الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكاتب: محمد رشيد رضا
فاتحة المجلد الثاني والثلاثين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وأفضل صلاته وأزكى تسليمه
على رسوله خاتم النبيين محمد المصطفى، وآله وأصحابه الأصفياء الحُنفاء،
وعلى كل مَن اتَّبع هداهم واقتفى.
أما بعد: فإنني كاشفت قراء المنار بسبب صدور الجزء الأخير من المجلد
الحادي والثلاثين في آخر شهر صفر، واستصرختهم لأداء حقوقه الممطولة منهم،
منقوصًا منها خمسها، فنصفها؛ لئلا تضطرني العسرة والغرامة إلى ترك إصدار
المنار في هذا العام فلم يرسل أحد منهم درهمًا ولا دينارًا، ولم يرجع إلينا وعدًا
ولا اعتذارًا، ولا عجب فإن غيرة جميع العالم الإسلامي على مساعدة الإصلاح
الديني لا تزن غيرة يهودي ولا نصراني واحد، وإنني قد حبست نفسي في هذه
الثلاثة الأشهر على إتمام تاريخ الأستاذ الإمام، لم أكتب فيها غيره، فأنا أجعل
فاتحة تصديره ومقدمته فاتحة للمجلد الثاني والثلاثين، وعسى أن أجد من ثمنه ما
أنفق منه على إصدار المنار، وحسب الماطلين الهاضمين لحقه الخزي والعار، وما
بعده من عذاب النار! ولا نقبل بعد صدور هذا الجزء حقنا إلا تامًّا، لا نعفو منه
شيئًا، ولا نشكو هاضميه إلا إلى الله عز وجل، وكفى بالله وليًّا، وكفى بالله
نصيرًا.
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
تصدير التاريخ
ببيان كُنْه التجديد والإصلاح الذي نهض به حكيم الشرق والإسلام
وشيخنا الأستاذ الإمام، ووجه الحاجة إليه، ووجوب المحافظة عليه
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ
الْوَارِثِينَ} (القصص: 5) ، {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لَا
نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} (الأعراف: 170) ?، {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (آل عمران:
140) .
جرت سنة الله تعالى في أفراد البشر أن يؤتيهم قوى المشاعر الحسية والمدارك العقلية بالتدريج، حتى يبلغ أحدهم أشده، ويستكمل رشده، ويستقل بنفسه
بالعلم والعمل والتجارب، وجرت سنته في الشعوب والأمم أن يمنح كلاًّ منهم من
هداية الوحي في كل طور من أطوار حياتهم الاجتماعية ما هو مستعد له وصالح
لحاله وزمانه، على مثال سنة التدريج في الأفراد. إلى أن استعد النوع البشري في
جملته ومجموعه لفهم أعلى هداية إلهية لا يحتاج بعدها إلا لاستعمال عقله في
الاهتداء بها، في كل زمان ومكان بحسبهما، فوهبه هداية القرآن وختم النبوة
برسالة محمد عليه الصلاة والسلام.
ولما كان من طباع البشر أن يضعف تأثير الوحي في قلوبهم بطول الأمد على
عهد النبوة، فيفسقوا عن أمر ربهم، ويتأولوا كتبه بأهوائهم، أنعم عليهم بما يحيي
هداية النبوة فيهم، بأن يبعث فيهم بعد عصر النبوة مجددين، وأئمة مصلحين،
يرثون الأنبياء بالدعوة إلى إصلاح ما أفسد الظالمون في الأرض، ويكونون حجج
الله على الخلق، وقد بشرنا نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المصلحين، بأن الله
تعالى يبعث في هذه الأمة على رأس كل مائة سنة مَن يجدد لها أمر دينها؛ ليكونوا
خلفاءه فيما جدده من دين الله تعالى للأمم كلها {لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ
الرُّسُلِ} (النساء: 165) إذا طال عليهم الأمد، فقست قلوبهم، وفسقوا عن أمر
ربهم.
إنما كان المجددون يُبعثون بحسب الحاجة إلى التجديد لما أبلى الناس من لباس
الدين، وهدموا من بنيان العدل بين الناس، فكان الإمام عمر بن عبد العزيز مجددًا
في القرن الثاني لما أبلى قومه بنو أمية وأخلقوا، وما مزقوا بالشقاق وفرَّقوا، وكان
الإمام أحمد بن حنبل مجددًا في القرن الثالث لما أخلق بعض بني العباس من لباس
السنة، ورشاد سلف الأمة، باتباع ما تشابه من الكتاب ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله،
وتحكيم الآراء النظرية في صفات الله وما ورد في عالم الغيب، بالقياس على ما
يتعارض في عالم الشهادة، وكان الشيخ أبو الحسن الأشعري مجددًا في القرن
الرابع بهذا المعنى، وحجة الإسلام أبو حامد الغزالي مجددًا في أواخر القرن
الخامس وأول السادس لما شبرقت نزغات الفلاسفة وزندقة الباطنية، والإمام أبو
محمد علي بن حزم الظاهري في القرن السادس لما سحقت الآراء من فقه النصوص
الشرعية، وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم مجددين في آخر القرن السابع
وأول الثامن لجميع ما مزَّقت البدع الفلسفية والكلامية والتصوفية والإلحادية، من
حلل الكتاب والسُّنة السَّنية، في جميع العلوم والأعمال الدينية، وحسبنا هؤلاء
الأمثال في التجديد الديني العام.
وظهر مجددون آخرون في كل قرن، كان تجديدهم خاصًّا انحصر في قطر
أو شعب، أو موضع كبير أو صغير، كأبي إسحاق الشاطبي صاحب الموافقات
والاعتصام في الأندلس، وولي الله الدهلوي والسيد محمد صديق خان في الهند،
والمولى محمد بن بير علي البركوي في الترك، والشيخ محمد عبد الوهاب في نجد،
والمقبلي والشوكاني وابن الوزير في اليمن.
وهنالك مجددون آخرون للجهاد الحربي بالدفاع عن الإسلام، أو تجديد ملكه
وفتح البلاد له، وإقامة أركان العمران فيه، وهم كثيرون في الشرق والغرب
والوسط، ورجاله معروفون، كبعض خلفاء العباسيين والأمويين، ومنهم من جمع
بين أنواع من التجديد كالسلطان صلاح الدين الأيوبي الذي كسر جيوش الصليبيين
من شعوب الإفرنج المتحدة، وأجلاهم عن البلاد الإسلامية المقدسة وغيرها، وأزال
دولة ملاحدة العبيديين الباطنية من البلاد المصرية، وكذلك فتح الترك لكثير من
ممالك أوربة، عُرف فيها مجد الإسلام.
ضعف الإسلام السياسي وملكه:
ثم اتسع مُلك الإسلام وزالت وحدة أحكامه بانقسام الخلافة إلى خلافتين،
فزوال كل منهما، وكثرت دوله، فتفرقت وحدة أمته السياسية إلى شعوب مختلفة في
الأجناس والأوطان، ووحدة ملته الدينية إلى مذاهب مختلفة في الأصول والفروع،
فتعادَوْا في الدنيا والدين، وتقاتلوا على عصبيات الملوك والسلاطين، فحق عليهم
قول كتاب ربهم: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} (الأنفال: 46)
فسلط الله عليهم أعداءهم، فثلوا أكثر عروشهم، وانتزعوا منهم أكثر بلادهم {ذَلِكَ
بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
عَلِيمٌ} (الأنفال: 53){وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} (هود: 117) وكان يظهر في هذه الدول المتفرقة مجددون متفرقون في العلم كما
تقدم، وفي الإدارة والعمران كمحمد علي باشا بمصر، وفي الحرب كالأمير عبد
القادر في الجزائر، ويعقوب بك في تركستان الصينية، وفي السياسة كمصطفى
رشيد باشا، وعالي باشا وفؤاد باشا في الترك وخير الدين باشا في تونس، وفي
إرشاد العامة والبدو للدين والدنيا كالسيد السنوسي.
حال البشر الأخير وما يقتضيه من التجديد:
في أثناء هذا الضعف الإسلامي العام، دخلت الشعوب الإفرنجية في طور
جديد في الفتح والغلب والسياسة والعمران، قوامه العلوم الكونية والفنون
والصناعات والثروة والنظام، وتجدد فيها من آلات الحرب وكراعها، وأسلحة
القتال وعتادها، ما يمكِّن الجند القليل من إبادة جند يفوقه أضعافًا مضاعفة في العدد
والشدة والشجاعة في زمن قصير.
واستُحدِث فيه من النظام ما يسهل به على أفراد ممن حذقوه ومردوا عليه أن
يسخِّروا لخدمتهم شعبًا كبيرًا غريبًا عنهم في جنسه ولغته ودينه، كما يسخِّرون
الأنعام الداجنة والسائمة، والحمر الموكفة والخيل المسومة، فيُذلون بالجماعات
المذللة منه الجماعات المتمردة، ويستنزفون ثروته كلها فيجرفونها إلى بلادهم التي
نزحوا منها فاتحين مستعمرين، ويتصرفون في قواه المعنوية وروابطه القومية
والدينية، كما يتصرفون في حرثه ونسله، ولحمه ودمه، وأرضه وماله، وهكذا
يتصرف العلم بالجهل والنظام بالفوضى.
وابتدع فيه من مراكب النقل والتسيار، وآلات رفع الأثقال، وأجهزة تبليغ
الأخبار، ما مهَّد السبل لمبتدعيها ومتخذيها من كل ما أشرنا إليه من الأعمال
الحربية، والتصرفات السياسية، والوسائل الاقتصادية، وصارت المسافة بين
القارة والقارة أقرب من المسافة بين بلد وآخر من مملكة واحدة، وهو ما عُبِّر عنه
في الحديث النبوي بتقارب الزمان.
اتسعت بذلك مسافة الخُلف بين الشعوب في العلم والعمل ووسائلهما، واشتدت
الحاجة إلى تجديد الحياة في المتخلفة منها عن المتقدمة، لا ينهض بمثله أمثال
أولئك المجددين القدماء بالوسائل القديمة وحدها، ولا يطمح إليه صوفي يستمد قوته
من الأموات ويتكل على الكرامات ويغتر بالمنامات، ولا يطمع في تذليل صعابه
واقتحام عقابه غريقٌ في بحار النظريات العقلية، ومغترق الأفكار بنظريات الفلسفة،
ولا يطَّلِع ثناياه، ويجتلي خفاياه، منقطع إلى كتب الشرائع، واستنباط أحكام
الوقائع، ولا يتسامى إليه من تعلم العلوم والفنون العصرية تعليمًا آليًّا ليكون أحد
العمال في دائرة من دوائر الحضارة، أو ديوان من دواوين حكومتها.
إن هذا لبدع من الخطوب الكبرى غير العادي، لا ينبعث إلى تلافيه إلا بدع
من كبراء الرجال غير عادي، أمم قوية بالعلم الجديد والفن الحديد، والسلاح
الشديد، والنظام الدقيق في السياسة والإدارة والمال، والتعاون بتوزيع الأعمال
واستخدام قوى الطبيعة، تستلب مُلك أمم جاهلة، متفرقة متخاذلة مختلة النظام،
مستعبدة للمستبدين، منقادة للخرافيين، وقد قذف في قلوبهم الرعب؛ فكانوا مصداق
قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأَكَلَة
إلى قصعتها [1]، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير؛
ولكن غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن
في قلوبكم الوهن، قال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية
الموت) [2] ، فمَن ذا الذي يضطلع بتجديد حياة هؤلاء الموتى، ويحشرهم من
قبورهم.
ألا إن الرجل الذي ينبعث إلى نفخِ روح الحياة في شعوب هبطت إلى هذه
الدركات من الوهن، وبعْثِها إلى مجاهدة أمم عرجت إلى تلك الدرجات من القوة -
يجب أن يكون ذا روح علوية، أوتيت حظًّا عظيمًا من وراثة النبوة في كمال
الإيمان، وصحة الإلهام، وعلو الهمة، وقوة الإرادة، وصدق العزيمة، وإخلاص
النية، وقوة الفراسة، والزهد في الشهوات البدنية، واحتقار الزينة الخادعة،
والزهد في الجاه الباطل وعدم الخوف من الموت، وأن يكون ذا وقوف على حالة
العصر، وتاريخ الشعوب الديني والسياسي، وسنن الله في الاجتماع، وفصل
الخطاب في الإقناع، وفصاحة اللسان وبلاغة التعبير وقوة التأثير، ثم يكون ما
يحذقه من سائر العلوم مددًا له في عمله.
حكيم الشرق والإسلام:
كذلك كان ذلك الروح العلوي النبوي، الذي تمثل للأفغان في ناسوت بشري
جلس في دروس العلم، فحذق العلوم والفنون القديمة نقليّها وعقليّها في بضع سنين،
وألمَّ بالهند لتلقِّي مبادئ العلوم الأوربية، فوقف على ما شاء منها في زهاء سنتين،
ثم حج في سنة 1273، ومكث في سفره زهاء سنة يتقلب في البلاد الإسلامية
لاكتناه أخلاقها وعقائدها الدينية، واختبار أحوالها الاجتماعية والسياسية.
ثم عاد إلى بلاده فانتظم في سلك حكومتها وهي ممزقة بالفتن الداخلية،
وموبوءة بالدسائس البريطانية، فكاد بتدبيره يخلص الأمر فيها لأميرها محمد أعظم
خان الذي بوَّأه مكان الوزير الأول عنده، لولا ما عارض ذلك من الدسائس
الإنكليزية، التي تمدها القناطير المقنطرة من الجنيهات الإسترلينية، والروبيات
الهندية.
واضطر بفشل أميره إلى هجر وطن ولادته ونشأته، إلى حيث يمكنه
الإصلاح من أوطان أمته، فمرَّ بالهند، فبالغت حكومتها الإنكليزية بالحفاوة في
ضيافته، مع إحاطة عمالها وجواسيسها بمجالسه، ومنع علمائها من الاتصال به،
ولكنه نفخ فيمن لقيه من كبرائها روح الاستقلال، والجرأة على كسر مقاطر
الاستعباد، ثم كان يغذي ذلك الروح بالكتاب وتلقين الأفكار، لِمَن يلقى من رجالها
في مصر وأوربة وسائر البلاد، وبمقالات له في الجرائد نشرناها في المنار،
وناهيك (بالعروة الوثقى) التي كادت تضرم نيران الثورة فيها، وكان موقنًا باستقلالها
من بعده، حتى إنه قال للشيخ عبد الرشيد التتاري: (يا ولد، إنك ستصلي صلاة
الجنازة على القيصرية الروسية، وستحضر تشييع جنازة الإمبراطورية الإنكليزية
في الهند) وقد تمت البشارة الأولى، وظهرت بوادر الثانية في هذه الأعوام.
وأغرب من ذلك أنه حمَّله تقريرًا منه إلى جمعية سياسية سرية في عاصمة
الروسية رئيسها عم القيصر، وقال له: (اذهب بهذه الرسالة وأوصلها إلى
الغراندوق فلان، واعلم أنك إما أن تُقتل، وإما أن تفوز وتغنم) فأوصلها فقام
الغراندوق لها وقعد، ثم أعاده بها إلى بلاد اليونان ليطبعها فيها باللغة الروسية
ويرسلها إليه، وعرض عليه من المال ما شاء، فلم يأخذ إلا القدر الضروري،
ولقي أهوالاً كادت تُذهب بحياته.
جاء هذا السيد مصر فنفخ فيها روح الحكومة النيابية، وألَّف فيها الحزب
الوطني الأول لتقييد سلطان الحكومة الشخصية، وغذَّى تلاميذه ومريديه بعشق
الحرية ووسائلها من العلم والكتابة والخطابة، كما أرشد المسلمين منهم إلى الإصلاح
الديني، والجمع بينه وبين العلم العصري، وكان من أثر هذا ما شرحه هذا الكتاب.
ذهب إلى إيران، فنفخ فيها روح التجديد في السياسة والعمران، فما زال
يفعل فعله فيها بين قيام وقعود، وهبوط وصعود، حتى ظفرت بالحكومة النيابية في
عهد الشاه مظفر خان، وما زالت تنتقل في أطوار التجديد والإصلاح.
ثم انتهى إلى عاصمة الدولة العثمانية، فأنشأ يرشد السلطان لوسائل الاستفادة
من منصب الخلافة الإسلامية، ويجمع له كلمة الشعوب والمذاهب المختلفة، حتى
إنه أقنع كثيرًا من علماء الشيعة المجتهدين بالاعتراف بخلافته وجعلها مناط الوحدة
الجامعة للمسلمين؛ ولكن قرناء السوء خوَّفوا السلطان من النهوض بهذه الجامعة،
فأعرض عنها، وكان السيد مع ذلك يبث هنالك أفكار الإصلاح والتجديد، الجامع
بين الطريف والتليد إلى أن قضى نحبه ولقي ربه، رحمه الله وقدَّس سره.
الأستاذ الإمام:
أرأيتك هذا المصلح العظيم، والمجدد الحكيم، إنه لم يظفر في شعب
من الشعوب الإسلامية بمَن يصلح أن يكون خليفة له، ومتممًا لإصلاحه بما يرجى
به دوامه، بعد أن وجه إليه الوجوه، وعلقت بطلبه القلوب، على كثرةٍ من
المصطبغين بصبغته، إلا رجل مصر الشيخ محمد عبده؛ لأن منصب إمامة
الإصلاح والتجديد لا يُرتقَى إليه بوسائل الذكاء والتفكير والتربية والتعليم وحدها، بل
لا بد فيه من الاستعداد الروحي والمواهب الفطرية كما قررنا.
كان الشيخ محمد عبده سليم الفطرة، قُدسي الروح، كبير النفس، وصادف
تربية صوفية نقية، زهَّدته في الشهوات والجاه الدنيوي، وأعدَّته لوراثة هداية
النبوة، فكان زيته في زجاجة نفسه صافيًا، يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار، فمسته
شعلة من روح السيد جمال الدين الأفغاني؛ فاشتعل نورًا على نور {يَهْدِي اللَّهُ
لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (النور: 35) .
اقرأ في الصفحة 25 من هذا الكتاب كيف زار السيد للمرة الأولى هو
وصديقه وأستاذه الشيخ حسن الطويل في خان الخليلي، وكيف كان أول حديثه
معهما السؤال عن تفسير بعض آي القرآن وما يقول العلماء والصوفية فيها، وأنه
بيَّن لهما قصور كل ما قالوه وجاء مِن عنده بخيرٍ منه، وكيف أُعجبا كلاهما بما قال؛
ولكن الشيخ حسنًا ظل على حاله؛ لأنه كان قد بلغ منتهى استعداده، وكان أرقى
علماء الأزهر عقلاً وعلمًا وزهدًا.
وأما الشيخ محمد عبده فكان يشعر بأن كل ما أصابه من حسن تربية الشيخ
درويش، ومن علم الشيخ الطويل والشيخ القصير [3] دون ما تسمو إليه نفسه،
ويتطلع إليه عقله، وتضطلع به همته، وكان يطلبه بما استطاع من الوسائل فلا
يجده؛ ذلك أن روحه كانت مستشرفة للعرفان الذي يصعد بها إلى سماء الوراثة
النبوية في إصلاح البشر، وتجديد أمر الدين الذي بشَّر به المصلح الأعظم صلى
الله عليه وسلم، فاتصل بالسيد جمال الدين من ذلك اليوم حتى اقتبسه منه، وكان
خليفته فيه، لكن من ناحية تربية الأمة التي كان يتمنى قيام السيد بنفسه بها - إذ لا
يثبت إصلاح الحكومات بدونها - لا من ناحية استبدال حكومة مستبدة بغيرها
(راجع ص974) .
تلك الوراثة النبوية التي عبر عنها يوم موت السيد بقوله في رثائه الوجيز
البليغ: (والدي أعطاني حياة يشاركني فيها علي ومحروس [4] ، والسيد جمال
الدين أعطاني حياة أشارك بها محمدًا وإبراهيم وموسى وعيسى صلى الله عليهم
وسلم والأولياء والقديسين، ما رثيته بالشعر لأنني لست بشاعر، ما رثيته بالنثر
لأنني لست الآن بناثر، رثيته بالوجدان والشعور لأنني إنسان أشعر وأفكر) اهـ
بنصه تقريبًا [5] .
هذه الوراثة هي التي أخرج الله تعالى بها محمدًا عبده من خمول تصوفه،
وخمود أزهريته إلى ميادين الجهاد في سبيل التجديد الديني، والإصلاح الاجتماعي
المدني، يخوض غمرات الثورات، وتتقاذفه أمواج الأسفار، وتكافحه فتن الأمراء
المستبدين، وجهالة حملة العمائم الجامدين، من حيث بقي حسن الطويل نديده في
التصوف والفلسفة قابعًا في كسر بيته، راضيًا بخموله وراحة نفسه، وإن في
الصلاة لراحة، وإن في العلم والذكر للذة؛ ولكن ثوابهما قاصر على صاحبهما،
وثواب الجهاد متعد لكل من ينتفع به، والإنسان الكامل من يجمع بينهما.
بهذا الروح العلوي كان يقول له أستاذه السيد جمال الدين، وهو مجاور يلبس
الزعبوط: (قل لي بالله أي أبناء الملوك أنت؟) ذلك السيد الذي كان يخاطب الملوك
المستبدين خطاب الأقران، بل يهدد بعضهم، ويمن على بعض فيقول للسلطان عبد
الحميد: (إنني لأجل أمرك قد عفوت عن شاه إيران) ويقول له السلطان بحق:
(يخاف منك الشاه خوفًا عظيمًا)[6] .
بهذا الروح العلوي كان يشرف من سماء إدارة المطبوعات بالسيطرة
والسلطان على الحكومة المصرية من أعلاها إلى أدناها، فيأمرها وينهاها، منتقدًا
أعمالها، مرشدًا عمالها، يُخطِّئ لغتهم الكتابية فيضطرهم إلى إصلاحها في معاهد
التعليم، ويفند أعمالهم فيقيمهم على صراط العدل المستقيم، بل أزعج بمقالاته في
انتقاد وزارة المعارف ناظرها حتى شكاه إلى رئيس النظار رياض باشا فما أشكاه،
وكلَّم الرئيسُ الشيخَ فأقام له البرهان على وجوب الإصلاح، وأقنعه بإنشاء المجلس
الأعلى المقيد لاستبداد وزيرها في الأعمال، فأنشأه برأيه، وكان هو سكرتير ذلك
المجلس وصاحب التأثير الأكبر فيه.
بهذا الروح العلوي كتب ذلك الكتاب البليغ في سجنه وأعلن فيه عفوه عمن
وشوا به وأساءوا إليه على ما كان من إحسانه إليهم، وجزم بما أعدت له العناية من
المجد، واعدًا بأن سيفعل المعروف، ويغيث الملهوف.. . وكذلك كان.
بهذا الروح العلوي كان هو الرأس المدبر في كل مجلس رسمي عين عضوًا
مرءوسًا فيه، كمجلس إدارة الأزهر، ومجلس الأوقاف الأعلى، ومجلس شورى
القوانين، وتجد إثبات ذلك في بيان أعماله فيها من هذا الكتاب، سافرة الوجه ليس
دونها نقاب.
بل بهذا الروح العلوي كان أميره يكبره ويهابه، ويقول إنه يدخل عليَّ كأنه
فرعون؛ وإنما كان يدخل عليه كدخول موسى عليه السلام على فرعون، متوكئًا
على عصا الحق، داعيًا إلى الإصلاح والخير، ناهيًا عن الاستبداد والبغي، كقوله
له في مجلس تشريف المقابلة الحافل بالعلماء: إن مجلس إدارة الأزهر لا يعرف
لسموكم أمرًا عليه، إلا بهذا القانون الذي بين يديه، دون الأوامر الشفوية التي
يبلغها عنكم من لا يثق به المجلس لمخالفته لقانونكم.
تلك آيات بينات من حياة كل من الروحين على الانفراد، فما رأيك إذا اجتمع
هذا الروح العلوي بذلك الروح الأعلى الذي أذكى سراجه الوهاج، واتحدا في عمل
من الأعمال؟ ذلك ما كان من إصدارهما جريدة العروة الوثقى، التي لا نعرف في
تاريخنا كلامًا بشريًّا أبلغ من مقالاتها في إصابة مواقع الوجدان من النفس،
ومواضع الإقناع من العقل، وتجرئة الضعفاء على الثورة على الأقوياء، والجهاد
لتحرير أمتهم، واستقلال بلادهم.
فإن سألت عن تأثيرها في رعب العظمة البريطانية، وإثارة العالم الإسلامي
والشعوب الشرقية؛ فإنك تجد قصصها مبسوطًا في هذا الكتاب، بما يشبع نهمتك
السياسية من إسهاب، ويروي غلتك الأدبية من إطناب (ص298 و303) .
وإنه ليبسط لك بالروايات الصحيحة، والشواهد الصادقة، كل ما أشرنا إليه
في هذا التصدير من آثار تلك الروح القدسية، وتجديد الإصلاح المنقذ للأمم
والشعوب من رق الفاتحين المستعمرين، وظلم المستبدين القاهرين، وجمود الفقهاء
المقلدين، ودجل المتصوفة الخرافيين، فاطلبه من هذا التاريخ؛ فإنه يقصه عليك
مفصلاً تفصيلاً.
فاقرأه أيها الغيور على قومه ووطنه فصلاً فصلاً، وتدبر مقاصد فصوله
مقصدًا مقصدًا، ثم اقرأ في الجزء الثاني له مقالات الإمام الاجتماعية والأدبية،
ولوائحه في إصلاح التربية والتعليم، ورسائله الدينية والأدبية للعلماء والأدباء، ثم
ارجع البصر إلى الجزء الثالث واعتبر بتأثير وفاته في العالم الديني والمدني،
وتأمل إجماع كتاب الأمم والشعوب المختلفة الأجناس والأديان والآراء والأفكار على
تزكيته وتقديسه، أو تدبر مقدمتنا لكل منهما تعلم أنه هو الإمام الذي يجب اتباعه في
تجديد الأمة وإحياء الملة، وإيجاد المدنية الفاضلة، ثم انظر ما اقترحته على مصر
في خاتمة هذا الكتاب لعلك تكون من حزب الدعاة المصلحين، وأنصار التجديد
المستبصرين الذين قال الله فيهم: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي
الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ} (القصص: 5) .
هذا ما توخيت التنويه به من هذا الضرب البديع من التجديد لحياة الشرق
على ما وصفت من التباين بينه وبين الغرب، وما كان من تأثيره الذي يشبه
خوارق العادات، كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الأموات.
المجددون للوثنية والدجل:
ألا وإنه قد نجم في هذين القرنين قَرْنان - أو قُرون - من أدعياء التجديد،
بعضهم في إيران وبعضهم في الهند، وإن هم إلا مُسحاء دجالون، ومتنبئون كذَّابون،
لبَّسوا على الناس لباس الإصلاح الديني، وتمثلوا لهم بالشكل الذي تُصوره تقاليدهم لما
ينتظرون من المسيح والمهدي، وانتحلوا لدعايتهم آيات، واخترقوا لأنفسهم معجزات
، فمنهم من ادعى النبوة، ومنهم من ادعى الألوهية، وقد اتبعهم فئام من المحرومين
من مزايا الإنسان، الكافرين بنعمتي العقل والقرآن، الجاهلين لثبوت نبوة خاتم النبيين
بالعلم والعقل، وإن الله ختم به نزول الوحي، فزادهم رجسًا على رجسهم، وعبودية
للأجانب على عبوديتهم، فكانوا دعاة أو أنصارًا للمعتدين على استقلال بلادهم،
المستبدين لأقوامهم، فوالله لو عمت فتنتهم لاستولى الإنكليز على بلاد فارس كلها،
ولما وجد في الهند من يطالب الإنكليز باستقلال، ولا بحق من الحقوق ولا عمل من
الأعمال.
أليس من مثار العجب الذي جاء بها أبو العجب [7] أن يضع كل من أتباع
هؤلاء الدجالين لأنفسهم نظامًا، ويجمعوا لبث نحلتهم أموالاً، وينفروا للدعوة إليها
خفافًا وثقالاً؟ فيكون لهم في كل وادٍ أثر، وفي كل قطر ذكر، وينضوي إليهم
بعض الملاحدة طمعًا في أموالهم، لا إيمانًا بمسيحهم أو إلههم؟
أو ليس بأوغل من هذا في أعماق العجب، وأولغ في أحشائه أن يتخاذل
العارفون بقدر حكيمي الشرق، وإمامي الإسلام بالحق، عن تأليف حزب لتعميم
إصلاحهما، واستمرار تجديدهما، وأن يكون لجماعتهم نظام يكفل دوام سيرهم
ومال يضمن نجاح سعيهم، ومدارس تربي النابتة على منهاجهم، وأطباء يداوون
أمراض الاجتماع بعلاجهم على استقلال الفكر، وحرية العلم والرأي وهداية الدين،
وتوطين النفس على الجهاد لإعلاء كلمة الحق، وإقامة ميزان العدل لتكون عزيزة
لا تدين لأجنبي معتدٍ، ولا لوطني مستبد؟ .
نعم إن ذلك لعجيب، وإن هذا لأعجب منه، ويشبههما في العجب أن المنتمين
إلى السنة من المسلمين أقل من المبتدعة تعاونًا وتناصرًا وعصبية ودعاية، أفلا
أنبئك بالسبب، الذي ينتاشك من حيرة العجب؟ .
إن حقيقة السنة والجماعة هي حقيقة الإسلام، وإن الإسلام الحق هو دين
توحيد العبودية والربوبية لله وحده، والحرية وعزة النفس تجاه ما سواه، واتباع
رسوله وحده فيما بلَّغه عنه، والعمل بمقتضى الوازع النفسي التابع للعقيدة، والنظام
الاجتماعي الذي تقرره الشريعة، فلا تذل نفس صاحبه بالانقياد لرئيس ديني لا
دنيوي لذاته، ولا لسلطان وراثي أو تقليدي فيما وراء تنفيذ أحكامه.
وأما هذه النحل الباطلة والمذاهب المبتدعة التي أشرنا إلى بعضها فأساسها
العبودية والخضوع لفرد أو جماعة من البشر، يقدس منتحلها أشخاصهم ويرفعهم
على نفسه وعلى سائر الناس وهم منهم، ويوجب طاعتهم عند فريق وعبادتهم عند
آخر، فتكافل هؤلاء يكون تامًّا شاملاً لأنه تعبدي، وعصبيتهم تكون أقوى لأنها
وجدانية لا عقل للأفراد ولا رأي للجمهور فيها.
ويرد علينا ههنا أن العقائد الباطلة والتعاليم الواطئة، خير للجماعات
وللشعوب التي تأخذ بها من العقائد الصحيحة والتعاليم العالية، من حيث جمع الكلمة
ووحدة الأمة، ونرد هذا الإيراد بقولنا: إن العقائد الحق والتعاليم الصحيحة لا يقوم
بها إلا أصحاب العقول النيرة والأفكار المستقلة الذي آمنوا بها عن حجة وإذعان،
وما تنازع هؤلاء مع المخالفين لهم إلا وكان لهم الرجحان، سواء أكان التنازع في
الدين أو في الحكم والسلطان، وبهذا ظهر الإسلام على جميع الأديان.
وهذا الفريق - فريق العقل واستقلال الفكر - قَلَّ في جميع فرق المسلمين ببناء
التعليم فيهم على أساس التقليد الذي يحتم على طالب العلم أن يقبل كل ما يقرره
شيوخه بعنوان مذهبه، وإن لم يكن منه، سواء أعَقَلَه أم لم يعقله، فإن نازعه فيه
حكم بكفره، ولهذا صار أكثر المسلمين يقبلون البدع والخرافات مهما تكن المذاهب
التي ينتمون إليها، إذ ليست المذاهب فيهم إلا عناوين لعصبيات لها رؤساء يطاعون
باسمها، وأكثرهم يجهلون أصولها وقواعدها، ومن تلقى شيئًا منها؛ فإنما هو لفظ
ينقله ولا يعقله، ولا يرجع إليه في فروع علمه ولا عمله، ومن كان غير مستقل الفهم
والعقل في عقيدته، لا يكون مستقل الإرادة في عمله، ومن نتائج هذا الخضوع أن
صاروا خانعين للمستبدين وظهراء للظالمين، وإن كانوا بملتهم كافرين.
وأساس الإصلاح الديني والسياسي الذي قام به وعليه الإسلام دينًا ودولة،
وقامت عليه الدول القوية هو الاستقلال بنوعيه، وهو الذي دعا إليه الحكيمان
المجددان: الأفغاني والمصري، وقد بيَّنه الأستاذ الإمام في رسالة التوحيد، لهذا كان
أنصارهما من رجال الدين هم الأقلين وخصومهما منهم هم الأكثرين، وكان أشد ما
أنكروه عليهما: القول بوجوب الاجتهاد، وتحريم التقليد. ويقابله أن كان أكثر
المعجبين بهما والذين قدروهما قدرهما، هم الذين نبغوا في المدارس المدنية العالية
التي يسير فيها التعليم على منهاج استقلال الفكر، وكذا من تلقى من بعض أهلها
وعاشرهم على استعداد فيه فصار مستقلاًّ، ثلة من المدنيين وقليل من المعممين.
ولو كان ما دعا إليه الحكيمان هو التجديد السياسي والمدني دون الديني لألَّف
له هؤلاء الأنصار حزبًا كبيرًا منظمًا، كما فعل سعد باشا من تلاميذهما بعدهما.
ولو دعا الأستاذ الإمام إلى نهضة دينية تقليدية صوفية لوجد من الأزهريين
وأهل الطرق من يؤسس له عصبية قوية يتبعها الألوف وألوف الألوف في زمن
قريب، ولا سيما إذا أباح لنفسه أن يظهر لهم تعبده الخفي، ومعرفته بأسرار
التصوف، وغير ذلك من خصائصه الروحانية، التي كان يعتقد وجوب كتمانها
لأنها غير طبيعية، فإظهارها للمقيدين بالسنة الطبيعية فتنة لهم، وفيها كثير مما يُعَدُّ
من الكرامات عندهم، وقد نقلت هذا عنه في بيان رأيه في التصوف والصوفية.
بيد أن كلاًّ منهما حكيم عاقل، وأن السيد جمال الدين رجل دين، وإن غلبت
عليه السياسة، والشيخ محمد عبده رجل سياسة وإن غلب عليه الدين، بل هو
أقرب من أستاذه إلى الموقف الوسط بين رجال الدين والدنيا من المرتقين فيهما،
فقد كان في الأزهر لا يعلو قولَه قولٌ، ولا يغلب رأيَه رأيٌ. وكذلك كان بين
الراقين من رجال الدنيا كالوزراء والقضاة والمحامين والأدباء والمنشئين، بل كان
كذلك بين علماء الإفرنج وساستهم، وترى نموذجًا من شهادات الجميع له في هذا
التاريخ.
_________
(1)
تداعى - بفتح الدال - أصله تتداعى، أي يدعو بعضها بعضًا، والأكلة - بفتحتين - جمع آكل.
(2)
رواه أبو داود والبيهقي في دلائل النبوة من حديث ثوبان رضي الله عنه.
(3)
المراد بالشيخ القصير: أحمد الرفاعي، القصير القامة، وكان أصلب الأزهريين جمودًا، كما كان الشيخ الطويل أشدهم استقلالاً.
(4)
هما أخواه اللذان يشتغلان بالزراعة.
(5)
كنت كتبت العبارة من مذكرة له، وفقدت المكتوب وبقي المحفوظ.
(6)
هذا لفظ السيد في ترجمة لفظ السلطان، سمعه منه كثيرون في الآستانة.
(7)
أبو العجب الشعوذي، وكل من يأتي بالأعاجيب.
الكاتب: محمد رشيد رضا
خلاصة الخلاصة
في وجوب الجمع بين التجديدين الديني والمدني
وحزب الإصلاح المعتدل الذي يقوم به
وخلاصة ما أريد عرضه على قراء هذا التاريخ في هذا التصدير أن إصلاح
الأمة الإسلامية في أي شعب من شعوبها لن يكون إلا بالجمع بين التجديد الديني
والدنيوي، هذا ما صرَّح به الحكيمان وجريا عليه بالعمل، وصرَّح لي به سعد باشا
زغلول وقد نقلته عنه في المنار، بل هذا ما يعتقده أهل الرأي الناضج من غير
المسلمين، وقد صرَّح به الكثيرون منهم قولاً وكتابة، كما يراه القارئ فيما كتبه
بعضهم في تأبينهم الأستاذ الإمام وترجمتهم له من الجزء الثالث، وذكرت كلمات
منها في الشهادات المعدودة لأشهرهم قبل خاتمة هذا الجزء.
فالجهاد الذي يخوض غمراته دعاة الاستقلال السياسي والإصلاح المدني لا يتم
لهم النصر فيه، ولا يتسق أمره وتثبت بوانيه، إلا بالتعاون والتظاهر مع دعاة
الإصلاح الديني، وقد كثر جنده المستقلون في فهم الإسلام في الأزهر وغيره من
القطر المصري، وفي سائر الأقطار الإسلامية، وهم منذ سنين يفكرون في تكوين
وحدتهم وتنظيم حزبهم، فإذا وجدوا من زعماء الأحزاب المدنية رغبة في الاتحاد
بهم والتعاون معهم، ظهر لهؤلاء من قوتهم في الرأي، وتأثيرهم في الشعب
بألسنتهم الخاطبة وأقلامهم الكاتبة، ما لم يكونوا يحتسبون.
وأختصر في هذا الموضوع هنا لأنني قد وفَّيته حقه في خاتمة الكتاب بما ليس
وراءه مزيد، إلا إذا ظهر الاستعداد له وانتقل إلى حيز التنفيذ.
{وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (آل عمران: 101) .
وكتبه محمد رشيد رضا في سلخ جمادى الأولى سنة 1350.
* * *
المواد المهمة
التي اعتمدنا عليها في كتابة هذا التاريخ
1-
ما كان شرع فيه الأستاذ الإمام من ترجمة نفسه بخطه.
2-
مذكرة بتاريخ حياته كتبها لي لأجعلها أصلاً لخلاصة لتاريخه طلبت منه.
3-
ما كتبه من تاريخ الثورة العرابية ومذكراته الوجيزة فيها.
4-
مجموعة خطية له، فيها بعض المستندات في عمله مع السيد جمال الدين
في تأسيس جمعية العروة الوثقى السرية ونظامها، وبعض المكاتبات بينه وبين
أعضائها.
5-
مسودات مقالات ومكتوبات وتقارير كان يعطيني إياها لتبييضها، أو
بسطها ونشرها في الجرائد أو إرسالها لبعض الناس، ومنها ما هو خاص بالأزهر.
6-
مؤلفاته كلها وما اقتبسته من تفسيره ودروسه في الأزهر.
7-
جملة من المكتوبات والرسائل والقصائد التي كانت تُرسل إليه وحفظها
عنده.
8-
مجموعة فيها حِكم مقتبسة منثورة بخط السيد جمال الدين وخطه ومقالات
له.
9-
مقالاته الإصلاحية في جريدة الوقائع المصرية.
10-
مجموعة العروة الوثقى برمتها بخطي وخط بعض إخواني.
11-
قوانين الأزهر ولوائح التعليم فيه ومحفوظات أخرى في شأنه.
12-
كتاب أعمال مجلس إدارة الأزهر.
13-
تقرير محمد بك أبو شادي في مسألة فتوى طعام أهل الكتاب.
14-
إرشاد الأمة الإسلامية إلى أقوال الأئمة في الفتوى الترانسفالية لجماعة
من أكابر علماء الأزهر.
15-
مجموعة مجلدات المنار وما فيها من المقالات والآراء له وعنه وفي
شأنه.
16-
عدة أجزاء من مجلة ضياء الخافقين، فيها مقالات للسيد جمال الدين.
17-
مجموعات المجلات والجرائد المصرية التي نشرت ترجمة السيد
وترجمته.
18-
كتاب الدفاع عن العرابيين لمحاميهم مستر برودلي.
19-
ما كتبه لي أصدقاؤنا من تلاميذه ومريديه عن سيرته في سورية بعد
النفي، ورحلته إلى السودان وفي مدحه والدفاع عنه.
20-
مذكراتي الخاصة ومكتوباته لي، وما اقتبسته واستفدته من معاشرته 8
سنين.
((يتبع بمقال تالٍ))
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
{رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي
الآخِرِين} (الشعراء: 83) ، {أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} (يوسف: 101) .
فلك الحمد أن جعلت سِير الأولين عبرة للآخرين، ومننت على عبادك بمن
بعثته في الأميين، يتلو عليهم آياتك ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من
قبل لفي ضلال مبين، محمد خاتم النبيين، ورحمتك العامة للعالمين، فَصَلِّ وسلم
اللهم عليه وعلى آله وصحبه، والمجددين لهديه وإصلاحه من بعده، حتى ترث
الأرض ومن عليها، وأنت خير الوارثين.
أما بعد، فيقول محمد رشيد رضا صاحب المنار: إن مصر لن تنسى ذكر
الحكيمين المجددين، والإمامين المصلحين، السيد جمال الدين الأفغاني، والشيخ
محمد عبده المصري، فطلاب الإصلاح الديني والإصلاح المدني والإصلاح
السياسي، لا يفتئون يشيدون باسميهما على أعواد المنابر، وفي أعمدة المجلات
والجرائد، ولا يزالون يجعلونهما مضرب الأمثال، ويتناقلون ما يُؤثر عنهما من
حكم الأقوال، وجلائل الأعمال، بل ذكرهما الحميد معروف في سائر الشرق، غير
مجهول في عالم الغرب، وإن لقب (حكيم الشرق) ولقب (الأستاذ الإمام) لاصقان
بهما، ومُغنِيان عن تسميتهما.
وقد أجمع العارفون والمدونون للتاريخ الحديث على أنهما مصدر هذه النهضة
العصرية في مصر والأفغان وإيران والهند، وهم يشعرون بالحاجة إلى وضع
تاريخ لهما يدون سيرتهما، ويفصِّل أعمالهما الإصلاحية، ويرون أن ما كتب في
الصحف عند وفاة كل منهما، وما ينشر فيها أحيانًا من التنويه بإصلاحهما نَزْرٌ
يسير من أعمالهما وآرائهما النافعة. وعجب بعض المفكرين أن رأوا بعض الإفرنج
يكتب في تاريخهما ما لم يكتب مثله أولادهما وأحفادهما من دعاة الإصلاح والتجديد.
وينحون بأشد اللائمة على المصريين منهم عامة، وعلى صاحب المنار
خاصة! إذ كان أخص مريدي الأستاذ الإمام وناشر علمه وحكمته، والمدافع عن
إصلاحه في عهده ومن بعده، وقد وعد بكتابة تاريخ له عقب وفاته، فنشر سفرًا
جمع فيه أكثر منشآته القلمية، وجزءًا جمع فيه أهم ما قيل وما كتب في تأبينه
ورثائه، وسماهما (الجزء الثاني والثالث من تاريخ الأستاذ الإمام) وقد مرَّ ربع قرن
ونيف ولم يصدر الجزء الأول الذي هو التاريخ الحقيقي.
أشهد أن لوم اللائمين لمصر على هذا التقصير حق، وإنني بما يخصني من
التثريب علي لأجله - وهو أكبره - أحق، ورب لائم مليم، ورب ملوم معذور،
وها أنذا ألخص عذري بعد أن اعترفت بتقصيري، وبرئت من ذنبي بإنجاز وعدي.
توفي الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى في إثر معارك من جهاده في الإصلاح ما
صلي نارها معه غيري، وحملت ما تصديت له من الضرر، غير متململ ولا
ضَجِر، وأما ما لذع قلبي من نار فقده فهو الذي لم يكن لي بحمله حول ولا قوة إلا
بالله العلي العظيم، ثم كنت مهددًا بعده بالنفي من هذه البلاد كما هُددت في آخر
عهده، وقد وطَّنت نفسي على النفي وعزمت على السفر إلى الهند، ولم أتحول عن
خطتي قيد شعرة.
أعلنت عزمي على كتابة تاريخ للأستاذ الإمام فلم ألبث أن بُلِّغت عن الأستاذ
الشيخ عبد الكريم سلمان أن أصدقاءه قد قرروا تأليف تاريخه بالتعاون بينهم وهم به
أولى، فقلت للمُبَلِّغ: إن تأليف تاريخين لهذا الإمام الكبير ليس بكثير ولا كبير
فليكتبوا ما عندهم ولأكتب ما عندي.
ثم أرسل إليَّ عميد حزبه المدني وأقوى أركانه سعد باشا زغلول، وكان عاد مع
شقيقه أحمد فتحي باشا من أوربة، فجئته فبلَّغني أنه هو وإخوانه من مريدي الإمام
وأصدقائه يرون أن أتولى كتابة تاريخه، وأن يساعدوني بما لديهم من المواد
والمعلومات، ثم يساعدوني على طبعه ونشره بالمال، بشرط أن أطلعهم على عملي
وأستشيرهم فيه؛ فإن كثيرًا من سيرته رحمه الله كانوا يُعَدَّون متكافلين معه فيه،
ويُعَدَّون من بعده مسئولين عنه.
فأجبته أنني لست إلا واحدًا منكم، بل أنا أصغركم، ولا أستغني عن
مساعدتكم ومشاورتكم، ولا أحب الخروج عما ترونه من مصلحتكم. وفي إثر ذلك
اجتمع بدعوة منه: الشيخ عبد الكريم سلمان وحسن باشا عاصم ومحمد بك راسم
وقاسم بك أمين والشيخ عبد الرحيم الدمرداش باشا، وقرروا ندب أحدهم - أحمد فتحي
باشا زغلول - ليكون نائبًا عنهم في التعاون والتشاور معي في العمل، وبلَّغوا حمودة
بك عبده ذلك، وأنه يرضيهم أن يعطيني ما عنده من مواد هذا التاريخ؛ وإنما
اختاروه لذلك لأنه أنشطهم وأقدرهم عليه وأكثرهم مودة وزيارة لي، وطلاقة في
حرية الكلام معي، وكان هو المتصل من جماعتهم بسمو الخديو، ومحيطًا بسياسته
وسياسة الإنكليز في الأمور علمًا، وهما الجانبان اللذان يحسب لرضاهما وسخطهما
كل حساب.
