.
وهب أن قوله صحيح فهل يتجرأ عاقل على القول بأن سخط الهنود على ابن
السعود هو الوسيلة الوحيدة لإعادة حكم أبي بكر وعمر؟
فخلاصة ما قاله الزعيم محمد علي أنه يعتقد أن سعيه وسعي جمعيته سينتهي
بإقناع جميع الأمم والدول الإسلامية بأن تكون كل دولة من دولها مستقلة في إدارتها
الداخلية، وأن تكون سياستها العامة وعلاقاتها الخارجية مع الدول تابعة لخليفة واحد
يكون في الحجاز، وأن الوسيلة الموصلة إلى هذا الإقناع هي سخط بعض عوام
الهنود أو كلهم على ابن السعود؟ وهل يروج هذا الهوس إلا عند عوام الهنود؟
فالمعقول الذي لا يُعْقَل غيره أن تكون خطة محمد علي جمع أموال عظيمة من
الهند تقبضها جمعية الخلافة؛ لتزيل بها حكم ابن السعود من الحجاز وتضع بدله
حكم خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ثم يكون مآل هذه الأموال كمآل الأموال
التي جمعت من قبل لإحياء خلافة الترك.
وقد وجدت جمعية في ألمانية لمثل هذه الغاية أحسن نظامًا من جمعية الخلافة
الهندية، وهي تدعو الناس إلى دفع زكاة أموالهم إلى فروعها لأجل هذه الغاية.
ومن المسلمين من يرون في الخلافة آراء أخرى بعيدة عن الشرع والعقل.
ونحن قد سبقنا إلى وضع أصول النظام لإعادة الخلافة في كتابنا الذي أفردناه
لهذه المسألة (كتاب الخلافة أو الإمامة العظمى) .
والحق المعقول أن العالم الإسلامي غير مستعد الآن إلى تمحيص هذه المسألة
وتنفيذ الواجب، وأن خير الوسائل لها ما اقترحناه كتابة على المؤتمر الذي أقيم
بمصر فلم يعرضه السكرتير العام عليه، وقد نشرناه في المنار، وفي بعض
الصحف المصرية {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} (النحل: 9) اهـ الرد.
(المنار)
كتبنا هذا المقال في ثلاثة فصول أرسلناها إلى جريدة الأخبار الغراء التي
نشرت تصريحات الزعيم محمد علي الهندي فنشرتها وكنا نرسل المسودة قبل أن
نقرأها لالتياث صحتها، وبعد إتمام نشرها فيها أودعناها في المنار بعد شيء من
التنقيح والتصحيح؛ لأننا قرأناها بعد ذلك مجتمعة وكان كل فصل ينشر قبل كتابة
ما بعده.
_________
(*) إردام الحمى عبارة عن دوامها وطول مكثها.
(1)
المنار: هذا الخبر يؤيد ما بلغنا منذ بضع سنين عن مصطفى كمال أنه يمهد السبيل لتنصير الترك لتبقى كأوربة من كل وجه ولكنه ينبغي من إنكلترة أن تكافئه على ذلك بمخالفته وعد الترك شعبًا أوربيًّا.