وكان كل ما قدمه لي من المساعدة نسخ مقالات الأستاذ الإمام الإصلاحية من
جريدة الوقائع المصرية الرسمية، إذ كان يقتني مجموعتها، وكان أول ما شاورته
فيه مقالات جريدة العروة الوثقى وكانت كلها منسوخة عندي، فأما ما كان منها
خاصًّا بالسياسة ومسألة مصر والسودان وتهييج العالم الإسلامي والهند على الدولة
الإنكليزية - فقد وافقته على تركه وعدم نشر شيء منه في منشآته؛ لأن الحرية في
مصر لا تتسع لنشره، وقد كانت العروة الوثقى ممنوعة من مصر والسودان والهند
لأجلها، وقد نشرت أهمها في هذا الجزء، وأعطاني حمودة بك بعض المواد ومن
أهمها ما كتبه الأستاذ من تاريخ الثورة العرابية.
وأما المقالات الإصلاحية العامة التي بث الحكيمان فيها الدعوة إلى جمع كلمة
المسلمين وإصلاح ذات بينهم، والتعاون على إحياء مدنيتهم بما تقتضيه وسائل هذا
العصر - فقد اتفقنا على نشر أكثرها، وترك ما تعده إنكلترة تحريضًا عليها منها؛
ولكنه أشار أيضًا بحذف جمل من بعض المقالات ما وافقته عليه إلا كارهًا، وأيقنت
أنني لا يمكنني أن أكتب هذا التاريخ تحت مراقبته والتقيد بمشاورته بالحرية التي
أريدها، وقد ساعدتني اللجنة بمبلغ من المال أعطيتها في مقابله مئات من النسخ
وزَّعها أعضاؤها بالمجان، وبِيعَ بعضها بثمن بخس.
فهذا ما حملني على التعجيل بجزء التأبين والرثاء والتعازي، ثم بجزء
المنشآت، والتسويف بجزء الترجمة، ثم التطويل في فصول تربية الأستاذ الإمام
وتعليمه منه بذكر ذلك الاستطراد الطويل في الكلام على حقيقة التصوف وما يوافق
الكتاب والسنة وما يخالفهما منه.
واتفقنا على جعل ترجمة المنار للأستاذ الإمام هي الأصل لجزء الترجمة في
مواده مع بسطها والتوسع فيها، وقد قرأه هو ورتَّبه وأشار بالحبر الأحمر إلى حذف
بعض المسائل منها لمخالفتها لمقتضى الحال أو سياسة الوقت.
وفي أثناء ذلك استقال لورد كرومر العميد البريطاني وخلفه السر ألدون
غورست صديق سمو الخديو، وكان ذلك في أوائل سنة 1325 قبل أن تتم على
وفاة الإمام سنتان، فكبر نفوذ سموه في الحكومة وضاقت بكبره سعة الحرية علينا،
وأعيد في عهده العمل بقانون المطبوعات، فاقتنع أحمد فتحي باشا نفسه بأن كتابة
تاريخ الأستاذ الإمام كتابة حرة مفيدة صار متعذرًا، فاتفقنا على الوقوف عند ما كان
قد تم منه، وهو إلى 232 صفحة، وهو المقدار الذي أطلعت عليه الشيخ عبد
الكريم سلمان إذ رأيته شاكًّا في بدئي بطبع الكتاب، فاعترف بأنه لا يمكن نشره.
وجملة القول: إن طبع هذا الجزء كان يسوء الخديو عباسًا، وإن لم ينشر فيه
ما كان من مقاومته للإمام في إصلاح الأزهر والمحاكم الشرعية والأوقاف حتى
المساجد؛ فإن نشر هذا فيه كما يراه القارئ هنا فإنه كان يبذل كل قواه في عقاب
مؤلفه، وما كان أحمد فتحي باشا ليرضى بذلك، ولا سعد باشا أيضًا، ومكانهما في
حكومة جنابه مكانهما.
وما انتهى عهد سموه إلا بسبب الحرب الكبرى التي جعلت الحكومة
الإنجليزية مصر في أثنائها خاضعة لأحكامها العسكرية وأعلنت حمايتها عليها،
واشتدت مراقبتها العسكرية ومراقبة الحكومة المحلية بأمرها على المطبوعات،
واستمرت هذه المراقبة الشديدة إلى ما بعد الحرب بزمن طويل.
وإنما سنحت الفرصة الأولى لإصدار الكتاب في العهد الأخير لسعد باشا في
زعامة الأمة ورياسة الحكومة واستقرار نفوذه في البلاد أي في سنة 1345 هـ، إذ
لم يبق للإنكليز من النفوذ القوي في هذا العهد ما يخشى أن يمكِّنهم من حمل
الحكومة على مصادرته، على أن ثورة مصر قد انتهت ولم يعد ما في الكتاب من
التحريض السابق يضيق على حريتهم، بيد أنه قد عاقني عن افتراص هذه السانحة
بالسرعة عدة عوائق؛ منها أنني كنت انتقلت من الدار التي طبعت فيها القسم الأول
من التاريخ إلى دار أخرى، وتعذر وضع كل نوع من المطبوعات الكثيرة وحده،
فلم نقدر على العثور على المطبوع من التاريخ إلا بعد الانتقال إلى دار المنار
الجديدة ووضع كل كتاب من مطبوعاتنا في محل خاص به، وإنما تم بعد وفاة سعد
رحمه الله تعالى، وقد وجدنا بعض المطبوع تالفًا وبعضه قد فُقد، فاضطررنا إلى
إعادة طبع أكثرها.
وشرعت في إتمام الكتاب في أواخر سنة 1348، وعرض لي موانع عن
المضي فيه مدة سنة، وعدت إليه في أواخر سنة 1349، وكنت أقدِّره بثمانين
كراسة (ملزمة) أو مائة، ثم كنت كلما شرعت في مقاصد فصل من الفصول
أتذكر من مواده ومسائله ما كنت ذاهلاً عنه حتى بلغ ما يراه القارئ، وقد صبرت
نفسي وحبستها على كتابة ثلثه الأخير أربعة أشهر من هذا العام (1350) لا
أشرك به عملاً آخر حتى تم طبعه في هذه الأيام، وبقي كثير من المواد والمستندات
من تاريخه وتاريخ السيد جمال الدين ضاق عنها هذا الجزء فوعدت بإثباتها في
جزء الذيل الذي أضعه له إن شاء الله.
كيف كُتب هذا التاريخ:
كُتب هذا التاريخ في أثناء سنين كثيرة وفترات بعيدة، وأوقات يختلف فيها
الفكر والشعور باختلاف الأحوال، والأناة، والاستعجال، ولم تكن مواده مجموعة
مرتبة؛ وإنما جريت في ترتيب أكثرها على ما كتبته في المنار عقب وفاة الأستاذ
الإمام من ترجمته، ومنها ما ليس له ذكر في تلك الترجمة، ومن ثم يجد القارئ فيه
تكرارًا لبعض المسائل عن سهو أو عمد، وربما تختلف فيه العبارة في المسألة
الواحدة بعض الاختلاف في اللفظ كاختلاف الورق، ولا سيما المسائل التي اعتمدت
في كتابتها على حفظي، وأرجو أن لا يكون فيها شيء من التناقض؛ فإنني بفضل
الله تعالى قوي الذاكرة للمعاني.
ولولا أن طال هذا الجزء حتى صار يثقل حمله، وعطلت أهم أعمالي لأجل
إتمامه، مع سوء الحال، وقلة المال - لوضعت له خلاصة كلية ألخص فيها مقدمات
كل مقصد من مقاصد فصوله ونتيجته، وأبيِّن مواضع العبرة فيه على نحو ما
ذكرته في أثنائه لبعضها، كأن أعد ما كان عليه الأزهر قبل تصدي الإمام لإصلاحه
من الصفات والأحوال واحدة واحدة، وأعد ما كان عليه شيوخه وطلابه من
الصفات والعادات والأعمال صفة صفة وعادة عادة وعملاً عملاً، ثم أبيِّن ما كان
من تغيير الإصلاح لبعض ما ذكر، وأعد فوائده واحدة بعد واحدة، ومثله أن
ألخص آراءه في التربية والتعليم، فأعد المفاسد التي ذكرها في لوائح إصلاح
التعليم في الدولة العثمانية وفي مصر، وما ذكره منها في خطبه في احتفالات
مدارس الجمعية الخيرية، ثم أعد ما ذكره في تلك المواضع وغيرها من قواعد
الإصلاح كلها وهي التي أدعو إليها، ولكنت أفعل هذا في كل فصل بل كل مقصد،
وإذًا لكانت الفائدة أتم والنفع أعم، وإذ تعذر علي كتابة هذا فإنني أوجه همة
الراغبين في مثله أن يتولوه لأنفسهم بأنفسهم، ومن لا يعنيه ذلك فلا يهتم لقراءته،
وعسى أن أوفق لهذا في الذيل الذي أرجو أن يكون هو المكمل له.
وقد جريت على سنن علمائنا المتقدمين من رواة الآثار - المحدثين
والمؤرخين - في بيان آراء الأستاذ الإمام وعاداته وشمائله وأخلاقه بالصراحة
والحرية والصدق، ومنها ما هو منتقد عندي على ما كان بيننا من الاتفاق، الذي يندر
أن يوجد مثله بين اثنين من الناس، وأنا أعلم أن منها ما يكون منتقدًا في نظر غيري
وإن كان صوابًا عندي، ومنها ما ينتقد عليَّ نشره لأن مثله غير معتاد، أو لأنه من
مبالغاته التي ربما كان يقصد بها التأثير الخاص، ككلمته في تحريف الفقهاء، وهذا
نادر.
ومن أنعم النظر في فوائد هذا الاستقصاء رأى أن أهمها تمثيل حقيقة الرجل
من كل ناحية كي يحيط القارئ به خبرًا، ويحكم عليه حكمًا صحيحًا؛ فإن الذين
يترجمون الرجال بذكر محاسنهم ومناقبهم، وإخفاء هناتهم ومثالبهم؛ إنما هم شعراء
مداحون، لا مؤرخون حقيقيون.
فإذا رأى القارئ أنني على إعجابي بسعة علومه ورسوخه في معارفه التي
كان بها جديرًا بلقب الأستاذ الإمام، الذي قبله وأجازه الرأي العام - أُثبت أنه كان
مقصرًا في علوم الحديث من حيث الرواية والحفظ والجرح والتعديل كغيره من
علماء الأزهر، وإنني على إعجابي بأخلاقه التي كان بها حقيقًا بزعامة الإصلاح
والتجديد للأمة والملة، صرحت بأنه كان كأستاذه لا يخلو من الحدة، ومما يقابلها
من الضعف بشدة الرحمة والمبالغة في الورع، المغريتين لصاحبهما بإيثارهما على
المصلحة العامة، وإنني على إعجابي بقوة تدينه وحسن تعبده ومحافظته على تهجده،
صرحت بأنه كان يجمع بين الصلاتين في الحضر أحيانًا ترخصًا اجتهاديًّا خالف
فيه المذاهب الأربعة؛ ولكنه وافق حديثًا صحيحًا أخذ به غيرهم من الأئمة.
إذا رأى القارئ هذا وذاك أيقن أنني لم أكن محابيًا له في هذا التاريخ، ولا
سالكًا فيه مسلك الشعراء، ولا أنصار المذاهب وزعماء السياسة الذين يصورون
أئمتهم وزعماءهم صورًا مكبرة مزينة مجملة بما يظهر محاسنهم ويخفي مساويهم،
أو يبدل سيئاتهم حسنات، وعلم أن كل ما انتقد على الأستاذ يصح أن يقال فيه:
(حسنات الأبرار سيئات المقربين) وإنني - وأيم الحق - لم أطلع له على عمل ينافي
العفة والنزاهة ولا الورع والشرف، ولا هفوة تدل على كامن من حقد أو حسد،
فهو أكمل من عرفت من البشر، ومن اطلع على دخائل كثير من المشهورين بالعلم
والتقوى، أو الحكمة والفلسفة، أو تاريخهم الصحيح - رأى كثيرًا من العُجَر والبُجَر،
فما قولكم في زعماء السياسة وعشاق الرياسة؟
ولقد كنت داعية لزعامته وإمامته؛ وإنما كانت دعاية صدق ودين، وجهاد
وجلاد، لزعامة تجديد وإصلاح، لا زعامة رياسة وجاه، ومناصب ومال، وهل
يتوسل العاقل المتدين إلى الحق بالباطل، وإلى الإصلاح بالكذب الذي مطية كل
إفساد، فيتعجل لنفسه الإجرام نقدًا، لأجل ما يرجو لغيره من الإصلاح نسيئًا؟ وقد
سُئل الأستاذ الإمام: أترجو أن تجني ثمر إصلاحك في حياتك؟ قال: (أستبعد هذا
ولا أظنه، وحسبي أن يتم فيجنيه مَن بعدي) .
وجملة القول: إن هذا الرجل أكمل من عرفت من البشر دينًا وأدبًا ونفسًا
وعقلاً وخلقًا وعلمًا وعملاً وصدقًا وإخلاصًا، وإن من مناقبه ما ليس له فيه ند ولا
ضريب، وإنه لهو السري الأحوذي العبقري الحقيق بلقب (المثل الأعلى) من
ورثة الأنبياء في هذا العصر وإن لم أطلقه عليه لأنه على إطلاقه خاص بالله في
نص كتابه، وقد ابتذله الناس في الخطب والجرائد حتى خرج عن معناه.
صنوف قراء هذا التاريخ:
ألا وإن قراء هذا التاريخ صنوف: فمنهم طلاب الإصلاح والتجديد النافع
للأمة، مع المحافظة على مقوماتها، ومشخصاتها التي تمت بها حقيقتها وامتازت من
غيرها، وهؤلاء يشكرون لي عملي ويرون أنني أحسنت فيه وأصبت، ويعفون عما
عساني أخطأت فيه أو قصَّرت، ويساعدونني على نشر الكتاب؛ لأنه خير عون على
إثارة الهمم، وتقوية الأمل، والتنشيط على العمل، بل هؤلاء منا، من عرفنا منهم
ومن لم يعرفنا.
ويليهم المستعدون للإصلاح بسلامة فطرتهم وحسن نيتهم؛ ولكنهم غافلون
عنه لفقد الباعث والمنبه، وسيجدون في هذا التاريخ أقوى دعاية، وأوضح هداية،
فلا يلبث قارئه أن يكون منا وينصرنا بقدر ما أوتي من همة واستطاعة.
ومنهم دعاة النهضة المدنية الوطنية اللادينية، وسيجد المخلصون منهم أن
أمامنا إمام لهم في جانب من جانبي إصلاحه، وأن الجانب الآخر ينفعهم ولا
يضرهم، فإن الجامدين في التقاليد الدينية والخرافيين فيها هم أعداء التجديد المدني،
فإذا صلحوا التقوا معهم في تعزيز النهضة الوطنية وتعاونوا معهم عليها، ما لم
يكونوا دعاة للإلحاد لذاته، وقد كان المعاصرون منهم للحكيم الأفغاني والإمام
المصري يدينون لزعامتهما، وإن لم يكونوا من مريديهما والمقتبسين منهما مباشرة،
بل كان المخلص منهم لقومه ووطنه يعترف بفائدة إصلاحهما الديني وضرورته
لإكمال النهضة المدنية، والرابطة الوطنية، كما ترى في تأبين أحرار النصارى
وملاحدة المسلمين للأستاذ الإمام.
وأما الجامدون المصرون على التقاليد والخرافات، المطبوع على قلوبهم بما
مردوا عليه من الخطيئات، فقد يوجد فيهم من يلتمس لنا العثرات، ويبدل حسناتنا
سيئات، ويكبر الصغير من الهفوات. ولا خوف على أنصارنا منهم فالحق يدمغ
الباطل والنور يطرد الظلمات؛ وإنما ضررهم محصور في مقلدتهم من العوام
الجاهلين الخرافيين، يصدونهم عن قراءة كتبنا، وما قرأها أحد وفهمها إلا واتبعنا.
ومن دون هذه الصنوف والطبقات صنف الملاحدة والزنادقة، ودعاة الإباحة
المطلقة، وصنف أجراء الأجانب وأعوانهم، وصنف المتملقين للظلمة المفسدين،
وهؤلاء تحوت أدنياء لا يرجعون عن غيهم إلا إذا صار للإصلاح دولة قوية غنية
تستصلح هؤلاء بالرزق، وتكبح شر أولئك بالقوة، وأما نحن فإذا خاطبونا قلنا
سلامًا. وإذا مررنا بلغوهم مررنا كرامًا، ونسأله تعالى أن يجعلنا معهم ممن قال
فيهم: {وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ
أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ
يُنفِقُونَ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَا
نَبْتَغِي الجَاهِلِينَ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُهْتَدِينَ} (القصص: 53 - 56) .
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
فتاوى المنار
أسئلة من عالم راخو فتسا برزرين
في يوغوسلافية - أوربة
(تأخرت سهوًا وقد سبق لنا بيان أكثرها)
(س1 - 10) من الفقير العاجز يحيى سلامي ألاييكي إلى السيد الجليل
ملجأ الباحثين، وملاذ الناقدين، مفتي الأنام، شيخ مشايخ الإسلام، الشيخ محمد
رشيد رضا صاحب مجلة المنار الأغر الأعلى الإسلامي بمصر.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد فقد أتيح لي أن أسأل حضرتكم عن
حقيقة المسائل الآتي ذكرها، وأسترشد بدلالتكم وإرشادكم إلى صحيح الجواب الذي
هو هدي القرآن والسنة النبوية.
1-
ما معنى قول الله عز وجل في حق إدريس عليه السلام: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً
عَلِياًّ} (مريم: 57) الآية؟ هل إدريس في قيد الحياة أم لا؟
2-
أكان معراج نبينا صلى الله عليه وسلم إلى السموات وإلى ما شاء الله
جسمانيًّا أم لا؟ وما معنى {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَتِي أَرَيْنَاكَ} (الإسراء: 60) ؟
3-
هل كان الطوفان على قوم نوح عليه السلام فقط أو لجميع العالم؟ وما
معنى قوله تعالى: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الجُودِيِّ} (هود: 44) ؟
4-
ما هي حقيقة طير الأبابيل الواردة في سورة الفيل؟
5-
هل جملة (من زار قبري وجبت له شفاعتي) حديث صحيح أم لا؟
6-
(القناعة كنز لا يفنى) هل هي من الأحاديث الصحيحة الواردة، وما
معنى القناعة، أيمكن أن يكون مفهومها الاقتصاد بتعبير هذا العصر؟
7-
أتأكل الأرض أجساد الأنبياء والأولياء وحفاظ القرآن الكريم، أم لا كما
هو مشهور عند العامة بعدم أكلها، وقد روى الفقيه أبو الليث السمرقندي في كتابه
(تنبيه الغافلين) في باب فضل الجمعة حديثًا مسندًا بهذا الشأن؟
8-
كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة، والخلفاء الراشدون
بعده، والأصحاب والتابعون رضوان الله عليهم؟
9-
رجل رضع ثدي امرأته ما حكمه في الشرع هل تحل له أم لا؟
10-
(الجعة) ما حكمها في الشريعة السمحة؟
…
...
…
...
…
...
…
...
…
راخو فتسا
…
...
…
...
…
...
…
...
…
(يوغوسلافيا)
أجوبة المنار
(1)
رفع إدريس عليه السلام:
قال الحافظ البغوي في تفسير: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِياًّ} (مريم: 57) قيل:
هي الجنة، وقيل: هي الرفعة بعلو الرتبة في الدنيا، وقيل: إنه رُفع إلى السماء
الرابعة، وروى أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه رأى إدريس في السماء الرابعة ليلة المعراج اهـ. وذكر بعد هذا عن
كعب الأحبار قصة إسرائيلية في رفعه وسببه، وهي من قصصه الخرافية، وممن
رواها عنه ابن عباس رضي الله عنهما، فلا يعتد بها. قال العماد ابن كثير بعد
إيرادها في تفسيره: (هذا من أخبار كعب الأحبار الإسرائيليات، وفي بعضه نكارة،
والله أعلم، وعزاه إليه الحافظ ابن حجر في الفتح أيضًا.
والقول الأول، وهو تفسير المكان العلي بالجنة، مروي عن الحسن البصري،
وهو لا يعارض بحديث المعراج فإن الأنبياء الذين رآهم النبي صلى الله عليه وسلم
في ليلة المعراج قد ماتوا في أزمنتهم ودفنوا، إلا ما ورد في عيسى عليهم السلام،
وقد ورد أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى موسى في تلك الليلة في قبره
بالكثيب الأحمر من فلسطين، فهذه أمور روحانية غيبية لا نعلم كنهها، وقد قال الله
تعالى في الرسل عليهم السلام: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} (البقرة: 253)
والظاهر أن إدريس مات في الدنيا كغيره، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وكون
إدريس رفع وهو حي لم يثبت من طريق مرفوعة قوية.
(2)
المعراج جسماني أم روحاني:
الخلاف في هذه المسألة مشهور يذكرونه في القصة التي يقرءونها في الاحتفال
الذي يجتمع له الناس في ليلة 27 رجب من كل عام، والروايات فيه متعارضة
متناقضة، والجمهور على أنه بالروح والجسد؛ لأن الإنسان روح في جسد، وفي
اليقظة لأن جمهور المحدثين حكموا بغلط رواية شريك في كتاب التوحيد من صحيح
البخاري في كونه رؤيا منامية، وهي في أمر من أمور عالم الغيب فلا تقاس على
عالم الشهادة، والمعقول في فهمها أن تكون الروحانية هي الغالبة على الجسمانية
فيها، فيكون الرسول صلى الله عليه وسلم فيها كالملَك حين يتمثل في صورة جسدية
كما تمثل جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم مرارًا، وكما تمثل للسيدة مريم عليها
السلام، وكما تمثل غيره من الملائكة لإبراهيم صلى الله عليه وسلم، وبهذا التقريب
يزول كل إشكال في فهمها؛ فإن الروح إذا غلب سلطانها على الجسد تلطفه فيخف
ويكون كالأثير الذي يفرضه علماء الكون في نفوذه من الكثائف، وتقطع به المسافات
الشاسعة بسرعة النور أو أسرع من الأثير، نقول هذا على طريقة التقريب للفهم،
وعالم الغيب لا تُعرف أسراره وتتجلى أنواره، إلا لمن زُجّ فيه.
وأما قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَتِي أَرَيْنَاكَ إِلَاّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} (الإسراء:
60) فمعناه: وما جعلنا الرؤيا المنامية التي أريناكها في المنام إلا بلاءً واختبارًا
للناس في دينهم، ظهر بها تمرد المشركين الكافرين، وزلزال الضعفاء ويقين
المؤمنين، وليس في القرآن بيان لهذه الرؤيا أوضح من قوله تعالى من سورة الفتح:
{لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} (الفتح: 27) الآية، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في منامه أنه دخل -
ومعه أصحابه - المسجد آمنين فطافوا بالبيت وحلقوا وقصروا، وكانت هذه
الرؤيا سبب عمرة الحديبية المشهورة فصدَّهم المشركون عن دخول مكة وعقدوا
معهم ذلك الصلح الذي ساء جمهور المسلمين، وكادوا يعصون الرسول صلى الله
عليه وسلم إذ أمرهم بالتحلل من عمرتهم بالحلق أو التقصير، لولا أن ثبتهم الله
تعالى وأنزل عليهم السكينة، وهذا التفسير للرؤيا رواه ابن مردويه عن ابن عباس
رضي الله عنه.
ولكن هذه الواقعة كانت سنة ست من الهجرة، والآية في سورة الإسراء وهي
مكية، فقيل: إن الله تعالى أراه ذلك وأخبره به في مكة ثم كان تأويله بعد الهجرة،
وكثيرًا ما يقولون في مثل هذا: إن الآية مدنية ووضعت في هذه السورة لمناسبتها
لها، وهو على الوجهين خلاف الظاهر.
وفسرها بعضهم بالرؤيا التي ذُكرت في سورة الأنفال: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي
مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ} (الأنفال:
43) وما ورد في سياقها في الحديث من أن الله أرى نبيه صلى الله عليه وسلم
مصارع رؤسائهم في الكفر، وهذه كانت بعد الهجرة أيضًا ولكن ورد أنه صلى الله
عليه وسلم ذكرها في مكة قبل الهجرة فهزئ به كفار قريش، وفي الصحيح أن سعد
ابن معاذ أتى مكة عقب الهجرة وقبل وقعة بدر فنزل على صديقه في الجاهلية أمية
ابن خلف وكان مما أخبره به قوله: لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
إنهم قاتلوك - يعني المسلمين - قال: بمكة؟ قال: لا أدري، ففزع أمية لذلك
فزعًا شديدًا، وفي رواية أنه قال له: إنه قاتلك - يعني النبي صلى الله عليه وسلم
وإن أمية قال: فوالله ما يكذب محمد. ولما دعاهم أبو سفيان للخروج إلى بدر
امتنع أمية من الخروج خوفًا من القتل لاعتقاده أن النبي صلى الله عليه وسلم وسلم
لا يكذب وإن أخبر عن المستقبل، فما زال به أبو جهل حتى خرج وقُتل.
وفسَّرها الجمهور بما جاء في حديث الإسراء من افتتان بعض الناس به
بارتداد بعض ضعفاء الإيمان وخوض المشركين في إخباره صلى الله عليه وسلم بما
هو غير معقول خلافًا لعادته، واحتج به من قالوا: إن ذلك كان رؤيا منام. ورواه
ابن إسحاق عن معاوية بن أبي سفيان، وهو صريح رواية شريك في البخاري،
والجمهور على خلافه، وقد حكموا بغلط شريك لشذوذه عما رواه الكثيرون كما تقدم،
وقالوا: إن لفظ الرؤيا قد يُطلق على ما يُرى في اليقظة ليلاً، وقيل: مطلقًا، ولا
يعرف له نقل، إلا ما روى البخاري عن عكرمة عن ابن عباس في تفسيرها: أنها
رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، واللفظ صريح في
أن المراد بها شيء أراه الله تعالى إياه في تلك الليلة لا نفس الإسراء، ولهذا قال
الحافظ في شرحها: إنه لم يصرح بالمرئي، وذكر عن سعيد بن منصور عن
طريق أبي مالك: هو ما أُري في طريقه إلى بيت المقدس، أي ومنه أنه رأى عيرًا
لهم قد ضلت وجمعها فلان، فالإشكال في هذه الرواية محصور في إضافة الرؤيا
إلى العين، وهو خلاف استعمال القرآن والأحاديث الكثيرة وما نقل رواة اللغة،
والآية صريحة في أن هذه الرؤيا كانت فتنة للناس لا بعض ما شاهده صلى الله
عليه وسلم في ليلتها، وهذا المكان لا يتسع لتحرير هذا البحث.
وفسَّرها بعضهم بما روي من رؤيته صلى الله عليه وسلم كأن بني أمية
يتعاورون على منبره، وقد كان ملك بني أمية مثار أكبر الفتن في الإسلام، وقد
عرفت رأي الجمهور.
(3)
طوفان نوح:
ظاهر القرآن أنه كان على قوم نوح فقط لأنه عقاب لهم، وهل كان يوجد
على الأرض غيرهم من البشر حتى يكون لهذا السؤال وجه من النظر؟ قد يقال:
إنه لم يكن يوجد غيرهم بدليل قوله تعالى: {وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ
مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّارًا} (نوح: 26) وهذه الدلالة غير قطعية، فإن كل قوم يطلقون
لفظ الأرض على أرض وطنهم كقوله تعالى: {وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ
لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا} (الإسراء: 76) فالمراد بالأرض هنا أرض مكة، ولهذا
أمثال.
والتحقيق في المسألة أنه ليس في القرآن نص قطعي على أن الطوفان عمَّ
الأرض كلها؛ ولكنه هو الذي جرى عليه المفسرون وغيرهم بناء على أنه ظاهر
الآيات في القصة كان عليه جميع أهل الكتاب، ولا يوجد دليل قطعي ينقض هذا
الظاهر الظني فنحتاج إلى تأويله، وما يقوله علماء الجيولوجية قد يرد على
نصوص التوراة التي تحدد تاريخ نوح والطوفان بحد قريب، إذ يجزمون بأن
الأرض كانت فيه على ما هي عليه اليوم بالتقريب، والقرآن لم يحدد تاريخ التكوين
والبشر ببضعة آلاف من السنين كسفر التكوين، بل قال الله تعالى فيه: {مَّا
أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ} (الكهف: 51) فعلى هذا
يحتمل أن يكون الطوفان قد وقع منذ مئات الألوف أو ألوف الألوف من السنين، إذ
كانت اليابسة التي نتأت في الكرة المائية صغيرة، والجبال فيها قليلة غير شامخة،
فطبيعتها كانت قابلة لمثل هذا الطوفان، وجاء في المواقف عن الإمام الرازي أن
هذه الأرض كانت مغمورة بالمياه بدليل ما يُرى في رؤوس الجبال من الأصداف
البحرية، وكذا الأسماك المتحجرة، وهذا متفق عليه عند علماء الكون في هذا
العصر. والجودي المكان أو الجبل الذي استوت عليه السفينة، وليس في الكتاب
ولا في الأحاديث المرفوعة تعيين مكانه؛ لأن العبرة لا تتوقف عليه.
وللأستاذ الإمام فتوى في أن عموم الطوفان هو ظاهر النصوص لا مدلولها
القطعي، وإننا لا نعدل عن القول بالظاهر إلا إذا قام دليل قطعي على خلافه، ولما
يقم هذا الدليل عندنا وهذه الفتوى منشورة في المنار في تاريخ الأستاذ الإمام.
(4)
حقيقة الطير الأبابيل:
ليس عندنا دليل نقلي عن الله ولا عن رسوله صلى الله عليه وسلم نعرف به
حقيقة تلك الطير؛ ولكن جاء في الأخبار التاريخية التي كانت العرب تتناقلها أن
أصحاب الفيل الذين جاءوا لهدم بيت الله تعالى في مكة أصابهم وباء الجدري
والحصبة فأهلكهم.
فالظاهر أن تلك الطير الأبابيل أي الجماعات هي التي حملت إليهم جراثيم
هذا المرض بصفة وبائية، إذ رمتهم بحجارة من سجيل وهو الطين المتحجر، وقد
روي أنها جاءت من البحر، فيظهر أنها كانت ملوثة بسم المرض من مستنقع في
شاطئه فأصاب أبدانهم من جروح أحدثتها بها أو كانت فيهم، واختلطت بطعامهم
وشرابهم، وجوَّز شيخنا في تفسير السورة أن تكون تلك الطير من الأحياء الصغيرة
التي تسمى في عرف أطباء هذا العصر بالميكروبات، فراجعوا عبارته في تفسير
جزء عم.
(5)
حديث (من زار قبري وجبت له شفاعتي) :
رواه ابن عدي في الكامل، والبيهقي في الشعب عن ابن عمر، وكذا ابن
خزيمة وفي سنده عبد الله بن عمر العمري، قال أبو حاتم: مجهول، وموسى بن
هلال البصري، قال العقيلي: لا يصح حديثه، ولهذا قال ابن القطان: فيه
ضعيفان، وقال النووي: ضعيف جدًّا.
(6)
(القناعة كنز لا يفنى) :
يُروى بلفظ (القناعة مال لا ينفد وكنز لا يفنى) رواه الطبراني في معجمه
الأوسط، وقال الحافظ الذهبي: سنده ضعيف، وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله
ابن عمرو: (قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا وقنعه الله بما أعطاه) وفي معناه عند
الترمذي والنسائي في الكبير من حديث فضالة بن عبيد (طوبى لمن هدي إلى
الإسلام وكان عيشه كفافًا وقنع به) صححه الترمذي. والقناعة ضد الطمع فهي
عبارة عن رضاء الإنسان بما يصيبه من الرزق قلَّ أو كثر، وعدم طمعه فيما ليس
له واستشرافه لما في أيدي الناس، هذا هو التحقيق، واقتصر بعض العلماء في
تفسيره على الاجتزاء باليسير من أعراض الدنيا؛ لأن من رضي بالقليل كان
بالكثير أرضى، وقد يكون الاقتصاد في المعيشة سببًا للقناعة، بل قال أبو حامد
الغزالي في الإحياء: الاقتصاد في المعيشة هو الأصل في القناعة، ونعني به الرفق
في الإنفاق، وترك الخرق فيه اهـ.
(7)
أجساد الأنبياء والصالحين بعد موتهم:
إن سنة الله تعالى في أجساد البشر واحدة في حياتهم وموتهم؛ وإنما يمتاز
الأنبياء على غيرهم بما هو خاص بمعنى النبوة وما يتعلق بها لقوله تعالى لرسوله:
{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} (الكهف: 110) الآية، وقوله له تلقينًا
لجواب طلاب الآية منه: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَاّ بَشَرًا رَّسُولاً} (الإسراء:
93) ومن ثم يذكر العلماء في كتب العقائد أنه يجوز على الأنبياء طروء
الأعراض البشرية عليهم من المرض والتعب والجوع والعطش والنوم والموت
والقتل؛ لأن ذلك لا يخل بوظيفة الوحي ولا بالتبليغ له، ومثلها الجسد، ولكن ورد
في غير الصحاح أحاديث آحادية في أن أجساد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا
تأكلها الأرض، أمثلها حديث أوس بن أوس في فضل يوم الجمعة الذي فيه أن
الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم تُعرض عليه، قال أوس: قالوا: يا رسول الله،
كيف تُعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ - يعني بليت - قال: (إن الله عز وجل
حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) رواه أحمد في مسنده وأبو داود
والنسائي والبيهقي في الشعب، وفي رسالته (حياة الأنبياء) وغيرهم، وقد صححه
بعضهم وحسنه آخرون منهم المنذري، لكن قال الحافظ السخاوي بعد أن أورد
تصحيحهم وتحسينهم ما نصه: قلت: ولهذا الحديث علة خفية، وهي أن حسينًا
الجعفي راويه أخطأ في اسم جد شيخه عبد الرحمن بن بديد حيث سماه جابرًا وإنما
هو تميم، كما جزم به أبو حاتم وغيره، وعلى هذا فابن تميم منكر الحديث، ولهذا
قال أبو حاتم: إن الحديث منكر وقال ابن العربي: إنه لم يثبت؛ لكن رد هذه العلة
الدارقطني وقال: إن سماع حسين من جابر ثابت، وإلى هذا جنح الخطيب، والعلم
عند الله تعالى.
وهنالك أحاديث أخرى ثلاثة منها بمعنى هذا الحديث ولكنها دونه في السند،
ومنها ما هو في تبليغ الملائكة إياه صلى الله عليه وسلم من يصلي عليه، وقد
تكلمنا عليها في أواخر المجلد الثامن من المنار صفحة (903 - 909) وقد قلت
فيها: إنها في مجموعها تدل على أن الأنبياء أحياء في البرزخ؛ ولكن هذه الحياة
غيبية لا نعرف حقيقتها، وليست هي كالحياة في هذه الدنيا، كما حققه ابن القيم في
كتاب الروح، وغيره من المحققين
…
إلخ.
وجملة القول: إن هذه المسألة ينظر فيها من وجهين:
(أحدهما) : أنها من مسائل الإيمان بعالم الغيب فهي اعتقادية، وما يجب
اعتقاده والإيمان به لا يثبت إلا بالنصوص القطعية الرواية والدلالة، وليس فيها
نص ظني راجح فضلاً عن القاطع.
(وثانيهما) : أنها من مسائل المناقب والفضائل التي يقبلون فيها الروايات
الظنية ولا يأبون إثباتها بما دونها من الضعاف، وبهذا النظر قبل بعض العلماء ما
روي فيها وإن كان معلولاً، وحينئذ يقال في كون معناها مخالفًا لسنن الله تعالى في
الأجساد: إنها تنظم في سلك خوارق العادات، وإذ كانت ليست بعقيدة واجبة ولا
يترتب عليها عمل فلا حرج على من صدَّقها ولا على من أنكرها؛ ولكن بعض
العلماء أدخلوا فيها القياس وهي مما لا يُقاس عليه ولو ثبت، فقالوا: إن جميع
الأولياء والشهداء كالأنبياء في هذه المنقبة، وزاد آخرون: العلماء والمؤذنين
والمحتسبين، ويتساهل في كتابة هذا المؤلفون المقلدون السطحيون والخرافيون
كأبي الليث السمرقندي، وينقلون فيها حكايات سبقهم إلى مثلها النصارى في
شهدائهم وقديسيهم. وإن التسليم بهذه الخرافات وعدم إنكار العلماء لها قد كان فتنة
للعقلاء المستقلين، منفرًا لهم عن الدين، وقد نبش بعض رجال الحكومة التركية
اللادينية الحاضرة بعض قبور الأولياء المعتقدين عند العامة أمام الجماهير منهم
فأروهم بأعينهم أنه ليس فيها إلا عظام نخرة، واستدلوا بهذا على أن الدين كله
خرافات باطلة، فما يتساهل فيه الخرافيون لتقوية إيمان العوام، قد يفضي إلى هدم
إيمان الخواص والعوام.
(8)
صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة:
كان الصحابة يسعون إلى المسجد يوم الجمعة متنافسين في التبكير ما
استطاعوا، فيصلي كلٌّ ما تيسر له، فإذا جاء وقت الصلاة خرج رسول الله صلى
الله عليه وسلم من بيته إلى المسجد وابتدر المنبر، وحينئذ يؤذن المؤذن بين يديه،
فإذا فرغ من أذانه قام صلى الله عليه وسلم وخطب الناس خطبتين يفصل بينهما
بجلسة خفيفة، ثم ينزل فيصلي بالناس الجمعة، فإذا فرغ انصرف إلى بيته فصلى
فيه ركعتين، وخرج المسلمون كذلك فانتشروا في الأرض يبتغون من فضل الله كما
أمر الله تعالى، وقد بيَّنا الروايات في هذا مرارًا، وهكذا كان الخلفاء يصلونها، إلا
أن عثمان رضي الله عنه زاد أذانًا خارج المسجد لإعلام الناس بالوقت؛ لأنهم
كثروا وكثرت شواغلهم.
(9)
حكم من رضع ثدي امرأته:
رضاع الرجل الكبير لا تثبت به البنوة؛ فإن جماهير السلف والخلف على أن
الرضاعة المُحرِّمة ما كانت في الصغر، إذ يكون مدار نمو البدن على الرضاع
الذي أشير إليه في الأحاديث بأنه ما كان من المجاعة، وقبل الفطام والفصال، وما
فتق الأمعاء في الثدي، أي في أيام الثدي، وهي سنتان عند الجمهور، وسنتان
ونصف عند أبي حنيفة وهنالك أقوال أخرى متقاربة، ولا معارض لذلك إلا حديث
عائشة في مسألة سالم مولى أبي حذيفة، فإنه كان يدخل على امرأته وهو صغير،
وكان عبدًا له فأعتقه، فلما بلغ الحُلم صار يشق على أبي حذيفة دخوله على أهله
فذكرت زوجه سهلة بنت سهيل ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها:
(أرضعيه تحرمي عليه) ففعلت، فزال ما في نفس أبي حذيفة، وقد تأول الجمهور
من السلف والخلف هذا الحديث بأنه فتوى خاصة في حال ضرورة، إذ كان أبو
حذيفة وأهله في حاجة شديدة إلى خدمة هذا الغلام الذي رباه هو وامرأته صغيرًا،
وقال بعض فقهاء الحديث: إنه يقصر على مثل هذه الحال من الضرورة، وما كان
كذلك في مراعاة المصلحة لا يدخل فيه هدم أكبر المصالح الزوجية وهو تحريم
المرأة على زوجها إذا مص ثديها عن شهوة ومداعبة، فيحكم عليه بأنه صار ولدًا
لها كأولاده منها، على أنه ينبغي اتقاء ذلك احتياطًا.
(10)
شرب الجعة المسماة بالبيرا:
المشهور عن الجعة أنه يسكر الكثير منها دون القليل في الغالب، فهي محرَّمة
لما حققناه في التفسير وغيره أن ما أسكر كثيره فقليله حرام.
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
إلحاد في القرآن
ودين جديد بين الباطنية والإسلام
المقالة الرابعة
السنن الكونية الاجتماعية ونظام الكون
لقد أكثر هذا الملحد من ذكر السنن الإلهية ونظام الكون في هوامشه ومقدمتها،
وجعلها هي المستند له في جحود آيات الله تعالى التي أيَّد بها رسله، وتحريف
الآيات الواردة فيها وفي أخبار عالم الغيب كما تقدم، وقد وعدنا بإظهار جهله في
هذه المسألة فنقول:
إننا بفضل الله قد انفردنا دون سائر المفسرين بالكلام على هذه السنن والنظام
الإلهي في تفسيرنا ومجلتنا، وهو قد سمع ذلك منا ولكنه لم يفهمه، بل لبسه
كالفرو مقلوبًا، ونكس على رأسه فاتخذه منكوسًا، نحن قد أوردناه لتقوية الإيمان،
والحجة على إعجاز القرآن، فجعله هو شبهة على الإيمان بالغيب وجحود آيات
الأنبياء عليهم السلام، وما أوردناه من تأويل لبعض ما يحتمل التأويل على طريقة
المتكلمين، قصدنا به تقريبه من عقول الجامدين على المألوف من النظريات
العقلية أو العلمية، لئلا يَرُدُّوا النصوص بها فيرتَدُّوا، وقد صرحنا مرارًا بأن الذي
ندين الله به من أخبار عالم الغيب، وما في معناها من آيات الله تعالى في الخلق،
هو الإيمان بما صح منها بلا تعطيل ولا تمثيل ولا تأويل، وقد جعلها هذا الملحد
قانونًا لتحريف ما لا يحتمل التأويل، كما قال الله: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ} (آل عمران: 7) الآية،
فوجب أن نأتي بخلاصة في المسألة مما نشرناه في مواضع متفرقة في المنار
وتفسيره، ونقفي عليها بتفنيد ضلالته فيها، فنقول:
قد أخبر الله تعالى في مواضع من كتابه بأن له سُنُنًا في عباده والأقوام الذين
بعث فيهم رسله، وأن سننه لا تبديل لها ولا تحويل، وأخبر أيضًا بأنه أحسن كل
شيء خلقه، وأتقن كل شيء، وأن كل شيء عنده بمقدار، وأن خلقه في منتهى
الإحكام والنظام.
فما بيَّنه الله تعالى من أنواع هذه السنن، كنصره لرسله على الجاحدين
المعاندين لهم، ومن إهلاكه للظالمين، ومن تدميره على الفاسقين المفسدين - فهو
كما قال تعالى.
وكذا ما بيَّنه من نظام الخلق ومقاديره، ككون الشمس والقمر بحسبان، وما
جعله لهما في السماء من المنازل والبروج، ومن كونها لا تفاوت فيها من فطور ولا
فروج، فهو كما قال عز وجل.
وأما ما لم يبيِّنه لنا من ذلك في كتابه بنوعه أو عينه، فالطريق إلى معرفته هو
ما أرشَدَنا إليه من النظر في ملكوت السموات والأرض، وما خلق من شيء،
والتأمل في آياته في الآفاق وفي أنفسنا، والسير في الأرض لمعرفة آثار من قبلنا
وكذا من في عصرنا بالأولى.
قد أرشدنا كتاب الله عز وجل إلى كل هذا، وقد أشرنا في مواضع من المنار
وتفسيره إلى ما هو ثابت بالحس من أن أعلم الناس بسنن الله وحكمه ونظمه في
خلقه هم أكثرهم انتفاعًا بهذا العلم، واهتداء به إلى تسخير هذا الكون.
سنن الله مادية وروحية:
وبيَّنا أيضًا أن هذه السنن وهذا النظام والتقدير والإحكام والتدبير، عام في كل
ما خلقه تعالى من عالمي الغيب والشهادة، أو عالمي الأجساد والأرواح، أو المادة وما
وراء المادة، على اختلاف الاصطلاح.
وصرَّحنا بأن ما أيَّد به تعالى رسله من المعجزات، وكذا ما دون ذلك من
خوارق العادات التي تسمى الكرامات، إذ لم يكن جاريًا على سنن النظام المألوف في
القوى الجسدية والنظم المادية، فقد يكون جاريًا على السنن الروحية والمقادير
الغيبية، وقد يكون بمحض القدرة الكاملة، فهو مزيد كمال في قدرته وحكمتها لا نقضًا
لهما، ولا نقصًا فيهما.
فإذا لم يكن من سنته تعالى في حياة الجسد إذا فُقدت بالموت أن تعود إلى
الميت؛ فإن هذه السنة السلبية لا تنافي أن يهب الله تعالى بعض خواص الروحانيين
من خلقه، كالملائكة أو المسيح الذي خلقه بالنفخ من روحه في أمه أن يمد بهذا
الروح القوي ميتًا كألعازر أو البنت اللذين روت الأناجيل خبر إحيائه إياهما،
فيسري فيهما من روحه ما يجذب إليهما الروح التي خرجت منهما بقدرة الله تعالى،
ومثل ذلك حلول الحياة في عصا موسى في الوقت المعلوم الذي أمره الله فيه بإلقائها
عند بعثته، وعند امتحان السحرة له، والله على كل شيء قدير.
لا فرق بين ما لا نعلمه من هذه السنن الروحية، وما نعلمه من السنن
الجسدية في كون كل منهما فعل مبدع الأرواح، وخالق الأجساد، ولا يعترض
بإحداهما على الأخرى عند من يؤمن بأن الخالق واحد هو واضع السنن ومقدرها؛
ولكن هذا الأمر النادر ينكره من لا يؤمن بأن كلاًّ منهما فعل الله القادر على كل
شيء.
ومن الغريب أن أطباء هذا العصر وأعلم علمائه الماديين يرون من الجائز في
العقل الذي يقرب أن يصل إليه العلم، أن تعود الحياة إلى جسد الإنسان أو الحيوان
بعد موته بمدة غير طويلة كحياة البنت الميتة التي دخل المسيح عليه السلام بيت
أبيها وأمها وسأل عنها فقيل له: إنها نائمة حتى لا ينغصوا عليه ضيافتهم له،
فناداها قائلاً: لك أقول يا صبية قومي، فقامت بإذن الله تعالى.
وأغرب من هذا أن منهم من يقول بإمكان إيجاد الحياة في بعض الأجسام
بطريقة علمية صناعية، ونُقل أخيرًا عن عالم منهم اسمه مورجان أنه قام بتجارب
عملية أثبت بها إمكان استيلاد مخلوقات حية على سبيل الشذوذ Emergeney،
وملحد دمنهور لا يصدِّق أن المسيح أحيا الناس من موت الجهل والرذيلة؛ ولكن
هذا النوع من الإحياء ثابت لجميع العلماء الذين يُعلِّمون الصغار - والجاهلين من
الكبار - ما يزيل جهلهم ويحييهم حياة دينية أو أدبية أخلاقية، فهو لا يمكن أن تكون
آية لعيسى عليه السلام ينوه بها كتاب الله، ويخبرنا أن الجاحدين لنبوته وصفوها
بالسحر.
وما عهد من المؤمنين بالله ورسله أحد ينكر هذه الآيات بمثل هذه الشبهة،
وإنما عهد ذلك من الكافرين بالله وبرسله، أو من الزنادقة الذين يُظهرون الإيمان
ويسرون الكفر لخداع المؤمنين وتشكيكهم في دينهم توسلاً إلى إخراجهم منه كملاحدة
الباطنية.
السنن من الممكنات بين المحو والإثبات:
فإذا كنا نقول بثبوت سنن الله واطرادها لما بيَّنه الله من ذلك، فالواجب في
ذلك أن نتبع كتاب الله فيما يبينه من خوارق العادات أيضًا، فلا نكون ممن قال الله
تعالى فيهم: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ
مِنكُمْ إِلَاّ خِزْيٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ العَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ
عَمَّا تَعْمَلُونَ} (البقرة: 85) .
وإذا أردنا أن نثبت هذه السنن واطّرادها من طريق العلم ونبني عليه تأويل ما
يخالفها كله من نصوص الكتاب والسنة على طريقة المتكلمين المعروفة (وهو ما
يمكن أن يستمسك به ملحد دمنهور) فيجب علينا قبل كل شيء أن نبين ما تقوم
الأدلة العلمية القطعية على صحته واطراده واستحالة تغيره وتخلفه مطلقًا، وحينئذ
لا نكاد نجد شيئًا بهذه الصفات إلا قليلاً من الضروريات (ككون النقيضين لا
يجتمعان ولا يرتفعان) وليس منها عودة الحياة إلى من مات ولم يطل العهد على
موته، كالبنت التي أحياها المسيح عليه السلام، ولا إعادة وظائف التناسل إلى من
فقدها من النساء والرجال، كما وقع لزكريا وزوجه عليهما السلام.
والقاعدة عند علماء الكون - حتى الماديين منهم - أن كل ما نقول إنه من
سنن الكون (أو نواميسه) فإنما هو بحسب ما ظهر لنا ببحثنا وتجاربنا، وأنه
يجوز أن يظهر لنا ما يخالفه ويثبت لنا خطأنا فيه، كما حصل مرارًا فيما ظهر
للباحثين من خطأ من كان قبلهم من العلماء والفلاسفة المتقدمين والمتأخرين، ولا
أرجع في التمثيل لهذا إلى ما نقض علماء الحضارة الأوربية من قواعد علوم اليونان
والعرب وأفلاكهم وفلسفتهم، ولا إلى ما نقض بعضهم من قواعد بعض في القرون
الأربعة الماضية، بل أكتفي بأهم ما حدث من ذلك في عصرنا هذا:
عثروا على مادة الراديوم الذي لا يجهل اسمه قارئ للجرائد، دع متلقي العلوم
في المدارس، فكان بدء عصر جديد في الكيمياء والطبيعة تقوضت فيه سنن
ونواميس كانت من المسلَّمات، وثبت خلافها، كإشعاعه الحرارة والنور إشعاعًا
دائمًا من غير أن ينقص من وزنه شيء، وكعدم تأثير ما حوله فيه من حرارة
وبرودة، وكتحول المادة الغازية التي تنبعث منه إلى عنصر الهيليوم، وبهذا ثبت
شيء كان علماء هذا الفن يجهلونه؛ إذ كانوا يقولون إن عناصر المادة البسيطة لا
يتحول شيء منها فيستحيل إلى غيره.
وقد كانت سنة الجاذبية من المسلَّمات التي لا نزاع فيها حتى قام الأستاذ
أينشتين الألماني بتقويض دعائمها بنظرية النسبية، التي فتحت في العلم بابًا جديدًا
من أبواب المحو والإثبات في الطبيعيات وفي الرياضيات أيضًا.
وتلك نظرية داروين في الانتخاب الطبيعي التي تدعمها سنن كثيرة في
الجيولوجية والنبات والحيوان والإنسان قد وقعت في النزع والاحتضار، كما بيَّنا
في مقالة خاصة في المنار، أو قُضي عليها بالتبع للقضاء على النظرية الميكانيكية
التي بنيت عليها، كما نشر في بعض الصحف في هذه الأيام.
أساس الكون ومصدره ومظهره:
وما لي لا آتي إلى أساس هذا الكون والسنن التي قام بها تكوينه في الأطوار
المختلفة، ألم يكونوا يقولون: إنه مؤلَّف من مادة ذات عناصر بسيطة، وقوة هي
منشأ التركيب الذي حدثت به الصور المختلفة في العالم كله.
قد هُدم هذا الأساس إن لم يكن بما ثبت من تحول عنصر إلى عنصر، فبما
ثبت من تحول القوة إلى مادة، ثم بما ثبت من أن ما نسميه المادة والقوة اصطلاح
لا تُعرف له حقيقة، وأن هذا الوجود الذي نعرفه في أرضنا وسمائنا ليس سوى
مظهر من مظاهر تموجات الكهرباء، وأن كل ذرة من ذراته تتألف من عدة كهارب
سلبية تدور حول كهرب إيجابي - والكهرب هو الوحدة من الكهرباء - وهذه
الكهارب لا يمكن أن يقال إنها مادة ولا إنها قوة، وإنما حقيقتها مجهولة.
وهذا الذي استقر عليه رأي علماء الكون أخيرًا يؤيد ما أثبتناه في المنار وفي
تفسيره من أن أول مظهر من مظاهر التكوين الذي نسميه المخلوق الأول مجهول
للبشر، وأن علماء الكون اختلفوا في إمكان علم البشر به، فمنهم من يقول: إنه
يمكن الوصول إلى العلم به بطول الترقي في معارج العلم، ومنهم من يقول بعدم
إمكان ذلك، ونقل هذا عن الفيلسوف سبنسر قبل القول الأخير بتركب الذرات من
الكهارب، ورأينا في هذه الأيام من نقله عن الأستاذ صليفان.
بل هو مثبت لأقوى الأدلة العقلية على وجود الله تعالى عندنا، وهو أن جميع
مظاهر هذا الكون السماوية والأرضية تطورات تستند إلى حقيقة غيبية لا يعلم أحد
كنهها، وقد بيَّنا ذلك مرارًا كثيرة منها مناظرة دارت بيننا وبين العلامتين صاحبي
المقتطف.
فإذا كانت المادة تصدر عن القوة كما قالوا فما المانع من القول بأن هذه القوة
هي قوة الله وقدرته؟ وإذا كان الوجود الممكن كله مظهرًا من مظاهر تموجات
الكهرباء المجهولة الكنه، فأي بعد بين قولهم هذا وقول أتباع الوحي: إن الوجود
الممكن الظاهر صادر عن الوجود الواجب الغيبي الباطن و {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ
وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (الحديد: 3) .
نكتفي بهذه الكلمة الوجيزة في سنن الوجود الظاهر المدرَك بالحواس، الذي
بلغ البشر من العلم بها مستوى لم يُعرف في التاريخ ما يقرب منه لأحد من شعوب
الحضارة القديمة.
وإذا نحن ارتقينا عنه إلى علم النفس، وما تجدد فيه عند علماء العصر،
علمنا أن في الوجود سننًا غير سنن المادة بأنواعها بعد أن صار التنويم المغناطيسي
من الحقائق الثابتة بالتجارب المطردة، وما تبع ذلك وتقرر من بعض أنواع الكشف
الذي يعبرون عن بعضه بقراءة الأفكار وبمراسلة الأفكار، وقد شاهدنا بعض ذلك
بالطريقة الصناعية، بعد ثبوته عندنا بالهبة الإلهامية.
ووراء هذا وذاك مسألة مناجاة الأرواح التي آمن ببعض مظاهرها مَن لا
يحصى لهم عدد من العلماء الطبيعيين والرياضيين، ووقف كثير منهم عندها
حائرين.
وفوق ما ذُكر كله قدرة رب العالمين، وإرادته واختياره في الخلق والتقدير
والتدبير، وهو واضع السنن والقوانين، ومُسخِّر الأسباب والنواميس، الحاكم بها
وعليها وفيها بعد إيجاده لها، والمبدع لما شاء قبل وجوده وبعده {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا
أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ
تُرْجَعُونَ} (يس: 82-83) .
الإيمان بقدرة الفاطر فطري أو فكري والشذوذ فيه:
فالإيمان بقدرة الفاطر المبدع، الخالق المصور المقدِّر، غريزي في هذا
الإنسان المفكر، ظهر في أجياله المفكرة في مظاهر مختلفة، من فطرية ساذجة،
وفكرية راقية، ووجدانية شعرية، وروحانية إلهامية.
وشذَّ أفراد من المفكرين في هذا الأمر وفي اختلاف الناس فيه كشذوذ الناس
في كل علم وعمل، لم يظهر لهم الصواب في جانب أحد منهم، ولا في شيء آخر
يصح أن يكون فصلاً فيما اختلفوا فيه، فكانوا فريقين (أحدهما) معطِّل لا يؤمن
بشيء غيبي فوق هذا الوجود المدرَك بالحواس (والثاني) شاك حائر بين إثباته
ونفيه.
ذلك بأن البشر قد فُطِرُوا على التفاوت العظيم في الاستعداد للعلم والعمل،
وهذا التفاوت يقتضي بطبعه الاختلاف في الفهم للشيء والحكم فيه، والاختلاف بين
الناس في وسائل معارفهم البشرية ومقاصدها، يفضي بهم إلى الترقي فيها، فهو
نافع ما لم يكن علة أو معلولاً للتفرق والتعادي.
ومن المعلوم بالعقل والتجارب أنه لا مثار لاختلاف التفرق فيما ترتقي به
الزراعة والصناعة، ولا في وسائل انتشار التجارة، إذ لا يرى أحد من الناس
غضاضة على نفسه ولا على قومه في اتباع ما سبقهم إليه غيرهم فيه.
وأما العلم بما يجب الإيمان به من وجود الفاطر وصفاته وشكره وعبادته، وما
يرضيه أن يكون عليه عباده، فهو مما لا يرتقي ويتمحص باختلاف الناس فيه،
ولا هو مما يسهل عليهم أن يأخذ كل قوم ما سبقهم إليه غيرهم فيه بكسبهم
واجتهادهم، إذ لا يمكن أن يصل ذلك إلى درجة القطع التي يزول فيها الخلاف
بالضرورة، وقد ثبت بالتجربة في الأجيال والآماد الكثيرة، أنه كان أعظم أسباب
التفرق والتعادي وسفك الدماء الغزيرة.
حاجة البشر إلى الدين المستمَد من الوحي:
فمن ثم كان البشر في أشد الحاجة لبيان الحق فيه إلى وحي من الله عز وجل،
تقوم به الحجة على جميع أولئك الفرق من المؤمنين المختلفين، ومن الملحدين
المعطلين، والشاكين اللاأدريين {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ
مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} (البقرة: 213) الآية.
وقد كان من حكم كتاب الله الحق فيما اختلف فيه الناس بمقتضى ما ذكرنا من
غريزة التفاوت بينهم في العلم والفهم والحكم، أن العالم كله صادر عن قدرة الله
تعالى ومشيئته واختياره، سواء فيه ما أبدعه ابتداء، وما خلقه بنظام السنن العامة
في الأسباب والمسببات، فالسنن وما وضعت له وجرت فيه كل ذلك بيد الله
يتصرف فيها بمشيئته ليس مقيدًا بشيء منها، فهو إذا شاء غيرها؛ ولكنه لا يفعل إلا
ما تقتضيه حكمته، فصفات الله تعالى من العلم والحكمة والمشيئة والقدرة والرحمة
لا تناقض ولا تعارض في متعلقاتها، كما بيَّناه مرارًا في تفسيرنا.
هذا حكم الله تعالى في كتبه لرسله كما نراه في نصوص آخرها الذي أنزله الله
مصدقًا لها ومهيمنًا عليها، وسنذكر بعض الشواهد منه فيها.
ويقابله قول معطلة الماديين الذين يُنكرون الخالق والخلق بالمشيئة، وبعض
الفلاسفة الإلهيين الذين يثبتون لرب العالمين من صفات الكمال ما عدا الاختيار في
المشيئة، ومذاهبهم في تأثير الطبائع بذاتها، وضرورة اتصال العلل بمعلولاتها،
وكون الله تعالى خلق المادة وأودع فيها قواها ونظامها، وتركها لنفسها فلم يبق له
فعل فيها، كل ذلك معروف ليس من موضوعنا تفصيله والرد عليه؛ وإنما غرضنا
من ذكره أن نبين أن الناس على قسمين: مليين على هدي أنبياء الله تعالى يؤمنون
بأن الله فاعل مختار بيده ملكوت كل شيء في كل وقت، وكفار يزعمون أن كل
حركة وسكون في هذا الكون تجري على سنن نواميس فيه بمقتضى الضرورة لا
تأثير فيها لموجود غيرها، وما يشاهدونه في كل زمن من وجود أشياء على غير
هذه السنن المعروفة يسمونه (فلتات الطبيعة) ويقولون إنه لا بد له من سبب وإن
كنا لا نعرفه، وما ينقل في كتب المليين من آيات الأنبياء، منهم من ينكره ومنهم
من يتأوله، ومنهم من يقول: إنه من فلتات الطبيعة التي لم يظهر لنا سببها،
فمذاهبهم في هذه المسائل متعددة.
وملحد دمنهور قد جرى على أصل هؤلاء القائلين بأن السنن والنواميس
ضرورية لا يمكن تغيير شيء منها ولا تبديله ولو بفعل الله ومشيئته، وأنه ما وقع
ذلك في الماضي للرسل ولا لغيرهم، فهو مخالف لجميع المليين من أتباع الرسل
عليهم السلام، ولولا هذا لم يكن محتاجًا إلى تحريف ما جاء في القرآن من أخبار
الغيب ومعجزات الرسل.
شبهة ملحد دمنهور في السنن وبيان بطلانها:
قد يقول بغروره بجهله: إنني قد أخذت في هذا بما جهله جميع المسلمين وجميع
المليين من قبلهم (أي وعرفه ملاحدة الباطنية لا سيما البهائية آخرهم) وهو ما
نص عليه القرآن في مثل قوله تعالى: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ
لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} (فاطر: 43) .
ونقول في جوابه (أولاً) : إن سنة الله التي قال إنه لا تبديل لها ولا تحويل،
هي نصر رسله على المعاندين لهم من أقوامهم، كما هو صريح الآيات التي وردت
فيها في سور الإسراء والأحزاب وفاطر والفتح، وفي السور التي لم يذكر فيها أنه
لا تبديل لها أيضًا.
وجاء لفظ السنن جمعًا بهذا المعنى في سياق الكلام على غزوة أحد من سورة
آل عمران {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ
المُكَذِّبِينَ} (آل عمران: 137) وجاء بمعنى التشريع الديني في سياق محرمات
النكاح وحكمتها من سورة النساء {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم
وَيَتُوبَ} (النساء: 26) فهو لم يقل هذا في أمر الخلق والتكوين، وربما كنت أنا
الذي التزمت إطلاق هذا اللفظ على ما يسميه علماء الكون والفلسفة بالنواميس
الطبيعية في المنار والتفسير، وفي نظام مدرسة الدعوة والإرشاد، إذ أطلقت اسم
سنن الكائنات على الدروس التي وضعها الدكتور محمد توفيق صدقي رحمه الله
تعالى - في علم حفظ الصحة ومقدماته من علم الطبيعة وعلم وظائف الأعضاء،
فنشرتها في المنار وطبعتها على حدتها بهذا الاسم.
وأول من أرشدنا إلى كون أصول علم الاجتماع من سنن الله في خلقه،
حكيمنا العربي الواضع الأول لقواعد هذا العلم عبد الرحمن بن خلدون رحمه الله
تعالى؛ فإنه يكرر في مقدمته عقب بيان القاعدة العمرانية قوله: سنة الله في خلقه،
أو سنة الله التي قد خلت في عباده، ثم زاد عليه في هذا أستاذنا الإمام في مقالات
العروة الوثقى الاجتماعية، وزدت عليهما تعميم ذلك في النواميس الكونية كلها.
هذا وإنه ليس عندنا دليل ديني ولا عقلي على استحالة وقوع التبديل والتحويل
في هذه السنن، ولا على اطرادها وعدم الشذوذ فيها مع الجزم بإمكانها.
وأما الأدلة العلمية المبنية على التجارب العملية فقد بيَّنا آنفًا أن أهلها لا
يقولون بوجوب شيء من هذه السنن المعروفة، بحيث يستحيل نقضه وثبوت خلافه،
وأنهم يثبتون الشذوذ بالأسباب المجهولة المعبَّر عنها بفلتات الطبيعة، وبالأسباب
العلمية العملية، وقد كان بعض الناس ينكرون ما جاء به الأنبياء من أخبار عالم
الغيب كالملائكة والجن والبعث بعد الموت لاستبعادها في مألوفاتهم وزعمهم أنها لا
تعقل، وما وصل إليه البشر في هذا العصر من أسرار الكهرباء لم يبق شيئًا من
ذلك مستبعدًا فضلاً عن كونه محالاً عقلاً.
أفليس المؤمنون بوجود الخالق الفعال لما يريد، وأن (ما شاء كان، وما لم
يشأ لم يكن) أولى منهم بالإيمان بقدرته على التصرف في هذه السنن متى شاء؟
ثانيًا: إذا قيل: إن قوله تعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ} (الأحزاب: 38) مفرد
مضاف يفيد العموم، وأنه يجري فيه قول علماء الأصول، بأن العبرة بعموم اللفظ
لا بخصوص السبب، قلنا: نعم، وإنما عموم كل شيء في موضوعه، وموضوع
هذه السنة المنصوصة عباد الله من الأمم مع رسلهم، ويصح إطلاق اللفظ على غير
ما ورد به النص من قواعد الاجتماع والعمران أيضًا؛ ولكن لا يصح الاستدلال
بالنص على عدم التبديل فيها.
ثالثًا: إن سنن الاجتماع تختلف باختلاف أحوال البشر في البداوة والحضارة
والقوة والضعف والعلم والجهل، وآلات القتال والنقل، فهي أمور نسبية متبدلة، لا
قواعد رياضية مطردة، وذلك معروف من سير الأمم وتواريخها؛ وإنما تكون سنة
بحسب الأحوال التي تكون بها مطردة.
مثال ذلك سنة غلب الكثرة للقلة التي عبر عنها الشاعر العربي بقوله:
ولست بالأكثر منهم حصى
…
وإنما العزة للكاثر
يراعى في صحتها مساواة الكثرة للقلة في أسباب الغلب الصورية كالسلاح
والنظام، والمعنوية كالصبر والثبات والإيمان، فإذا كانت هذه الأسباب متوفرة في
القلة دون الكثرة، كان لها الغلب وفيها قال الله تعالى: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً
كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} (البقرة: 249) .
رابعًا: إن السنن الاجتماعية والكونية تتعارض وتتنافى كما تتعارض أسباب
النصر والغلب وأضدادها في المثل المذكور آنفًا، ومن ذلك تعارض أسباب الصحة
وأسباب المرض، وتعارض التأثيرات الجسدية مع التأثيرات النفسية، فمن كان له
الرجحان يكون مبطلاً للآخر ذاهبًا باطراده، وليس في هذا الوجود الممكن لا علويه
ولا سفليه، ناموس من نواميس النظام يقوم الدليل القطعي على استحالة تغيره
وتبدله، بل كله جائز بأسباب مما يعقله الباحثون ويتوقعون حدوثه أو بغير ذلك،
كما يقولون في خراب هذا العالم وزوال هذه الأرض، أو انقطاع حياتها وعالمها
بزوال حرارة الشمس بالتدرج البطيء، أو بتصادم بينها وبين بعض الأجرام
السماوية، وهو ما تشير إليه آيات القرآن المجيد.
السنن والنظام في الخلق خاضعان لمشيئة الخالق:
ثم أقول خامسًا: إن خالق الخلق بما شاء من النظام والسنن لم يقيد بها قدرته
ومشيئته ويجعلها حاكمة عليه، بحيث يكون بها مقهورًا لا قاهرًا، وعاجزًا عن
التصرف لا قادرًا، حتى لا فائدة في دعائه والتضرع له، بل دل كتابه - الذي لا
يفهمه هذا الملحد الجاهل بلغته وبشريعته - أنه قيدها بمشيئته، وأن العالم كله في
قبضته {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ
مِنْ بَعْدِهِ} (فاطر: 41) فهذه الآية صريحة في أن العالم في قبضة تصرف خالقه
في كل وقت، وأن بقاءه بقدرته تعالى لا بما يظهر من سنن النظام فإنها مفعولة لا
فاعلة، أو ظواهر صورية، لا حقائق وجودية، كما قال بعضهم في سنة الجاذبية.
ومن هذا القبيل قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ الجَوَارِ فِي البَحْرِ كَالأَعْلامِ * إِن
يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ} (الشورى: 32-33) فحركات
الريح تجري بحسب سنته تعالى في تأثير الحرارة فيها، وهو يقول أنه إذا شاء
أسكنها.
وقد دل كتابه أيضًا على أنه تعالى جعل للسنن الكونية والتشريعية استثناء
يضعه موضعه بحكمته ورحمته، حتى أن عذاب الأمم المعاندين لرسله والذي نص
كتابه على أنه لا تبديل فيه ولا تحويل قد دخله الاستثناء بالفعل، كما قال تعالى في
سورة يونس: {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا
عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} (يونس: 98) فإن
يونس عليه السلام كان خرج من قومه عندما جاء موعد ما أنذرهم من العذاب ولم
يؤمنوا، فلما رأوا بوادر العذاب وكاد يقع بهم آمنوا فنفعهم إيمانهم ولم ينزل العذاب
بهم، فهذا استثناء من السنة العامة في وقوع العذاب على الأقوام في مثل تلك الحال،
سواء كان متصلاً أو منفصلاً في الإعراب.
ومما يدل على تقييد السنن العامة بالمشيئة قوله تعالى بعدما ذكر في سورة
يونس: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً} (يونس: 99) وهذه
المشيئة إنما تكون بخلق البشر على غير هذه السنن المعروفة في خلقهم من اختلاف
الاستعداد للإيمان والكفر معًا، ومن ترجيح بعض متعلق هذا الاستعداد على بعض،
أو بإزالة هذا الاستعداد بعض وجوده، وهو من سنن الله في نوع الإنسان.
ومن هذا الاستثناء عفو الله تعالى عما شاء من ذنوب عباده في الدنيا والآخرة؛
فإن عقاب المذنب من سنن العدل، والعفو والمغفرة من الرحمة والفضل، فكل
مذنب مستحق للعقاب بحسب سنة الله في تأثير الأعمال في النفس المقررة في قوله
تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} (الشمس: 9-10) وما كل
مذنب يستحق العفو، وقد اتفق حكماء البشر على أن من الحكمة الاستثناء في
القوانين بالعفو عن بعض العقوبات.
والآيات المحكمة الصريحة في فعل الله لما يريد، وأنه ما شاء كان وما لم
يشأ لم يكن - كثيرة، والمسلمون مجمعون على ذلك؛ ولكن إجماعهم لا قيمة له عند
ملحد دمنهور ولا يحتج به في دينه، وقد يعبر عنهم بما يدل على أنه ليس منهم كما
قال في تفسير: {وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَاّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} (الفرقان: 8)
وهذا نصه:
(ومن الغريب مع هذا الدليل المبين أن المسلمين ينقلون في كتبهم أن النبي
سُحر بناء على حديث رواه اليهود، كما ينقل النصارى صلب المسيح بناء على
حديث رواه اليهود أيضًا) اهـ. فقد أنكر على المسلمين لا على المحدِّثين، ويعني
بقوله: كتبهم، أصح كتب الحديث وجميع كتب التفسير؛ ولكنه كذب في زعمه أن
حديث السحر المذكور قد رواه اليهود، والغرض من ذكر عبارته هنا أنه يهزأ
بأعظم كتب المسلمين في التفسير والحديث هزو الساخر المتبرئ من المسلمين،
وأما تحقيق المسألة فقد بيَّناه في المنار.
ومنها قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} (يس:
82) وهذا المعنى مكرر في القرآن، وهو ظاهر فيما يخلقه تعالى بدون نظام
الأسباب، كخلق آدم من تراب، وخلق عيسى بن مريم من أم بدون أب.
وجملة القول في مسألة سنن الله تعالى في نظام الكون وسنن الاجتماع
والعمران: أن ما ثبت منها فهو مقتضى حكمته، وأنه غير مقيد لعموم مشيئته
وشمول قدرته، وأن ما ثبت في كتابه أو في خليقته من آياته المخالفة للمعروف من
تلك السنن فهو من تصرفه بمشيئته واختياره، لحكمة يعلمها في ذلك وقد يعلمها من
شاء من خلقه، كمعجزات رسله عليهم السلام؛ فإن حكمتها ظاهرة بيَّنها علماء
أتباع الرسل أحسن البيان.
وإن منتهى الجهل والكفر بالله تعالى جعله مقيدًا بما يظهر لبعض الناس من
هذه السنن مع تخبطهم فيها، وعدم اتفاق عقلائهم وعلمائهم على ضرورة اطرادها،
وما هذه الأرض وسننها إلا كذرة من ذراتها في جملتها ومجموعها، بالنسبة إلى
مُلك الله العظيم الذي ثبت لعلماء الفلك أن بعض أجرامه يبعد عن البعض الآخر بما
يُقدَّر بملايين السنين لسرعة النور، وهو يقطع نحوًا من مائة مليون ميل في زهاء
عشرة دقائق، فمن أنت أيها الجهول حتى تبيح لنفسك تحريف كلام الله لتأويل آياته
في خلقه اغترارًا بما لا تُعلم حقيقته من هذه السنن.
فإذا كان شيطان الجهل والغرور قد زيَّن لملحد دمنهور أنه يمكنه أن يكون
رجلاً عظيمًا في الأرض بوضع دين جديد لمن غلبت عليهم ظواهر الفلسفة المادية
لا يوجد فيه شيء مخالف للمألوف عندهم، فليبعد عن القرآن والإنجيل والتوراة
والزبور، فإن أديان جميع رسل الله مؤسسة على عقيدة تصرف رب العالمين في
خلقه بمشيئته واختياره في كل وقت، وعلى تأييده لمن شاء من رسله بخوارق
العادات، وسنن الاجتماع والكائنات، وعلى أن عالم الغيب من الملائكة والجن
وغيرهم لا يقاس على عالم المادة، وأن الإيمان بما ورد الوحي فيه من ذلك كما
ورد أصل من أصول الدين لا يصح الدين بدونه.
عجز فلاسفة أوربة عن وضع دين يخضع له البشر:
وليعلم أن بعض فلاسفة أوربة وأعلام الآداب والتشريع فيها قد وضعوا أصولاً
لديانة سموها الديانة الطبيعية، راعوا فيها من الفضائل والمصالح العامة والخاصة
ما استحسنه السواد الأعظم من الماديين وغيرهم؛ ولكن لم يتخذها شعب من
الشعوب، ولا جماعة من الجماعات، ولا فرد من الأفراد دينًا يلتزمه في أعماله
وآدابه! ولماذا؟
لأن الدين الذي يحتاج إليه البشر لتكميل فطرتهم وإزالة الخلاف من بينهم فيما
يجب عليهم من معرفة الله وعبادته، ومن أصول التشريع العامة والفضائل الثابتة
التي تحول دون الفوضى الدينية والأدبية التي تفرِّق كلمتهم، هذا الدين لا يمكن أن
يتحقق إلا إذا كان مصدره السلطان الإلهي الأعلى الذي تذعن الأنفس لأمره ونهيه
القطعيين لذاته، سواء وافق آراءهم وأهواءهم ونظرياتهم العقلية وتقاليدهم القومية
والوطنية أم لا؛ لأن صاحب هذا السلطان أعلم منهم بما يضرهم وما ينفعهم، وهو
القادر على إثابتهم إذا اتقوا وأحسنوا، وعلى عقابهم إذا فسقوا وظلموا وأساءوا،
وعلى العفو عنهم إذا تابوا وأصلحوا، وعلى استجابة دعائهم إذا دعوا وتضرعوا.
فلو كانت أمور العالم كلها تجري بنظام اضطراري ليس لله فيه مشيئة ولا
اختيار، لم يكن هنالك محل لثمرة الإيمان من الخوف والرجاء، وهما الباعثان على
الطاعة والانقياد، ولزال معنى الدين وذهب التدين هباء.
إلا أن المادية مضادة بل مناقضة لمعنى الدين والتدين، وقد ظهر بعد الحرب
العامة من مفاسدها ما لم يكن ظاهرًا، والعالم المدني قد شعر باضطراره إلى الهرب
من هذه المفاسد في العقل والآداب والاجتماع كما نوَّهنا بذلك من قبل؛ وإنما الدين
الوسط هو الجامع بين المصالح المادية والفضائل الروحية، كما بيَّناه في تفسير
قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} (البقرة: 143) من أول الجزء
الثاني من تفسيرنا.
وإذا لم يكن لرسل الله تعالى من آياته ما يميزهم من الفلاسفة والأدباء، كما
يزعم ملحد دمنهور، فأي باعث يبعث الناس على الانقياد لهم بالإذعان النفسي
والوجدان الاضطراري، وهم يجدون عند الحكماء من الحجج العقلية والأدبية ما هو
أقرب إلى مألوفاتهم ونظرياتهم مما جاء به الأنبياء.
حكاية ابن سينا مع المفضِّل له على النبي صلى الله عليه وسلم:
ألم يعقل هذا الملحد ما سمعه منا وقرأه في كلامنا غير مرة من نبأ الفيلسوف
الكبير الرئيس ابن سينا مع خادمه ومريده المعجب بعلومه وفلسفته المفضل له بها
على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يلومه على اتباعه هذا النبي
صلى الله عليه وسلم وهو دونه بزعمه وجهله، حتى إذا كانا في بعض ليالي الشتاء
الشديدة القر القارسة البرد في تبريز أيقظ الرئيس خادمه ليأتيه بماء يتوضأ به،
فاعتذر له بشدة البرد، وبعدم طلوع الفجر، فأيقظه سيده الرئيس عندما كان المؤذن
ينطق بالشهادتين على المنارة وسأله ماذا يقول المؤذن؟ قال إنه يقول: أشهد أن
محمدًا رسول الله، قال: قد آن لي أن أبيِّن لك فساد عقلك، وأَفَن رأيك، في
تفضيلك إياي على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إنك أنت خادمي، وقد بلغ من إعجابك بي ما تعلم، وهو ما لم أر ما يقرب
منه من غيرك، ثم إنك تكسل عن طاعتي في داخل الدار معتذرًا بشدة البرد، وهذا
الرجل الفارسي يشيد بالشهادة لمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة في
أعلى هذه المنارة حيث البرد على أشده، وهو في ذلك محتسب أجره عند الله،
فعندما ترى لي من السلطان على قلبك مثل ما ترى لمحمد صلى الله عليه وسلم على
قلب هذا الفارسي بعد مضي أربعة قرون على بعثته تكون معذورًا فيما تهذي به من
تفضيلي.
وإذا كان من أصول الدين المادي الذي تدعو إليه باسم القرآن أنه يجوز لمتبعه
أن يخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم لترجيح رأيه على طاعته، أو لما يراه
بالتشاور مع غيره من المصلحة المخالفة له، فأي معنى يبقى للدين؟ وكيف تجتمع
الكلمة به على ما يكونون به أمة واحدة، أوليس من الجائز على هذا أن يترك
الناس جميع ما جاء به الرسول لمخالفته لآرائهم وما يزعمون من مصالحهم غير
المقيدة بدين يتبع لذاته بإذعان الإيمان، ولا يستحل صاحبه ترك شيء منه إلا بما
ورد النص فيه بكونه عذرًا كالضرورات التي تبيح المحظورات.
ثم إن هؤلاء الماديين لا يجدون أدنى باعث على قبول دين مادي يتوقف
إثبات ماديته على تحريف كثير من آيات كتابه عن مدلولها اللغوي الذي جرى عليه
جميع أهله من عهد النبي الذي جاء بهذا الكتاب إلى اليوم اتباعًا لجاهل مغرور في
تحريفها وجعلها مادية، وقد حكم علماء أهلها بإلحاده في دينهم ومروقه منه.
ولا يغرن هذا الملحد أن الباطنية قبلوا أمثال هذا التحريف في القرآن من
دعاتهم، فيظن أنه يوجد من يقبله منه؛ فإن الذين قبلوا هذا من الباطنية إنما قبلوه
بعد إقناع الدعاة لهم بأنه بيان الإمام المعصوم لمراد الله من كتابه، وبعد إقناعهم بأن
هذا المعصوم موجود، وأنه لا يمكن فهم مراد الله وجمع كلمة المسلمين على ما
يرضيه إلا منه. فأنى لك أيها المغرور بإقناع الماديين والجاحدين لوجود الله أو
غيرهم بإمامتك وعصمتك؟ .
فإن كنت أيها الملحد تعقل أن يتبعك أحد في دينك هذا فلك العذر في الحكم
على أستاذك الذي تبرأ منك ورد عليك إرشادًا لك، بأنه قد اختل عقله فلا يدري ما
يقول، وأنه يكيد لك مع شيخ الأزهر، وفي قولك المناقض لهذا، وفي سبك
وشتمك له، مع ادعائك أنك عذرته بجنونه وخرفه: {وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا
عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ} (هود: 121-122) .
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
التجديد والتجدد والمجددون
(تابع لما سبق)
القضية الأولى
في حقيقة معنى القديم والجديد، والتجدد والتجديد،
والتفاضل بين الطريف والتليد
الخلق كله جديد وإنما القديم المطلق هو الله عز وجل، والجدة والقدم في
المخلوقات نسبيان، فكل قديم منها كان جديدًا، وكل جديدٍ سيصير قديمًا، ومن
الأمثال العامية بل العامة: (من ليس له قديم فليس له جديد) ويا له من مثل حكيم
يفهم منه العلماء ما لا تصل إليه مدارك الدهماء.
والتجدد والتجديد في الكون من السنن الإلهية العامة التي هي مصدر النظام
في تكويننا، والتغير والتحول في أطوار وجودنا، وعملها فيها عين عملها في آبائنا
وجدودنا {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} (فاطر: 43)
فنحن في معمل الكون الأعظم كالماء في معمل الجليد، كل آنٍ في تجدد وتجديد،
تارة يكون مائعًا سائلاً، وتارة يكون بخارًا طائرًا، وتارة يكون جليدًا جامدًا، وهكذا
عالم المادة كله، تجدد طبيعي فطري، وتجديد صناعي كسبي، تحليل وتركيب،
جمع وتفريق، هدم وبناء، نماء وفناء؛ وإنما يجري ذلك كله في مادة موجودة،
ذات عناصر معدودة، قديمة في الخلق لا جديدة، ذات قوى محدودة، تُصَرِّفها قدرة
غيبية معقولة لا مشهودة، وهي قدرة الخالق الحكيم عز وجل، فالتجدد والتجديد
إنما هو في الصور والأعراض، لا في إيجاد الجواهر والمواد. ويؤثر عن نبي الله
سليمان عليه السلام أنه قال: (لا جديد تحت الشمس) وهو صحيح ظاهر بهذا
المعنى، ويقابله مقابلة التضاد قول بعض حكمائنا: إن العرض لا يبقى زمانين،
فعلى هذا يصح أن يقال: لا قديم تحت الشمس، ولا تعارض بين القولين، ولا
تناقض بين القضيتين؛ فإن كل ما تحت الشمس قديم باعتبار وجديد باعتبار آخر.
وقد كنت قلت في مقدمة محاضرة في الجمع بين الذكران والإناث في مقاعد
التعليم ما يصح أن يقال هنا على أنه مقصد لا مقدمة وهو:
(التجديد سنة من سنن الاجتماع، كما أن التجدد من مقتضى الفطرة والطباع،
ومثلهما مقابلهما من المحافظة على القديم، ولكل منهما موضع، فلا تناقض بينهما
ولا تضاد، إذا وُضع كل منهما في موضعه بغير تفريط ولا إفراط) .
(من التجدد في نظام الفطرة أن كل أحد يخالف خَلْق والديه وأخلاقهما بعض
المخالفة، ولولا ذلك لم يكن ما نرى من التفاوت العظيم بين البشر، ومن حفظ
الأصل ما لا يجهل من إرثه لهما وشبهه بهما في بعض صفاتها الجسدية والنفسية،
ولولا ذلك لوقع من التباين بين أفراد الناس ما يكاد يكون به كل منهم نوعًا مستقلاًّ
بنفسه) .
(ومن حفظ القديم في الأعمال وراء سنة الوراثة ما تقتضيه غريزة التقليد
من محاكاة الإنسان لمن يعيش بينهم من أول سن التمييز إلى نهاية أجل الشيخوخة،
ثم تقليد الجماهير لمن يرونهم أوسع منهم علمًا، أو أعلى مكانة وقدرًا، ولولا هذا لما
تكونت البيوت والفصائل، والشعوب والقبائل، بما يربط بعضها ببعض من
المشاركات في الأعمال التي تطبع في الأنفس ملكات الأخلاق والعادات، فتكوِّن
رابطة الوحدة، التي تجتمع بها وشائج الكثرة، فتكوِّن بها الفصائل قبيلة والبيوت
أمة) .
(ومن التجديد في الأعمال البشرية ما تَهْدِي إليه غريزة الاستقلال المقابلة
لغريزة التقليد، والميل إلى الاستنباط والاختراع، ولولاه لكانت جماعات البشر
كأسراب الطير، ومساكنهم لا ترتقي عن خلايا النحل وقرى النمل) .
أنواع التجديد والحاجة إليها:
التجديد الاجتماعي والسياسي والمدني والديني كل منها حاجة من حاج
الجماعات البشرية بمقتضى غرائزها واستعداد نوعها به يرتقون في مدارج العمران
ويصعدون في معارج العلم والعرفان، حتى أن الدين الإلهي الذي يستند إلى وحي
الرب الحكيم بمحض فضله، لبعض من أعدَّ أرواحهم القدسية لذلك من أصفياء خلقه -
قد سار مع غرائز الجماعات البشرية في ترقيها من طور إلى طور حتى أكمله
تعالى لهم بالإسلام، عندما وصل مجموعهم إلى سن الرشد والاستقلال.
ومع هذا الإكمال يروي لنا المحدثون عن خاتم النبيين صلوات الله وسلامه
عليه وعليهم أجمعين، أنه قال: (إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل
مائة سنة من يجدد لها دينها) رواه أبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه،
والبيهقي في المعرفة وغيرهم من حديث أبي هريرة، وأشار السيوطي في جامعه
الصغير إلى صحته، والمراد بتجديد الدين تجديد هدايته، وبيان حقيقته وحقيته،
ونفي ما يعرض لأهله من البدع والغلو فيه أو الفتور في إقامته، ومراعاة مصالح
الخلق وسنن الاجتماع والعمران في شريعته. اهـ. وموعدنا في الكلام في التجديد
الديني والدنيوي القضية الثالثة.
هذه حقيقة معنى التجدد والتجديد، وهي تهدينا إلى أن لكل من الجديد والقديم
محلاًّ، وأن من الجهل تفضيل أحدهما على الآخر مطلَقًا.
المفاضلة بين المتقدم والمتأخر:
وأما المتقدم والمتأخر من الناس فقد كانت القاعدة عند أهل العلم والأدب منا
تفضيل المتقدم على المتأخر ولكن القاعدة عند أهل النشوء والارتقاء العكس وإنما هذا
وذاك بالنسبة إلى جملة أهل العصر، دون الأفراد النابغين الذين قلما تجود بمثلهم
الأزمان، ومذهب النشوء الاجتماعي ظاهر في الأمم في أطوار حياتها وقوتها، بل هو
ظاهر في الدين الإلهي أيضًا، فقد ارتقت الشرائع الإلهية بحسب استعداد البشر حتى
كان آخرها - وهو الإسلام - منتهى الكمال، فجعل الله رسوله الذي جاء به خاتم
النبيين، وبعثته عامة باقية إلى يوم الدين، وأنزل عليه قبل وفاته {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً} (المائدة: 3) .
وقد كان بعض الأدباء يفضل المتأخرين في بعض الأشياء، وقد افتتح عنترة
معلقته المشهورة بقوله:
هل غادر الشعراء من متردم
يعني أن الشعراء قبله لم يتركوا لمن بعدهم قولاً يقوله؛ ولكنه هو جاء فيها
بمعانٍ لم يسبقه إليها غيره، وقد عارضه ابن أبي حجلة في تفضيل كتابه (ديوان
الصبابة) على ما سبقه في معناه بقوله في خطبته: فإن قلت الفضل للمتقدم، وهل
غادر الشعراء من متردم؟ أقول: في الخمر معنى ليس في العنب، وأحسن ما في
الطاووس الذنب.
وكلمة (الفضل للمتقدم) صارت مثلاً في أفواه العلماء والأدباء، ولا أدري
أول من قالها هل هو عدي بن الرقاع الشاعر الأموي الذي ضمَّنها في شعره أم
غيره؟ وهذا شيخ صناعة الأدب الحريري قد استشهد في تفضيل بديع الزمان على
نفسه في مقدمة مقاماته بقول عدي هذا، ثم رأيناه عقد المقامة السادسة منها لتفضيل
الطريف على التليد، ونصر العصاميين على العظاميين، وإني أحفظ من عهد
طلب العلم عبارته في هذا، ولا يخلو إيرادها من إحماض وفكاهة، قال:
(روى الحارث بن همام قال: حضرت ديوان النظر بالمراغة، وقد جرى
به ذكر البلاغة، فأجمع من حضر من فرسان اليراعة، وأرباب البراعة، على أنه
لم يبق من ينقح الإنشاء، ويتصرف فيه كيف شاء، ولا خلف بعد السلف من
يبتدع طريقة غراء، أو يفترع رسالة عذراء، وأن المفلق من كتاب هذا الأوان،
المتمكن من أزِمَّة البيان، كالعيال على الأوائل، ولو ملك فصاحة سحبان ووائل،
وكان بالمجلس كهل جالس في الحاشية، عند مواقف الحاشية، فكان كلما شط القوم
في شوطهم، ونثروا العجوة والنجوة من نوطهم، ينبئ تخازر طرفه، وتشامخ أنفه،
أنه مخرنبق لينباع، ومجرمز سيمد الباع، ونابض يبري النبال، ورابض يبغي
النضال، فلما نثلت الكنائن، وفاءت السكائن، وركدت الزعازع، وكف المنازع،
وسكنت الزماجر، وسكت المزجور والزاجر، أقبل على الجماعة وقال: لقد جئتم
شيئًا إدًّا، وجرتم عن القصد جدًّا، وعظمتم العظام الرفات، وافتتم في الميل إلى
من فات، وغمصتم جيلكم الذين فيهم لكم اللدات، ومعهم انعقدت المودات، أنسيتم
يا جهابذة النقد، وموابذة الحل والعقد، ما أبرزته طوارف القراسح، وبرز فيه
الجذع على القارح، من العبارات المهذبة، والاستعارات المستعذبة، والرسائل
الموشحة، والأساجيع المستملحة، وهل للقدماء إذا أنعم النظر من حضر غير
المعاني المطروقة الموارد، المعقولة الشوارد، المأثورة عنهم لتقادم الموالد، لا
لتقدم الصادر على الوارد
…
إلخ) .
وللشعراء محاورات مشهورة في تفضيل الحبيب الأول أو الحبيب الآخر،
ومن المشهور في الأول قول بعضهم:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى
…
فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا
وقول آخر:
كم منزل في الأرض يألفه الفتى
…
وحنينه أبدًا لأول منزل
نقل فؤادك حيث شئت مع الهوى
…
ما الحب إلا للحبيب الأول
وقول بعضهم في الثاني:
محا حبها حب الأُلى كن قبلها
…
وحلت مكانًا لم يكن حُل من قبل
وقول آخر في الرد على مفضِّل الحبيب الأول؛ ولكن جاء بحجة دينية لا
غرامية، وفلسفة دروينية لا عذرية:
أكلف بآخر من علقت بحبه
…
لا خير في حب الحبيب الأول
أنشُكُّ في أن النبي محمدًا
…
ساد البرية وهو آخر مرسل؟
والعدل في الحكم أن تقدم الزمان وتأخره لا شأن لهما في المفاضلة بين الأفراد،
ففي كل زمان أفذاذ، فالقديم كان جديدًا، والجديد يعود قديمًا، كما حققنا، ولله در
القائل في ذلك:
قل لمن يرى للأواخر شيئًا
…
ويرى للأوائل التقديما
إن ذاك القديم كان حديثًا
…
وسيبقى هذا الحديث قديمًا
وإنما التفاضل بين الأشياء والأشخاص يتعلق بذواتها وصفاتها، ودرجة انتفاع
الناس وارتفاقهم بها، فإن كان للمتقدم فضل الابتكار والاختراع، فقد يكون للمتأخر
عنه فضل التحسين والإكمال الذي يتم به الانتفاع، وقد اشتهر أن كثيرًا من
المخترعات التي سبق بعض اللاتين أو الإنكليز إلى كشفها قد أتمها الألمان فكان
نفعهم وانتفاعهم بها أعظم.
* * *
القضية الثانية
(فضل الشيء في مزاياه ودرجة الانتفاع به)
جهل هذه الحقائق أو تجاهلها أدعياء التجديد، فطفقوا يدعون إلى ترك القديم
لأنه قديم، والأخذ بالجديد لأنه جديد، وربما وصفوا القديم بالبالي لزيادة التقبيح
والتنديد، وإن كان على قدمه لا تبلى جدته، ولا تخلق ديباجته، ولا تخبو ناره،
ولا تنطفئ أنواره، كدين الله القويم، وكتاب الله الكريم {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ
فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ} (الأحقاف: 11) .
إن تفضيل الجديد لجدته على القديم لقدمه، مكابرة للحس وسفه للنفس
ومصادمة للعقل، وهو باطل ببداهة الرأي وإجماع كل قبيل وشعب، فإن من القديم ما
يتنافس فيه خواص الناس في أرقى أمم الحضارة، فيباع بالألوف الكثيرة من
الجنيهات، إما لقدمه ونفاسته معًا، وإما لقدمه وحده، وإن هذه البلاد لتفاخر جميع بلاد
الحضارة بآثارها التليدة، وليس عندها شيء من مبتكرات حضارتها الطريفة، وإنك
لترى قصور الملوك والقياصرة وكبار الأمراء والأغنياء مزينة بالصور التي رسمها
قدماء المصورين، كما ترى على جدرانها دون أرضها أنفس السجاجيد العجمية
والشيلان الهندية القديمة.
وإنك لترى دور الآثار العادية تتغالى في شراء هذه الآثار، كما ترى خزائن
الكتب العامة الخاصة تتغالى في شراء الكتب القديمة لكبار العلماء المتقدمين، وإن
علماء هذا العصر في الغرب يشهدون لكثير من قدماء الحكماء والعلماء والشعراء
بالفضل، ويعترفون بأن منهم من لا نظير له في هذا العصر ولا شبيه.
وأما الأنبياء، وكبار القديسين والأولياء، فلا يزال السواد الأعظم في بلاد
الحضارة العصرية يفضلهم على جميع العلماء والحكماء المتقدمين والمتأخرين،
ويعترف بما امتازوا به في أنفسهم وفي هدايتهم، بل لا تزال مئات الملايين من
شعوب أوربة وأمريكة تعبد واحدًا منهم، فأين تذهبون يا أدعياء التجديد الإلحادي؟
وما شأن من تقلدون من ملاحدة الإفرنج الأفذاذ مع العلم بالنهضة الدينية الجديدة في
أوربة وأمريكة التي أثارتها الحرب الأخيرة؟
وإن كان كل جديد يحمد ويؤثر لجدته، فماذا تقولون في هذه السموم الجديدة
المخدرة للأعصاب، بل المفسدة لصحة الأجساد، المطفئة لسرج العقول، التي
يوشك أن يهلك بها هذا الشعب، إذا لم تنجح حكومته فيما سعى إليه حكمدار
العاصمة لدى عصبة الأمم من صد تيارها، وقطع الطرق الخفية على تجارها،
ومن تقليل ما تصدره معاملها في أرقى بلاد أوربة في هذه المدنية المادية الفاسدة
المفسدة.
وأما أحدث نظام جديد للحكومات العصرية فهو النظام البلشفي الذي ترتعد منه
فرائص دول الأرض؛ وإنما يتمنى له النجاح والانتشار بعض المتململين من إرهاق
دول الاستعمار لهم؛ ولكن غلاة التجديد الإلحادي معجبون به ميالون إليه، ولولا
عقاب الحكومة لصرحوا ببث الدعاة له، ولو لم يكن من فوائده عندهم إلا هدم هداية
الدين، وتقويض أركان الفضائل وأصول الشرائع الإلهية لكفى.
القول الحق الفصل في القديم والجديد:
والقول الحق في الموضوع: إنه لا بد للبشر في كل عصر من القديم والجديد،
وإن في كل منهما الحسن والقبيح، والنافع والضار، وأن من الناس من هو أميل
بطبعه إلى هذا، ومن هو أميل إلى ذاك من أجناس الأشياء وأنواعها، وقلما يفضلها
لمحض جدتها إلا الأطفال، ومن على مقربة منهم من النساء والرجال، وأما
العقلاء المستقلون فلا يرغبون عن النوع القديم إلى الجديد إلا بمرجح يرجحه عليه
عملاً بالقاعدة المنطقية في المتساويين؛ وإنما تكون الجدة مرجحة في جزئيات النوع
الواحد إذا كانت متساوية في سائر صفاتها؛ فإن الجديد يكون أزهى وأبهج وأثبت
وأبقى، فمثال الجنس من الأثاث والماعون سرر النوم، ومثال النوع منه في المادة
ذوات المعادن المختلفة، وفي الشكل ذوات العمودين وذوات الأربعة الأعمدة،
وجزئيات النوع منها أفراده، والعاقل لا يختار شيئًا منها لمحض جدته؛ إنما
يرجحه بسبب من أسباب الارتفاق والانتفاع به، إما في ذاته وإما في أمر خارج
عنه، كالاقتصاد واللياقة والوطنية والقومية.
من مُثُل ترجيح القديم على الجديد الذي هو خير منه في نفسه وفي الارتفاق
والانتفاع به، وراء المثل المعروفة من رخص الثمن وغلائه ومراعاة قدرة المقتني
المالية، أن في دار الصناعة البحرية الإنكليزية آلات بخارية لثقب حديد المدافع
وغيره قد حدث بعدها آلات من نوعها تدار بالكهرباء هي خير منها قوة وسرعة
ونظافة - وربما كانت أقل نفقة أيضًا - وهم لا يستبدلونها بها لأن في استبدالها بها
نفقة عظيمة لا تفي بها منفعتها حدثني الدكتور يعقوب صروف أنه رأى هذه
الآلات، وأن الدليل الذي كان يطوف به هنالك قال له: إن اليابانيين تعلموا منا
صنع هذه الآلات في عصر الكهرباء، فجعلوا آلاتهم كهربائية فكانت خيرًا من
آلاتنا هذه، وإن بقاء حاجتنا إليها لا يبيح لنا بذل النفقة الكبيرة التي يتقاضاها
تغييرها.
ترجيح ما هو وطني أو قومي على الأجنبي:
وأما ترجيح كل ما هو وطني وقومي على غيره من جديد وقديم فهو ركن من
أركان الحياة الاقتصادية والسياسية والأدبية في جميع الأمم الحية، ولا سيما
الإنكليز الذين راعهم رواج المصنوعات الألمانية في بلادهم لرخص ثمنها، فألَّفوا
عدة جمعيات للبحث في أسباب تلافي هذا، وقد سألت في بعض صيدليات برلين
وميونخ عن علاج إفرنسي من العلاجات التي أحملها في السفر وأقتنيها في الحضر،
لعروض الحاجة إليها فجأة في بعض الأوقات، فكان الجواب في البلدين واحدًا وهو
(هذا لاتيني هذا لاتيني) لم يقولوا: إنه غير موجود، بل ذكروا سبب ذلك، وهو
أنه من صنع اللاتين لا من صنع الجرمان، ثم استبدلت به علاجًا ألمانيًّا خيرًا منه
فيما وضع له، ولو وجد علاج مصري أو عربي يقوم مقامهما لفضلته عليهما.
بمثل هذه القومية والوطنية ارتقت شعوب الغرب بأبنائها البارين بأقوامهم،
المعتزين بأوطانهم، فهم يفضلون كل ما هو لهم من صناعة وتجارة وتشريع وغير
ذلك من مقومات الأمم ومشخصاتها على ما هو لغيرهم، فأحكام قضاة الإنجليز
القدماء وقرارات ندوتهم من أصول التشريع عندهم يحافظون عليه أشد من محافظتنا
على الأحكام التي نؤمن بأنها منزَّلة من عند الله تعالى، بله الأحكام الاجتهادية التي
استنبطها أئمتنا من نصوص شريعتنا وقواعدها، وقد سبق أسلافُنا الإفرنجَ إلى
الاعتزاز بما لهم من تشريع وغيره في صدر الإسلام، ومن ذلك ما وقع لعمر
رضي الله عنه مع معاوية لما جاء الشام لابسًا مرقعته، مرتحلاً ناقته، إذ قال له
معاوية: (يا أمير المؤمنين، إن أهل الشام قد اعتادوا أن يروا حكامهم في ملابس
فاخرة فهم لا يهابون من يكون متبذلاً في لباسه وزيه) فقال له عمر رضي الله عنه:
(نحن جئنا لنعلمهم كيف نحكم، لا لنتعلم كيف يحكمون) .
ومن ذلك أمره رضي الله عنه لقواده وعماله في بلاد الأعاجم بالتزام الزي
العربي، فقد كتب إلى عامله في بلاد العجم عتبة بن فرقد كتابًا ينهاهم فيه عن زي
الأعاجم ويأمرهم بالمحافظة على عادتهم العربية، ومما قاله في كتابه: (تمعددوا -
أي تشبهوا بجدكم معد بن عدنان في شدته وبأسه وخشونة معيشته، فالمعديون في
العرب كالإسبرطيين في الإغريق - تمعددوا واخشوشنوا وابرزوا واقطعوا الركب -
أي ركاب الخيل - وارموا الأغراض، وعليكم بالشمس فإنها حمام العرب وإياكم
وزي الأعاجم
…
إلخ) ، وقد حفظ العرب شخصيتهم القومية في الممالك التي
فتحوها ما داموا متمسكين بهذه الوصايا وغيرها من مقوماتهم ومشخصاتهم ولا سيما
لغتهم ودينهم، فكانت الأمم تندغم فيهم وتتعرب وتسلم، ومن تركها منهم ذاب
واندغم في غيره من الشعوب.
وقد قلَّد الإفرنج أجدادَنا في هذه السيرة، ولا سيما الإنجليز. وأدعياء التجديد
الإلحادي يحاولون إقناعنا بأن ننسلخ من ذلك كله حتى أحكام الميراث التي خالف
الإنكليز فيها جميع شرائع الأمم كحيازة أكبر الذكور من الأسرة لجميع ما يتركه
أبواه من العقار دون سائر إخوته من بنين وبنات.
احتقار الملاحدة والقبط للمسلمين بدعوتهم إلى ترك شريعتهم:
وأما نحن المسلمين في هذه البلاد فقد بلغ من احتقار أدعياء التجديد لنا أن
يجهر الملاحدة والقبط بها على أعواد المنابر في المدارس الجامعة بدعوتنا إلى ترك
ديننا وشريعتنا كلها، لا إلى ترك أحكام الإرث وحدها، ذلك بأنهم احتجوا علينا بأن
الحكومة تركت أحكام شريعتنا في كذا وكذا من العقوبات والأموال فسكتنا لها وقبلنا
حكمها، فيجب علينا إذًا أن نترك سائر ما شرعه الله لنا من الأحكام الشخصية في
الإرث والزواج والطلاق، إذ لا فرق عند هؤلاء المفتين المجددين بين النوعين من
أحكام الشريعة.
لقد هزلت حتى بدا من هزالها
…
كلاها وحتى سامها كل مفلس
بل لم يقفوا عند هذا الحد من احتقارنا بالطعن في شريعتنا الإلهية الغراء،
العادلة الكاملة البيضاء، من أعلى المنابر وعلى صفحات المجلات والجرائد، حتى
زعموا أن جميع شبابنا المتعلمين أو سوادهم الأعظم يوافقهم في آرائهم، ويدين لهم
بالزعامة في تجديدهم، بل استخف بالمسلمين أجرؤهم على الجهر بالسوء فيهم وفي
دينهم [1] ، فطفق يشتمنا ويشتم كل من يدافع عن الإسلام في مصر وفي غيرها، وهو
من غير أصلاب الفراعنة آلهة المصريين الأقدمين، التي يوجب عليها في تجديدها أن
ترجع إلى مدنيتهم وإن مر عليها ألوف السنين، ويخص الكتاب السوريين المسلمين
بالقدح والتفريق بينهم وبين المصريين، فالمدنية الفرعونية الوثنية لا تنافي التجديد
المطلوب لمصر عنده؛ وإنما تنافيه الشريعة الإسلامية والحضارة العربية لأنهما
قديمتان باليتان بزعمه وزعم حزبه، وصرَّح في آخر مقال نشره في هذا الموضوع
بأن النعرة الدينية التي انتصرت بها مجلة المنار على مجلة الجامعة فقتلتها (فكان
الشباب المصري هو الخاسر بذلك) قد زالت في هذه الأيام بزوال سذاجة البلاد التي
كانت تجوز عليها هذه الأوهام، وحاول في هذه المقالة أن يجهز على هذه الأوهام
الإسلامية، بتحريك النعرة الوطنية المصرية الفرعونية، التي تأبى دخول آل
الرافعي في جنسية مصر، ولعل تاريخهم فيها يقارن تاريخ بيت الملك، وينفي
بالأولى جنسية هذا الواقف بين أيديكم أيها السادة؛ لأن تاريخ هجرته إليها لا يزيد
على ثلث قرن، وهو يحرِّم عليكم قراءة مجلته المنار الإسلامي، بل السماح ببقائها
في مصر، إذ يقول في آخر هذه المقالة: (فلنفهم واجبنا ولنعلم أن الوطن خالد، وأن
شيوخنا وشبابنا مصريون قبل كل شيء، عليهم واجب محتوم يقاضيهم إياه شرف
البلاد، وهو أنه يجب أن تكون الصحافة المصرية صناعة مصرية، لا تنحصر
مصريتها في أن يكون قراؤها مصريين، بل يجب أن يكون أصحابها ومحرروها
مصريين أيضًا) اهـ بحروفه.
ولهذا المجدد الذي كان أول داعٍ إلى مساواة النساء بالرجال في الميراث في
العهد الأخير من مجلته هذه دعاية جديدة إلى بث دين البابية البهائية في مصر مع
تصريحه بأنه لا يؤمن به وتعليله ذلك بقوله: (فإن لنا من المزاج الأدبي الفلسفي
ما يجعلنا نلتمس لأنفسنا صوفية عالمية بغير الدين) ولكن غرضه من الدعوة
إليها صرف بعض المسلمين بها عن الإسلام لإضعاف جامعته الحائلة دون جعل
مصر فرعونية أي قبطية محضًا، ولم أصرح بهذا التعليل في المحاضرة.
أيها السادة:
إنني أذكر هذا لأنه من موضوع التجديد والمجددين الذي نعالجه لبيان حقيقته،
والتمييز بين حقه وباطله، ومحاولة اتقاء ضرره، كما قدمت في أوائل هذه
المحاضرة، فأنا أمر بسبه وقذفه كريمًا بسلام كما أمر الله في القرآن [2] وأتقي قول
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المُسْتَبَّان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان) رواه
الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد، ولا أريد أن أخوض مع الخائضين في
مسألة القبط والمسلمين، والعرب الفرعونيين [3] ؛ وإنما غرضي أن أنبه هذا الشباب
المصري الإسلامي لما يتنازعه في دينه ولغته وثقافته من عوامل الإلحاد والفرعونية
برقيتي التجديد والوطنية، لتجريده من هداية دينه وأدبه وتشريعه وعربيته وما له
في الإسلام والعربية من تاريخ مجيد، وما له بإسلامه وعربيته من زعامة في مئات
الملايين من البشر، لتكون غاية ذلك أن يصير مسلمو مصر بنفوذ شبانهم ملاحدة
حائرين، يتلمسون صوفية علمية بغير الدين، يتكلفون لمسها وهيهات أن يجدوها،
أو يكونوا بابيين يعبدون البهاء دفين عكاء، أو نصارى كسادة وطنهم من القبط
وأعوانهم يعبدون المسيح عليه السلام.
وكل هؤلاء الدعاة إلى التجديد الإلحادي يعتقدون أن هذه هي العاقبة الطبيعية
للإلحاد، كما قرره أحد كتاب فرنسة المستعمرين في كتاب جديد له رددت عليه في
المنار، قال ما خلاصته: إن تنصير المسلمين تنصيرًا مباشرًا من المحال؛ وإنما
الطريقة المثلى لذلك إفساد دينهم عليهم بالإلحاد، ولما كان من المحال أن تعيش أمة
بغير دين كانت العاقبة بعد زوال كل أثر للإسلام من أنفسهم، أن يختاروا دين
الغالبين السائدين فيهم وفي غيرهم وهو النصرانية.
وقد رأيتم في هذه الأيام كيف جدد الأستاذ عزمي دعوة الأستاذ سلامة موسى
إلى نبذ حكم القرآن في الميراث، وكيف قام الدكتور فخري يعزز هذه الدعاية
وسمعتم وقرأتم ما يحتجون به على المسلمين ويقنعون به شبانهم الغافلين، عما يراد
بهم، وهو أن ترك الحكومة من قبل لبعض أحكام الإسلام المدنية والجنائية يوجب
عليهم أن يتركوا سائر أحكامه حتى المسائل الشخصية.
(لها بقية)
((يتبع بمقال تالٍ))
_________
(1)
هو شاب قبطي اسمه سلامة موسى شديد الشنآن للإسلام والطعن فيه من طريق الإلحاد والإباحة والعصبية الوطنية الفرعونية أي القبطية، ولم أذكر اسمه في المحاضرة تنزهًا عن الإشادة باسمه، ومن غريب المشاكلة في الإلحاد أن صاحب مجلة عربية من بيت كريم في سورية جاء مصر، فكان هذا القبطي وبعض قرنائه الملاحدة محل مودته وإعجابه، وما زال ينوه بهم في مجلته.
(2)
إشارة إلى قوله تعالى: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا)(الفرقان: 63)، وقوله بعده:
(وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا)(الفرقان: 72) وقد فهم الجمهور من الآية الأولى أن فيها إشارة لطيفة لاسم (سلامة) هذا، وقد صرحت في المحاضرة بزيادة عما هنا ومنها طعن هذا القبطي بالأمير شكيب أرسلان لدفاعه عن الإسلام ونبزه بلقب وغد، وقلت: إن الوغد في اللغة هو الدنيء من الرجال الذي يخدم بطعام بطنه، والأمير شكيب نابغة بني أرسلان، من سلائل ملوك العرب وأمرائهم من قبل الإسلام، وهو يعيش في أوربة مع أهل بيته عيشة الكبراء، ويزوره في داره ويأكل طعامه الملوك والأمراء والوزراء (وأزيد الآن في هذه الحاشية أن ممن ضافه داره في لوزان ملك الأفغان السابق، وخديو مصر السابق وغيرهما وآخرهم جلالة ملك العراق ومن كان معه في أوربة من وزرائه وحاشيته في صيف هذا العام) .
(3)
كان بعد هذا أن دعتني لجنة الخطابة والمناظرة في الجامعة المصرية إلى مناظرة في المفاضلة في هذا الموضوع (المفاضلة بين المدنيتين العربية والفرعونية) فكان لي الفلج بترجيح العربية على الفرعونية، وتقدم ذكر هذا في المجلد الماضي من المنار (31) .
الكاتب: محمد رشيد رضا
المناظرة بين أهل السنة والشيعة
قد اطلع قراء المنار في الجزء الثامن (م 31) على الكتاب الذي نشرناه
للعلامة السيد عبد الحسين شرف الدين من أشهر علماء الشيعة الإمامية في هذا
العصر الذي يطلب المناظرة، وعلى إجابتنا إياه إلى طلبه وما اشترطناه فيها، وقد
جاءنا بعد ذلك الرسالة الآتية منه، فإذا هو لم يلتزم فيها الشروط، فكان لنا أن
نطلب منه حذف ما ليس من الموضوع الذي حددناه، وإن كان يمت إليه بنوع من
أنواع القرابة أو المناسبة، وإذا به يظن فيَّ الظنون، ويفتح له بابًا من النقد يقبله
الكثيرون، وإنني أنشر له هذه الرسالة على كون أكثرها خارجًا من دائرة
الموضوع، ومنتقدة من عدة وجوه، وإعلانًا عن كتابه بالإحالة عليه وبيان
موضع بيعه ورخص ثمنه؛ ولكنني أعلق عليها تعليقًا وجيزًا أعود فيه إلى تحديد
موضوع المناظرة، ولا أقبل بعده كلمة تخرج عن حدودها، وهذا نص
رسالته:
الرسالة الأولى للعلامة السيد عبد الحسين شرف الدين
بسم الله الرحمن الرحيم
لقد جرت مناظرة بيننا وبين الأستاذ العلامة الإمام حضرة صاحب مجلة المنار
الغراء، ونال كل منا صاحبه بما جرحه، فرأينا أن ذلك يحول دون الغرض الذي
يؤمه أهل الدين والعقل من إحقاق الحق وجعله الضالة المنشودة لهم، فكتبت إليه
راجيًا منه فتح باب في المجلة تذكر فيه المسائل الهامة بين الطائفتين ورأي كل
منهما ودليله.
فحقق رجائي وكان عند حسن ظني وأتحفني بكتاب ملأه حنانًا وغيرة على
الدين وأهله، ولا عجب إذا جاء الشيء على أصله وخرج الجوهر من معدنه.
وأرجو ببركة هذه المجلة ونية صاحبها أن نقف على فوائد جمة ونهتدي إلى
كثير مما خفي علينا علمه ومعرفته، فنحن بلسان أهل الحق والفضل نشكره شكرًا
جزيلاً.
ودع عنك قول بعضهم: دعوا البحث فيما يتعلق بالدين والمذهب وهلم إلى
التعاون على توحيد الكلمة وجمع الأمر قبالة المستعمرين.
فإن ذلك لغو من القول، وخطل من الرأي، وكأنها مقالة من لا يرى الإسلام
دينًا، ولا يرى أن هناك حياة أخرى خالدة غير هذه الحياة؛ وإنما يرى الإسلام
رابطة قومية وجامعة سياسية، فهو يدعو إليها ويحض عليها. وهذه الدعوى لا
تجدي نفعًا عند من يرى الإسلام دينًا ويتقرب إلى الله سبحانه بنصرته ومعاداة من
يمسه بسوء.
فالدواء الناجع إذًا لتوحيد كلمة المسلمين وضمهم تحت راية لواء واحد هو
سعي عقلاء العلماء - أي علماء الدين - من كلتا الطائفتين إلى محل الخلاف
وفحصه وإزالته بالبرهان، وإصغاء كل منهما لحجة الآخر، وتحكيم أهل الفضل
والإنصاف، ولا ينبغي وضع هذا العبء على كاهل العلماء فحسب.
بل على العقلاء ممن يهمهم أمر المسلمين القيام مع العلماء مراقبين سيرهم في
المناظرة؛ فإن الحق لا يخفى على طالبه، وإنني لا أنكر أن يكون في علماء
الطائفتين من تهمه نفسه، ولا يميل إلى الاتفاق لما اعتاده من التعصب الأعمى،
فعلى العقلاء من كلتا الطائفتين رفض أولئك والتنبه لهم.
وليت شعري كيف يمكن الاتفاق بين هاتين الطائفتين قبل دفع سبب الخلاف.
إن الشيعة من المسلمين يرون أن من أرسى قواعد الإسلام وأقوى دعائمه
موالاة أهل البيت والاهتداء بهديهم والعمل برأيهم وحديثهم، وأن المنحرف عنهم،
النابذ لحديثهم، المهتدي بخلاف هديهم غير متبع سبيل المؤمنين، ويرون أن أبناء
السنة من المسلمين منحرفون عنهم بنبذهم علمهم وحديثهم وإعراضهم عن مذهبهم
فهم على غير سبيل المؤمنين.
وإن المسلمين من أهل السنة يرون أن أرسى قواعد الإسلام وأوثق عراه
موالاة أصحاب رسول الله جميعهم والعمل بكل ما حدَّثوا به؛ لأنهم حملة الدين
وحفظة الوحي ومبلغوه إلى الأمم، فالمنحرف عنهم التارك لحديثهم غير متبع سبيل
المؤمنين، ويرون أن الشيعة منحرفون عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم لتركهم حديثهم وانقطاعهم إلى أهل البيت، فهُم على غير سبيل المؤمنين.
فعلى هذا كيف يشترك المتمسكون بالدين منهما بالعمل بإخلاص ونصح ما لم
يقع التفاهم بينهم؟
فلو أن شخصين متعاديين سارا في طريق واحدة لم يُجْدِهما نفعًا إظهارهما
المجاملة، وقول كل واحد منهما لصاحبه: دع العداء بيننا جانبًا، وهلم فنلكن يدًا
واحدة على من سوانا؛ فإن ذلك غير مستطاع لهما، واعتمادهما في التعاون على ما
أظهراه من المجاملة والاتفاق غرور وأمانٍ باطلة، فلو ظفر بهما عدو لهما على هذا
الحال، ثم استعان بكل واحد منهما على صاحبه لأعانه.
فعلى هذين الرفيقين أن يقتلعا سبب العداء من عروقه، ويعترف كل واحد
منهما لصاحبه بما جناه ويعطيه بيده ليأخذ بحقه حتى يرضى، وعندها تذهب
الشحناء، ويحل محلها الود والإخاء.
أما أنا فهذه يدي رهن بما أقوله معطاة لمن يريدها وما توفيقي إلا بالله.
علم علي وعمر رضي الله عنهما بالدين والقضاء
ذكرت مجلة الشبان مقالاً، وهو أن عمر كان أعلم الصحابة بالدين وأفقههم
فيه [1]، وردته مجلة العرفان بقولها: إن هذا منافٍ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
(أقضاكم علي) وقوله: (أنا مدينة العلم وعلي بابها) ولقول عمر: (لولا علي لهلك
عمر، ولا بقيت القضية ليس لها أبو الحسن) وردَّ الأستاذ العلامة صاحب المنار في
الجزء الرابع من المجلد (31 ص295) هذه الأدلة وعنون المسألة بهذا العنوان.
وحاصل الرد أن ما روي عنه صلى الله عليه وسلم من الحديثين غير صالح
للاستدلال به لعدم صحة ما روي، وعلى فرض صحته لا دلالة فيه على المطلوب؛
إذ كون علي أقضى لا يمنع أن يكون عمر أعلم؛ لأن القضاء - أعني فصل
الخصومة - لا يحتاج إلى كثير علم [2] ؛ وإنما يحتاج إلى ذكاء وفطنة، فبين الأعلم
والأقضى عموم وخصوص من وجه، وكذلك جعل علي عليه السلام باب مدينة
العلم لا يوجب الحصر؛ لجواز أن يكون للمدينة أبواب كثيرة منها علي عليه السلام،
ومنها عمر رضي الله عنه ومنها غيرهما، وكذلك قول عمر إنما جاء على نحو
التواضع. ثم أطال البحث في أحوال الرواة لهذين الحديثين وتضعيفهما.
أقول: ما أحسن المناظرة إذا كانت بآدابها، وصحت نية أربابها، وكان الحق
ضالتهم، والبرهان قائدهم.
ولنغضي عما في هذا الجزء من الشتم والتجهيل كما تضمنته رسالة ابن تيمية،
ومقالة الأستاذ التي عنوانها (السنة والشيعة وضرورة اتفاقهما) فإنها كتبت قبل
الصلح والمسالمة.
وقبل الخوض في البحث نقدم بيانًا يعلم منه مناظرنا كيف يسير معنا في
المناظرة.
رأي الشيعة في الخلافة:
إن المسلمين من الشيعة يرون أن الخلافة أصل من أصول الدين كالنبوة،
وأن نصب الخليفة واجب على الله عقلاً من باب اللطف كوجوب إرسال الرسول،
ويرون أن الخليفة لا بد أن يكون أكمل أهل زمانه في جميع فنون الفضل كالنبي،
وإن امتاز النبي صلى الله عليه وسلم عندهم بأمور كثيرة، ويرون أن الخليفة بعد
رسول الله صلى الله عليه وسلم هو علي أمير المؤمنين عليه السلام فهو أفضل أهل
زمانه.
رأي السنة في الخلافة:
إن المسلمين من السنة لا يرون الخليفة بهذه العظمة، فهي عندهم فرع من
فروع الدين، فيجب على المسلمين أن يختاروا من بينهم خليفة ولا يشترطون
امتيازه عن غيره في الفضل والصلاح، ولعل أكثرهم لا يشترط فيه الصلاح
والعدالة.
فإذا عرفت ذلك ظهر لك أن الشيعة حين ينكرون أن يكون أحد من الصحابة
أفضل من علي عليه السلام أو مساويًا له إنما هو لمنافاته لأصل الدين وقاعدة
المذهب عندهم، وقد فرغوا من إثباته بالحجج القاطعة والبراهين العقلية والنقلية،
وألَّفوا في ذلك الكتب المطولة، فمن يجهل رأيهم في الخلافة ولم يطالع ما كتبوه في
ذلك مع وفوره وقرب مناله، يظن أن ذلك منهم غلو في علي وانحراف عن غيره،
وليس كذلك.
إن العالِم الشيعي ينظر إلى التفاضل بين علي عليه السلام وعمر رضي الله
عنه كأهم مسألة دينية، والعالم السني ينظر إلى التفاضل بينهما كمسألة تاريخية،
وحيث كان البحث في التفاضل من الوجهة الدينية يحتاج إلى البحث في أصل
الإمامة وهي مسألة ضافية الذيل، فسيحة الأرجاء لا تسعها هذه العجالة - فلنبحث
الآن عنها من الوجهة التاريخية، ونعرض ما عندنا في ذلك على أهل الفضل
والإنصاف.
إنني وأيم الحق لم يكن يختلج في صدري أن أحدًا من أهل الفضل يقدم أحدًا
من الصحابة على علي عليه السلام في العلم أو يساويه فيه، وكنت أرى أن هاتين
الصفتين - أعني الشجاعة والعلم - قد كملتا فيه وامتاز بهما عند أوليائه وأعدائه، وأن
صفة العلم فيه أظهر من صفة الشجاعة لسبقه فيها سبقًا بعيدًا.
هذا كتابه قرآن العارفين وفرقان السالكين تتجلى آياته وتتلألأ أسراره، وما
أخال حضرة الأستاذ يرتاب فيه كغيره بعدما أورده أستاذه - ذلك الحبر الكبير النمير -
العذب من مشاربه، وأوقفه على تلك الإلهيات عن عجائبه.
إننا لعمر الحق أبعد المسلمين عن العصبية وأقربهم للاتفاق، وأحبهم
للإنصاف، وما الحيلة في ترك ولاء هذا الرجل - أعني أمير المؤمنين عليًّا - وقد
تجلى لنا تقدمه في الفضل على كافة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبقه
لهم فيه سبقًا بعيدًا، وإننا لنعجب لبعض العلماء من إخواننا السنيين كيف لا
ينصفوننا في علي عليه السلام ولا يرون رأينا فيه، وما لنا لا نعجب، وإنما هذا
الفضل له أخذناه منهم، ورويناه عنهم.
فمن عدم إنصافهم ما ذكره هذا البعض من أن عمر أعلم الصحابة ومنهم علي
عليه السلام، وهنا موقف الحيرة، فإن سكتنا كان ذلك إقرارًا منا بالخطأ وفساد
المذهب، وإن أوضحنا الحق في المسألة ونصرنا رأينا قامت القيامة علينا ورُمينا
بالرفض والغلو والتعصب على أكابر الصحابة.
لكننا نؤثر إحقاق الحق ونحتمل في سبيله كل مكروه، ولعلنا لا نعدم من أهل
الفضل والإنصاف أنصارًا ومحكِّمين.
اعلم أيها الأخ المنصف أن لنا على تفضيل علي على عمر رضي الله عنه
وعلى كافة الصحابة رضي الله عنهم براهين قاطعة من طريق العقل ومن طريق
الرواية. أما من طريق العقل فيحتاج ذلك إلى معرفة الزمان الذي تلقيا فيه ذانك
التلميذان العظيمان - أعني عليًّا عليه السلام وعمر رضي الله عنه العلم عن
معلمهما أعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقداره، ومنزلة كل واحد منهما من
الفطنة والذكاء، وعندها تصدر الحكم غير مرتاب:
زمن إسلام عمر رضي الله عنه:
أسلم عمر رضي الله عنه في السنة السادسة من بعثته صلى الله عليه وسلم
وعمره ست وعشرون سنة، فعليه يكون قد قطع مرحلة من عمره في غير طلب
العلم لا يُستهان بها، فإذا أضفت إليها ثلاث سنوات لم يلق عمر فيها رسول الله
صلى الله عليه وسلم إلا نادرًا، وذلك عند حصار قريش لبني هاشم وبني عبد
المطلب في شعب أبي طالب رضي الله عنه، تراه قد خسر أكثر رأس ماله الذي
يتجر به الإنسان في كسب العلوم والمعارف وذلك ظاهر.
لأن الزمان الذي يستفيد منه المرء ويتعلم به هو زمان الصبا والشبيبة، وبها
تكون القوة الذاكرة والحافظة في منتهى النمو والنشاط والاستعداد لتلقي العلوم
والمعارف.
وما سمعنا بمن طلب العلم عند بلوغ هذا السن - أعني تسعًا وعشرين سنة -
وبرع فيه، وإن كان ثمة أحد فهو من شواذ الطبيعة، ومنكر ذلك مكابر وحائد عن
طريق الإنصاف.
خصوصًا في الصدر الأول أعني زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأصحابه رضي الله عنهم، فقد كان الاعتماد على الحفظ والذاكرة، ولم تكن يومئذ
المعلومات تُدوَّن ليؤمَن تفلتها وضياعها، فكان أعلمهم أكثرهم حفظًا وأقواهم ذاكرة،
ولولا حرص التابعين على حفظ الحديث وتدوينه لما وصل إلينا من علمهم شيء.
ولقد كنت زمن شبيبتي أتعجب من كل من يقول: نسيت، فإني لم أكن لأنسى
شيئًا سمعته أو قرأته، وبعد بلوغي الثلاثين انقلب الأمر وأصبحت أعجب ممن
يحفظ ولا ينسى، ولم يبق في ذاكرتي غير ما استُودع بها زمن الصبا والشبيبة،
وما شكوت هذا الداء لأحد من أبناء جيلي إلا وشكا لي نفس ذلك الداء الذي أشتكيه.
ويؤيد ذلك ما روي في سيرة عمر رضي الله عنه أنه لبث في حفظ سورة
البقرة وتعلمها اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزورًا [3] .
ولم يكن عمر رضي الله عنه يُعرف بالصحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم
والاتصال به قبل إسلامه ليستفيد من علومه.
زمن تعلم علي عليه السلام:
لا يرتاب أحد ممن راجع أحوال الصحابة وقرأ تاريخ حياتهم في أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم ضم عليًّا إليه وأخذه من أبيه وهو ابن أربع سنوات [4] .
وهذا هو أول الزمن الذي يتأهل الغلام فيه لتعلم مبادئ العلوم وتلقي بذور
الأخلاق الطيبة والطباع الفاضلة، ويا ما أسعد ذلك الغلام الذي يظفر بمثل ذلك
المعلم في مثل ذلك الزمان، وينقطع إليه عن أبيه وأمه وإخوته وكل أبناء جيله، ثم
لا يفارقه مدة حياته بخ بخ لهذا الغلام.
ومن يستطيع تحديد ما استفاده ووعاه قلبه وطبعت عليه نفسه من العلوم
والأخلاق؟
وقف القلم ههنا بعد نخوته معترفًا بالعجز عن هذه المهمة من التحديد، فأين
ربانيو هذه الأمة والراسخون في العلم منهم عن تحديدها وبيان مقدارها؟
مِل بنا نحو تلك الخلوات التي كان يكون بها مع معلمه صلى الله عليه وسلم
قبل بعثته. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بعثته قد تيمه الوجد وأورثه
ذلك وحشة من الناس وأنسًا بالخلوات والانقطاع عن هذا الخلق المتعوس المتردد
في دياميم الجهل والشقاء، النائي عن الخير والسعادة، فكان يجاور في كل سنة
بحراء ومعه هذا الغلام الشهرين والثلاثة، يريض تلك النفس الزكية ويؤهلها
لوصل ذلك الحبيب الذي هام به.
وكان علي عليه السلام يهيم بذلك الحبيب كهيام معلمه، ويشاركه في خلواته
به وأنسه بقربه وتلقي فيوضاته وألطافه لا ثالث لهما.
فأين الأصحاب رضي الله عنهم عن تلك المراتب السامية من هذه المكاشفات
والمشاهدات لخالقهما التي كانت تتجلى في قلبيهما وتتلألأ على (طور سينا نفسيهما)
ولا نعجب بعدها من أمر هذا الغلام كيف فارق أهله وإخوته وأترابه وانقطع إلى
معلمه ولم تمل به الحداثة إلى الأخذ بنصيبه من اللعب واللهو وهو منتهى لذة
الأحداث وقصارى رغبتهم.
فلقد ملئ قلبه بحب خالقه ولم يبق فيه فراغ لسواه، فسبحان واهب العطاء
يختص بكرامته من يشاء، أتظن رعاك الله أن ساعة من الزمن كانت تمر على هذا
التلميذ بغير فائدة من ذلك المعلم الحريص [5] على التعليم.
فلو ادَّعى مدعٍ كهذا التلميذ بعد وفاة معلمه أنه وارث علمه، أتكون دعوى غلو
ومجازفة أم دعوى حق وإنصاف؟
وقد تبين مما ذكرنا أن عليًّا عليه السلام تعلم العلم من رسول الله صلى الله
عليه وسلم زمن الصبا والشبيبة بخلاف عمر رضي الله عنه، وأن عمر ابتدأ بالتعلم
من رسول الله صلى الله عليه وسلم مع علي بعد أن سبقه وتعلم قبله بخمس عشرة
سنة على أقل ما روي من عمره يوم بعثته وهو عشر سنين، وأما على ما روي من
أن عمره يوم البعثة كان خمس عشرة سنة فيكون قد سبقه بعشرين سنة، فما يقال
لهذا التلميذ الذي دخل المدرسة وابتدأ بالتعلم وهو ابن تسع وعشرين سنة، ولم
يكن [6] معروفًا بحدة الذهن وتوقد القريحة، ثم صحب تلميذًا شابًّا قد تعلم قبله
بخمس عشرة سنة وداما يتعلمان مدة حياة معلمهما، فهل يجوز في أحكام العقول
عند أهل الفضل والإنصاف أن يلحق الكهل بذلك الشاب ويفوقه بالعلم والمعرفة،
خصوصًا إذا كان الشاب أقوى فطنة وأكثر ملازمة وانقطاعًا إلى المعلم؟ كلا
ثم كلا.
وهذا لعمري من البديهيات الأولية. واعلم - رعاك الله أيها الأخ المنصف -
أننا هنا لا نعتمد في تفضيل علي عليه السلام على كافة الصحابة رضي الله عنهم إلا
على أمثال هذه البراهين القاطعة والأمور المحسوسة، التي سجلها التاريخ وأوضحها
البحث والتنقيب والتدبر، أما الأحاديث التي وردت في فضله عليه السلام فإنما تذكر
تأييدًا واستظهارًا قبالة الخصم، وهذه طريقتنا في الأصحاب رضوان الله عليهم، لا
نعتمد في فضلهم وصلاحهم على ما روي فيهم حتى نرى ما دُوِّن لهم في التاريخ من
الأعمال، فإن كان ثمة عمل يؤيد ما روي فيهم آمنا وصدقنا، وإلا اتَّهَمْنا الراوي ولم
نؤمن بحديثه.
ولسنا بحمد الله ممن يبخس الناس أشياءهم، بل نعطي كل ذي حق حقه،
وننعت المرء بما هو فيه، إن لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وجهة كان يؤمها،
وغاية كان يسعى إليها هي من أشرف الغايات وأعلى المقاصد.
ألا وهي إعزاز الإسلام وإظهار أبهته وعظمته وتفخيم سلطانه، فمن ذلك يوم
أسلم قال: (لا يُعبد الله بعد اليوم سرًّا) فكان المسلمون بعدها يصلون ظاهرين.
ومنها أنه أشار بأن يتخذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم مكانًا يمتاز به عن
أصحابه ليعرفه الغريب والوافد، ولا يحتاج إلى أن يسأل عنه؛ فإن في السؤال عن
العظيم ما لا يخفى.
ومنها أنه أشار بأن تحجب نساؤه صلى الله عليه وسلم ليكون لها الميزة عن
سائر النساء، ولقد قال لبعض نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد رأى
شخصها في ملأ من الناس: (لو أُطَعْتُ فيكن ما رأتكن عين) .
ومنها أنه أشار بقتل الأسرى يوم بدر حتى لا تقوم لقريش بعدها قائمة؛ فإن
الأسرى كانوا هم الرؤساء والقادة، وكان يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
يأذن له بقتل كل من يداهن في دين الله، وكان شديد الحرص على قتل أبي سفيان
لما رآه من شدة كيده للإسلام، وكان يوم الحديبية شديد الإنكار للصلح قال: يا
رسول الله، ألسنا بالمؤمنين؟ فقال: نعم، فقال: أليسوا بالمشركين؟ فقال: نعم
فقال: كيف نعطي الدنية في ديننا؟ حتى سكَّن أبو بكر من هيجانه فقال له: (والله
إنه لرسول الله) فقال عمر: وأنا أعلم والله أنه لرسول الله، فقال له: إذن فالزم
غرزه.
وهذه الأعمال ما نشأت إلا عن نية صالحة، وحرص شديد على إعزاز
الإسلام وتشييد سلطانه، ولو أردنا ذكر الأعمال التي قام بها أيام خلافة أبي بكر
رضي الله عنه وأيام خلافته التي أعزت الإسلام وأرست قواعده ونشرت على
البسيطة أعلامه، وطبقتها بسلطانه - لضاقت عنها بطون الصحف واستغرقت زمنًا
طويلاً، فجزاه الله عن الإسلام وأهله خيرًا.
النبطية (سوريا)
…
... صاحب الكلمات
…
...
…
...
…
...
…
...
…
... عبد الحسين نور الدين الحسيني
(المنار)
يؤخذ من هذه الرسالة الفصيحة الصريحة المجردة من لباس الرياء والتقية
أن كاتبها يعتقد ما يأتي:
1-
أن توحيد كلمة المسلمين واتفاقهم على الدفاع عن دينهم المشترك وعن
أنفسهم، وعلى حقوقهم السياسية والوطنية وغيرها - يتوقف على زوال الخلاف
المذهبي بين أهل السنة والشيعة، برجوع أحدهما إلى مذهب الآخر الذي هو سبيل
المؤمنين عنده، ومن لم يتبعه يكون غير متبع لسبيل المؤمنين، وأنه يجب على
الآخر حينئذ عداوته في الدين، وعدم الاتفاق معه على شيء ولو كان دفع عدو لهما
كليهما، بل إن شأنهما أن يعين كل منهما عدو الآخر عليه، وكذا عدوهما كليهما،
أي أن مظاهرة عدو الدين والوطن والاتفاق معه، أولى من مظاهرة عدو المذهب
والاتفاق معه.
2-
أن الوسيلة الموصلة إلى هذه هي سعي علماء الدين من الفريقين إلى
إزالة أسباب هذا الخلاف بالبرهان، وإصغاء كل منهما إلى حجة الآخر في
المناظرة، وتحكيم أهل الفضل والإنصاف بينهما فيما لا يتناصفان فيه.
فأنا قبل الدخول في هذه المناظرة، أقول: إن أهل السنة ينكرون توقف
الاتفاق على ما ذكر، وإن العقلاء من جميع الأمم ينكرون إفضاء المناظرات الدينية
والمذهبية إلى رجوع أهل المذهب الذي يغلب عالمه في المناظرة إلى مذهب الغالب
كما يعلم بالاختبار في جميع العالم، ويؤيده فينا أن المناظرات بين الفريقين قد
كثرت وتعددت في الأجيال الماضية وفي جيلنا مرارًا لا يحصيها إلا الله تعالى، وقد
أُلِّف فيها كتب كثيرة من بسيط ووسيط ووجيز، فلم تزد السواد الأعظم من الفريقين
إلا تعصبًا لمذهبه وصدودًا عن مذهب الآخر، فكانت مفرقة لا جامعة ومبعدة لا
مقربة؛ وإنما تفيد المناظرات أفرادًا من مستقلي الفكر في طلب الحق، غير
المقيدي الفكر والوجدان بالإذعان لمذهب معين لا ينظر إلى غيره إلا بعين العداوة
والبحث عما يفنده به ولو بالتأويل والتحريف وترجيح مذهبه عليه بمثل ذلك،
وبالأقيسة المؤلفة من الخطابيات والشعريات المبنية على الظني وما دون الظني من
الروايات، ووصفها بالبراهين العقلية، كما يراه قارئ هذه الرسالة في تصوير
مناظرنا لتلقي علي عليه السلام للعلم من النبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة
وبعدها بأنه كان كتلقي تلاميذ المدارس الفنية الدنيوية للفنون فيها بحفظ المتون
والقواعد الرياضية من حساب وهندسة ومساحة وفلك، واللغوية والعقلية والتشريعية،
ثم حكمه بأن السابق إلى هذا التلقي يجب بحكم العقل أن لا يدرك شأوه اللاحق،
وفي هذا البحث من الأغلاط الدينية والتاريخية والعقلية والمنطقية والطبيعية ما لا
يمكن بسطه وإيضاحه إلا في صفحات كثيرة أو رسالة مستقلة، وسأشير إلى المهم
منه بعد.
وإنما غرضي الآن أن أحتج على صحة ما اشترطته عليَّ السيد المقترح
للمناظرة من وجوب الاقتصار في المناظرة على مسائل الخلاف الأساسية، وهي
ثلاث:
(1)
موالاة أهل البيت النبوي، وأهل السنة يوجبون هذه الموالاة بما يفهمونه
ويرونه موافقًا لهدي الشريعة.
(2)
موالاة أصحاب الرسول، وأهل السنة يوجبونه على غير الوجه الذي
(3)
الخلافة، فيجب تحرير موضع الخلاف فيها أولاً، وتحديد طريقة
الاستدلال عليها ثانيًا، والاتفاق على طريقة التحكيم في الخلاف والمحكمين ثالثًا.
بيد أنني أحب أن أعلم قبل هذا هل يوافق كبار علماء الشيعة في سورية
والعراق والهند وإيران مناظري الفاضل على قوله: إنه لا يمكن الاتفاق بين أهل
السنة والشيعة على شيء من المصالح الإسلامية السياسية والوطنية والأدبية
المشتركة المنفعة إلا إذا اتفقا قبل ذلك على رجوع أحدهما إلى مذهب الآخر فيما
اختلفا فيه من المسائل الأساسية، وإلا كان دين كل منهما يقضي عليه بعداوة الآخر
على الوجه الذي قاله هذا العلامة الشجاع منهم والتعليل الذي علله به؟
إن هذا رأي لم نسمعه من غيره؛ ولكن سيرة الشيعة وتاريخها قد يؤيده ويدل
عليه، وإنه لأصرح رجل عرفته فيهم؛ ولذلك كبرت منزلته في نفسي على ما
أعتقد من خطئه وأغلاطه، وإن ما قرأته من كتابه (الكلمة الأولى) يدل على أنه
رجل شعور ووجدان، لا رجل تجربة وبرهان، ولولا ذلك لم يعقد أوكد الأيمان، أنه
لولا علي بن أبي طالب عليه السلام، لقُتل رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام،
ولما بقي في الأرض إسلام، ثم إنه يسمي في رسالته هذه كتاب نهج البلاغة بالقرآن
والفرقان، ويقول ما يراه القراء في شرط الاتفاق وزوال الشنآن.
فأقترح على مناظري العلامة، وعلى زميلي الأستاذ صاحب مجلة العرفان أن
يأخذا لي تصريحًا من علماء الشيعة المشهورين في جبل عامل وغيره من سورية
والعراق في رسالة السيد عبد الحسين ولا سيما شرطه هذا، بل أكتفي برأي علماء
جبل عامل وحدهم في ذلك، ونشر ذلك عنهم في مجلتي المنار والعرفان، وسأرد
في الجزء الآتي على هذه الرسالة على كل حال.
((يتبع بمقال تالٍ))
_________
(1)
المنار: الصواب أن مجلة الشبان المسلمين نشرت مقالاً في عمر رضي الله عنه فيه كلمة بهذا المعنى، ولم يكن هذا موضوع المقال.
(2)
لم نقل أنه لا يحتاج إلى كثير علم.
(3)
روى ذلك العلامة المتبحر عز الدين بن أبي الحديد في شرح النهج جزء 3 صفحة 111، وهذا الكتاب جليل القدر جم الفوائد يدل على غزارة علم صاحبه وتقدمه في كثير من فنون الفضل، ولا سيما الحكمة والكلام والتاريخ والحديث والأدب، وهو شديد الولاء لعمر رضي الله عنه، طُبع هذا الكتاب في مصر سنة 1329.
(4)
ذكر الإمام الحافظ ابن حجر في الإصابة صفحة 504 أن عليًّا رُبي في حجر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفارقه، وكذلك كافة المؤرخين ممن عرفناهم كالطبري وابن الأثير وأبي الفداء، وقد أشار عليه السلام إلى ذلك بخطبته التي تسمى بالقاصعة بقوله: (وقد تعلمون موضعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد يضمني إلى
صدره، ويكنفني فراشه ويمسني جسده ويشمني عرفه، وكان يمضغ شيئًا ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة في فعل، وكنت أتبعه اتباع الفصيل إثر أمه يرفع لي في كل يوم من أخلاقه عَلَمًا ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري إلخ) وقد أشبعنا ذلك بيانًا في الجزء الأول من كتاب (الكلمات، ص 41) فمن شاء فليراجعه، ويُطلب من إدارة العرفان من صيدا بقيمة زهيدة.
(5)
روي في كنز الأعمال على هامش مسند أحمد ص 43 أن عليًّا سُئل عن كثرة ما يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (كنت إذا سألته أنبأني وإذا سكتُّ ابتدأني) .
(6)
روى المحدث الجليل الموثق عند إخواننا وهو محمد بن سعد في الطبقات جزء 3 صفحة 273 بإسناده عن أبي هريرة قال: (قدمت على عمر رضي الله عنه من عند أبي موسى بثمانمائة ألف درهم فقال لي: بما قدمت؟ قلت: بثمانمائة ألف درهم، فقال لي: ألم أقل لك: إنك يمانيٌّ أحمق، إنك قدمت بثمانين ألفًا، فقلت: يا أمير المؤمنين إنما قدمت بثمانمائة ألف درهم، فجعل يعجب ويكررها،فقال: ويحك وكم ثمانمائة ألف درهم؟ فعددت مائة ألف ومائة ألف حتى عددت ثمانية) وروى أيضًا أنه قرأ قوله تعالى: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا)(عبس: 31) فقال: ما الأب؟ هو التكلف، فما عليك أن لا تدري ما الأب؟ وروى أحمد في مسنده أن عمر رضي الله عنه لم يعرف حكم الشك في الصلاة صفحة 190 وروي فيه أيضًا أنه أمر برجم مجنونة زنت فانتزعها منه علي عليه السلام وأخبر عمر بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:(رُفع القلم عن الصبي حتى يكبر، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يعقل) فرجع إلى قوله، وروى أبو الفرج في الجزء الثاني من كتابه (الأغاني صفحة 53) أن الزبرقان بن بدر شكا إلى عمر رضي الله عنه الحطيئة الشاعر حين هجاه فقال: ما قال؟ فأنشده:
دع المكارم لا تنهض لبغيتها
…
واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
فقال: ما أراه هجاء، فقال: بل هجاني يا أمير المؤمنين، فسأل حسان فقال: بل سلح عليه.
الكاتب: محمد رشيد رضا
مصابنا بالوالدة رحمها الله تعالى
بعد ظهر اليوم السادس والعشرين من شهر ربيع الآخر، قد احتسبنا عند الله
تعالى والدتنا ومربيتنا وجرثومة أسرتنا السيدة البرة الرحيمة التقية النقية الشريفة
(فاطمة أم رشيد) الحسنية الأب والأم، في منتصف العشر التاسع من عمرها،
ففقدنا بفقدها أمًّا يندر وجود مثلها في الأمهات - والأمهات أفضل ما في هذه
الكائنات - حبًّا ورحمة وإخلاصًا ونصحًا وإيثارًا للأولاد على النفس مهما تكن
صفاتهم وأحوالهم، إلا من أفسدت البيئة فطرتها، وذهب الجهل ومعاشرة الفاسقين أو
الخرافيين بدينها، فلا حب فوق حب الأم إلا حب الله تعالى لعباده المقرَّبين، ولا
رحمة تعلو رحمتها إلا رحمته عز وجل للمحسنين، بل رحمتها أكبر شجنة من
رحمته الواسعة عز وجل، فقد فقدنا من كانت عندنا ومنا وفينا أفضل المخلوقات،
من لا يفضلها شيء، ولا يغني عنها شيء، إلا رحمة الله تعالى وصلواته على
الصابرين، وبره وإحسانه للبارين المحسنين، ونرجو أن نكون منهم في برنا لأمنا
في حياتها، وصبرنا واحتسابنا لها بعد وفاتها، ونسأله تعالى أن يجزيها عنا أفضل
ما جزى أمًّا لعباده رؤمًا لأولادها، رؤوفًا بهم، عطوفًا عليهم، محسنة لتربيتهم،
أَمة من إمائه، مؤمنة به، موحدة له، مخلصة في عبادته، وأن يتغمدها برحمته
التي يختص بها عباده المقرَّبين، ويرفعها إلى منازل الكرامة في عليين.
كانت رحمها الله تعالى صحيحة البنية سليمة من الأمراض، إلا أنه عرض
لها ألم الرثية (الروماتزم) في ركبتيها بعد مجيئها إلى مصر منذ بضع عشرة
سنة، فعالجها الطبيب التركي الشهير شرف الدين بك - رحمهما الله تعالى - بصبغة
اليود دهانًا وشربًا، فزال المرض وحجت في موسم سنة 1334 وأنا في خدمتها فلم
يزعجها شيء من ركوب الشقادف والنزول منها، واحتملت ما أرهقنا من نوء البحر
في عودتنا من الطور إلى السويس في باخرة صغيرة وبسهولة.
وصامت معنا شهر رمضان الماضي بدون تعب ولا ضعف، وكانت تفطر
وتتسحر من طعامنا القوي التغذية فلا تشكو منه ثقلاً ولا طسىً ولا سوء هضم،
وتصلي معنا في جماعة الأسرة، ثم تغيرت صحتها عقب عيد الفطر، واشتكت
واختلف على معالجتها عدة من نطس الأطباء أشهرهم سليمان بك عزمي فخف
المرض؛ ولكنها ضعفت بالتدريج واشتد تعبها في آخر ليلة من حياتها الشريفة
الراضية المرضية، وقد صلَّتْ الفجر والظهر يوم وفاتها في وقتهما بالإيماء، ولم
تقبل أن تؤخر الظهر لتجمعها مع العصر كما أفتيتها في مثل هذه الحال، وفاضت
روحها في الساعة الثانية بعد الظهر.
وكانت التي تتولى خدمتها الخاصة وتمرضها في كل أيام مرضها كِنَّتها أم
أولادنا، حتى أنها كانت تسهر بجانب سريرها ما دامت تعبة محتاجة إلى شيء من
الخدمة وتنام بجانبه عند الحاجة. وقد قلت لأم محمد شفيع غير مرة: إن كل خدمة
تؤدينها للوالدة فكأنك تؤدينها لشخصي؛ لأنك نائبة فيها عني، فإنني أنا الخليق بأن
أقوم بذلك بكل ارتياح مهما يكن نوعه، فلا عذر لك في شيء من التقصير إلا إذا
كنت أنا مقصرًا معك في شيء ما - وهي بحمد الله واتباعنا لهداية دينه القويم لا
تشكو مني شيئًا ما - ومن فضل الله علينا جميعًا أنني لم أر منها أدنى تقصير
فأرشدها إلى تلافيه، وقد قلت لها: إنني لا أشكر لك خدمة الوالدة لجنس الخدمة
ونوعها؛ فإن هذا من التكافل المشترك في حياتنا المنزلية، وإنما أشكر لك من
أعماق قلبي أنني لم أرك في شيء من هذه الخدمة متبرمة ولا ضجرة.
فهذا الارتياح النفسي لهذا العمل الشريف من الفضائل النفسية لا تكاد توجد في
الكنائن، بل قلما تتحلى بها ابنة في تمريض أمها في هذا العصر الذي كثر فيه
العقوق، وهضم الحقوق، فأقسَمَتْ أنها تشعر في خدمتها بارتياح من تخدم ابنة لها
لا أمًّا، ولقد كانت المرحومة خيرًا لها من أمها، وأشد تحريًا لسرورها من بنتها،
فلو كانت أمها معنا لما استطاعت أن تؤلف بيننا مثلها، فأنا أسجل هذا في المنار
ليكون مثلاً صالحًا وأسوة حسنة للمؤمنين، وحجة على الملاحدة والمارقين
والفاسقين، الذين يجهلون أن سعادة الحياة المنزلية (العائلية) من زوجية وأمومة
وأبوة وأولاد لا تأوي إلا إلى بيوت المعتصمين بهداية الدين القويم، فإليها تأوي
وفيها تثوي وتقيم، ولئن طاف منها طائف ببيت من بيوت الملاحدة والفاسقين أو
زارته؛ فإنما تلم به إلمامًا، ولا تلبث أن تهجره عند حدوث الحوادث الشهوانية،
وانتياب الكوارث البشرية، فآداب الإسلام أرقى من آداب الإفرنج وأضمن للسعادة،
وإن جهل ذلك المتفرنجون.
أيقنَّا موت الوالدة التي كنا نتبرك بوجودها، ونهتدي بإرشادها، ونستنزل
رحمة الله ومثوبته ببرنا لها ودعائها لنا، ففاضت الأعين دموعًا، ورددت الصدور
زفيرًا ونشيجًا، وكررت الألسنة حوقلة واسترجاعًا، واضطربت الأفئدة خفقانًا
ووجيبًا، وإن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، ولا
نعمل إلا بما شرعه لنا.
لم نعلن نعيها في الجرائد ولا رقاع البريد ولا أسلاك التليفون؛ وإنما أعلمنا
حفيدها السيد محيي الدين رضا بالخبر لبعد داره عن دار المنار، وجهزناها على
ملة الإسلام، وسنة رسول الله عليه أفضل السلام، وصليت عليها في رحبة الدار
مع من حضر، وشيعناها إلى مقبرة جديدة في زين العابدين، فوارينا شمسها عندما
توارت شمس الدنيا بالحجاب، تغمدها الله بالرحمة والرضوان.
لم نعقد لها مأتمًا، ولم نغير شيئًا من عاداتنا حدادًا عليها، وقد وصل الخبر
إلى بعض جرائد الصباح التي تُطبع ليلاً فنشرته، ثم نشرته بعض جرائد المساء
في اليوم التالي، فأقبل كثير من أصدقائنا المقيمين في القاهرة لتعزيتنا في الدار
نهارًا وليلاً، وأرسل كثيرون منهم برقيات التعزية ورسائلها من الإسكندرية وغيرها
من مدن القطر المصري ومصطافه، وكان في مقدمة المعزين بأنفسهم وببرقياتهم
إخواننا العلماء، وأخص بالذكر منهم أصحاب الفضيلة شيخ الأزهر الحالي الأستاذ
الشيخ محمد الأحمدي الظواهري، وشيخه السابق الأستاذ محمد مصطفى المراغي،
ومفتي الديار المصرية الأستاذ الشيخ عبد المجيد سليم، وبعض رؤساء الكليات
والمدرسين في الأزهر، وبعض الوزراء وأولهم صاحب الدولة رئيسهم إسماعيل
صدقي باشا، والزعماء وكبار رجال الأحزاب وفي طليعتهم صاحب الدولة مصطفى
باشا النحاس رئيس الوفد المصري، ومحمد فتح الله باشا أحد كبراء الوفد ووزراء
حكومته السابقة، وحسن باشا عبد الرزاق وإخوته من أركان الحزب الدستوري، ثم
جاءتنا كتب التعزية من أصدقائنا المحبين المنبثين في الأقطار حتى لندن وباريس
وروما وسورية والحجاز، فنشكر لكل مُعزٍّ من قريب وبعيد فضله ولطفه، وندعو الله
أن يلطف بنا وبهم، ويقينا وإياهم السوء، ويجعلنا من الصابرين على بلائه،
الراضين بقضائه، الشاكرين لنعمائه.
كانت الوالدة - أحسن الله تعالى إليها - من أسلم النساء فطرة، وأزكاها نفسًا،
وأطيبهن قلبًا، كانت خير الأزواج لزوجها، وخير الأمهات لأولادها، وكان حظي
من حبها وعطفها أكبر من حظوظ إخوتي وأخواتي؛ ولكن فيما لم يحرك غيرة أحد
منهم ولا سخطه، حتى كان والدي رحمه الله تعالى يلقبني (حبيب أمه) ولا أذكر
أنني عصيت لها أمرًا في صغري ولا كبري.
أذكر أنني رأيت أترابي من الأطفال مرة قد خرجوا في سماء (مطر) حفاة
يمشون في الوحل رافعي أثوابهم إلى ركبهم، فاشتهيت أن أقلدهم وأنا ابن بضع
سنين، فجئت الدار فاستأذنتها في أن أخرج حافيًا وألحق بهم، فلم تأذن لي، فوقفت
في عتبة الدار حافيًا ومددت إحدى رجلي إلى خارجها وقلت لها أحطها، قالت: لا
تحطها، قلت: أحطها، قالت: لا تحطها، فكررت ذلك مرارًا، فلما لم تأذن لي
رجعت، وما زلت أذكر هذا لها وتذكره لي فلم أنسه، وما أبرئ نفسي من نسيان
غيره.
ولا أذكر أنها ضربتني في صغري إلا مرة واحدة، تململت من سخونة ماء
الحمام وحاولت التفصي والهرب، فضربتني بالطاس على ظهري، وما زلت
أذكِّرها بها مازحًا، وتعتذر لي عنها تلطفًا، ثم كانت أشد عناية من والدي بطلبي
للعلم والاهتمام به والارتياح إلى هجرتي إلى مصر، إذ علمت ما لي فيها من النية
الصالحة، والرجاء في التكمل بالعلم وخدمة الملة والأمة.
وكانت دقيقة الفهم، رقيقة الشعور والوجدان، تخشع لآيات الزجر والوعيد
من القرآن خشوع العارفين المتدبرين، وإذا أنشدتها شيئًا من غزل الشعر الغرامي
قالت: هذا فتنة، لا ينبغي اشتغال الشبان والشواب به، وقد قرأت لها قصيدة أحمد
شوقي في تهنئة السلطان حسين كامل:
الملك فيكم آل إسماعيلا
فلم أتجاوز حتى قالت لي: هذه مرثية لا تهنئة، فعجبت لهذه الفطنة، وسبقها إياي
إلى هذه الفكرة. ثم قرأت لها قصيدته في تهنئة والدة الخديو بعودتها من الآستانة
التي مطلعها:
اكشفي الستر وحيي بالجبين
…
وأرينا فلق الصبح المبين
فانتقدت هذا المطلع واستهجنته جدًّا في كلا مصرعيه: فأما الأول فلأن الستر
يستعمل غالبًا في إخفاء ما يقبح إظهاره، وكشفه يستعمل في الفضيحة، فيقال:
كشف الله ستر فلان، وهتكت فلانة سترها، وأما الثاني فلا يخفى وجهه، ولا
يحسن كشفه.
وأذكر أنني سمعت وأنا صغير مغنيًا في قريتنا القلمون يقول بيتًا من أغنية
عامية مضمونه أنه يدعو الله أن يغيب القمر ليأخذ البوسة (القبلة) ويرى قلعة
حلب على أي شيء هي مبنية فحفظتها فقلتها أمامها، وقالت لي:(اسكت) هذا
كلام عيب إياك أن تقوله، وإنني وأيم الحق لم أفهم مغزى هذا الإنكار الشديد إلا بعد
أن صرت رجلاً كبيرًا.
وكانت على نزاهتها وأدبها في القول والفعل ذات دعابة وفكاهة وتنادر في
الكلام طبعًا بلا تكلف، وكانت تتوخى أن لا يستثقل أحد منها قولاً ولا خدمة، فقلما
تطلب من أولادها أو أحفادها أو كنتها شيئًا بصيغة الأمر، بل تعرض وتكني في
الغالب، ولا تكلف أحدًا ما تستطيع هي فعله ولا تشتم خادمًا شتمًا بذيئًا على تقصير،
ولكنها قد ترفع صوتها عند الغضب، وقد ورثتُ ذلك منها وهو منتقد وهو طبع
كان يكرهه كل منا.
وكانت مقتصدة شديدة الحرص على كل ما في الدار، لا يهون عليها أن
يضيع شيء منه، على حبها للضيافة واعتيادها إكرام الضيوف منذ صارت ربة
بيت، وتحب أن يُبذل كل ما يستطاع من إكرام الضيوف وبر الإخوان، فإذا أشرنا
بشيء من الألوان لم تجده لائقًا لقلته اقترحت الزيادة عليه، وما دعوت الأصدقاء
إلى الطعام إلا ذكرتني ببعض من لم أذكره لها منهم، حتى كانت تأمرني بدعوة
نسيم أفندي صيبعة للإفطار معنا في رمضان مع الصائمين الذين ندعوهم ولا سيما
السوريين منهم، فأقول لها مازحًا: هو نصراني لا يصوم. فتقول: لكنه صديقك
وابن بلدنا، وذوقه ذوقنا، ولا بد أن يترك الغداء بعد الظهر، أو يخففه ليقبل الأكل
معكم بعد المغرب، وأنا لم أذكر لها كلمة نصراني إلا لأجل الصيام، فقد كان من
المألوف عندها بدارنا، وإلا فهي معتادة في بلدنا على ضيافة النصارى وغيرهم،
بل كان بعض أصدقاء والدي منهم يقيم عندنا أيامًا في رمضان فيفطر ويتسحر معنا.
وقد ذكرتني جريدة حضرموت - التي تصدر بسنغافورة -بمكرمة لها كنت
ناسيًا لها، وهي أنه لما جاء مصر صديقي الجليل المرحوم السيد محمد بن عقيل
قبل الحرب الكبرى ذكرت لها ذلك عندما علمت به ليلاً، فأمرتني أن أذهب من
ساعتي تلك إلى الفندق الذي نزل فيه وأجيء به إلى الدار، وقالت: إنه لا يليق
بك وهو صديقك القديم، وقد صار لك دار وأهل أن ترضى بنزوله في فنادق
المسافرين - وكانت لا تعلم أن هذا معتاد في الأمصار الكبيرة - فلم يسعني إلا امتثال
أمرها.
وكانت صبورًا شكورًا، مات أربعة من بنيها وأربع من بناتها في حياتها
فبكتهم البكاء الطبعي الشرعي، دموع تتحادر من العينين، ونشيج يتردد في الصدر،
بلا نوح ولا ندب، ولا تغيير شيء من العادات في اللباس والأكل والشرب، ولا
غير ذلك مما يسخط الرب.
وأما الشكر فكان أكمل مظاهره منها رضاها من المرحوم الوالد وإطراؤه في كل
أعماله على ما كان من شدته في معاملتها ومعاملتنا أحيانًا، فلم يكن في أسرتنا مثله في
غضبه وشدته عفا الله عنه، وما زالت تمدحه وتثني عليه وتدعو له طول حياتها.
وقد ضارها بزوج أخرى من بنات عمومته بعد ولادتها لي - ولم يجمع أحد
من أسرتنا بين زوجين غيره إلا ابن عم له - فلم ينكر هو ولا غيره منها قولاً ولا
فعلاً من غيرة الضرائر على ما كان أهل ضرتها يعملون لإغضابها وإثارة غيرتها
ولكنه رحمه الله تعالى ما استطاع أن يطيل عشرة الأخرى فسرَّحها سراحًا جميلاً.
ومن أغرب آدابها أنها كانت تعد لأولادها عليها بأقل خدمة يؤدونها مما أوجبه
الله عليهم ويعذبهم على تركه، حتى كان يثقل علي هذا منها أحيانًا، وقد قلت لها
مرة: لماذا تتحامين أو تستثقلين أمر أي كان من كبيرنا وصغيرنا بما تريدين منه
وأنت سيدة الجميع وصاحبة الفضل على الجميع؟ فقالت: بل أنت صاحب الفضل
على الجميع. فما آَلَمَتْني بكلمة أشد على طبعي من هذه الكلمة، فقلت لها: بل أنا
لولا توحيد الله تعالى لما كنت إلا عبدًا لك، وانصرفت موجعًا من هذا الشعور
الغريب.
وأغرب منه أنها كانت تسترقيني إذا وجعتْ فأرقيها، والرقية مشروعة،
ولم تكن من النساء الخرافيات، وقد ذهبت مرة مع بنتيها لرؤية جامع عمرو فأحاط
بهن سدنة القبور فقلن لهم: إنما نحن متفرجات لا زائرات، فانصرفوا.
وأعد من فضل الله تعالى عليَّ أنني ورثت منها سلامة الفطرة وطيب السريرة،
فلم أحمل في قلبي حقدًا على مسيء ولا حسدًا لذي نعمة، وكذا الاستعداد لذوق
اللغة وحسن الفهم، وغير ذلك من أخلاقها وخلقها، كما ورثت من والدي - أكرم
الله مثواهما - عزة النفس والشجاعة والنجدة؛ وإنما أذكر هذا تنويهًا بفضل الوالدين
وتحدثًا بنعم الله عز وجل، وأعظمها العلم الصحيح بالإسلام، والعمل به، ثم وراثة
النسب الشريف.
كنت أتمنى لو تعيش الوالدة مائة سنة أو أكثر متمتعة بالصحة، وسلامة العقل
والجسد كما كانت إلى آخر رمضان الماضي، نتمتع بخدمتها وإرضاء الله برضائها،
ونقتدي بأخلاقها وآدابها، ونرجو زيادة نعم الله علينا بشكرها له ودعائها لنا.
وكنت على حبي لها أخشى أن تشتد عليها الأمراض فأراها معذبة أو شاكية
وجعة، وكانت أصبر على ألم النفس منها على ألم الجسد لأنها لم تتعود هذا، وقد
شقت عليها الحمية في هذه الأشهر التي ضعفت فيها لما اعتادته من الترف، وكانت
تتوقع أن يزول كل ما عرض لها فتعود إلى سابق صحتها، وتتساءل متى يكون
هذا؟ فأذكرها بتجاوز الثمانين لكيلا تتضجر من بطء ما ترجو.
وكنت على تمني أن يطول عمرها أخشى أن أموت قبلها؛ لأنني أعلم أن
رزأها بي يكون أكبر المصائب عليها، إذ كنتُ قرة عينها والعزاء لها والسلوى
عن جميع مصائبها، وقد كان يشق عليَّ أن أراها متعبة فلا أستطيع طول المكث
معها، وأحمد الله تعالى أن حفظها في مرضها عقلاً وفهمًا وجسمًا وطهارة حسية
ومعنوية - كما يليق بمبالغة الشافعية في الطهارة - حتى كانت إلى نهاية أجلها
حديدة البصر، تنظم الخيوط الدقيقة في أخرات الإبر؛ ولكن أجل الله إذا جاء لا
يُؤخَّر، ولقد عاشت طيبة وماتت طيبة فنسأله تعالى أن يجمعنا بها في دار كرامته،
ويجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائه {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً
وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} (الأعراف: 126) .
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
كلمة في مقالات إلحاد في الدين
قد امتنعت جريدة الأهرام من نشر المقالة الأخيرة من هذه المقالات المنشورة
في هذا الجزء؛ ولكنها نشرت للشيخ محمد أبي زيد مقالة استفرغ فيها من قَذَرِه في
شتم أستاذه المحسن إليه في العلم والدين والدنيا ما لم يكن يُظن فيه على ما عُلم من
فساد دينه وعقله، وكفى بهذا عبرة.
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
نعي السيد الجليل
السيد محمد بن عقيل تغمده الله برحمته
الحمد لله الباقي بعد فناء خلقه.
حضرة العلامة الجليل الأستاذ العزيز السيد محمد رشيد رضا، حفظه الله
تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته (وبعد) فننعي إليكم بمزيد الشجن، وعظيم
الحزن والدنا الجليل، العلامة فقيد العلم والإسلام، مولانا البركة السيد محمد بن
عقيل بن يحيى، توفي رحمه الله في الساعة الثالثة من صباح يوم الثلاثاء الموافق
13 ربيع الأول على أثر حمى لزمته نيفًا و3 أسابيع.
وقبل التحاقه بالرفيق الأعلى بيومين أكثر من الصلاة مع ضعفه المتناهي حتى
خارت قواه، ولفظ النفس الأخير، ولقد عظم المصاب علينا بموته، وانفطرت
لهوله أفئدتنا حزنًا وشجنًا رحمه الله، ولكن ماذا عسى أن نقول إلا ما يرضي الرب
سبحانه وتعالى: إنا لله وإنا إليه راجعون. فعظَّم الله أجورنا جميعًا وعزاء الإسلام
وأهله، والعلم وطلابه في فقيدنا الجليل، ومما يخفف الشيء الكثير من حزننا
مشاطرة الحكومة المتوكلية اليمانية في مصابنا، فقد شيعت الفقيد مئات الجيوش
منكسة أسلحتها، كما شيعه رجال الدولة والأهلون عن بكرة أبيهم، فنشكره إليكم جد
الشكر، ونسأل الله أن يتغشى راحلنا الكريم بالمغفرة والرضوان، وأن لا يريكم
مكروهًا قط، والسلام.
الحديدة 14 ربيع الأول سنة 1350.
…
الحزين
…
...
…
...
…
... الباكي
…
عبد الله بن يحيى
…
...
…
... علي بن محمد بن عقيل
(المنار)
جاءنا هذا النعي لصديقنا الكريم، وولينا الحميم، في فترة احتجاب المنار،
وحبسنا للنفس على إتمام تاريخ الإمام، ولما تم التاريخ واستأنفنا تحرير المنار
شرعنا في كتابة ما نرى فيه الفائدة والعبرة من مناقبه وسيرته، وكتابة مثل ذلك
من سيرة سيدتنا الوالدة رحمهما الله تعالى، فضاق هذا الجزء - وكان قد طبع
أكثره - عن سيرتهما، فقدمنا سيرةَ مَن حَقُّها علينا أعظم، وأخرنا الآخر إلى
الجزء التالي، وإنني لأنكر الحكم (بالرفيق الأعلى) له ولكل أحد بعد خاتم النبيين
وسيد ولد آدم، وهو إنما كان يدعو الله بها لنفسه عند وفاته صلى الله عليه وسلم،
وأسأل الله تعالى لفقيدنا الكريم الرحمة ولآله وأصدقائه حسن العزاء والصبر.
((يتبع بمقال تالٍ))
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
المنار وتفسيره
أعجزتنا العسرة الحاضرة الخانقة عن إصدار المنار في كل شهر من هذه السنة
وعن الاستمرار في تأليف التفسير وطبعه، وقد استنجدنا المشتركين فلم ينجدنا إلا
أفراد قليلون، دفع بعضهم المتأخر عن عدة سنين تامًّا، وبعضهم النصف اغتنامًا
لفرصة الأربعة الأشهر التي وعدنا فيها بقبول النصف، وكل هذه النجدة لم تبلغ ما
ننفقه على البريد وحده وقد ضاعفته الحكومة، فمن كان منهم ذا عسرة تعجزه عن
الوفاء فإننا ننظره إلى ميسرة كما أمرنا الله، ومن دخل في حديث (مطل الغني ظلم)
فنقاضيه إلى عدل العليم بالظالمين.
واضطرنا حسبان وزارة المعارف وبعض الحكومات الأوربية الاشتراك في
المنار بالسنين الميلادية إلى جعل سنته شمسية موافقة للحساب الميلادي، فجعلنا هذا
الجزء وهو الثاني من المجلد (32) لشهر فبراير، وسيكون صدور المنار كذلك
مطردًا في كل سنة شمسية عشرة أجزاء، وسنعود إلى نشر التفسير فيها إن شاء الله
تعالى.
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
خاتمة تاريخ الأستاذ الإمام
فيما يجب له على الأمة
أنبتت تربة مصر ألوفًا كثيرة من العلماء والصلحاء والأدباء والقضاة والحكام
ولكننا لا نعرف في تاريخها ذكرًا لرجل جمع من فضائل العلم والعمل والصلاح
والإصلاح مثل الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في مواهبه الفطرية والكسبية
وكمالاته الشخصية، وفي صرف حياته العملية إلى إصلاح بلاده ووطنه، وترقية
أمته، وإعلاء شأن ملته، بدون عمل ما لنفسه وأسرته، فهو قد خرج من معاهد
العلم إلى ميدان الجهاد في هذه السبيل - سبيل الله تعالى - إلى أن قضى في المعارك
نحبه ولقي ربه، شهد له بذلك العلماء الأفذاذ على اختلاف علومهم الدينية والدنيوية
والعصرية، واختلاف أوطانهم ومللهم، وترى سيرته الشارحة لهذا مفصلة في هذا
الجزء من تاريخه، وترى الشواهد عليها من كلامه ماثلة في الجزء الثاني له،
والشهادات له فيها متواترة في الجزء الثالث منه.
مثل هذا الرجل العظيم يجب أن يكون مثلاً كاملاً يُقتدى به في علو الهمة،
وقوة الإرادة، وفي العلم الصحيح، والعمل الصالح المصلح، وفي الجهاد لإعلاء
شأن الأمة في دينها ودنياها، ومدنيتها وحكومتها، فالأمم لا ترقى إلا بأمثال هؤلاء
الرجال.
مثل هذا الرجل الكبير يجب أن تحيي الأمة ذكره، وتنشر حكمته، وتتخذه
حجة لها في رقيها واستحقاقها للوقوف مع الأمم الراقية، التي تُدل وتفاخر بعلمائها
النابغين وزعمائها المجاهدين وأئمتها المصلحين، كما قال غير واحد من كبار
المفكرين.
هذا الإمام المجدد المصلح يجب على هذه الأمة التي نبت من طينتها، ونبغ
في بيئتها، فأعلى ذكرها، ورفع قدرها، أن تعلي ذكره، وترفع قدره، وتربي
نابتتها على أصول حكمته في التجديد الديني والمدني، والإصلاح الملي والوطني،
ويجب على جميع شعوب الملة التي جاهد في سبيل إصلاحها، أن تساعد شعبه
على ما يعمل لإحياء ذكره، ودوام الاستفادة من علمه ورأيه.
ما كان هذا الشعب الكريم بالذي يرضى لنفسه أن يُوصف بالكنود للنعم، ولا
بالجحود لفضل المنعم، ولا كان تلاميذ الأستاذ الإمام ومريدوه بالأبناء العاقين، ولا
أصدقاؤه ومحبوه بالغافلين أو الخاملين. فأما الشعب فلا يجاهد بدون قائد، وأما
أصفياء الإمام فقد فكروا في القيام بهذا الواجب عقب المصاب، وعقدوا له الاجتماع
تلو الاجتماع، وأقروا شيئًا حالت دون تنفيذه الأقدار، وكان خصمهم أمير البلاد
ورقيبهم عميد الاحتلال، ولا زعامة يؤيدها الرأي العام.
توفي الإمام وكان أكبر كبراء مريديه القادرين على تنظيم هذا العمل غائبين
عن مصر أعني سعد باشا زغلول، وأحمد فتحي باشا زغلول، فلما عادا من
سفرهما عقدا في دار الأول اجتماعًا حضره من أصدقائه الشيخ عبد الكريم سلمان،
والشيخ عبد الرحيم الدمرداش، وحسن باشا عاصم، ومحمد بك راسم، وقاسم
بك أمين، ومحمد رشيد رضا - الكاتب لهذا - فقرروا أولاً أن يشتركوا معي في
الرأي ويساعدوني على ما أعلنته من عزمي على تأليف تاريخ له وعلى نشره كما
يراه القارئ في مقدمة هذا الكتاب، ثم اجتمعوا وتشاوروا فيما يجب أن يُعمل لإحياء
ذكره، فأجمعوا الرأي على إنشاء مدرسة كلية تنسب إليه وتكون التربية والتعليم
فيها على رأيه، وهو ما كان يسعى له بعد تركه للأزهر، ويكون المنفذ لخطته فيها
صاحب المنار.
وإذ كانوا يعلمون أن سلطة الاحتلال تحسب لهذا العمل منهم كل حساب،
عهدوا إلى أحمد فتحي أن يقابل لورد كرومر ويذكر له هذا القرار، ويسأله عن
رأيه فيه، لكيلا يكون على ريبة منه، ويجيئهم بما يسمعه منه في جلسة أخرى
عيَّنوا موعدها، فلما وافوها لميقاتها قال لهم: إن اللورد أظهر الاستحسان لهذا
الرأي، ولكنه قال: إن من الحكمة أن يبدأ بهذا العمل صغيرًا، ثم يصعد فيه على
سلم التدريج، وأن يجري فيه على خطة مدرسة عليكره في الهند التي أسسها
المرحوم سيد أحمد خان الشهير، وساعدته عليه الحكومة الإنكليزية، حتى صارت
المدرسة كلية، قال: ووعد اللورد بأن يطلب لنا من حكومة الهند نظام هذه المدرسة
ومنهاج دروسها، لنأخذ منه ما نراه موافقًا للمدرسة التي نريدها.
فهمت اللجنة من فحوى رد اللورد أنه لا يرغب فيما ترغب هي فيه من إنشاء
مدرسة كلية راقية على مذهب الأستاذ الإمام، الذي اعترف هو بفضله ونبله،
ووطنيته الصادقة، وخدمته للمصلحة العامة، التي قال فيها: (إن الأوربيين ما
فضلوا المصريين إلا بكثرة رجالها) وباعتدال حزبه بين الأحزاب الإسلامية،
وجمعه بين أسباب الحضارة والمحافظة على أصول الدين الإسلامي، وفهمت منه
أيضًا أنه يبغي أن تكون المدرسة العبدية، كما يحب هو وترضى دولته أي كالمدرسة
الهندية.
استاءت اللجنة من هذا الرد ولم يثنها الاستياء عن عزمها، بل فكرت في
جمع المال لإنشاء المدرسة بصفة مصغرة، كما قال اللورد لأنه هو الممكن،
وانتظار مواتاة الزمان لتكبيرها، ورأت من الشيخ عبد الرحيم الدمرداش المثري
أريحية للبدء في التبرع للمشروع، فقويت العزيمة حتى أن اللجنة عهدت إليَّ
بالبحث عن دار صحية لتستأجرها للمدرسة، ففعلت.
ولكن حدث أثناء ذلك أن تبرع مصطفى كامل بك الغمراوي بخمسمائة جنيه
لمشروع ومدرسة جامعة مصرية، وعهد إلى سعد باشا زغلول بأن يتولى الدعوة
إلى التبرع والسعي لتنفيذه هو ومن يختاره من أصدقائه وغيرهم، فقبل وألَّف لجنة
لذلك سُمي هو وكيلها، وتركت الرياسة ليختار لها أحد الأمراء.
وتلا هذا أن وُلي سعد باشا وزارة المعارف العامة، فاضطر إلى ترك لجنة
الجامعة المصرية، واختير صديقه قاسم بك أمين وكيلاً للجنة وإدارتها مكانه، وكان
ذلك بعد سنة من التصدي لإنشاء المدرسة باسم الأستاذ الإمام، فلم يبق لهذا
المشروع من يشتغل به، وكاد هذا الرجل العظيم يُنسى هو وأستاذه السيد جمال
الدين، لولا تنويه المنار به في كل جزء من أجزائه، وتنويهه بالسيد أيضًا في
بعض الأجزاء ونشر بعض آثاره المطوية، وطبع الجزء الثاني والثالث من هذا
التاريخ، وقضى الله تعالى أن أرجئ إتمام الجزء الأول منه المفصل لترجمته، بما
يرى القارئ أسبابه في مقدمته.
ولولا أنني من أضعف خلق الله تعالى في السعي لجمع المال، وإن كان
المراد به شريفًا ونافعًا، لما تركت السعي لإنشاء المدرسة، وقد كان أقرب الوسائل
إليه في السنين الأخيرة توجه قلب محبه الشيخ عبد الرحيم الدمرداش رحمه الله
تعالى إلى البذل للمنافع العامة، فلو وجد في هذه الحالة أحد من كبراء حزب الأستاذ
الإمام المدني يزين له إنشاء المدرسة التي كان من أعضاء اللجنة التي قررتها،
ويرغبه في حبس عقار أو أطيان تفي بنفقتها - لفعل.
سكت أصحاب النفوذ والجاه من أصدقاء الأستاذ الإمام عن القيام بالواجب له
عليهم؛ ولكن الرجل حي لا يموت، ولا يُنسى فضله في أمة يعلو فيها قدر العلم
والحرية، ويزداد فيها السعي للحياة القومية والوطنية.
فهذه مدرسة الجامعة المصرية، التي عارض وجودها وجود المدرسة العبدية
الإمامية، قد أعادت منذ بضع سنين الاحتفال بذكراه، فقام به فيها لجنة مؤلفة من
نابغي علماء الأزهر وبعض الوجهاء ومدرسي الجامعة، فحرك عملهم الجرائد
لإعادة التنويه بذكره، وتعطير الآفاق بذكي نشره، وتبرع الشيخ عبد الرحيم باشا
الدمرداش في أثناء ذلك بما يؤتي الجامعة غلة سنوية كافية لنفقة إنشاء كرسي لعلم
الأخلاق تخليدًا لذكرى الأستاذ الإمام فيها، وتلا ذلك اقتراح كثير من فضلاء الأمة
لإحياء ذكره، فأشار بعضهم بترميم داره في عين شمس وجعلها من معاهد العلم
والأعمال الخيرية العامة، وبعضهم غير ذلك.
ولما أسندت مشيخة الأزهر ورياسة المعاهد الدينية إلى صاحب الفضيلة
الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي وهو من خواص تلاميذ الأستاذ
ومريديه في العلم والعقل والأخلاق، ألف في دار الإدارة العامة للمعاهد لجنة خاصة
لأجل البحث في أمثل الطرق لإحياء ذكره في الأزهر وغيره، وجعل أعضاءه من
تلاميذه الأزهريين وسواهم، ومنهم مؤلف هذا الكتاب، فاجتمعت اللجنة مرارًا،
وكان من سوء الحظ - كما يقال - أن استقال هذا الأستاذ من المشيخة ورياسة المعاهد
الدينية قبل أن تفرغ من المساعي التمهيدية وتقرر ما يجب تنفيذه وينظم في سلك
الأعمال الرسمية.
وأخيرًا قرر مجلس مديرية دمنهور إرسال بعثة علمية إلى ألمانية باسم الأستاذ
الإمام لأجل الإخصاء في علوم فلسفة الأخلاق والتربية والاجتماع، وجددت إدارة
المعاهد الدينية تقرير قراءة رسالة التوحيد درسًا في الأزهر وملحقاته؛ وإنما كان
هذا لكثرة فوائدها، لا لإحياء ذكر مؤلفها.
لكن هذا شيء قليل على الأمة المصرية، وقد صارت أمة ذات رأي ووحدة،
وبذل في سبيل المصلحة العامة، وكان قطب رحى وحدتها، والعامل الأكبر في
جمع كلمتها، والزعيم الأكبر لها فيها، هو تلميذه وربيبه الأول سعد باشا زغلول،
فمنه تلقى هذه الأفكار، ومن زنده استورى هذه النار، إذ تربى في حجره بالدرس
والتفكير والقول والعمل، وكان أوفى مريديه وأصدقائه له في زمن محنته، وأشدهم
حنينًا إليه في مدة غيبته، وأشوقهم إلى اتباعه واللحاق به، وقد نشرنا بعض
مكتوباته إليه في منفاه ببيروت وفيها التصريح بهذه المعاني، وإننا نثبت هنا صورة
شمسية من خطه للكتاب الذي تقدم نشره في صفحة (275) فمن لم يستطع قراءته
هنا لتصغير كلمه فليقرأه هنالك، وننشر صورًا لمكتوبات أخرى له بخطها الأصلي
في آخر الكتاب.
كلمات من مكتوبات
سعد باشا لأستاذه الإمام
كان الإمام كلَّف سعدًا بعض الأعمال، ومنها إرسال أثاث من بيته بمصر إلى
بيروت فقام بذلك خير قيام، فأثنى عليه بكتاب فقال سعد في جوابه:
(إني وما أعمل من خير مما صنعت أيدي مكارمكم، فلا أستحق شكرًا ولا
حمدًا، بل إن كان هناك ما يدعو إلى المديح فالحمد راجع إليكم، والشكر عائد
عليكم، وإني أعد الفخار كل الفخار في خدمة جنابكم العالي، وأجد تنبيهي إلى
القيام بأي خدمة نعمة سامية من حضرتكم لا أقدر على الوفاء بواجب شكرها،
وعلى هذا فمولاي يرى في إسناد التفضل والتكرم والإحسان إليَّ زيادة تنازل منه لا
أرى نفسي جديرة بها، وعهدي بالمولى الجليل أن يتحرى بكراماته موقع الاستحقاق.
وأظن أن حضرته يذكر أني في يوم من الأيام التي نزلت بها في بيته ذاكرته
في هذا المعنى، ورجوت من مكارمه أن يجعل طلبه أي أمر مني بصيغة الأمر
لا بلفظ الرجاء، فإني أرى في الأمر الأول فوائد ترتاح نفسي إليها لا أراها في
الثاني) .
وكتب إليه الإمام كتابًا يذكر فيه استبشاره بما رآه في جريدة البرهان دالاًّ على
فوزه ببعض الأعمال، فأجابه سعد عن هذا بقوله:
(إن ظنكم فيما رأيتموه في جريدة البرهان هو الموافق للصواب، ويحق
لحضرتكم السرور بما نال ولدكم، فهو المتربي في نعمتكم، المغترف من بحار
حكمتكم، المحفوف بعنايتكم، المشمول بعين رعايتكم، البالغ ما بلغ ويبلغ من
مراتب الكمال بحسن توجهاتكم، وكريم تعطفاتكم، أدامكم الله لكل خير مبدأ) .
فإذا كان الزعيم السياسي الأكبر يُعد نفسه أثرًا من آثاره، وشعلة من ناره،
وقبسة من أنواره، وكان يعتقد أن ما بلغه وما يبلغه في المستقبل من المراتب فهو
أثر تربيته، وثمر نعمته، ويمضي كتبه إليه بكلمة (ولدكم أو: صنيعكم) وإذا كانت
الحكومة المصرية قد قررت زهاء مائة ألف جنيه لبناء قبره! ووضع تمثالين
للتذكير بشخصه - أفيكثر منها أو يكبر عليها، أو على الوفد الممثل لسياسته،
والعامل باسم زعامته، أن يقوم بإنشاء مدرسة تنسب إلى اسم أستاذه ومربيه،
وبإعادة تعليمه وتربيته، ونشر رسائله وكتبه؟
كلا، إنه قد آن للأمة وقد صار لها زعماء تنقاد لهم، ومجلس نواب يسيطر
على حكومتهم، وكُتَّاب بُلغاء يدعون إلى المصلحة العامة، وخطباء مصاقع يهزون
قلوب الخاصة والعامة - أن تراجع مناقب هذا الإمام التي فصلناها في هذا التاريخ
وتقرر ما يجب عليها من إحياء ذكره والاهتداء بإرشاده، وبناء مدارس التربية
والتعليم الديني والمدني على أسس قواعده، وتتعاون أحزابها وحكومتها على تنفيذ
ما قررته، في الوقت القريب المناسب له؛ فإنها لهي القواعد الحكيمة التي تحفظ
لها عقائدها وأخلاقها، وتكوين بيوتها (عائلاتها) ونماء ثروتها، وترسخ دعائم
استقلالها، وتجعلها قدوة للبلاد العربية والشعوب الإسلامية، التي اعترف عقلاؤها
لهذا الأستاذ العليم وأستاذه الفيلسوف الحكيم، بالزعامة المدنية والسياسية، والإمامة
الدينية، والتوفيق بين الجامعتين الملية والوطنية.
فلو لم يكن لهذه الأمة الفخر على غيرها بظهور هذا الإمام المجدد منها،
لكانت جديرة بأن تتتبع تعاليمه الحكيمة لعظم فوائدها، ولما تعطيها من الزعامة
التي لا تنحصر منافعها منها، وأعيد التذكير بما هي مستهدفة له من خطر الانحلال،
المهدِّد لما نالته من مبادئ الاستقلال، بانتشار المفاسد المادية، والفوضى الأدبية،
والانغماس في الشهوات، والإسراف في اللذات، المفني لثروة البلاد، المضني
لصحة الأجساد، المزهد في الزواج، المضعف للإنتاج.
بل أذكرهم بما لا يعزب عن علمهم من اضطراب العالم كله بهذه الفوضى
التي ثلت أكثر عروش الممالك، وأشعلت نار الفتن الداخلية في كثير من الأمم،
وغاضت ينابيع ثروة غالب الدول، وأنذرت الروابط الاجتماعية بالانحلال،
وعرى الشعوب الموثقة بالانفصام، وثروة الأقوام الغنية بالزوال، ثم أذكرهم بأنهم
لا يثبت في مهب هذه العواصف إلا الراسخون في الإيمان، ولا يصبر على هذه
القواصف إلا المعتصمون بمتانة الأخلاق، وهو ما مهَّد مسالكه الأستاذ الإمام، وجعل
تناوله على طرف التمام.
بل حدث في هذه الأعوام بوادر انقلاب عام، يرقبه الحكماء ويشعر به
البصراء، وقد فطن له بعض أذكيائنا في سياحته في أوربة، وهو الشعور بشدة
الحاجة إلى هداية الدين، وكونه العلاج الوحيد لهذه الأدواء الاجتماعية الوبائية من
إباحة الأعراض، وفوضى الآداب، وعبادة المادة والشهوات، والتنازع السياسي،
والنظام البلشفي، التي تنذر الشعوب زوال الحكم الديمقراطي، وانهيار النظام
المالي والرأسمالي، بل تهددها بحرب شر مما قبلها، كالريح المقيم تدمر كل شيء
بأمر ربها، وقد وصف هذا الذكي ما رأى وروى عن أوربة من درء هذا الخطر
بالدين، وتمنى لو يظهر الدين الواقي للحضارة الحاضرة من مصر؛ لكن فضلاء
العقلاء في مصر يرون أن بلادهم أشد حاجة إلى هذا العلاج من أوربة؛ فإن هذا
الوباء يفتك بها وهي أقل مناعة وحصانة ممن سرت إليها العدوى منهم، وإنما
تفضلهم بأن العلاج موجود فيها وهي في غفلة عنه، بل لما تشعر بالحاجة إليه،
وهو القرآن، وما بينه من سنة محمد عليه الصلاة والسلام.
تنبأ حكيمنا هو وأستاذه منذ نصف قرن بأن شعوب أوربة ستشعر بالحاجة إلى
الدين المصلح المعقول، فتطلبه فلا تجده إلا في القرآن فتأخذه بقوة كعادتها، حتى
لا يبعد أن يضطر المنسوبون إليه منا أن يعودوا إلى طلبه منها (راجع ص939)
فإن كانت مصر تريد أن تكون أهلاً لإنقاذ أوربة من فوضى الإباحة والمادية التي
تتردى هي فيها من ورائها؛ فإنها تجد الوسيلة إليها في تعاليم إمامها، فلتسبق إليها
وتجربها في إنقاذ نفسها.
وها هو ذا أكبر رجال الدين فيها عقلاً، وأسدهم رأيًا، وهو الشيخ محمد
مصطفى المراغي الذي ظهر نبوغه في أرقى المناصب الدينية، فكان قاضي قضاة
السودان فرئيس المحكمة الشرعية العليا بمصر، فشيخ الأزهر ورئيس المعاهد
الدينية، فقام به خير قيام، ها هو ذا يفتيها بترسم خطوات الأستاذ الإمام وهذا نص
ما كتبه في ذلك:
(أعتقد أننا إذا جاوزنا عصر السلف الصالح لا نجد رجلاً رُزق فهمًا في
هداية القرآن، ووسع صدره أدق معانيه الاجتماعية والعمرانية مثل الإمام محمد
عبده، ولقد وهبه الله شروط الإمامة الدينية جميعها، كما منحه البصر في أمور
الدنيا، ومن الحق على المسلمين أن يترسموا خطواته بالإصلاح الديني والدنيوي،
إذا أرادوا إعزاز دينهم، ورفعة أتباعه في دنياهم) .
وإنني أختم هذا الكتاب الذي قضيت به دَينًا أدبيًّا كبيرًا كان على مصر بتدوين
تاريخ الإمامين المجددين اللذين يرجع إليها فضل نهضتها المعنوية، كما يرجع إلى
محمد علي الكبير فضل نهضتها المادية، باقتراحي عليها قضاء الدين الآخر الذي لا
قِبَل لي به، وهو العمل بما أرشد إليه الحكيمان بالتربية والتعليم، وإحياء ذكرهما
بتعميم تاريخهما وآثارهما، وإنشاء مدرسة لذلك باسم الأستاذ الإمام، وترميم داره
وجعلها من المنافع العامة، فهذا دَين يجب على مصر أداؤه على اختلاف أحزابها
ومذاهبها ومشاربها؛ لأن الإمام كان للجميع باتفاق الجميع.
أحمد الله عز وجل أن أديت الأمانة، وبلَّغت الوصية، ووفيت حق أستاذي
وصديقي، ونصحت لأمتي ووطني، وهو كل ما أملك مما فرضه عليَّ ربي لملتي
{إِنْ أُرِيدُ إِلَاّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَاّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} (هود: 88) وسلام على المرسلين، وعلى من اصطفى من عباده المصلحين،
والحمد لله رب العالمين.
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
أسئلة من بيروت
(س11 - 25) من صاحب الإمضاء في بيروت وكنت كتبت أجوبتها في
العام الماضي ولم تنشر.
بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة صاحب الفضل والفضيلة سيدنا ومولانا العالم العلامة الأستاذ الجليل
السيد محمد رشيد أفندي رضا صاحب مجلة المنار الغراء، حفظه الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد فإني أرفع لفضيلتكم ما يأتي راجيًا
التكرم بالإجابة عليه:
1-
هل إذا مات رجل وترك زوجة في الحياة الدنيا وتزوجت هذه الزوجة
برجل آخر، فلأي رجل تكون في الآخرة، وهل تكون مخيرة بينهما أم لا؟ وهل
ورد في ذلك شيء صحيح معتمد أم لا؟
2-
هل إذا مات رجل أو امرأة ولم يتزوجا في الحياة الدنيا فلهما أن يتزوجا
في الآخرة أم لا؟ وبأي ناس يتزوجان؟
3-
هل يجوز أن يجمع الزوج بين الأخت وأختها أو عمتها أو خالتها
وغيرهن في الآخرة أم لا؟
4-
هل يجوز للرجال والنساء أن يتزوجوا في الآخرة من محارمهم كالإخوان
وأولادهن وغيرهن أم لا؟
5-
هل في الآخرة نسل أم لا؟
6-
هل في الآخرة بلدان كالدنيا أم لا؟
7-
هل في الآخرة طرقات وأسواق وبيع وشراء أم لا؟
8-
هل يجوز للرجال والنساء أن يأكلوا ويشربوا ويلبسوا ما شاءوا من
الألوان والأزياء والحرير والحلي والساعات والسلاسل والخواتم أم لا؟
9-
هل ما يقال من أن أقوال وأعمال الأحياء في الحياة الدنيا سواء أكانت
خيرًا أم شرًّا تُعرض على الأموات كالأقارب وغيرهم صحيح معتمد أم لا؟
10-
هل الأموات يتزاورون ويتكلمون ويأتنسون بعضهم مع بعض ويعرفون
من يزورهم من الأحياء أم لا؟
11-
هل يجب على النساء الحجاب عن الرجال الأجانب في الآخرة أم لا؟
12-
هل يجوز للمرأة إذا دخلت في عدة الطلاق أو الوفاة أن تُظهر صوتها
ووجهها ويديها إلى الكوعين (الرسغين) أمام الرجال الأجانب كأولاد عمها وأولاد
خالها وأقارب زوجها وغيرهم أم لا؟
13-
هل يجوز لها الخروج من بيتها للاصطياف في الجبل وغيره هربًا من
حر الصيف أم لا؟
14-
هل يجوز لها الخروج من بيتها بقصد الفسحة والنزهة وترويح النفس
من عناء طول المكث في البيت مقدار بضع ساعات ثم الرجوع إليه أم لا؟
15-
هل يجوز للمرأة المسلمة السنية أن تتزوج برجل شيعي يعتقد اعتقاد
الشيعة أم لا؟ تفضلوا بالجواب ولكم الأجر والثواب.
…
...
…
...
…
...
…
...
…
... السائل
…
...
…
...
…
...
…
... عبد الحفيظ إبراهيم اللاذقي
…
...
…
...
…
...
…
...
…
... ببيروت
(المنار)
أكثر هذه الأسئلة فضول وشهوات خواطر علمية لا يتعلق بها عمل، فلا
ينبغي لنا أن نطيل القول فيما لنا به علم منها؛ لأن إضاعة الوقت فيه لا توازي
صرفه في أكثر أعمالنا؛ فإنها ولله الحمد خير منها، فكيف بما ليس لنا به علم من
أمور الآخرة والبرزخ؟ ومع هذا أجيب عنها إكرامًا للسائل - لأنه من المشتركين
الأوفياء - بالإجمال:
(ج 11) المرأة ذات الزوجين لمن تكون في الآخرة:
إن السؤال الأول لم يرد فيه شيء في صحاح السنة؛ ولكن فيه حديث لأم
سلمة عند الطبراني، وحديث لأم حبيبة عند الخرائطي في مكارم الأخلاق أن المرأة
ذات الزوجين أو الأزواج تكون في الجنة لأحسنهما خلقًا في الدنيا، وفي الأول أنها
تُخَيَّر فتختار أحسنهما خلقًا، وفي حديث أبي الدرداء في طبقات ابن سعد مرفوعًا:
(المرأة لآخر أزواجها في الدنيا) وحملوا هذا على من مات عنها وهي في عصمته
ولم تتزوج بعده، ويؤيده أثر في معناه لأبي بكر رضي الله عنه في هذه الطبقات
أيضًا، وحملوا حديث التخيير على من لم تمُتْ على عصمة أحد كالمطلقة.
* * *
(ج 12 - 14) الزواج والأزواج في الآخرة:
وأما الجواب عن الأسئلة الثلاثة التي بعد الأول فيعلم جوابها الإجمالي من أن
المفهوم من مجموع النصوص أن نساء الجنة تقسم على الرجال من أول العهد
بدخولها كما يشاء الله تعالى، ولم يرد أن هنالك عقود زواج تتجدد، قال تعالى:
{وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} (البقرة: 25) وهذا يعم من كان متزوجًا في الدنيا ومن
لم يتزوج، فما من رجل إلا وهو زوج في الآخرة، ولا امرأة إلا وهي زوج أيضًا.
* * *
(ج 15) هل في الجنة ولادة ونسل:
وأما الخامس فهو أنه لم يثبت أن في الجنة حَبَلاً ولا ولادة ولا نسلاً، وفي
حديث عند الترمذي (إن المؤمن إذا اشتهى الولد في الآخرة كان له في ساعة كما
يشتهي ولكنه لا يشتهي) .
* * *
(ج 16) الجنة طبقات ودرجات لا بلاد:
وأما عن السادس فهو أن المعروف أن الجنة طبقات بعضها أعلى من بعض؛
لأن أهلها درجات كذلك، وأما انقسامها إلى بلاد فلا أدري ولم أر في ذلك نصًّا.
* * *
(ج 17) أسواق الجنة:
وأما السابع فهو أنه ورد في حديث أنس في صحيح مسلم أن في الجنة سوقًا
يأتونها كل يوم جمعة فيزدادون حُسنًا وجمالاً، وليس فيه أن هنالك بيعًا وشراء،
فالظاهر أنها مجامع للتلاقي كأسواق العرب الأدبية في عكاظ ومجنة وذي المجاز،
على أن هذه كان يكون فيها تجارة ولا حاجة في الجنة إلى التجارة فيما نعلم،
والله أعلم.
* * *
(ج 18) محرمات الطعام والشراب واللباس:
وأما الثامن ففيه تفصيل منه ما هو معلوم من الدين بالضرورة كتحريم أكل
الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وما أُهل لغير الله به وصيد البر للمُحْرِم وشرب
الخمر، ومنه ما هو مختلف فيه كأكل الخيل والحمر الأهلية وسباع الوحش والطير
…
إلخ، وقد فصَّلنا في المجلد الماضي مسائل اللباس من الحرير والذهب والفضة.
* * *
(ج 19) عرض أعمال الأحياء على الأموات:
وأما التاسع فجوابه أن ما ذكر فيه غير صحيح ولا معتمد.
* * *
(ج 20) تلاقي الأرواح في البرزخ:
وأما العاشر فليس فيه أدلة صحيحة صريحة يُحتج بها على تفصيل قطعي في
ذلك؛ ولكن فيه أخبارًا وآثارًا عن السلف في تلاقي أرواح الصالحين بعد الموت،
واستدل بعضهم عليه بقوله تعالى في الشهداء: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم
مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (آل عمران: 170) وتراجع
المسألة في ص24 من كتاب الروح للعلامة ابن القيم.
* * *
(ج 21) لا حجاب في الجنة بين النساء والرجال:
وأما الحادي عشر فجوابه أن الجنة ليس فيها تكليف بوجوب ولا تحريم إذ لا
معاصي فيها ولا فساد، ولا فتنة يجب سد ذرائعها ومنع أسبابها بالفصل بين النساء
والرجال الأجانب.
* * *
(ج 22) ما يَحْرُم على المرأة في العدة وما لا يَحْرُم:
وأما الثاني عشر فجوابه أن المرأة المعتدة يحرم عليها ما يحرم على غيرها
مع الرجال الأجانب، وتزيد عليهن الحداد على الزوج بترك الزينة والتطيب
والتعرض للخاطبين بما يباح للخَليّة غير المعتدة، وإظهار صوتها بالكلام المعتاد
ووجهها وكفيها لا ينافي الحداد فهو غير مُحَرَّم لذاته عليها ولا على غيرها، إلا إذا
كان مثارًا للفتنة أو وسيلة لمعصية.
* * *
(ج 23 و 24) خروج المرأة للتنزه أو الاصطياف:
وأما 13 و14 فهو أن ما ذكر فيهما يجوز لها كما يجوز لغيرها من النساء
بشرط الأمن على نفسها ومالها.
* * *
(ج 25) تزوج المرأة السنية بالشيعي:
وأما الخامس عشر فجوابه الجواز لذاته، وقد بيَّنا ذلك في المجلد الماضي.
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
الصلاة إلى القبور
وقبة فيها قبور تُعتقد وتُعظَّم تدينًا
استفتاء وجوابه من الهند وتأييد المنار له (عدد 26)
جاءتنا الفتوى الآتية مع كتاب من حضرة خادم الإسلام بير محمد القريشي في
(هالا سنده - الهند) في شهر ربيع الأول يطلب تصحيحنا وموافقتنا للفتوى كتابة
وتصحيح مَن عندنا مِن العلماء، فكلَّفْنَا بعض إخواننا من علماء الأزهر عرضها
على منكري البدع منهم دون أنصارها ومروجيها، فلم يعد إلينا بشيء، ثم جاءنا
منه في رمضان كتاب آخر مع صورة أخرى للفتوى عليها تصحيح كثير من علماء
الهند وعمان ويقول فيه ما نصه:
(وأرجو من جنابكم التصديق والتصحيح؛ فإني أريد طباعة ذلك الفتوى
وإشاعته في الهند، واجتمع عندي مقدار المائتين من تصحيحات العلماء؛ لكن لا بد
لنا من تصحيح جنابكم؛ لأن جنابكم ممن فضله الله على جميع علماء مصر، فليس
من دأب العلماء السكوت والإعراض عن كلمة الحق وإظهاره لا سيما عند الضرورة،
وإن كان لكم مانع مع ورود النصوص المؤكدة؛ فلا بد لجنابكم من إظهاره،
فتفضلوا علينا وشرفونا وكرمونا بإرسال الجواب والتصحيح، هذا ما لزم والسلام
عليكم وعلى من لديكم)
(نص السؤال) : قبة رفيعة فيها قبور متعددة بالشباك، وفي يمينها قبة
أخرى للمسجد، وفي يسارها أيضًا قبة على القبور، وأمام تلك القباب ساحة بقدر
جريب واحد، أي القباب الثلاث قدام الساحة محاطة بالجدران، جعل المتولي وقت
بناء تلك القباب تلك الساحة كلها مسجدًا، وتلك الساحة متصلة بالقباب كالفناء لها،
ففي وقت يجتمع الناس الكثيرون للصلاة كالجمعة والعيدين يقوم الإمام متوجهًا إلى
القبة الوسطى منحرفًا عن بابها قليلاً إلى اليمين ويصلي بالناس، والحال أن باب
القبة الوسطى مفتوح لا يغلقونه، بزعم أن الشباك حائل كافٍ بين المصلين والقبور،
والقبور التي في القبتين يعظمها الناس لا سيما الجهال على وجه بلغ مبلغ العبادة،
بل القبة يعظمها الجهال تعظيمًا بليغًا حتى أنهم يقبلون بعض زواياها ويوقرونها
توقيرًا، بحيث لو يذهب أحد يضرب برجله زاوية من زواياها أو جدارًا من
جدارنها يتصورونه منكرًا للصلحاء والأولياء، بل يزعمون أنه مرتكب أشد الكبيرة،
فصلاة الإمام والمقتدين في هذا المكان والحال ما ذكرنا هل هي جائزة أم لا؟
نص الجواب
وهو الفتوى المطلوب إقرارها
إن كان في المقبرة مكان خالٍ عن القبور، وفيه مسجد أو جدار مبني بحيث
لا يقع النظر على القبور كالستر على القبور على وجه الكمال موجود - فلا بأس
بالصلاة في ذلك المكان، أما إذا كان مشهدًا وكان على القبور قبة بحيث إذا صلى
أحد يكون ذلك القبر أو القبة في قبلته - فلا يجوز الصلاة أصلاً؛ لأن في تلك
الصورة تكون الصلاة إلى القبر أو القبة تعظيمًا له لا سيما في هذا الزمان؛ فإن
اعتقاد الجهلاء بلغ إلى درجة عبادة الأولياء والصلحاء أعاذنا الله من ذلك، وليس
الغرض من الشباك حول القبر أو القباب على القبر الستر أو السترة، بل القباب في
أنفسها معظَّمة ومكرَّمة عند الناس كالقبور، فلا فرق بين الصلاة إلى القبر والقبة
في هذه الصورة، وأما المسجد النبوي على صاحبه الصلاة والسلام ففيه اتخذوا
جدرانًا حول القبر الشريف ليحصل الستر، ثم في وقت توسيع المسجد جعلوا
الحجرة الشريفة على هيئة المثلث لئلا يمكن السجود إلى القبر، ثم بعد ذلك اتخذوا
حول الحجرة جدرانًا أُخَر ليحصل الستر على أوجه التمام والكمال بحيث لا يبقى
مكان للعبادة وشبهتها، والله أعلم بالصواب.
* * *
هذا نص نقل الفتوى الأخير،
وزاد آخر الصورة الأولى ما نصه:
ففي صحيح البخاري في باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور، عن
عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي
مات فيه: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) قالت:
ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أني أخشى أن يُتخذ مسجدًا [1] ، قال العيني في شرحه
في صفحة 15 ج 3 قوله: لولا ذلك لأبرز، حاصله: لولا خشية الاتخاذ لأبرز
قبره، أي: لكشف قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتخذ عليه الحائل؛ ولكن خشية
الاتخاذ موجودة فامتنع الإبراز؛ لأن (لولا) لامتناع الشيء لوجود غيره، وهذا ما
قالته عائشة قبل أن يوسَّع المسجد، ولهذا لما وُسِّع المسجد جُعلت حجرتها مثلثة الشكل
محددة حتى لا يتأتى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر مع استقبال القبلة.
وأيضًا فيه: ومما يُستفاد منه أن قوله صلى الله عليه وسلم هذا من باب قطع
الذريعة؛ لئلا يعبد قبره الجهال كما فعلت اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم.
…
...
…
...
…
...
…
... محمد صادق مهتمم
…
...
…
...
…
...
…
مدرسة الدينية مظهر العلوم (سند)
ويلي هذا تأييد طائفة من العلماء للفتوى.
* * *
تصحيح صاحب المنار وتأييده للفتوى
الحمد لله ملهم الصواب. الفتوى صحيحة بدلائل الأحاديث الصحيحة
الصريحة في الصحيحين والسنن وغيرها في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وعن
الصلاة إليها، ولعن فاعلي ذلك من أهل الكتاب بقبور أنبيائهم وصالحيهم؛ لتحذيره
صلى الله عليه وسلم أمته أن يتبعوا سنتهم فيه، وتسميتهم شرار الخلق عند الله
تعالى، كل ذلك لا يدع أدنى شبهة أو عذر للخلاف في المنع منه وعدم جوازه،
ولعناية النبي صلى الله عليه وسلم بمنع هذه المعصية في العبادة، جعلها مما أوصى
به قبل وفاته، ففي الصحيحين عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت
النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس يقول: (إن من كان قبلكم كانوا
يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك)
وروى مسلم عن أبي مرثد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها) .
ومن المعلوم أن ما كان يفعله أهل الكتاب من اتخاذهم القبور مساجد والصلاة
إليها وتشريفها وكسوتها هو من تعظيم أنبيائهم وصالحيهم غير المشروع في دين الله
الذي جاء به رسله؛ لأنه تعظيم عبادة أخذوه عن الوثنيين، ولذلك لعنهم النبي صلى
الله عليه وسلم، ولعن الذين يضعون السرج على القبور، وأمر بتسوية ما يبنى
ويشرف منها، مقترنًا بأمره بطمس التماثيل لأنهما من أعمال الشرك، ولا فرق
بين تعظيم هذه القبور نفسها وتعظيم الستورالتي توضع عليها والقباب والمقاصير
التي تبنى فوقها وحولها، وصورة السؤال الذي أجاب عنه مولانا الشيخ محمد
صادق ناظر مدرسة مظهر العلوم الظاهرة في أن المصلين هنالك يتوجهون إلى
قباب مفتوحة فيها قبور ظاهرة يعظِّمها الجاهلون تعظيمًا دينيًّا من النوع الذي لعن
النبي صلى الله عليه وسلم فاعليه، ونهى عنه لسد ذريعة الاقتداء بأهله والتحذير منه،
وقد وقع ما ورد النهي لمنع وقوعه، فصار التوجه إلى تلك القباب وما فيها
عبادة فاسدة لا ذريعة لها، فالصلاة إلى هذه الحواجز كالصلاة إلى القبر نفسه،
كما قال المفتي، كله عبادة وثنية باطلة يجب منع جهلة المسلمين منها بالفعل
والقول، وإعلامهم أنها من بدع أهل الشرك التي فُتن بها أهل الكتاب فهي ليست
من شرعهم الذي نسخه شرعنا بل عدوى وثنية.
ولكن المسلمين اتبعوا سنن من قبلهم شبرًا بشبر وذراعًا بذارع، كما أخبر
النبي صلى الله عليه وسلم فاتخذوا قبور الأنبياء والصالحين مساجد وبنوا عليها
القباب وأوقدوا عليها السرج وصاروا يصلون إليها ويطوفون بها كالكعبة، ووجد
من علماء التقليد فيهم من يبيح لهم هذه البدع، كما أباحها أمثالهم لأهل الكتاب
بشبهة التفرقة بين العبادة للقبور والتبرك بها، وهل هذا التبرك غير المشروع إلا
عمل يتقرب به إلى الله تعالى بما لم يشرعه؟ وهل للعبادة معنى إلا هذا؟ وهل
كانت آلهة قوم نوح إلا رجالاً صالحين عظَّموهم بعد موتهم وصوروهم للتذكير
والاقتداء بهم، حتى انتهى بهم ذلك إلى عبادتهم بالدعاء وغيره، كما رواه البخاري
عن ابن عباس رضي الله عنه، وقد سمعت بعض الرهبان من النصارى يقولون
في الصور التي في الكنائس: نحن لا نعبدها وإنما نتخذها للتذكار والتبرك!
وهذا جهل بمعنى العبادة، وقع فيه من اتبع سننهم من المسلمين؛ وإنما سكت
أكثرعلماء السوء عن هذه البدع؛ لأن الذين فعلوها هم الملوك والأمراء الذين
يرائيهم ويتأول لهم علماء الدنيا، وتبعتهم العامة، والعامة قوة تُراءَى كالملوك،
وقد عدَّ الفقيه ابن حجر الهيتمي الشافعي هذه الأعمال من الكبائر في زواجره نقلاً
واستدلالاً فقال: الكبيرة الثالثة و4 و5 و6 و7 و8 والتسعون: اتخاذ القبور مساجد،
وإيقاد السرج عليها واتخاذها أوثانًا والطواف بها واستلامها والصلاة عليها، واستدل
عليها بطائفة من الأحاديث الواردة في النهي عنها والوعيد عليها، وقد تقدم ذكر
بعضها، ثم قال ما نصه:
(تنبيه) : عَدُّ هذه الستة من الكبائر وقع في كلام بعض الشافعية وكأنه أخذ
ذلك مما ذكرته من هذه الأحاديث، ووجه أخذ اتخاذ القبور مسجدًا منها واضح؛
لأنه لعن من فعل ذلك بقبور أنبيائه، وجعل من فعل ذلك بقبور صلحائه شر الخلق
عند الله يوم القيامة، ففيه تحذير لنا كما في رواية (يحذر ما صنعوا) أي يحذر
أمته بقوله لهم ذلك، من أن يصنعوا كصنع أولئك فيُلعنوا كما لُعنوا، واتخاذ القبر
مسجدًا معناه الصلاة عليه أو إليه وحينئذ فقوله: (والصلاة إليها) مكرر، إلا أن
يراد باتخاذها مساجد الصلاة عليها فقط، نعم إنما يتجه هذا الأخذ إن كان القبر قبر
معظم من نبي أو ولي كما أشارت إليه رواية (إذا كان فيهم الرجل الصالح) .
ومن ثم قال أصحابنا تَحْرُم الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبركًا وإعظامًا
فاشترطوا شيئين: أن يكون قبر معظم وأن يُقصد بالصلاة إليه، ومثلها الصلاة
عليه للتبرك والإعظام، وكون هذا الفعل كبيرة ظاهر من الأحاديث المذكورة لما
علمت، وكأنه قاس على ذلك كل تعظيم للقبر كإيقاد السرج عليه تعظيمًا له وتبركًا
به والطواف به كذلك وهو أخذ غير بعيد، سيما وقد صرَّح في الحديث المذكور آنفًا
بلعن من اتخذ على القبر سرجًا، فيحمل قول أصحابنا بكراهة ذلك على ما إذا لم
يقصد به تعظيمًا وتبركًا بذي القبر.
وأما اتخاذها أوثانًا فجاء النهي عنه بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تتخذوا
قبري وثنًا يعبد بعدي) أي لا تعظِّموه تعظيم غيركم لأوثانهم بالسجود له أو نحوه،
فإن أراد ذلك الإمام بقوله (واتخاذها أوثانًا) هذا المعنى اتجه ما قاله من أن ذلك
كبيرة بل كفر بشرطه، وإن أراد أن مطلق التعظيم الذي لم يؤذن فيه كبيرة ففيه بعد،
نعم قال بعض الحنابلة: قصد الرجل الصلاة عند القبر متبركًا بها عين المحادة لله
ورسوله وإبداع دين لم يأذن به الله للنهي عنها ثم إجماعًا؛ فإن أعظم المحرَّمات
وأسباب الشرك الصلاة عندها واتخاذها مساجد أو بناؤها عليها، والقول بالكراهة
محمول على غير ذلك، إذ لا يظن بالعلماء تجويز فعل تواتر عن النبي صلى الله
عليه وسلم لعن فاعله، وتجب المبادرة لهدمها وهدم القباب التي على القبور، إذ
هي أضر من مسجد الضرار؛ لأنها أسست على معصية رسول الله صلى الله عليه
وسلم لأنه نهى عن ذلك، وأمر صلى الله عليه وسلم بهدم القبور المشرفة، وتجب
إزالة كل قنديل أو سراج على قبر، ولا يصح وقفه ونذره. انتهى (صفحة 162 ج
أول من كتاب الزواجر طبع المطبعة) .
_________
(1)
وفي رواية أخرى للبخاري: (غير أنه خُشي، أو: خَشي) على الشك، قال الحافظ ابن حجر: هل هو بفتح الخاء المعجمة أو ضمها؟ وفي رواية مسلم: (غير أنه خُشي) بالضم لا غير، وفي رواية أخرى متفق عليها زيادة:(يحذر ما صنعوا) .
الكاتب: محمد رشيد رضا
دعوى بعض مشايخ الطرق
التلقي عن النبي صلى الله عليه وسلم
(س 27) لصاحب الإمضاء في بيروت:
إلى حضرة الأستاذ الفاضل العلامة السيد محمد رشيد رضا المعظم.
قرأت في كتاب (أوراد السيد أحمد بن إدريس) رحمه الله عبارة هذا نصها:
(إنني اجتمعت بالنبي صلى الله عليه وسلم اجتماعًا صوريًّا ومعه الخضر
عليه السلام، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الخضر أن يلقنني أوراد الطريقة
الشاذلية فلقننيها بحضرته! ثم قال صلى الله عليه وسلم: يا خضر لقنه ما كان
جامعًا لسائر الأذكار والصلوات والاستغفار وأفضل ثوابًا وأكثر عددًا. فقال: أي
شيء هو يا رسول الله؟ فقال: قل: لا إله إلا الله محمد رسول الله في كل لمحة
ونفس عدد ما وسعه علم الله! ثم قال السيد أحمد ما نصه: قال صلى الله عليه
وسلم: يا أحمد، قد أعطيتك مفاتيح السموات والأرض، وهي التهليل المخصوص
والصلاة العظيمة والاستغفار الكبير، المرة الواحدة منها بقدر الدنيا والآخرة وما
فيهما أضعافًا مضاعفة) اهـ. وعليه أرجو أن تتكرموا بإعلامي هل ممكن
الاجتماع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتماعًا صوريًّا؟ وما حكم ما يلقنه
بهذه الحالة؟ وتفضل يا سيدي الأستاذ الفاضل بقبول مزيد شكري واحترامي.
…
...
…
...
…
...
…
...
…
... عزت المرادي
…
...
…
...
…
...
…
...
…
... بيروت
(ج) صرَّح بعض العلماء المحققين بأن دعوى رؤية النبي صلى الله عليه
وسلم بعد موته في اليقظة والأخذ عنه دعوى باطلة، واستدلوا على ذلك بأن أولى
الناس بها - لو كانت مما يقع - ابنته سيدة النساء، وخلفاؤه الراشدون وسائر علماء
أصحابه، وقد وقعوا في مشكلات وخلاف أفضى بعضه إلى المغاضبة وبعضه إلى
القتال، فلو كان صلى الله عليه وسلم يظهر لأحد ويعلِّمه ويرشده بعد موته لظهر
لبنته فاطمة عليها السلام، وأخبرها بصدق خليفته أبي بكر رضي الله عنه فيما
روي عنه من أن الأنبياء لا يورثون، وكذا للأقرب والأحب إليه من آله وأصحابه،
ثم لمن بعدهم من الأئمة الذين أخذ أكثرُ أمتهِ دِينَهُمْ عنهم، ولم يدَّع أحد منهم ذلك؛
وإنما ادَّعاه بعض غلاة الصوفية بعد خير القرون وغيرهم من العلماء الذين تغلب
عليهم تخيلات الصوفية، فمن العلماء من جزم بأن من ذلك ما هو كذب مفترى،
وأن الصادق من أهل هذه الدعوى من خيل إليه في حال غيبه، أو ما يسمى بين
النوم واليقظة أنه رآه صلى الله عليه وسلم فخال أنه رآه حقيقة، على قول الشاعر:
ومثلك من تخيل ثم خالا
والدليل على صحة القول بأن ما يدعونه كذب أو تخيل ما يرونه عنه صلى
الله عليه وسلم في هذه الرؤية وبعض الرؤى المنامية مما يختلف باختلاف معارفهم
وأفكارهم ومشاربهم وعقائدهم، وكون بعضه مخالفًا لنص كتاب الله، وما ثبت من
سنته صلى الله عليه وسلم ثبوتًا قطعيًّا، ومنه ما هو كفر صريح بإجماع المسلمين.
نعم إن منهم من يجلهم العارف - بما روي من أخبار استقامتهم - أن يدَّعوا هذه
الدعوى افتراء وكذبًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولكن غلبة التخيل على
المنهمكين في رياضاتهم وخلواتهم لا عصمة منها لأحد، وكثيرًا ما تفضي إلى
الجنون، فإن صح عقلاً أن منهم من يرى أرواح الأنبياء والصالحين فعلاً، فلا
يجوز شرعًا أن تتضمن هذه الرؤية تشريعًا ولا تعبدًا جديدًا، ومنهم من كذب
أتباعهم عليهم في ذلك وغيره من الدعاوى الباطلة، ومنه ما يسمونه الشطح، وقد
جزم بعض المحققين بأن بعضهم كانت تتمثل لهم الشياطين بصور بعض الصالحين
وتلقي إليهم بعض ما يسمونه المكاشفات، ومنها ما روي عن إمام الصوفية في
عصره الشيخ عبد القادر الجيلاني قدَّس الله سره أنه ظهر له في خلوته نور عظيم
ملأ الأفق، وسمع منه هاتفًا يقول له: يا عبد القادر، أنت عبدي وقد أحللت لك
المحرمات، قال: فقلت له: اخسأ يا لعين، فتحول النور إلى ظلمة، أو قال:
دخانًا، وقال: قد نجوت مني بعلمك، وقد أضللت بها كذا وكذا من العباد، قيل
للشيخ: وكيف علمت أنه شيطان؟ قال: من قوله: أحللت لك المحرمات. يعني
رحمه الله تعالى أن الشرع هو الفرقان الذي يُعرف به الكشف الحق من الكشف
الباطل وأولياء الرحمن من أولياء الشيطان.
ومن هذا القبيل دعوى قول النبي صلى الله عليه وسلم للسيد أحمد بن إدريس:
أعطيتك مفاتيح السموات والأرض، التي تشبه ما يرويه النصارى من قول
المسيح عليه السلام لتلاميذه: ما تحلونه في الأرض يكون محلولاً في السماء، وما
تربطونه في الأرض يكون مربوطًا في السماء، وفسره رؤساؤهم بأن لهم ولخلفائهم
الحق في مغفرة ذنوب الخاطئين، والله تعالى يقول:{لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} (الزمر: 63) أي: مفاتيحهما وخزائنهما في التصرف والرزق، وقال: {وَعِندَهُ
مَفَاتِحُ الغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ} (الأنعام: 59) .
وقد صرَّح علماء الأصول بأن ما يسمونه الكشف ليس بحجة شرعية، ولا
يجوز العمل بما لا يقوم عليه الدليل من الكتاب والسنة منه، وكذا رؤية النبي صلى
الله عليه وسلم في المنام والسماع منه، وعلل ذلك بعضهم بعدم الثقة بصفاء أرواح
هؤلاء المكاشفين وضبطهم لما يرونه في كشفهم ورؤياهم ولما يروونه، وأما الدليل
الأقوى والأقوم فهو أن قبول هذا يعد من الزيادة في دين الله واستمرار التشريع الذي
ادَّعاه بعض الدجالين المضلين، كأتباع الدجال غلام أحمد القادياني الهندي الذين
يلقبون أنفسهم بالأحمدية، وقد أكمل الله دينه في حياة خاتم النبيين بنص القرآن
الصريح، فلا حاجة إلى شيء غير ما جاء به صلى الله عليه وسلم من كتاب الله
وسنته في بيانه، وإن كان حسنًا في نفسه كصيغة الشهادتين التي هي شعار الطريقة
الإدريسية، وليتها لم تقترن بدعوى هبوط روح رسول الله الأعظم من الأفق الأعلى
لتلقين طريقة الشاذلية، وناهيك بطريقة التجانية وما ينسبونه إلى صاحبها من
عظائم الخرافات والبدع، وقد سبق لنا بيان ذلك مرارًا، وأن أهل هذه الطريقة
وأمثالهم قد أفسدوا دين المسلمين ودنياهم حتى صار بعض شيوخهم أكبر أعوان
المستعمرين في الجزائر والمغرب على استعباد المسلمين.
ولا يُغَرَّنَّ أحدٌ ببعض أذكارهم وأورادهم فأكثرها ممزوج بالبدع والضلالة،
وحسبك أنهم نسخوا بها التعبد بكتاب الله تعالى وبالأذكار المأثورة عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم المدونة في كتب السنة، ككتاب الأذكار للإمام النووي،
والحصن الحصين للمحدث الجزري، ومتى تعبد هؤلاء بهما، ووجدوا في وقتهم
فراغًا لما ابتدع بعدهما؟ وأين هذا من نهي الكتاب والسنة عن الغلو في الدين حتى
في المشروع منه، وقد فصَّلنا هذه المسألة في تفسير قوله: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ
وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ} (التوبة: 31) وأوردنا فيه قول الإمام الرازي
فيمن اتبع سنة أهل الكتاب في ذلك من المتفقهة والمتصوفة فراجعه في جزء
التفسير العاشر.
_________
الكاتب: يحيى أحمد الدرديري
هداية القرآن [*]
لو أن كل مسلم تدبر آيات الكتاب العزيز واستمسك بهدايتها لما أصاب
المسلمين تلك الكوارث المفجعة، والمصائب المدلهمة.
لو أن المسلمين اعتصموا بآيتين (الصواب بآية) من القرآن تتلى في كل
صلاة وهما {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة: 5) بالإخلاص لله دون
الإشراك به والاعتماد على غيره، والاستعانة به دون سواه، والسير على حسب
سنته وقوانينه العادلة - لما أصابهم الذل والهوان في مشارق الأرض ومغاربها.
ذكر الأستاذ العلامة ابن القيم أن سر الخلق والأمر والكتب والشرائع والثواب
والعقاب انتهى إلى هاتين الكلمتين {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة: 5)
وعليهما مدار العبودية والتوحيد، حتى قيل: إن الله أنزل مائة كتاب وأربعة كتب
جمع معانيها في التوراة والإنجيل والقرآن، وجمع معاني هذه الكتب الثلاثة في
القرآن، وجمع معاني القرآن في الفاتحة، ومعاني الفاتحة في] إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِينُ [وهما الكلمتان المقسومتان بين الرب وبين عبده فنصفها له تعالى وهو
] إِيَّاكَ نَعْبُدُ [ونصفها لعبده وهو {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة: 5) .
فسر الأستاذ الإمام المرحوم الشيخ محمد عبده: (أن للعبادة صورًا كثيرة في
كل دين من الأديان شرعت لتذكير الإنسان بذلك الشعور بالسلطان الإلهي الأعلى
الذي هو روح العبادة وسرها، ولكل عبادة من العبادات الصحيحة أثر في تقويم
أخلاق القائم بها وتهذيب نفسه، والأثر إنما يكون عن ذلك الروح والشعور الذي هو
منشأ التعظيم والخضوع، فإذا وجدت صورة العبادة خالية من هذا المعنى لم تكن
عبادة، كما أن صورة الإنسان وتمثاله ليس إنسانًا.
خذ إليك عبادة الصلاة مثلاً، وانظر كيف أمر الله بإقامتها دون مجرد الإتيان
بها، وإقامة الشيء هي الإتيان به مقومًا كاملاً يصدر عن علته، وتصدر عنه آثاره،
وآثار الصلاة ونتائجها هي ما أنبأنا به الله تعالى بقوله: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ
الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} (العنكبوت: 45) وقوله عز وجل: {إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ
هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَاّ المُصَلِّينَ} (المعارج: 19-22) وقد توعد الذين يأتون بصورة الصلاة من الحركات والألفاظ
مع السهو عن معنى العبادة وسرها فيها المؤدي إلى غايتها بقوله: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ
* الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ المَاعُونَ} (الماعون: 4-7) فسماهم المصلين؛ لأنهم أتوا بصورة الصلاة، ووصفهم بالسهو
عن الصلاة الحقيقية التي هي توجُّه القلب إلى الله تعالى المذكر بخشيته، والمشعر
للقلوب بعظم سلطانه، ثم وصفهم بأثر هذا السهو وهو الرياء ومنع الماعون) .
وذكر الأستاذ الإمام أن الرياء ضربان: رياء النفاق، وهو العمل لأجل رؤية
الناس، ورياء العادة وهو العمل بحكمها من غير ملاحظة معنى العمل وسره وفائدته،
ولا ملاحظة من يعمل له ويتقرب إليه به، وهو ما عليه أكثر الناس؛ فإن صلاة
أحدهم في طور الرشد والعقل هي عين ما كان يحاكي به أباه في طور الطفولية
عندما يراه يصلي، يستمر على ذلك بحكم العادة من غير فهم ولا عقل، وليس لله
شيء في هذه الصلاة. وقد ورد في بعض الأحاديث أن من لم تنهه صلاته عن
الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدًا، وأنها تُلفُّ كما يُلفُّ الثوب البالي
ويضرب بها وجهه، وأما الماعون فهو المعونة والخير الذي تقدم في الآية الأخرى
أن من شأن الإنسان أن يكون منوعًا له إلا المصلين.
قال الأستاذ الإمام في معنى: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة: 5) أرشدتنا هذه
الكلمة الوجيزة إلى أمرين عظيمين هما معراج السعادة في الدنيا والآخرة:
(أحدهما) : أن نعمل الأعمال النافعة، ونجتهد في إتقانها ما استطعنا؛ لأن
طلب المعونة لا يكون إلا على عمل بذل فيه المرء طاقته فلم يوفه حقه، أو يخشى
أن لا ينجح فيه، فيطلب المعونة على إتمامه وكماله، فمن وقع من يده القلم على
المكتب لا يطلب المعونة من أحد على إمساكه، ومن وقع تحت عبء ثقيل يعجز
عن النهوض به وحده يطلب المعونة من غيره على رفعه؛ ولكن بعد استفراغ القوة
في الاستقلال به، وهذا الأمر هو مرقاة السعادة الدنيوية، وركن من أركان السعادة
الأخروية.
(وثانيهما) : ما أفاده الحصر من وجوب تخصيص الاستعانة بالله تعالى
وحده فيما وراء ذلك، وهو روح الدين وكمال التوحيد الخالص الذي يرفع نفوس
معتقديه ويخلصها من رق الأغيار، ويفك إرادتهم من أسر الرؤساء الروحانيين
والشيوخ الدجالين، ويطلق عزائمهم من قيد المهيمنين الكاذبين من الأحياء والميتين،
فيكون المؤمن حرًّا خالصًا وسيدًا كريمًا، ومع الله عبدًا خاضعًا {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} (الأحزاب: 71) .
والاستعانة بهذا المعنى ترادف التوكل على الله، وتحل محله، وهو كمال
التوحيد والعبادة الخالصة، ولذلك جمع القرآن بينهما في مثل قوله تعالى: {وَلِلَّهِ
غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} (هود:
123) إن لفظ الاستعانة يُشْعِر بأن طلب العبد من الرب تعالى العون على شيء له
فيه كسب ليعينه على القيام به، وفي هذا تكريم للإنسان بجعل عمله أصلاً في كل
ما يحتاج إليه لإتمام تربية نفسه وتزكيتها، وإرشادٌ له؛ لأن ترك العمل والكسب ليس
من سنة الفطرة ولا من هدي الشريعة، فمن تركه كان كسولاً مذمومًا، لا متوكلاً
محمودًا، وبتذكيره من جهة أخرى بضعفه لكيلا يغتر فيتوهم أنه مستغنٍ بكسبه عن
عناية ربه، فيكون من الهالكين في عاقبة أمره [1] .
بمثل هذا الأسلوب الحكيم أخرج حضرة الأستاذ العلامة السيد محمد رشيد رضا
صاحب مجلة المنار تفسير القرآن الحكيم (المشتهر باسم تفسير المنار) وهو كما
يقول بحق: (إنه التفسير الوحيد الجامع بين صحيح المأثور وصريح المعقول،
الذي يبين حكم التشريع، وسنن الله في الاجتماع البشري، وكون القرآن هداية
عامة للبشر في كل مكان وزمان، وحجة الله وآيته المعجزة للإنس والجان،
ويوازن بين هدايته وما كان عليه سلفهم إذ كانوا معتصمين بحبلها بما يثبت أنها هي
السبيل لسعادة الدارين، مراعيًا فيها السهولة في التعبير، مجتنبًا مزج الكلام
باصطلاحات العلوم والفنون بحيث يفهمه العامة، ولا يستغني عنه الخاصة، وهذه
هي الطريقة التي جرى عليها في دروسه في الأزهر حكيم الإسلام الأستاذ الإمام
الشيخ محمد عبده.
كان من سوء حظ المسلمين أن أكثر ما كتب من الكتب في التفسير يشغل قارئه
عن المقاصد العالية والهداية السامية، فمنها ما يشغله عن القرآن بمباحث الإعراب
وقواعد النحو ونكت المعاني ومصطلحات البيان، ومنها ما يصرفه عنه بجدل
المتكلمين، وتخريصات الأصوليين، واستنباطات الفقهاء المقلدين، وتأويلات
المتصوفين، وتعصب الفرق والمذاهب بعضها على بعض، وبعضه يلفته عنه
بكثرة الروايات، وما مُزجت به من خرافات الإسرائيليات، وقد زاد الفخر الرازي
صارفًا آخر عن القرآن، هو ما يورده في تفسيره من العلوم الرياضية والطبيعية
وغيرها من العلوم الحادثة في الملة على ما كانت عليه في عهده كالهيئة الفلكية
اليونانية وغيرها، وقلَّده بعض المعاصرين بإيراد مثل ذلك من علوم هذا العصر
وفنونه الكثيرة الواسعة التي تصد قارئها عما أنزل الله لأجله القرآن.
أخرج الأستاذ العلامة السيد رشيد رضا عشرة أجزاء من تفسير القرآن تقع في
عشرة مجلدات، تبلغ ما يزيد عن خمسة آلاف صحيفة من القطع المتوسط، منها
الخمسة الأجزاء الأول فسرها الأستاذ الإمام المرحوم الشيخ محمد عبده تفسيرًا جمع
بين دقة المعنى وجزالة اللفظ، ورشاقة الأسلوب [2] ، وللأستاذ الإمام منهج في
التعبير يدل على نفاذ البصيرة، وقوة الإدارة، ومتانة الإيمان، حتى ليُخيل لقارئه
أنه من رجال الصدر الأول.
والشيخ محمد عبده من أفذاذ المصلحين، وكبار المفكرين، لم يُخرجه واسع
علمه عن الاقتداء بالرسول العظيم، والاهتداء بسيرة السلف الصالح، ولم يزِلَّ
قدمه في مهاوي الإسرائيليات، ولم يدخل في جدال مناقشات الطوائف التي جعلت
من الإسلام والمسلمين شيعًا وأحزابًا، فهو إذا أتى على تفسير الجنة والنار مثلاً قال:
إنها من عالم الغيب لا يجب أن نتعدى فيها قول الرسول المعصوم عملاً بقوله
تعالى [3] : {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (النحل: 44) وهذا
ما يدل على رجاحة العقل وكبح جماح الهوى، وأن يقف في الدائرة التي وضعها
الله في كتابه العزيز؛ لأن القرآن قبل كل شيء هو كتاب هداية وإرشاد، قال تعالى:
{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} (النساء: 82)
وقد اقتفى الأستاذ السيد رشيد رضا أثر أستاذه الشيخ محمد عبده في التفسير
سواء فيما وضعه من الآراء في الخمسة الأجزاء الأول، أو الباقي من التفسير حتى
الجزء العاشر.
وإن من يتصفح العشرة الأجزاء من التفسير الذي أخرجه الأستاذ العلامة السيد
رشيد رضا يعلم منها سعة اطلاع المؤلف وغزارة معارفه وأمانته في النقل، وشدته
على خصومه في الرأي، وإن الزمن الطويل الذي سلخه في إخراج تفسيره هو ما
يزيد على العشرين سنة مع مثابرته على إخراج مجلة المنار أكثر من ثلاثين عامًا -
تشهد لحضرة العلامة المؤلف بقوة الإرادة التي لم توجد في رجال المعاهد الدينية
الإسلامية لا متفرقين ولا مجتمعين، والإسلام يُطعن من كل جانب من أهله ومن
غير أهله، ولا يوجد من يدفع عنه بصبر وثبات غير هذا المؤلف الشجاع يناضل
أكثر من ثلاثين عامًا ضد البدع والضلالات من الملحدين والمبشرين وغيرهم، ممن
جعلوا هدم الإسلام غايتهم، واستعباد المسلمين هدفهم.
لقد قرأت العشرة الأجزاء التي أخرجها المؤلف وهي تعتبر دائرة معارف فقهية
إسلامية، وإذا كان هناك بعض ملاحظات فهي تأتي من ناحية استطراد المؤلف في
بعض الموضوعات التي تخرج التفسير عن غرضه، كالكلام على ترجمة القرآن
مثلاً فتقع في 49 صفحة من الجزء التاسع، وبشارة التوراة والإنجيل بنبينا
صلى الله عليه وسلم فتقع في 70 صفحة، وترجمة عزير أو عزرا والثالوث عند
الكلام على الآية الكريمة {وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ
اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ} (التوبة: 30)
…
إلخ في 34 صفحة في الجزء العاشر.
إن طبيعة الأستاذ العلامة هي إلى النضال والكفاح أقرب منها إلى المسالمة،
فهو إذا ما اعترضه خصومه في الرأي قذفهم بوابل حججه وأسانيده، وأخذ عليهم
المسالك، وسد عليهم الطرقات، وقد يُنسيه حب الغلبة والقهر - في سبيل ما يعتقد
أنه الحق - الدائرة التي وضع نفسه فيها، وكان يكفي في مثل هذه الموضوعات
التي ذكرناها الإيجاز، وخصوصًا فيما يختص بالتوراة والإنجيل وأسانيدها إذ ورد
عن المعصوم صلوات الله عليه وسلامه أننا لا نكذِّب ما جاء بها ولا نصدقه -
موقف حياد - وقد ذكر الأستاذ ذلك في عدة مواضع وكان يجب عليه أن يقف عند
ذلك.
توجد بعض استطرادات أخرى خلافية، مثلاً عند تفسير الآية: {قَالَ النَّارُ
مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَاّ مَا شَاءَ اللَّهُ} (الأنعام: 128) سورة الأنعام، وقد عقد
الأستاذ المؤلف فصلاً في الخلاف في أبدية النار وعذابها يقع في ثلاثين صفحة،
وإن كان هذا الكلام يُعَدُّ من صلب الموضوع إلا إني أرى أن التلخيص والإيجاز
أقرب إلى الفهم وأبقى في الذاكرة من الإسهاب والإطناب.
لا يمكننا أن نفي حق العلامة المؤلف في مثل هذه العجالة الصغيرة من الثناء
والتقدير.
إن ما يجب أن أذكره لحضرة مؤلفنا الفاضل من الميزات التي يتفوق بها على
أقرانه اعتصامه بالحديث وتحري صحيحه، وهذا ما يجعل حجته أقوى ضد
خصومه، وكفته راجحة. وإنه ما أضعف المسلمين ولا فرقهم إلا التمسك بآراء
بعض الفقهاء وتركهم للكتاب والسنة وهما مما يجب أن يضعهما نصب عينيه ولا
يلتفت لأي من السلف الصالح، وقد قال الإمام الشافعي: (الحديث إذا صح فهو
مذهبي) .
قال السيد حسن صديق في تفسيره (فتح البيان في مقاصد القرآن) إن طاعة
المتمذهب لمن يقتدي بقوله ويستن بسنته من علماء هذه الأمة مع مخالفته لما جاءت
به النصوص وقامت به حجج الله وبراهينه ونطقت به كتبه وأنبياؤه - هو كاتخاذ
اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، للقطع بأنهم لم يعبدوهم بل
أطاعوهم وحرَّموا ما حرَّموا وحللوا ما حللوا، وهذا صنيع المقلدين من هذه الأمة
وهو أشبه به من شبه البيضة بالبيضة، والتمرة بالتمرة، والماء بالماء، فيا عباد
الله ويا أتباع محمد بن عبد الله، ما بالكم تركتم الكتاب والسنة جانبًا، وعمدتم إلى
رجال مثلكم في تعبد الله لهم بهما، وطلبه للعمل منهم بما دلا عليه وأفاداه؟ فعملتم
بما جاءوا به من الآراء التي لم تعمد بعماد الحق، ولم تعضد بعضد الدين
ونصوص الكتاب والسنة، بل تنادي بأبلغ نداء، وتصوِّت بأعلى صوت بما يخالف
ذلك ويباينه، فأعرتموهما آذانًا صمًّا، وقلوبًا غُلفًا، وأفهامًا مريضة، وعقولاً
مهيضة، وأذهانًا كليلة، وخواطر عليلة، وأنشدتم بلسان الحال:
وما أنا إلا من غزية إن غوت
…
غويت وإن ترشد غزية أرشد
فدَعُوا - أرشدكم الله وإياي - كتبًا كتبها لكم الأموات من أسلافكم، واستبدلوا
بها كتاب الله خالقهم وخالقكم، ومتعبدهم ومتعبدكم، ومعبودهم ومعبودكم، واستبدلوا
بأقوال من تدعونهم بأئمتكم وما جاءوا به من الرأي، أقوال إمامكم وإمامهم، وقدوتهم
وقدوتكم، وهو الإمام الأول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
دعوا كل قول عند قول محمد
…
فما آمن في دينه كمخاطر
اللهم هادي الضال مرشد التائه موضح السبيل اهدنا إلى الحق وأرشدنا إلى
الصواب وأوضح لنا منهج الهداية اهـ.
ليس الإسلام بدين أماني وأوهام، بل هو دين إيمان مقرون بصالح الأعمال،
وقد وضع الله سننًا محكمة من اتبعها نجا وسعد، ومن حاد عنها ضل وشقي.
قال تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا
يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى
وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} (النساء: 123-124)
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في
القلب وصدَّقه العمل، إن قومًا ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا
حسنة لهم، وقالوا: نحن نحسن الظن بالله تعالى - كذبوا - ولو أحسنوا الظن
لأحسنوا العمل) .
وقصارى القول: إن تفسير المنار الذي أخرجه العلامة السيد رشيد رضا جدير
بالثناء والإعجاب، وأن يقرأه كل محب للاطلاع على ما يرمي إليه القرآن الكريم
من إصلاح الأمم التي يدعوها للتمسك بآدابه وأحكامه، وإن هذا التفسير يتمشى مع
روح العصر الحاضر، فجزى الله المؤلف خير ما يجزي به العاملين، ووفقه إلى
إتمام بقية الأجزاء الباقية حتى يتم للناشئة الإسلامية تفسيرًا شاملاً يغنيهم عن كثير
من التفاسير، ويهديهم إلى التمسك بما جاء به كتاب الله العزيز، وسنة رسوله
الكريم {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} (النحل: 128) .
…
...
…
...
…
يحيى أحمد الدرديري
…
...
…
دكتور في الحقوق وليسانسيه في العلوم السياسية
(المنار)
نشكر الدكتور العلامة يحيى تقريظه العلمي ونقده الوجيه، ونسأل الله تعالى
أن يُكْثِر من أمثاله في أنصار الإسلام من أساتذة علوم هذا العصر، وعذرنا
في تلك الاستطرادات الطويلة شدة حاجة المسلمين الباحثين إلى تحقيق القول فيها
مع العلم بأن قراء تفسيرنا أكثر من قراء مجلتنا المنار المختصة بها، وما اشتدت
الحاجة إلى بيانه ودحض الشبهات فيه فلا يتجلى الحق فيه للجمهور إلا بالبسط
والإطناب، وأما الشدة على المخالف فسببها ما ابتلينا به من مناظرات دعاة
النصرانية المبشرين السفهاء، وأنصار البدعة الأغبياء، وقد شرعنا في اختصار
التفسير وإكماله مختصرًا ومطولاً كما اقترح علينا الكثيرون، ليأخذ كل من طلاب
الإسهاب وطلاب الإيجاز حاجته، ونسأله تعالى التوفيق لإنجازهما.
_________
(*) مقالة لمجلة الشبان المسلمين (ج 10 م 2) تتضمن تقريظ تفسير المنار.
(1)
تفسير القرآن الحكيم الجزء الأول ص 56 - 61.
(2)
المنار: تُوهِم هذه العبارةُ أن الكاتب ظن أن الأجزاء الخمسة الأولى قد فسرها الأستاذ الإمام كتابة، أو أن عبارتها أو ما عزوته إليه فيها - هو من قلمه أو نص قوله، والصواب أنه فسر أكثرها قراءة في الأزهر، وأن عبارتها كلها لصاحب المنار إلا تفسير آية (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) (البقرة: 213) من الجزء الثاني (ص 276 - 301) فهي بقلمه، وقد بينت ذلك في أول حاشيتها وآخرها، وإلا صفحة وأربعة أسطر من مقدمة تفسير (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا) (البقرة: 62) إلخ، من الجزء الأول، وقد بينت ذلك في (ص 335 ج 1) وزاد أيضًا تعليقات على آيات من تفسير الجزء الأول اقترحتها عليه أهمها في قصة آدم والكلام على الملائكة لاستشكال بعض الناس لما نقلته عنه فيها بعد طبعه في المنار، وقد ميزتها في طبع الجزء بوضعها بين أهلة مع التنبيه إليها، وما عدا ذلك مما نقلته عنه فهو منقول بالمعنى بالاعتماد على فهمي والمذكرات التي كنت أكتبها بالدرس وكلها لا تبلغ نصف جزء؛ ولكن كان فيها كلها نفثة من روعه، ونفخة من روحه، سواء منها ما عزوته إليه
غفلاً، وما صرحت بأنه مثال لقوله، أو منقول عنه بالمعنى، ولا أذكر الآن شيئًا قلت إنه قاله بنصه إلا عبارة في تفسير [وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ] (البقرة: 61) وقد شرحت هذا الاصطلاح في ص 15 و16 من مقدمة التفسير.
(3)
المنار: وقع في الآية خطأ في الأصل فنشرناها صحيحة.
الكاتب: أبو إسحاق إبراهيم أطفيش
تفسير المنار
تقريظ ونقد
للأستاذ الفاضل علامة الإباضية الشيخ أبي إسحاق إبراهيم إطفيش
نشره في مجلته المنهاج (ج 1 و 2 م 6) قال:
ظهر في السنة الماضية الجزء التاسع من تفسير المنار، وفي هذه السنة ظهر
الجزء العاشر منه، وتفسير المنار من أسمى التفاسير وأوفرها ثروة، وأشملها
لحقائق من التفسير مفقودة من مناهج المفسرين، وليس السيد مفسر المنار ممن
يحشر ما هب ودب ويجمع ما يملأ الأوراق، ويمتد إلى ترهات الإسرائيليات التي
شوهت جمال كثير من الكتب، وما ليس له علاقة بالتفسير، إلا حب الاستكثار
والولوع بالتخليط، حتى صار الكتاب أشبه ما يكون بقصص الرواة اليوم، وهو ما
يجب أن ينزه عنه تفسير كلام الله. ولكنه - والحق يقال - تفسير ممتع بطلاوته،
مبدع في أسلوبه، جامع في إلمامه بمقتضيات الآية، مع الإيجاز في مقام الإيجاز،
والإطناب في مقام الإطناب، إذا مررت بآية في سنن الكون رأيته يدني إليك من
الحقائق ما يسحر، أو بآية في سنن العمران رأيت بين يديك من الدقائق ما يبهر، أو
بآية التوحيد رأيت من تحبير وتحرير ما يغنيك عن طائفة من الكتب، مع استقلال في
البحث والترجيح، أو بآية في الفقه وأصوله أوقفك على ما يأخذ بتلابيبك، مالكًا لك
من جوانبك، أما تحقيقات البلاغة فهي السحر الحلال، لست ترى في أسلوب هذا
التفسير المبتكر خروجًا عن منهاج العربية، وعما تقتضيه الآيات الكريمة وتبينه
الأحاديث النبوية، أما آيات مخاطبة الأمم ودعايتها إلى الهداية الإسلامية فإصداع
وإقناع وإشباع بالحق والحجة، والأدلة التي يسلِّم بها الخصم.
ذلك هو تفسير المنار نقدمه إلى قراء المنهاج، ولا يفوتني أن أذكر أنه بقي في
ذهني أن قطب الأئمة شيخنا محمد بن يوسف أطفيش رحمه الله ورضي عنه ذكر
بإعجاب تفسير المنار وأثنى عليه [1] ، وفي ظني أنه في بعض تآليفه أو سمعته
مشافهة، وكفى بثناء هذا الإمام العظيم الذي فسر القرآن ثلاث مرات (داعي العمل
ليوم الأمل، هميان الزاد إلى دار المعاد، تيسير التفسير) .
على أنني لا أهمل أن آخذ على هذا العلامة الكبير شدة لهجته عند الكلام على
صفات الله، والآيات المتشابهات، والحال أنه اختار أن يأخذ بجانب عدم التأويل،
والتأويل هو ما يقتضيه كلام الله، وعليه أهل البلاغة والخلف من أصحاب المذاهب
الأربعة والمفسر منهم، وكمال التنزيه موجب للتأويل، ولنا كلام في هذا الموضوع
وغيره في هذا المكان، فللمصنف اختياره، وله ترجيحه؛ ولكن لا يجوز لأحد من
أهل العلم أن يشتد على مخالفه في النظر والمذهب، وهو رأي ومذهب أساطين من
أهل العلم من السلف والخلف، ونرجو الله أن يمد في عمر المفسر حتى يتم تفسير
القرآن الكريم الذي هو من أنشودة الأمة الإسلامية اليوم ومناها. اهـ.
(المنار)
نشكر للأستاذ العلامة صاحب المنهاج تقريظه العلمي الاستقلالي، وكذا نقده
المذهبي في مسألة التأويل على ما فيه من تعارض وإجمال وإبهام وسببها توخي
الاختصار، فهو يقول إن المفسر من (الخلف من أصحاب المذاهب الأربعة) فماذا
يريد بهذا القول؟ إن أئمة المذاهب الأربعة يعدون من علماء السلف لا من الخلف،
وكان مذهبهم في الصفات إمرار الصفات في صفات الله تعالى كما وردت من غير
تعطيل ولا تمثيل ولا تأويل، وهذا ما ندين الله تعالى ونقرره في تفسيرنا وغيره
علمًا لا تقليدًا لهم، وأما المتأولون من المتكلمين المنتمين إليهم في الفقه كالمعتزلة
من الحنفية والأشعرية من المالكية والشافعية - فقد خالفوا أئمتهم في هذه المسألة
الاعتقادية، واعتذر بعضهم كالغزالي عن ذلك بأن الضرورة ألجأتهم إلى علم
الكلام المبتدع لأجل الرد على الفلاسفة والمبتدعة، وقد رجع بعض فحول هؤلاء
المتكلمين عن تأويلاتهم إلى مذهب السلف الصالح في الصفات كما يفضلونهم في
سائر الأمور.
وأما كون البلاغة وكمال التنزيه يوجبان التأويل، فهو دعوى أو دعويان لا
يقوم عليهما دليل، فهؤلاء المتكلمون المتأولون ليسوا أكمل تنزيهًا لله تعالى ولا
أقوى فهمًا لبلاغة كتابه من علماء الصحابة والتابعين، بل دونهم فيهما بدون نزاع؛
وإنما كلامهم في التنزيه مبني على نظريات اصطلاحية، ما أنزل الله تعالى بها من
سلطان، وقد أفضت بالجهمية والمعتزلة إلى نفي الصفات التي أثبتها الله تعالى
لنفسه وهي عين الكمال، بالتحكم فيها كما يتحكمون في صفات المخلوقات، كما أن
فهمهم للبلاغة مقيد بقواعد واصطلاحات الفنون وأصول المذاهب التي يُحكِّمونها في
القرآن، والقرآن فوق الفنون والمذاهب وإنما الواجب تحكيمه فيهما، كما بيَّنا ذلك
مرارًا في تفسيرنا، والشيعة والإباضية على مذهب المعتزلة في التأويل.
وأما شدتنا عليهم في الرد عليهم فهم دون شدة غلاتهم في الرد على أهل
الإثبات وسلف الأمة، فهم قد يكفرون مخالفهم في صفة العلو ولو بطريق اللزوم،
ونحن نخطئهم ولا نكفرهم، وسنتوخى اللين في ذلك إن شاء الله تعالى.
_________
(1)
كذلك إمام الإباضية في عمان من الشرق، أثنى على هذا التفسير كما أثنى عليه إمامهم في الغرب (الجزائر) ومما كتبه عن مؤلفه لغيره: وكأنه سأل أن يعطى الحق فأعطيه، وأن يوقى الباطل فوقيه، فهذا دليل على استقلال هذين الإمامين وإنصافهما.
الكاتب: محمد رشيد رضا
غاندي يشهد للإسلام
ومحمد عليه الصلاة والسلام
جاء في مجلة النور (ذى لايت) التي تصدر في لاهور وهي مجلة إسلامية
المقال التالي للمهاتما غاندي في الإسلام، وهذه ترجمته، وقد نُشرت في بعض
جرائد مصر وسورية:
(لم يكن الإسلام في إبان مجده عديم التسامح، فقد أحرز إعجاب العالم كله،
ولما كان الغرب غارقًا في الظلمات أشرق نجمه في سماء المشرق، وأضاء عالمًا
متألمًا ومنحه التعزية، ليس الإسلام دينًا باطلاً، فليدرسه الهندوس باحترام، يحبوه
كما أحبه أنا.
انتهيت من درس حياة أصحاب النبي، ولما انتهيت من المجلد الثاني أسفت
لعدم وجود ما بعده لأقرأ عن تلك الحياة العظمى، وغدوت مقتنعًا كل الاقتناع أنه
ليس السيف هو الذي جعل للإسلام مكانة في معترك الحياة، بل إن بساطة النبي
التامة وإنكاره الكلي لذاته - يعني إيثاره على نفسه - الدقيق لعهوده، وإخلاصه
الشديد لأصدقائه وأتباعه، وشجاعته وبسالته، وعدم مبالاته بالمخاوف، وثقته
الكاملة بالله ورسالته، هذه - لا السيف - هي التي جرفت كل شيء أمام المسلمين
الأولين، وتغلبت على كل العقبات.
قال بعضهم: إن الأوربيين في أفريقيا الجنوبية يخشون انتشار الإسلام،
الإسلام الذي مدَّن أسبانيا، الإسلام الذي حمل النور إلى المغرب وبشر العالم
بالأخوة.
إن الأوربيين يخشون الإسلام لأن الذين يعتنقونه يحتمل أن يطالبوا البيض
بالمساواة، ومن حق هؤلاء أن يخافوا لو كانت الأخوة خطيئة، فإذا كان البيض
يخافون من المساواة بالعناصر الأخرى؛ فإن المخاوف من الإسلام تقوم على أساس
صحيح، إني رأيت الزلوسي الذي يعتنق المسيحية لا يصعد بطبيعة الحال إلى
مستوى المسيحيين، على حين أنه إذا اعتنق الإسلام يشرب من نفس قدح المسلمين،
ويأكل من ذات قصعتهم) .
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
المؤتمر الإسلامي العام في بيت المقدس
تمهيد تاريخي:
إن عدد المسلمين في هذا العصر أربعمائة مليون نفس أو يزيدون، وهم على
استحواذ الجهل والفقر والتفرق عليهم لا يزالون يشعرون بأخوة الإسلام ووحدته،
وهم يملكون أعظم ثروة من الأرض وأعظم هداية للبشر، لو عرفوا كيف ينتفعون
بهما لسادوا العالم كَرَّة أخرى أعظم وأوسع من السيادة الأولى، وأقرب الوسائل إلى
نشر هذه المعرفة وتعميمها والسعي للعمل بها: عقد المؤتمرات وتأليف الجمعيات.
قد فكر أفراد من كبار أصحاب الرأي من المسلمين منذ أواخر القرن الماضي
للهجرة بشدة الحاجة إلى الاجتماع للبحث في أسباب ضعف أمتهم، وما يجب من
معالجته وإعادة مجدهم السابق بما تقتضيه حالة هذا العصر من علم وعمل، وإلى
تأليف جمعية عظيمة ذات فروع كثيرة للقيام بذلك، وكان أعظم هؤلاء المفكرين
قدرًا وأقواهم تأثيرًا موقظ الشرق وحكيم الإسلام السيد جمال الدين الأفغاني، وقد
نبهنا أمتنا لهذا الأمر العظيم في المنار مرارًا كثيرة من أول نشأته إلى الآن، من
قبل أن نسمي الاجتماع لهذا البحث مؤتمرًا.
وكان أول ما بسطنا به هذا الرأي مقال عنوانه (الإصلاح الديني المقترح على
مقام الخلافة الإسلامية) نشرناه في العدد الذي صدر في المنار في السنة الأولى
بتاريخ 3 شعبان سنة 1316 (فيراجع في ص 764 من الطبعة الثانية لمجلد المنار
الأول) وقد جاء فيه ما نصه:
(ويتوقف هذا الإصلاح على تأليف جمعية إسلامية تحت حماية الخليفة يكون
لها شُعب في كل قطر إسلامي، وتكون عظمى شُعبها في مكة المكرمة التي يؤمها
المسلمون من جميع أقطار الأرض، ويتآخون في مواقفها الطاهرة، ومعاهدها
المقدسة، ويكون أهم اجتماعات هذه الشعبة في موسم الحج الشريف، حيث لا بد
أن يوجد أعضاء من بقية الشعب التي في سائر الأقطار يأتون الحج فيحملون إلى
شعبهم من المجتمع العام مما يستقر عليه الرأي من التعاليم السرية والجهرية، وهذا
أحد مرجحات وجود الجمعية الكبرى في مكة المكرمة على وجودها في دار الخلافة،
وثَم مرجحات أخرى من أهمها البعد عن دسائس الأجانب ووساوسهم، والأمن من
وقوفهم على ما لا ينبغي وقوفهم عليه في جملته أو تفصيله (ومنها) أن لشرف
المكان ولحالة قاصديه الدينية أثرًا عظيمًا في الإخلاص والتنزه عن الهوى والغرض،
فضلاً عن الغش والخيانة. وينبغي أن يكون للجمعية الكبرى جريدة علمية دينية
تطبع في مكة أيضًا، وأية شعبة استطاعت إنشاء جريدة تنشئها) .
وقد بيَّنا في تلك المقالة ومقالة أخرى بعدها أهم ما يجب أن تقوم به هذه
الجمعية الكبرى من الإصلاح لجمع كلمة المسلمين والقيام بمصالحهم العامة،
وتجديد تبادل الرأي في كل عام، وهو ما أعدنا الآن بيانه واقتراح بعضه في
مؤتمر بيت المقدس في شهر شعبان الماضي أي بعد 35 سنة كاملة من كتابة هاتين
المقالتين.
مؤتمر أم القرى الخيالي:
ثم جاء مصر الحكيم الاجتماعي المفكر السيد عبد الرحمن الكواكبي فكان من
خيار أصدقائنا الذين نحاورهم ونسامرهم في موضوع الإصلاح الإسلامي، وكان قد
وضع قبل رحلته هذه كتاب (سجل جمعية أم القرى) الذي هو أوسع شرح لمشروع
أعظم مؤتمر إسلامي للإصلاح العام، وكان مختصرًا فزاد فيه شيئًا كثيرًا بعد
المذاكرات الطويلة بينه وبيننا نحن وغيرنا من المفكرين والباحثين في الإصلاح
الديني والمدني والسياسي، ونقَّح بعضه، وإن لدي نسخته الأصلية المخطوطة
الشاهدة على ذلك، ولما طبعه واطلع عليه أحمد مختار باشا الغازي الشهير اتهمني
بتأليفه لكثرة ما كان بيني وبينه - أي الغازي - من المذاكرات في موضوعه، وقد
ذكرت هذا في ترجمة الكواكبي في عهد الغازي، ولو كان الغازي متقنًا للغة العربية
لما اتهمني بذلك؛ فإن عبارة الكتاب ضعيفة وفيها كثير من اللحن والغلط، ولذلك
اتفقتُ مع مؤلفه رحمه الله تعالى على تصحيح عبارته وبعض التنقيح فيه ونشره في
المنار وإعادة طبعه عنه مع ذكر ما أخالفه فيه في حواشيه وهو قليل، وشرعت في
ذلك في المجلد الخامس سنة 1320 وتوفي رحمه الله تعالى قبل إتمام نشره وطبعه،
وكان يقول لنا: إن لجمعية أم القرى أصلاً، وإنه هو توسع في السجل ونقحه ست
مرات آخرها عند طبعه سنة 1317، ثم أقنعته بإعادة تنقيحه سنة 1320.
مؤتمر ندوة العلماء بالهند:
وفي سنة 1330 (الموافقة لسنة 1912) دعتني جمعية ندوة العلماء الهندية
المشهورة إلى رياسة مؤتمرها الذي عقدته في الهند فأجبت الدعوة، وقد بيَّنت في
خطبتي لافتتاح هذا المؤتمر في مدينة لكهنؤ، ثم في خطبتي الارتجالية في المدرسة
الكلية (الجامعة) في عليكدة وهي أعظم المدارس الإسلامية المدنية في الهند - ثم في
مدرسة ديوبند، وهي أعظم المدارس الدينية فيها - أهم أركان الإصلاح الإسلامي في
التعليم والتربية، وألقيت في المحافل والاجتماعات الأدبية والمدارس الإسلامية في
الهند خطبًا أخرى في الإصلاح أهمها الخطبة التي ارتجلتها في لاهور في الاجتماع
الذي عُقد للصلح بين الصحفيين الكبيرين مولانا محمد إنشاء الله صاحب جريدة وطن
رحمه الله، ومولانا ظفر علي خان صاحب جريدة زميندار حفظه الله، وقد أُعجب
حاضرو ذلك الاجتماع بما ألهمته فيه من فلسفة الاختلاف والاتفاق بين البشر، حتى
اقترح بعضهم أن أجعله موضوع خطبة الصدارة في مؤتمر ندوة العلماء، وكان قبل
عقد المؤتمر، ويليها الخطاب الذي ألقيته في بومبي في اجتماع عظيم عُقد للتأليف بين
أهل السنة والشيعة، وكنت مهَّدت له تمهيدًا عمليًّا في لكهنؤ بزيارتي لكبير مجتهدي
الشيعة فيها وحمله على زيارة ندوة العلماء وحضور حفلتها، ولم يكن زارها من قبل.
المؤتمر السوري العام بدمشق:
وفي سنة 1338 (1920) انتخبت رئيسًا للمؤتمر السوري العام الذي عُقد
في مدينة دمشق وأعلن استقلال سورية الطبيعية، وتولية الشريف فيصل ملكًا عليها،
فكان هذا اختبارًا وتمرنًا على إدارة المؤتمرات السياسية ومباحثها.
المؤتمر السوري الفلسطيني في جنيف:
وفي سنة 1341هـ عقد في مدينة جنيف المؤتمر السوري الفلسطيني وكنت
من مؤسسيه والوكيل الأول لرئيسه.
فهذه نبذة تاريخية في أول عهدي وأوسطه وآخره في فكرة المؤتمرات وعملها،
والبحث في موضوعاتها المختلفة، قبل المؤتمر الذي عُقد في هذه السنة في بيت
المقدس. وفي المنار مقالات ومباحث ورسائل كثيرة في هذه المؤتمرات وفي
مؤتمرات مسلمي الهند وغيرها.
مؤتمر مكة المكرمة السعودي:
ولما أراد صاحب الجلالة عبد العزيز آل سعود ملك الحجاز ونجد جمع مؤتمر
إسلامي بمكة عقب استيلائه عليها سنة 1344، كلفني إرسال دعوته لهذا المؤتمر
إلى بعض رؤساء الحكومات والجمعيات الإسلامية من مصر قبل استيلائه على جدة
فلبيت، ثم كلفني بمكة كتابة مشروع النظام الداخلي له والخطاب الذي يفتتحه
جلالته به ففعلت، ثم ألفت لجنة للنظر في مشروع النظام مؤلفة من أعضاء يمثلون
الحجاز والهند وجاوة وروسية وغيرها من بلاد الإسلام، فكانت تجتمع عندي في
دار بناجه الشهيرة حيث أنزلني جلالة الملك ضيفًا، بيد أنني أصبت بالحمى الشديدة
قبل إتمام تنقيح مشروع النظام، وقد نفخ في هذا المؤتمر شيء من روح الشقاق من
قبل الوفد الهندي بمعارضة محمد علي وشوكت علي لملك الحجاز في شكل حكومته
فوقى الله شره.
مؤتمر بيت المقدس:
قام بالدعوة إلى هذا المؤتمر صاحب السماحة السيد محمد أمين الحسيني المفتي
ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى لفلسطين بعد تمهيد غير تام له فلقي معارضة قوية
وكيدًا شديدًا.
وإنني أبدأ بنشر صورة الدعوة العامة إلى المؤتمر، فالدعوة الخاصة بي
لتعضيده والمساعدة عليه، ثم ألخص أخبار ما لقيه من الكيد والمعارضة، فأخبار
عقده وأعماله وعملي فيه ورأيي في فائدته، كما ينتظر مني قراء المنار فأقول:
نص الدعوة العامة إلى المؤتمر
نشرت الدعوة الأولى إلى هذا المؤتمر في 22 ربيع الأول من هذه السنة
(1350)
وحدد فيها موعد عقده بالتاسع من شهر جمادى الأولى الموافق أول
أكتوبر (ت 2) سنة 1931، ثم جاءت مكتوبات كثيرة إلى الداعي طلب مرسلوها
تأخير الموعد ليتمكنوا من الحضور فيه من بلادهم البعيدة فنسخت بالدعوة الثانية
وهذا نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ} (الطلاق: 6)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وآله وصحبه
أجمعين.
{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ
وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} (آل عمران: 104) .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته (أما بعد) فإنني أحمد إليكم الله الذي ألَّف
بالإسلام بين قلوبنا فأصبحنا بنعمته إخوانًا، وأصلي وأسلم على رسوله الكريم
الداعي إلى الحق وصراط مستقيم، وعلى آله وأصحابه وتابعيه الذين اهتدوا بهديه،
فشقوا بذلك لأنفسهم سبل النجاح والفلاح، وحيوا حياة طيبة {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا
مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ} (النحل: 97) .
ولما كان المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وكان الحادث إذا نزل
بفريق من المسلمين فكأنما نزل بالمسلمين جميعًا - فقد رأى فريق من أهل الرأي
النافذ، والغيرة الحافزة من أهل هذه البلاد وغيرها من الأقطار الإسلامية القيام
بدعوة واسعة النطاق لعقد مؤتمر إسلامي عام في بيت المقدس الذي تشرف بإسراء
الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، يُدعى إليه أعيان الملة الإسلامية وكبراء
رجالها من سائر الأقطار الذين عُهدت فيهم الغيرة والحمية والعِلم الصحيح والرأي
السديد والبصر النافذ، للبحث في حالة المسلمين الحاضرة، وفي صيانة الأماكن
المقدسة الإسلامية من الأيدي الممتدة إليها الطامعة بها، وفي شؤون أخرى تهم
المسلمين جميعًا وتعود عليهم بالخير العميم والنفع العظيم، إن شاء الله تعالى.
وبالنظر لما نعهده في جنابكم من الغيرة الإسلامية وسداد الرأي والكفاية التامة
للاضطلاع بهذا العبء، فإننا نوجه إليكم هذه الدعوة لحضور المؤتمر الإسلامي
العام الذي سيعقد - إن شاء الله تعالى - بالقدس الشريف في جوار المسجد الأقصى
الذي بارك الله حوله في ليلة الإسراء المباركة في 27 رجب سنة 1350، وفق 7
كانون الأول (7 ديسمبر سنة 1931) لتتفضلوا بالاشتراك مع الذين يلبون الدعوة
من كبراء الرجال في العالم الإسلامي، حيث يستلهمون الإقدام والعمل في سبيل
الإسلام من رضوان الله عز وجل، ومن روحانية المصطفى صلى الله عليه وسلم،
وسيكون افتتاح المؤتمر في المسجد الأقصى المبارك.
وإن لنا عظيم الأمل في أن ننال من جنابكم جوابًا بالبريد الجوي في أسرع ما
يمكن، يتضمن استعدادكم للتفضل بتلبية هذه الدعوة لهذا المؤتمر العظيم، الذي نرجو
أن يكون له أثر مبارك، وشأن كبير في تاريخ الجهاد الإسلامي بفضل غيرتكم وقوة
إيمانكم، وإننا نسأل المولى عز وجل أن يسدد خطانا، وينير سبلنا في هذه الظلمات
الحالكة بنور هدايته ورضوانه، ويوفقنا جميعًا لخدمة الإسلام. قال الله تعالى:
{وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة: 2) .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبركاته.
…
...
…
...
…
...
…
رئيس المجلس الإسلامي الأعلى
في 22 ربيع الثاني سنة 1350
…
...
…
... ومفتي الديار القدسية
…
...
…
...
…
...
…
... محمد أمين الحسيني
* * *
نص الدعوة الخاصة بصاحب المنار
بسم الله الرحمن الرحيم
مولانا صاحب السماحة الأستاذ الأكبر العلامة السيد محمد رشيد رضا، متَّع
الله المسلمين بطول بقائه، آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته (أما بعد) فقد صحت العزيمة بعد الاتكال
على الله تعالى على عقد مؤتمر إسلامي عام في القدس الشريف؛ ليبحث هذا المؤتمر
في أهم القضايا الإسلامية العامة التي تهم العالم الإسلامي قاطبة وتجمع كلمته وتكفل
تناصره بصورة عامة، وفي القضايا الإسلامية التي بفلسطين على الخصوص ومن
ذلك قضية البراق الشريف وسائر البقاع المشرفة في فلسطين، والنظر في اتخاذ ما
تدعو المصلحة إلى اتخاذه من المشروعات التهذيبية والثقافية في فلسطين، وتحقيق
فكرة إنشاء الجامعة الإسلامية التي كنتم أول من عمل على تحقيقها بتأسيسكم دار
الدعوة والإرشاد، وبغير ذلك من مساعيكم المشكورة الخالدة الأثر، وبذلك تتقوى
الروابط بين هذا القطر والأقطار الإسلامية الأخرى، وتتمهد السبل إن شاء الله إلى
إنقاذ هذه البلاد المقدسة من الأخطار العظيمة المحدقة بها.
ولما وجدنا السياسة الغاشمة قد انتهت بقضية البراق إلى الحالة التي وقفتم
سيادتكم عليها، رأينا أنه بات من الضروري الاستعانة برأي العالم الإسلامي في
تقرير الخطة التي ينبغي اتخاذها على يد هذا المؤتمر، وسنبعث إلى سيادتكم بوقت
قريب بخلاصة ما رؤي أن يكون الهدف والغاية في المؤتمر؛ لتتفضلوا بإبداء رأيكم
الحكيم ونظركم الصائب وإرشادكم الثمين في هذا العمل، الذي نرجو من الله
سبحانه وتعالى أن يجعل منه لمسلمي هذه البلاد الفائدة الطيبة والنتيجة الحسنة.
وقد عرضت لنا الحاجة الآن إلى الحصول على عناوين أرباب المكانة
والزعامة، والفكر والقيادة من المسلمين في جميع الأقطار لنبعث إليهم بالدعوة
لحضور المؤتمر المقرر الانعقاد في ليلة الإسراء المباركة الموافقة 27 رجب
1350 -
7 ديسمبر 1931، وقد ظننا أن لمجلة المنار الغراء السبيل إلى إمدادنا
بالعناوين التي ترون سيادتكم أنه من الواجب توجيه الدعوة إلى أصحابها في جميع
الأقطار الإسلامية، وقد يكون في هذا التكليف شيء من المشقة والإزعاج فنرجو
منكم العفو عن هذا والمعذرة مع يقيننا أن للمصلحة العامة أعظم حرز وأكبر ملجأ
في ذات سيادتكم الكريمة، ونرجو أن نتلقى هذه المساعدة من سماحتكم بأقرب وقت
ممكن، والله تعالى يأخذ بيدنا ويهدينا سواء السبيل إلى ما فيه خيرالإسلام والمسلمين
وهو السميع المجيب.
9 جمادى الأولى 1350
…
...
…
... محمد أمين الحسيني
* * *
مقاومة المؤتمر المقدسي ومسألة الخلافة:
كان قد ذاع وشاع أن (مولانا شوكت علي) أحد مؤسسي جمعية الخلافة في
الهند لترويج سياسة الخلفاء العثمانية التركية - هو الذي اقترح على السيد محمد أمين
الحسيني عقد هذا المؤتمر، وأن أهم غرض فيه مبايعة عبد المجيد أفندي العثماني
آخر سلاطين الترك بالخلافة، وهو الذي نصبته الحكومة الكمالية سلطانًا وخليفة
روحانيًّا لا شأن له ولا حق في الحكم، ولا في نصب الحكام، ولا في شريعة
الإسلام، فرضي ثم خلعته.
ثم اختلف الناس في مقام هذا الخليفة، فقيل: إن شوكت علي سعى مع الدولة
البريطانية على أن يكون مقامه في بيت المقدس ليكون آلة في يدها تستعمل سلطته
الروحانية الوهمية في إخضاع مسلمي الهند وغيرهم لها قلبًا وقالبًا. وقيل: إن
مقامه هذا يكون مؤقتًا ثم ينقل إلى مكة المكرمة بقوة الإنجليز، وبذلك ينتقم شوكت
علي من عبد العزيز آل سعود ملك الحجاز ونجد. وقيل: بل ينقل بعد ذلك إلى
الهند فيقيم في حيدر آباد، وهو أينما يكون (خليفة بريطانيًّا) وقيل: بل اتفق
الإنكليز وفرنسة على مبايعة أهل فلسطين وسورية جميعًا له وبقائه على القدس، وأن
يكون نفوذه شركة بينهما يُخضعان بها رعاياهما المسلمين.
وقد جهل هؤلاء كلهم كبيرهم وصغيرهم أن إنكلترة قد اتفقت مع حلفائها في
الحرب على توجيه نفوذهن كلهن إلى إماتة منصب الخلافة الإسلامية موتًا أبديًّا
على مذهب الدهريين المنكرين للبعث والنشور، وأن موته خير لهن من حياته
ليكون صاحبه آلة لهن، إذ لا يأمَنَّ أن ترتقي الشعوب الإسلامية وتتفق كلها أو
أكثرها على تحقيق وحدتها في التشريع والحكم بجعل هذا المنصب حقيقيًّا لا وهميًّا،
وجعل سلطانه فعليًّا لا صوريًّا؛ وإنما يمكن هذا بوضع نظام لممالكها المتحدة
المستقلة يكون له مجلس اتحادي رئيسه الخليفة.
هذا هو الحق، لكن الإشاعة راجت وصدَّقها الجماهير من الناس غافلين عن
تعذر هذا العمل بهذه الوسيلة الضعيفة وهي جمع مؤتمر بدعوة مفتي فلسطين
يرضى أعضاؤه أن ينتحلوا لأنفسهم صفة أهل الحل والعقد في الشعوب الإسلامية
زورًا وظلمًا وأن يكونوا طوع شوكت علي الهندي، أو خدمًا لنفوذ إنكلترة في أمتهم،
بل صدقت الإشاعة حكومة الترك الحاضرة فقامت لها وقعدت، وأرغت وأزبدت،
وأنذرت وهددت، وصرح كبار رجالها بأن هذا عمل عدائي لها، وخاطب سفيرها
في لوندرة حكومتها بذلك، وأكثرت جرائدهم الخوض فيه، ومزجوا كلامهم بالهزء
والتهكم، والسخرية من المسلمين والعرب، وراجت الإشاعة في مصر فكثر
الخوض فيها.
وانتدب علماء الأزهر للطعن في المؤتمر والصد عنه وشايعهم آخرون، فقام
في وجوههم خصوم يفنِّدون آراءهم ويدافعون عن دعوة المؤتمر، كان ألذعهم قلمًا
وأوجعهم ألمًا، الكاتب المؤثر الجريء الصدّاع علي أفندي عبد الرازق عدو الأزهر
وأنصاره، فاشتد سوء الظن بالمؤتمر عند هؤلاء وأولئك، وانتقل الصد عنه
والإرجاف به من طور إلى طور، وقد كذب السيد أمين الحسيني الخبر ثم كذَّبه
مولانا شوكت علي، ولم تكف الجرائد عن الخوض فيه، ولا الأزهريون عن النقد
والطعن عليه والصد عنه، وبناء ذلك على الإجمال والإيهام في دعوته.
اتهام المؤتمر بمناهضة الأزهر:
بدأ الطعن فيه بمقالات ينشرها بعض كبار شيوخ الأزهر في الجرائد، فانتقل
إلى تأليف مظاهرات اجتماعية من جميع المعاهد التابعة له في القطر، ويظهر مما
كتب في ذلك أن الأزهريين فهموا مما ذكر في الدعوة إلى المؤتمر من الاستعانة به
على إنشاء مدرسة إسلامية جامعة في فلسطين يُراد به أن تكون هذه الجامعة
معارضة للجامعة الأزهرية ومضادة لها، وحينئذ تكون مفسدة في العالم الإسلامي
يجب درؤها، وإحباط أمر المؤتمر الذي يدعو لها، بل صار موضوع الحوار بين
الناس في هذا المؤتمر أن الغرض منه مقاومة سياسة الحكومة الملكية المصرية
وأزهرها.
إن هذا لأمر عجيب، وإنه لأبعد عن العقل من كون الغرض منه أو كون أحد
الأغراض الأساسية منه نصب خليفة للمسلمين في فلسطين، وأغرب ما فيه وأدعاه
إلى العجب أن يكون المراد من إنشاء مدرسة جامعة في فلسطين معارضة الأزهر
ومناصبته، وما استُدل به على ذلك من أنها ستسير على نظامه ومناهجه، وأشد
من هذا وأعمق في إثارة العجب أن يثور الأزهر وجميع معاهد العلم التابعة له لصد
العالم الإسلامي كله عن عقد المؤتمر لدرء هذا الخطر الوهمي الذي تهدده به هذه
الجامعة التي يكلف تقريرها والسعي إليها، ولو كان الأزهريون أو غيرهم من
الجماعات الإسلامية يهُبُّون لدرء المفاسد الحقيقية والأخطار المستيقنة في بدء
وقوعها كما هبوا لمقاومة هذا الخطر الوهمي قبل وقوعه - لما نالت خطوب الدهر
ونوائبه من المسلمين نيلاً.
كيف يعقل هذا الخطر؟ من ذا الذي يقصده؟ أهو السيد محمد أمين الحسيني
مفتي القدس أم غيره؟ ما فائدة هذا العمل لمن عساه يقصده؟ كيف يتصور أن
يتوسل إليه بمؤتمر إسلامي؟ هل يعتقد الأزهريون أن العالم الإسلامي قد ثبت عند
دهمائه أو حكامه وملوكه وأمرائه أن الأزهر مفسدة في الإسلام يجب القضاء عليها،
فيخشون أن يقبل مندوبوهم في المؤتمر اقتراح القضاء عليه أو معارضته بجامعة
تحل محله أو تغني عنه؟ ثم إذا قبل المؤتمر هذا وقرره وجمع المال الكثير له
فكيف يكون التنفيذ لمقصده؟ من ذا الذي يضع النظام لهذه الجامعة الإسلامية
المقدسية المؤتمرية؟ وما الكتب التي تختار أو تصنف لها؟ ومن أين يؤتى لها
بالمدرسين الذين يتولون هذا التعليم الغريب فيها؟
إنه ليمكن بسط كل استفهام من هذه الاستفهامات الإنكارية في مقال أو مقالات
يثبت بكل منها أن ذلك الوهم الذي ألقي في روع الأزهر، فأحدث فيه ذلك الروع
العجيب من محالات العقول أو محاراتها؛ ولكن إقناع الجماعات بالأوهام التي
ينكرها الحس مع العقل من أسهل الأمور المألوفة، كما أن تقليد بعض الجماعات
لبعض فيها من الوقائع المعروفة، كما حققه فيلسوف التاريخ (غوستاف لوبون)
وأما الأفراد المستقلون في فهمهم وتفكيرهم فلا تقبل عقولهم أمثال هذه الأوهام، وقد
حدَّثت بعض أصدقائي من علماء الأزهر غير المجروفين بتيار مشيخة الأزهر في
هذه المسألة فوافقوني على استحالة ما عزي إلى الداعي إلى المؤتمر وإخوانه
أعضاء اللجنة التحضيرية له أن يقصدوا من الجامعة المقدسية مصادمة الأزهر
ومعاداته، وإن طعن الأزهريين في هذا المؤتمر بهذه العلة مما لا يسيغه العقل ولا
يسوغه الدين.
إن كانت الجامعة المطلوبة دينية كالأزهر فأجدر بالأزهريين أن يفرحوا بها،
ويرشحوا علماءهم للتدريس فيها، وإن كانت مدنية فلا تعدو أن تكون كالجامعة
المصرية، وقد صرَّح بعض كتاب مصر في جرائدهم بأن الغرض منها نسخ
الثقافة الأزهرية القديمة البالية بثقافة طريفة مجددة، ولم نر أحدًا من علماء الأزهر
هاجمها بكتابة ولا مظاهرة، فكيف أخذوا أهبتهم، واستجمعوا قوتهم، واستلوا
سيوف ألسنتهم، وشرعوا أسلات أقلامهم للضرب والطعان، وبارزوا الجامعة
المقدسية قبل بروزها إلى الميدان، إن هذا مما يؤسف له ولكنه وقع، ودُفع الأزهر
فاندفع، وطالبني بعض من يعجبهم رأيي في أمثال هذه المسائل الإسلامية أن أكتب
مقالاً في هذا الموضوع يحز في المفصل، ويحل هذا المعضل، وينشر في بعض
الجرائد اليومية، فقلت إن الكتابة في هذا الموضوع الآن ليس من المصلحة
الإسلامية في شيء؛ فإن تخطئة الأزهر في أمر ظهر به جمهور شيوخه وجيوش
طلابه لا يجوز إلا إذا تعذر تلافي هذه الفتنة وإقناعهم بالكف عن الطعن في المؤتمر
والصد عنه مع حفظ كرامة الفريقين، فإن تعذر هذا فنصر دعوة المؤتمر واجبة
لأنه مصلحة إسلامية ضرورية، في إحباطها مضار كثيرة عامة ذكرتها لهم، وأشرت
إلى هذه المصلحة العامة في مقدمة هذا المقال، وقد اشتدت الضرورة إليه في هذا
الزمان، وسأذكر المصلحة الخاصة بالمكان (القدس) وإرجاؤه بعد تعميم الدعوة
إليه - كما اقترح بعض الناس - فيه مضار أخرى لا تخفى على العاقل المفكر، فلا
يقول بها إلا أفين الرأي، أو سيئ القصد، كذلك حفظ كرامة جامعة الأزهر
ضرورية من حيث شخصيته المعنوية، ولا ينافيها نقد مشيخته في إدارته ونظام
التعليم فيه، ولا الرد على بعض شيوخه، والجمع بين كرامته وتأليف المؤتمر
وكرامة الداعي إليه ممكنة.
لم أر لتلافي الفتنة إلا دعوة السيد محمد أمين الحسيني إلى الإسراع بالمجيء
إلى مصر لتلافيها مع الحكومة المصرية الملكية ومشيخة الأزهر؛ فإنني موقن بأنه
لا يقصد هو ولا أحد من أعضاء اللجنة التحضيرية للمؤتمر شيئًا يسوء هذه الحكومة
ولا الأزهر، ولا شيئًا يمس كرامتهما بما يشينها أو يعد غمصًا لحقوقهما.
ولا أكتم في هذا المقام ما سمعته بأذني من بعض الطاعنين الناقمين من ترك
السيد محمد أمين ما كان يجب عليه وجوبًا أدبيًّا من استئذان جلالة ملك مصر في
هذه الدعوة لما له من المكانة والميزة بين ملوك المسلمين، ولما له من الفضل في
مساعدة السيد محمد أمين المالية الكبيرة على ترميم المسجد الأقصى، وقال لي
رجل آخر له مكانة في كبراء المسلمين أنه كان يجب عليه أن يستشير جميع ملوك
المسلمين في هذا العمل العظيم، وقد أجبت هذا وكل من أورد هذا الانتقاد بأن
الرجل قد ثبت عنده وعند من شايعه وساعده على الدعوة إلى هذا المؤتمر أنه
ضروري لتعزيز مركز فلسطين تجاه مطامع اليهود ومحاباة الدولة البريطانية لهم،
ولتقوية مركز المجلس الإسلامي الشرعي فيها ومركزه هو فيه، والأمر الضروري
الذي لا بد منه لا يستشار فيه أحد ولا سيما من كان ما يشير به حكمًا أو كالحكم
الذي لا مندوحة عن طاعته كصاحب الجلالة ملك مصر؛ وإنما الواجب الأدبي الذي
تقتضيه المصلحة والذوق إيذان ملوك المسلمين بالدعوة وطلب عطفهم ومساعدتهم،
وأظن ظنًّا يزاحم اليقين أن هذا قد وقع، كذا قلت لهذا الرجل الكبير ولمن دونه
بادي الرأي، ثم علمت أنه هو الحق.
في هذه الأثناء كتب إليَّ السيد محمد أمين الحسيني كتابًا آخر اقترح عليَّ فيه
أن أكتب رسالة فيما أرى اقتراحه على المؤتمر من الإصلاح الإسلامي وإرسالها
إليه؛ لأجل أن تطبع وتوزع على أعضاء المؤتمر عند حضورهم، فتكون مادة
لتفكيرهم من أخ لهم صرف أكثر من ثلث قرن في البحث والكتابة والعمل والمذاكرة
والمناظرة في هذا الإصلاح من جميع جوانبه وفروع مسائله، فكتبت إليه أنه يجب
قبل هذا الاستعداد للمؤتمر أن يجيء القاهرة لأجل تلافي فتنة المعارضة لفكرة
المؤتمر وتشويه سمعته والصد عنه التي شرع الأزهر فيها، ووافقَتْ أهواء آخرين
يشايعون خصومه في فلسطين نفسها، فلم يلبث أن حضر وكان من سعيه ما
سألخص خبره في هذا المقال.
المعارضة في فلسطين ومثيروها:
يوجد في مدينة بيت المقدس تنافس بين بيت الحسيني وبيت الخالدي من
بيوتاتها، وقد توارث الأول منهما منصب الإفتاء، وكثر في الثاني كُتَّاب المحاكم
الشرعية في هذه المدينة، وتوارثوا أعمالها في عهد قضاتها الذين كانت توليهم
مشيخة الإسلام في الآستانة، فلما أنشئ المجلس الشرعي الأعلى بعد رسوخ قدم
الإنجليز في البلاد وكان رئيسه مفتي القدس من آل الحسيني صارت المحاكم
الشرعية في البلاد كلها تابعة لرياسته، فكان هذا سببًا لقوة التنافس بين الأسرتين:
الحسينية والخالدية. وهنالك بيت النشاشيبي من أسر الوجاهة وعماده راغب بك
النشاشيبي رئيس البلدية، وهو مساير وملائم لسياسة الحكومة الإنكليزية الصهيونية،
وآل الحسيني زعماء المعارضة لها، فلما علت وجاهة المفتي الحسيني برياسة
المجلس الأعلى الذي يتولى إدارة المحاكم الشرعية والأوقاف الإسلامية معًا كان
بينهما من المنافسة ما اقتضى الاتفاق بينه وبين آل الخالدي على معارضة الحسيني،
ولكل من الفريقين أنصار في البلاد، فأنصار الحسيني يُسمَّوْن المجلسيين،
والآخرون يُسَمَّون المعارضين، ولكل منهما جرائد تدافع عنهم وتطعن على
الآخرين، وكل من كان له حاجة عند زعيم فلم يقضها له اتخذه عدوًّا، فظاهر خصمه
عليه بكل ما يقدر عليه من قول وفعل، وعقلاء البلاد الفضلاء يخشون عاقبة هذا
الشقاق ويمقتون جميع مظاهره، ولا يهتدون إلى إزالته سبيلاً.
ولما رأى هؤلاء المعارضون بوادر اعتراض الأزهر على عقد المؤتمر
وصدهم عنه، وبلغهم أنه عنوان لسخط الحكومة المصرية، أو موعز به من رجال
القصر - اشتدت نقمتهم، وقويت عزيمتهم، وأرسلوا رائدهم إلى مصر فناجى بعض
من يرجون شد أزرهم، وصاروا يرسلون أشد جرائدهم طعنًا في المؤتمر ولجنته
التحضيرية، وفي جميع أعمال السيد محمد أمين الحسيني حتى السابقة إلى جميع
من عرفوا عنوانه من علماء مصر ووجهائها ورجال حكومتها؛ لأنهم يريدون إسقاط
حرمته ومكانته من النفوس لذاته لا لتقصيره معهم بعدم ضم زعمائهم إلى اللجنة
التحضيرية المنظمة لدعوة المؤتمر كما يقول أعوانهم.
ذلك بأن من المعلوم بالبداهة أن دعوة كبير آل الحسيني رئيس المجلس
الإسلامي الأعلى إلى عقد مؤتمر إسلامي عام في مدينة بيت المقدس تعلي قدره،
وترفع ذكره، وتعزز مركزه، فلهذا هب المعارضون إلى تشويه سمعة المؤتمر
والطعن في مقاصده لصد المسلمين عن إجابة الدعوة إليه، أو التوسل إلى الاشتراك
مع السيد الحسيني وحزبه في اللجنة التحضيرية المعدة له، ثم في إدارة شؤونه،
واختيار من يدعى إليه من أهل فلسطين وغيرهم ليكون لهم شأن وتأثير في اختيار
الرئيس العام له، فيحولوا دون انتخاب رئيس المجلس له. وجملة القول: إن
غرضهم من المعارضة منع عقد المؤتمر أو الحيلولة دون جعل الفضل الأكبر له
ولحزبه فيه، ودون جعله معززًا لمركزه ومقويًا لنفوذه في البلاد.
الاتفاق بين مفتي القدس ورئيس الوزارة وعقابيله:
دعوتُ السيد محمد أمين الحسيني للإلمام بالقاهرة لتدارك ما فيها، فحضر وقال
لي: إنه جاء بدعوتي، وقد علمت أنه دعاه غيري أيضًا، جاء فاستقبله صديقه
الدكتور عبد الحميد بك سعيد الرئيس العام لجمعية الشبان المسلمين، وهو من
أنصار الحكومة الملكية المصرية الحاضرة في برلمانها الحاضر وفي خارجه،
وصديق رئيسها صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا، وكاشفه بظواهر معارضة
مشروع المؤتمر هنا وخوافيها، وقوادم أجنحة الإشاعات والمؤامرات وخوافيها،
وما يراه من الطريقة المثلى لتلافيها، وبادر إلى جمعه برئيس الحكومة فشرح له
السيد المسألة وأقنعه بأنه ليس من مقاصد المؤتمر طرح مسألة الخلافة ولا نصب
خليفة للمسلمين، ولا يتضمن شيئًا ما يمس الحكومة المصرية من قرب ولا من بعد،
وأن المدرسة الجامعة التي يدعو إليها مدرسة علمية مدنية معارضة لانفراد
الجامعة العبرية الصهيونية بالتعليم العالي في البلاد، ومعززة لمركز المسلمين
الديني والدنيوي فيها، وأظن أنه أجاب عن الإجمال في عبارة دعوة المؤتمر الذي
أسيء فهمها أو تفسيرها، بأن سببه أن الحق في تفصيل المصالح الإسلامية
للمؤتمرين فيه وليس للداعي إليه أن يلزمهم حدودًا مفصلة لا يتعدونها.
وهذا نص ما نشر في الجرائد المحلية اليومية عقب اجتماع السيد محمد أمين
رئيس المجلس الإسلامي الفلسطيني برئيس الوزارة المصرية:
كتاب مفتي القدس
إلى رئيس الوزراء
حضرة صاحب الدولة رئيس الوزارة المصرية الأفخم:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد فإني أؤيد لدولتكم ما جرى به الحديث
بيننا اليوم من أن الموضوعات التي سيتناولها البحث في المؤتمر الإسلامي الذي
سيعقد في بيت المقدس في 27 رجب سنة 1350 ستكون بعيدة كل البعد عن أن
تمس الشؤون المصرية البحتة من سياسية وقومية، أو تتعرض لما يتعلق بالأزهر
الشريف، الذي أود بمناسبته ألا يتسرب إلى الذهن بأي حال من الأحوال أن الجامعة
المراد إقامتها في القدس قد قصد من إنشائها أي مرمى غير خدمة مسلمي فلسطين
الذين هم في حاجة إلى كلية مدنية بجانب الكلية التي أنشئت لغير المسلمين،
وستتخذ التدابير الفعالة لعدم تخطي المناقشات الدائرة السالفة الذكر، كذلك ستحرص
اللجنة كل الحرص على أن لا تؤدي الرخصة العامة الواردة في البرنامج بشأن
الاقتراحات إلى الخروج بقدر ما عن هذه الدائرة، وإني أنتهز هذه الفرصة لأصرح
لدولتكم أن ما ذاع بشأن تناول أبحاث المؤتمر مسألة الخلافة ليس لها أساس من
الصحة على الإطلاق، كما أني أبدي مزيد الاغتباط لتأكيد دولتكم لنا بعد ما سمعتم
من تصريحاتنا بشأن المرامي الحقيقية للمؤتمر، أن حكومتكم تنظر إليه بعطف
ورعاية.
وتفضلوا يا صاحب الدولة بقبول فائق الاحترام
…
...
…
...
…
رئيس المجلس الإسلامي الأعلى بفلسطين
…
...
…
...
…
... إمضاء (محمد أمين الحسيني)
26 جمادى الثانية سنة 1350 هـ
ما حدث بعد الاتفاق مع الحكومة:
بعد هذا سكن الروع، وسكت الغضب، وكفَّ الأزهريون عن الطعن في
المؤتمر، فاستغنيت عن المضي في السعي الذي كنت بدأت به مع صاحب الفضيلة
الأستاذ الشيخ عبد المجيد سليم مفتي الديار المصرية، لدرء الفتنة ورتق الفتق ليمهد
له السبيل مع الأستاذ الأكبر شيخ الأزهر قبل التلاقي مع الأستاذ السيد محمد أمين
الحسيني، وقد تلاقيا على وفاق؛ ولكن ما كاد يعلم الناس بوجود هذا السيد الوجيه
في القاهرة حتى أقبل الوجهاء على السلام عليه كعادتهم، ودعوته إلى مآدبهم،
وكان أسبقهم إلى ذلك زعماء الوفد المصري أصحاب الدولة والمعالي الوزراء
السابقون مصطفى باشا النحاس ومحمد فتح الله باشا بركات ونجله بهي الدين بركات
والأستاذ مكرم عبيد، فكان من رأي الذين يودون عطف الحكومة الملكية المصرية
عليه وعلى المؤتمر، إعجاله ليعود أدراجه إلى القدس، خشية انتكاث الفتل والتياث
الأمر، بفتنة الأحزاب المستحِرَّة في مصر، فأعجزهم لوثه وصرفه عن إجابة كل
داع، وحجته أنه غريب يجب أن يكون سلمًا لكل الناس، فعاد حزب الحكومة إلى
التثريب عليه وتفنيد رأيه، وأذاعوا أنه أحبط بهذا كل ما كان مرجوًّا له أو موعودًا به
من العطف العالي، والنوال المالي، وعاد المعارضون له في وطنه يذيعون بألسنتهم
وأقلام جرائدهم أن الحكومة المصرية غير راضية منه، ولا هي بعاطفة على
مؤتمره، ولقنهم أنصارها في مصر ما أذاعوه هنا من أن الحكومة سجلت عليه ما
حملته على كتابته ونشره في الجرائد من تقييد المؤتمر بما كتبه في بلاغين له ونشره
في الجرائد من غير أن تقيد نفسها بكتابة شيء، بل قيل ونُشر في الجرائد أن وزارة
الداخلية أرسلت إليه أحد رجالها من دائرة حفظ الأمن العام لحمله على السفر خفية
خيفة حدوث مظاهرة له أو بسببه تضطر إلى مقاومتها بالقوة، دأبها في مقاومة كل
هذه المظاهرات الحزبية، وقد وافق هذا عادته في عوداته من مصر إلى فلسطين في
زياراته السابقة، فسافر ولم يعلم الناس ولا الجرائد بيوم سفره.
السعي للصلح في فلسطين:
انتدب الدكتور عبد الحميد بك سعيد للصلح بين السيد الحسيني وراغب بك
النشاشيبي وأعوانهما، فذهب إلى القدس، وفاوض الفريقين على قاعدة اشتراك
المعارضين مع المجلسيين في لجنة المؤتمر التحضيرية وعدد الأعضاء من كل
فريق فيها، ثم يتبع ذلك عدد أعضاء كل منهما في المؤتمر وتعيين شخوصهم،
وعاد إلى مصر، فبلغ الناس والصحف أنه تم له ما أراد، ثم ظهر أنه ما كان قد
بقي كما كان.
ثم عاد من أوربة مولانا شوكت علي، لأجل حضور المؤتمر، وسافر هو
وصديقه عبد الحميد بك سعيد إلى القدس قبل موعد عقد المؤتمر، وحاولا عقد
الصلح بين الفريقين فلم يتم لهما ما حاولا، ورأيا أن الإباء من السيد الحسيني
فسخطا منه وسخط هو منهما، وقد كانا من أصدقائه الحريصين على نجاح المؤتمر،
وظهر هذا السخط في المؤتمر للكثيرين وبعد انتهائه للناس أجمعين، فكان مدعاة
الأسف.
أما وجهة نظرهما ونظر أعوانهما ممن حضر المؤتمر من أصدقاء عبد الحميد
بك سعيد فهو أن الصلح خير من الخصام بنص القرآن واتفاق جميع الناس، وأنه
لا ينبغي أن يؤلف مؤتمر في فلسطين لأجل مصالح المسلمين، وجمع كلمتهم على
ما يمكن من المنافع العامة وأهلها في شقاق وخصام يمنع من اشتراك جميع أحزابهم
فيه.
وأما وجهة نظر الحسيني وحزبه فهو أن هؤلاء المعارضين له في المؤتمر
وغيره فئة سيئة النية معادية له في جميع أعماله تبدل حسناته سيئات، لا ينافي
سخطهم ومعارضتهم رضاء السواد الأعظم من الفلسطينيين وتأييدهم للمؤتمر،
وأنهم لما عجزوا عن إحباط مشروع المؤتمر من الخارج أرادوا الدخول فيه لإحباط
مقاصده من الداخل، وتوسلوا إلى هذا بنشر المطاعن الفظيعة في جميع العالم
بجريدة خاصة لهم وبالمنشورات الخاصة منهم، وشايعهم اليهود الصهيونيون في
جرائدهم، ولو أرادوا الصلح الصحيح لما توسلوا إليه بهذه الوسيلة، فالشر لا يكون
وسيلة إلى الخير، والباطل لا يكون ذريعة للحق، وإن تصدي الدكتور عبد الحميد
بك سعيد للصح أولاً، ومساعدة مولانا شوكت علي له ثانيًا بما كان من الاجتماع
بهؤلاء الخصوم، وإظهارهم الميل إليهم وحقيقة مطالبهم - قد نأى بهم عن الصلح
المعقول، إذ رأوا أن لهم أنصارًا أقوياء يعتقدون أنهم ينفذون رغبة الحكومة
المصرية العظيمة الشأن، وأنه لولا هذا لكان الصلح قريب المنال.
رأيي وخطتي في الصلح:
إنني لما علمت أن صديقي الدكتور عبد الحميد بك سعيد أراد الذهاب إلى
القدس لأجل السعي بالصلح أول مرة - عنيت بلقائه وتحبيذ سعيه وما أراه فيه،
وكنت أظن أن أول ما يجب أن يقوم به هو أن يتضمن الصلح براءة المعارضين
من مثل مطاعن جريدة مرآة الشرق، ومخرجًا مقبولاً من المطاعن التي نشروها
بأسمائهم وأسماء من شايعهم، ووضع أساس لاستبدال المودة بالعداوة، والتعاون
بالمعارضة.
وجملة القول: أنه ما كان ليرجى وقوع الصلح بين فريقين شأنهما ما بيناه في
هذا المقال بإشراك خصوم القائم بفكرة المؤتمر في عمله الداخلي مع بقاء عداوتهم
الراسخة له في بيته وحزبه وسياسته ووظيفته؛ لأنه عبارة عن حرمان نفسه شرف
هذا العمل وكفالته، ورضاه بأن تدخل المعارضة له فيه نفسه.
ولو وقف الساعون بهذا الصلح عند الحد الذي انتهوا إليه لما كان له ولا لغيره
أن يلومهم فيه؛ ولكنهم كتبوا بيانًا في خلاصة سعيهم سجلوا فيه عليه أنه هو الذي
أبى الصلح بعد أن كانوا أقنعوه به، وشهدوا لخصومه بحسن النية في مطالبهم، مع
العلم بما كان من مطاعنهم الشديدة في شخصه وذمته وشرفه وأعماله في رياسة
المجلس الإسلامي الأعلى من أول عهده إلى آخره، ومع العلم بأنهم أعوان المحتلين.
إنني محب لعبد الحميد بك سعيد وصديق، وأحمد له نهوضه بتأسيس جمعية
الشبان المسلمين التي تمنيت وجودها وسعيت له منذ عشرات السنين، وأعتقد أنه
كان حسن النية فيما سعى إليه بحسب رأيه واجتهاده في سياسته، ولو ندبني للسعي
معه للصلح بعد اجتماعنا في القدس لانتدبت كدأبي معه فيما يدعوني إليه من خدمة
لجمعية الشبان المسلمين، وأدلي إليه أحيانًا بما أراه من المصلحة تبرعًا واحتسابًا،
وأعتقد أنه لا يشك في إخلاصي له حتى فيما يختلف فيه رأيه ورأيي، ومنه أنني
نصحت له أن يهجر السياسة مليًّا ويسالم جميع أحزابها ويصرف كل جهده إلى
خدمة جمعية الشبان المسلمين التي لا يرجى نجاحها إلا بإقناع كل مسلم يغار على
الإسلام بأن هذا العمل لوجه الله تعالى لا شائبة فيه لمقاصد الأحزاب والسياسة،
وذكرت له أن مثله فيه كمثل محمد طلعت باشا حرب في خدمته المالية وأعماله
الاقتصادية لمصر، هجر لأجله السياسة وله فيها الرأي الحصيف عملاً بقاعدة
الأستاذ الإمام حكيم مصر والإسلام: (ما دخلت السياسة في عمل إلا أفسدته)
فشايعه على عمله جميع رجال الأحزاب السياسية وقدره له صاحب الجلالة الملك،
فأنعم عليه برتبة الباشوية بمحض عطفه ورضاه عن أعماله.
قلت: إن صديقي عبد الحميد بك لو ندبني للسعي معه للصلح لانتدبت، ولجاز
أن يكون له من رأيي الذي علم بعضه مما مر آنفًا ما يرجى به النجاح، وإذًا
لعارضته في نشر تلك الشهادة للمعارضين بحسن النية استبقاء للمودة بينه وبين
الفريقين، ومن رأيي أن مودته للسيد الحسيني وحزبه أنفع من مودته لراغب بك
النشاشيبي وحزبه؛ لأن وجهته في خدمة الأمة دينية يجتمع فيها مع الأول بالتعاون
والتناصح دون الثاني.
وأنا قد كلمني بعض المخلصين في القدس بأن أسعى وحدي لهذا الصلح
لاعتقادهم أنني لا أرضى إلا بالمصلحة العامة وصميم الحق، فأحببت ذلك وأردت
الاستعداد له بالوقوف على كنه الشقاق واختلاف المنافع والأهواء فيه، فعلمت من
أقوال أصدق العارفين بالحقائق أن السعي الذي يُرجى نجاحه متعذر في تلك الأيام -
أيام المؤتمر - لاختلاف المقاصد فيه وفي السياسة والرياسة وقد تسنح له فرصة
أخرى.
وكان من العوائق أنه لم يسبق لي اجتماع براغب بك، وقد دعاني إلى حفلة
الشاي التي دعا إليها أكثر أعضاء المؤتمر فلم أستجب له؛ لأنه لم يزرني عقب
وصولي إلى بلده، ولم يدعني بنفسه، بل أعطاني بعض المدعوين رقعة من رقاع
دعوته، ولم يزرني أيضًا أكبر أركان حزبه المعارض للحسيني وهو الأستاذ الشيخ
خليل الخالدي على ما بيننا من تعارف وتواد قديمين (ومن صداقة مع أشهر
رجال أسرته المرحوم روحي بك الخالدي) وكان يتفضل بزيارتي إذا أَلَمَّ بمصر،
وكأنه ظن أنني أشايع السيد أمينًا الحسيني عليهم لأنه صديقي وتلميذي، وحاش لله،
ما أنصر أحدًا على الباطل ولو كان أستاذي أو أخي، أو والدي أو ولدي، وقد
تنكب الصراط المستقيم من كان تلميذًا لي فنصحت له فلم يزدد إلا ضلالاً، فرددت
عليه في المنار أشد الرد، وصرحت بإلحاده في آيات الله وتحريفه لكتاب الله؛
وإنني لأنصح للسيد محمد أمين في كل أمر يقتضي النصح والتواصي بالحق
والصبر.
عوائق الصلح وعواقبه الحزبية السياسية:
قلت: إنني كنت حريصًا على منع وقوع الجفاء بين السيد أمين الحسيني
وعبد الحميد بك سعيد وعلى تلافيه بعد وقوعه، فكان من أسباب اشتداده وعلم
الجماهير به ذلك البيان في مسألة الصلح، ومنشور آخر شر منه لعضو من رفاقه
المصريين المشايعين للوزارة الحاضرة، ذكر في هذا البيان أقبح ما يطعن به خصوم
الحسيني فيه، وتكليفه أن يحاكمهم إلى محاكم الجنايات إن كانوا كاذبين وإلا كان
لجميع الناس أن يصدقوهم في طعنهم بذمته وشرفه وأمانته، وقد طبع هذا المنشور
ووزع في الفنادق والأسواق والشوارع بإمضاء كاتبه الذي لم يره أحد بعد نشره لا في
المؤتمر ولا في خارجه، ولا يجهل عاقل رأي الناس في مثل هذا المنشور وقصد
صاحبه، والباعث له عليه، والمنفق على طبعه، والمهتم بنشره.
وكان قبله ما كان في حفلة افتتاح المؤتمر في المسجد الأقصى، إذ قام رفيق
آخر من أصحابه دعاة الوزارة والمنافحين عنها وحاول إسكات الأستاذ عبد الرحمن
عزام مندوب الوفد المصري عندما وقف على كرسي الخطابة وبلَّغ المؤتمر تحية
الوفد ورئيسه وتأييده له كسائر المصريين، صاح به محاولاً تسكيته أو تسقطه،
وذكر اسم جلالة ملك مصر بما لا يخلو من إيهام كان له أسوأ التأثير في المسجد،
وهمَّ بعض الفلسطينيين بالصائح، كما فصَّلت ذلك الجرائد المصرية والسورية.
ثم كان بعده ما كان من أحاديث أعضاء المؤتمر عند إرادة انتخاب الرئيس له
من ميل عن السيد الحسيني وميل إليه، فكان سبب اقتراح بعضهم اختياره للرياسة
بالتزكية وموافقة الأكثرية الساحقة على ذلك.
كانت عاقبة ذلك كله أن كان لمحمد علي باشا علوبه وعبد الرحمن بك عزام
من المكانة والرجحان على سائر المصريين في المؤتمر، وفي جميع الحفلات التي
أقيمت له في فلسطين، وانتخب الأول وكيلاً لرئيس المؤتمر، والثاني عضوًا في
مجلس الرياسة، ثم انتخبا عضوين للجنة التنفيذية له، والأول من حزب الأحرار
الدستوريين، والآخر من حزب الوفد المصري، بل كان للوفد المصري وزعمائه
أحسن الذكر والمكانة في البلاد الفلسطينية كلها، وكان من هؤلاء الزعماء ولا سيما
رئيسي الوفد وحزب الأحرار الدستوريين أن أيدوا المؤتمر بما أرسلوه إليه من
البرقيات والرسائل البليغة.
دُعي أعضاء المؤتمر إلى مآدب تكريم في القدس نفسها وفي يافا وضواحيها
وفلسطين، فكانت السيارات تجري بهم أرسالاً، وكان أهل القرى والمزارع في
طرقهم يجتمعون لتحيتهم والهتاف لهم بالحياة والنصر، وللمعارضين بالسقوط
والخزي، وكثيرًا ما ذكر في الهتاف الوفد المصري ورئيسه مصطفى باشا النحاس،
وتضمن هذا تأييد الوفد وحزب الأحرار في خطتهما ومعارضتهما للوزارة
المصرية شرحته جرائدهما شرحًا، وجعلته نصرًا مبينًا وفتحًا.
(للكلام بقية)
((يتبع بمقال تالٍ))
_________
الكاتب: شكيب أرسلان
تاريخ الأستاذ الإمام
تقريظه ونقده
لأمير البيان، وبديع هذا الزمان الأمير شكيب أرسلان
تلقيت الجزء الأول الذي ظهر أخيرًا من تاريخ أستاذنا الإمام الحجة، آية الله
الباهرة الشيخ محمد عبده قدَّس الله روحه، تلقيته والأشغال إلى ما فوق رأسي،
والأفكار مشتتة، والخواطر مقسمة، والوقت أضيق من حلقة الميم، فلم أتمكن من
مطالعته كله، ولا من إحالة قداح النظر في جميع نواحيه، فاكتفيت بقراءة بعض
فصوله، وبالتأمل في فهرس موضوعاته، والمكتوب كما يقال يُعرف من عنوانه،
فلا شك عندي مما رأيت منه في أن هذا التاريخ هو واسطة عقد التواريخ في هذا
العصر.
قيل: إن الأستاذ ابن العميد سأل الصاحب بن عباد قائلاً له: كيف رأيت
بغداد؟ فأجابه الصاحب: بغداد في البلاد، كالأستاذ في العباد. وأنا أقول: تاريخ
الأستاذ الإمام في الكتب كالأستاذ الإمام في الرجال، كيف لا ومحرره حجة الإسلام
البالغة في هذا العصر، وإحدى حججه الباقية على الدهر، الذي كان أعظم من
أظهر فضل الأستاذ الإمام ونشر تصانيفه، وكان منه بمنزلة أبي يوسف من أبي
حنيفة، السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار، وخالد الآثار، فسح الله في أجله،
وكافأه أحسن ما يكافئ عبدًا على عمله، فمن بعد أن نعرف أن هذا السفر الجليل هو
من قلم هذا الحبر الحلاحل، ومن فيض هذا البحر الذي ليس له ساحل، أصبح
التفنن في وصفه من قبيل تحصيل الحاصل، والبديهيات التي لا تحتاج إلى الدلائل.
دعنا من متانة عبارة هذا الكتاب وعلو إنشائه، وانتشار المنطق السديد على
جميع قضاياه وامتزاج الذوق السليم بجميع أنحائه؛ فإن فيه من الفوائد التاريخية ما
لا يوجد في كتاب آخر، وما لا يتم التاريخ العام إلا به، بل وما كتب السير
والحوادث تبقى في مستقبل الأيام عيالاً عليه.
نعم إن ترجمة السيد جمال الدين الأفغاني قد سبق إليها الكثيرون، وذهب كل
كاتب فيها مذهبًا، وكان محرر هذه الأسطر ممن طرز بها كتاب (حاضر العالم
الإسلامي) وأتى فيها بمعلومات لم تسبق لغيره، إلا أنه لا يوجد كتاب حوى من
أخبار جمال الدين رحمه الله ما حواه هذا الكتاب، ولا وفى بما وفى به، بحيث لا
تطلب فيه مطلبًا ذا شأن عن حياة حكيم الشرق وموقظه الأعظم رحمه الله إلا
رأيته بين دفتيه، ففي تاريخ الشيخ محمد عبده أوفى تاريخ لجمال الدين أيضًا.
وأما تاريخ الشيخ محمد عبده فمن البديهي أنه سيكون هذا الكتاب هو الأول،
والآخر في الإحاطة بهذا الموضوع لأن السيد رشيدًا - وهو الذي أشعة نظره في
العلوم، كأشعة رونتجن في الجسوم - قد وقف جانبًا من حياته على تصنيف هذا
الكتاب، وكان أعرف الناس بأحوال الإمام وألزمهم له، وأحفظهم لأقواله، وأدراهم
بمقاصده، ومن قال إنه خليفته في الأرض، ونسخة عنه طبق الأصل، لا يخطئ،
فمن العبث أن ننشد للشيخ محمد عبده تاريخًا من بعد هذا التاريخ.
والأستاذ صاحب المنار - كما يعلم كل من عرفه - سالك طريق المحدِّثين في
التدقيق والتمحيص، فلا يبلغ أحد من التحري والتثبت ما يبلغه، بما غلب عليه من
خُلُق علماء الأثر؛ فلذلك لا يمكن أن ينطوي هذا الكتاب من الأخبار إلا على ما قتله
صاحب المنار علمًا، ولم يدع فيه للشك سهمًا، فالذي يطالع ما فيه من الروايات
ويكون ممن يعلم مذهب صاحب المنار في التحري، لا يقدح في خاطره عارض من
شك في أن الحادث المروي إنما حدث على ذلك الوجه، يُستثنَى من ذلك هنات هينات
لا يَعبأ بها.
لحظت منها ظنه أن مدير المدرسة السلطانية في بيروت يوم كان الأستاذ الإمام
يدرس فيها هو المرحوم الأستاذ الشيخ أحمد عباس، والحال أن المدير الذي كان يومئذ
هو المرحوم خلقي أفندي الدمشقي وهو الذي أشار إلى صرفه بغيره السيد عبد الباسط
فتح الله رحمه الله في الفصل الممتع الذي كتبه عن مقام شيخنا في بيروت. وما عدا
ملاحظة أو اثنتين مما ليس بذي طائل لم أجد فيما طالعته من هذا التاريخ رواية لم أقل
فيها: هذه أصح الروايات وسندها أوثق الأسانيد، ولقد يوردها المؤلف بطرق مختلفة
ويمحصها من جملة وجوه، ويعرضها على محك القياس، ولا يزال ينخلها إلى أن
تبلغ برد اليقين، وأقصى درجات التحقيق المستطاعة للمؤرخين، وإنه ليبلغ به حب
التدقيق أنه يروي عن أستاذه ما قد ينتقده، وما يورد فيه أقوالاً أقوى من أقوال الأستاذ
الإمام، فالسيد رشيد في جميع كتاباته ليس عنده أحد فوق الغربال كما يقال، وكأنه
ينظر أبدًا إلى قول مالك رضي الله عنه: (ليس منكم إلا مَن رَدَّ ورُدَّ عليه إلا صاحب
هذا القبر) يشير إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
هذا وإنك لن تجد تاريخ الثورة العرابية في كتاب بالبيان الوافي الواضح
المستوفي لشروط النقل والعقل، وتعليل الحوادث بأسبابها، وردَّها إلى أصولها،
كما تجده في الجزء الأول من تاريخ الأستاذ الإمام.
وفي هذا التاريخ أيضًا تواريخ أخرى لا توجد إلا فيه، ولن تكتب بقسط
التحقيق الذي كتبت به، هذا وذلك لمكان صاحب المنار من القرب في الزمان
والمكان، إلى الحوادث المؤرخة وإلى الأستاذ الإمام، الذي كان يومئذ قطب الرحى،
وهي مثل تاريخ نهضة مصر، وتاريخ الأزهر، وتاريخ نهضة الإسلام الحديثة،
ويقظة الشرق الحاضر، وكله مرتبط بعضه ببعض، ومتسلسل تسلسلاً مطردًا
بطبيعة الأشياء، وكيفما جُلتَ في نواحيه وجدتَ عاملين كبيرين هما، جمال الدين
ومحمد عبده رحمهما الله، وأنا أقول: إن الله عززهما بثالث هو صاحب المنار!
حفظه الله.
ولا تنس تاريخ سمو الخديو السابق وما فيه من الغرائب والعجائب، وما
يتخلل حوادثه من النوادر، التي مع صحتها ونخلها بمنخل التدقيق لم تخسر شيئًا
من فكاهتها، فلم يزدها التحري إلا رونقًا. مثال ذك سرور المشار إليه بوفاة
الأستاذ الإمام رحمه الله واستياؤه من حزن الأمة عليه، وعدَّه ذلك تقريبًا من ذنوب
الأستاذ، ولم يغفل صاحب المنار في جانب هذه الأخبار، التنويه ببعض حسنات
وأشباه حسنات أذنت بها الأقدار الإلهية على يد سمو الأمير، فكان مذهبه هنا أيضًا
مذهب علماء الحديث، فما تحامل ولا دلَّس، ولا زاد ولا نقص، ولو علم أمراء
الإسلام أن جميع مؤرخيهم هم كالسيد رشيد رضا يحصون عليهم ما حسن وما قبح
لاعتدلوا، وعلموا أن قبل حساب الآخرة حسابًا في الدنيا؛ ولكن أضر بأمراء
الإسلام وبالإسلام تدليس المؤرخين، وتزيين المتزلفين، وأكبر الإثم على أولئك
الفقهاء الذين انتظر منهم الشارع أن يقوِّموا الأمراء وينهوهم عن المنكر، وبحثوا
في وجوه شهواتهم ما كثف من تراب الزجر، فكانوا المعاوين على أهوائهم،
المفتين لهم بما يزيد في إغوائهم. وليس مرادي هنا تخصيص الخديو السابق الذي
قد يكون أحسن من غيره؛ وإنما أريد أمراء المسلمين جميعًا إلى من رحم ربك.
والله يعلم أني جادلت الخديو السابق في أمر الشيخ محمد عبده ولم أحابه ولم
أكتم عنه أنه كان متحاملاً عليه، ودافعت عن الشيخ عبد العزيز جاويش أمام الخديو
وهو في قصره برأس التين، وذلك عندما كانوا آتين بالشيخ جاويش من الآستانة
إلى الإسكندرية بتهمة المؤامرة على الخديو، ولم أكن لذلك العهد أعرف الشيخ
جاويش؛ ولكني كنت أعرف أن هناك نية للانتقام منه رحمه الله، فانتدبت نفسي
للدفاع عنه، ثم دافعت عنه مرارًا بعد ذلك أمام الخديو السابق ولم أقبل في حقه كلمة
واحدة من سموه.
ثم إن في هذا الكتاب من الأخبار السياسية والروايات المأثورة عن أعاظم
الرجال ما يجتمع منه مؤلَّف مستقل برأسه، كما أن فيه من الفوائد الشرعية، ومن
الحلول الوجيهة للإشكالات الحديثة والمسائل العصرية، ما لا يتأتى في مجموع
آخر، وكيف لا يكون ذلك وصاحب المنار هو فارس هذه الحلبة الذي لا يجاريه
مجار، وإمام هذا المحراب الذي يصلي وراءه الكبار والصغار.
ولم يختلف نظري عن نظره في هذا الكتاب إلا في أمر الأستاذ المرحوم الشيخ
عبد الكريم سلمان، فإن السيد رشيدًا - فيما يظهر - لا يراه في الرجال المعدودين،
أو كما قال له شيخنا: إنه ناقم منك أنك لا تعتقد بعلمه، هكذا رواها لي السيد رشيد
نفسه، وكيف كان الحال فمكان الشيخ عبد الكريم لم يكن في هذا الكتاب بالمكان الذي
ينحدر عنه السيل ولا يرقى إليه الطير، ولست أحمل هذا من صاحب المنار على
ضغن مع علمي منه ومن الشيخ عبد الكريم نفسه بأن المودة لم تكن بينهما في صفاء
البلور؛ ولكني أحمله على ما قاله الأستاذ الإمام من أن السيد رشيدًا لم يكن يعتقد بسعة
علم الأستاذ الشيخ عبد الكريم، ولولا هذا لوفر له حقه غير منقوص؛ لأن صاحب
المنار - مع ما فيه من الحفيظة - منصف مقسط لا يبخس الناس أشياءهم، وأما أنا
فكنت أعتقد بكثير من علم الشيخ عبد الكريم وأدبه وسلاسة طبعه وحسن إنشائه،
والأستاذ السيد رشيد يقول: إن الشيخ عبد الكريم كان لا يحب السوريين إجمالاً؛
وإنما كان يستثنيني أنا من بينهم لفكاهتي، وعبارة السيد هي هذه:
(ثم سبب آخر هو كراهته للسوريين، ولا أستثني منهم إلا الأمير شكيب
أرسلان فإنه حل من نفسه محلاًّ كريمًا عندما زار مصر؛ لفكاهته الأدبية ونوادره
اللطيفة، على مكانته من حب الأستاذ الإمام وتكريمه إياه، وللدعابة موقع من نفسه
معروف، يعلو بها عنده صاحب المفاكهة وحاضر النادرة
…
إلخ) فإذا قرأ الإنسان
هذه الفقرة ورأى ما تكرر فيها من وصفي بالفكاهة والمفاكهة وسرعة البادرة عند
النادرة، تخيل أني أبو نواس عصري، وأني لم أنل من الشيخ موقعًا كريمًا إلا
بمحبة الأستاذ الإمام لي ومحبتي أنا للفكاهة، وحاشا للشيخ عبد الكريم الذي كان
للجد عنده نصيب وافر، والذي ما كان يميل أحيانًا للدعابة إلا لتكون له أعون على
الصواب إذا أخذ في معالي الأمور، على نمط من قال: إني لأجم نفسي بشيء من
الباطل ليكون أعون لي على الحق. أقول: حاشا للشيخ عبد الكريم أن يكون كرم
مقامي عنده ناشئًا عن حرارة نكاتي مهما كانت رغبته في هذا الشأن؛ وإنما أقول:
إن سر المحبة كامن في أعماق الصدور وأحناء القلوب، وإن الأعمال تزيد منها
وتنقص، وقد تذهب بها بتاتًا، كما قد تزيدها أضعافًا، ثم إني أشهد للشيخ عبد
الكريم أنه لم يكن على شيء من الشنآن للسيد رشيد، وأنه كان يشهد بفضله، وأنه
قال لي مرة: قد أصفيت له المودة بعد وفاة الشيخ.
وفي هذا التاريخ فصل من قلمي عن أيام الشيخ في بيروت، وليس ذلك بكل
ما كتبته عنه؛ وإنما أخر السيد بقية كلامي إلى الجزء القادم لتعلقها بما ارتسم في
خاطري من أيامه بمصر، وقد روى لي السيد في هذا الجزء أشعارًا كنت نسيتها
فنشرها لي بعد الخفاء، وأبرزها بعد العفاء، ووعد بنشر الأكثر من مثلها في
الجزء القادم، فأنا لا أحصي عليه ثناء من أجل هذا اللطف، وإلحاقه بعض
أشعاري بهذا الكتاب عملاً بواو العطف، لا سيما أنه لم يبق عندي ولا نسخة واحدة
من ذلك الديوان الذي أسميته (الباكورة) والذي أخرجته إذ كنت لم أتجاوز السابعة
عشرة من العمر.
وأما عدد صفحات هذا الجزء فتربي على ألف ومائة صفحة يمتلئ دماغ القارئ
مما تضمنته من معالي الأمور، وسياسة الجمهور، وتراجم الصدور، ونخب
الفوائد التي تمخضت بها العصور، وليس هذا بالجزء الوحيد في موضوع حياة
الأستاذ الإمام فقد تقدمه غيره وسيتلوه سواه، وكله بذلك القلم الذي دانت له أقاليم
الأقلام، وخضعت ممالك الكلام، أي قلم صاحب المنار الشهير ناشر علم الأستاذ
الإمام، ومخلد مآثره على الأيام، فمن يقدر أن ينشر من مآثره ألوفًا من الصحائف
غير صاحب المنار؟ لا جرم أنه كان أبرنا به، وأقدرنا على القيام بالواجب نحوه،
وأحرى تلاميذه بنشر آرائه في العوالم، وبأن يكون بعده مرشدًا يضيء النهج والليل
قائم.
(جنيف - سويسرة)
…
...
…
...
…
شكيب أرسلان
…
...
…
...
…
...
* * *
تعليق
على تقريظ الأمير شكيب لتاريخ الأستاذ الإمام
وأثارة من تاريخ الشيخ عبد الكريم سلمان
أشكر لأخي في البر والوفاء لوالدنا الروحي الأستاذ الإمام، ووليي في خدمة
العرب والدفاع عن الإسلام، ما تفضل به علي من هذا التقريظ، وأجدر بي أن
أفاخر جهابذة الكتاب وموابذة المؤرخين بشهادته لي ولهذا التاريخ، وهو هو أمير
البيان، وأستاذ علماء العربية بالتاريخ الخاص والعام؛ وإنني لعاجز عن إيفائه
بعض حقه من واجب الثناء، مستعيضًا عنه بالدعاء، فجزاه الله تعالى عن أخيه
وأستاذهما وعن الإصلاح الإسلامي أفضل الجزاء؛ ولكن لا مندوحة لي عن
الاعتراف بأنه أعطاني فوق ما أستحق من الإطراء، وعن الدفاع عن نفسي تجاه ما
رماني به من التقصير في حق المرحوم الشيخ عبد الكريم سلمان.
أظن أن الأمير لو كان قرأ ما كتبت في شأن الأستاذ الشيخ عبد الكريم لما كتب
ما كتبه؛ فإنني لم أصفه رحمه الله تعالى بقلة العلم؛ وإنما كان الأستاذ الإمام قدَّس
الله روحه هو الذي علل موجدته علي بأنه يظن في ذلك، ولرأى أنني على شدة
انتقادي لأكبر علماء الأزهر المعارضين للإمام في الإصلاح ولغيرهم في بعض
المسائل العلمية - قد نوهت في مواضع كثيرة بأن الشيخ عبد الكريم كان تربه
وعشيره، وصنوه وظهيره، وثانيه في مجلس إدارة الأزهر وأكبر أعوانه على
أعمال الإصلاح فيه، وكفى بهذا مدحًا، وأثبتُّ أنه أمكنه بفضله وذكائه أن يكون
في الذروة العليا من قضاة الشرع في المحكمة الشرعية العليا وهو شافعي المذهب؛
وإنما الحكم في هذه المحكمة بمذهب الحنفية، وما ذكرته مع غيره من خواص
الأستاذ الإمام كحسن باشا عاصم وسعد باشا وفتحي باشا زغلول إلا وقدمته عليهم
في الذكر.
وبيَّنت أيضًا أنه هو الذي صنَّف كتاب (أعمال مجالس إدارة الأزهر) وكان
هذا سرًّا لا يعرفه غيري، وصرَّحت أيضًا بالمسائل التي علمت أنه انفرد بها من تلك
الأعمال الإصلاحية، وأنه لم يصرح ولا باسم زميله الأستاذ الإمام في الأعمال التي
أسندها إلى بعض أعضاء مجلس الإدارة لإخلاصهما لله تعالى فيها وعدم ابتغائهما
الشهرة، فما عرفت له منقبة في ذلك إلا ودونتها له، والتاريخ ليس بتاريخه، والأمير
لم يثن عليه بأكثر من هذا ولا بمثله، فيما انتقده علي من بخس حقه، فأنا أقر مثله
بكثير من علمه وأدبه وسلاسة طبعه وحسن إنشائه، وأزيد على هذا ما أجملته آنفًا مما
فصلته في هذا التاريخ.
وأعظم منه ما ترجمته به في المجلد العشرين من المنار عقب وفاته مفتتحًا إياه
بقولي في أثناء شهر شعبان من هذا العام: فُجع القطر المصري بعالم من أنفع
علمائه، وأديب من أبرع أدبائه، وكاتب من أبلغ كتابه، وقاضٍ من أعدل قضاته،
أحد أعضاء النهضة الإصلاحية الجمالية، الشيخ عبد الكريم سلمان، تغمده الله
برحمته، ثم ذكرت تعاشره مع الأستاذ الإمام في طلب العلم وتعاونهما في ميدان العمل
، تعاون أخلاء الأصحاب المتفقين في الآراء والمقاصد والآداب، وعاشا ما عاشا
متوادين موادة اللدات والأتراب، ثم فرَّق الموت بينهما مدة التفاوت في العمر حتى
جمع بينهما تحت التراب - أعني دفنهما في تربة واحدة - فعسى أن يكون هذا مصليًا
لذلك المجلي إلى دار الثواب، وأن يجمعنا الله بهما في دار الكرامة يوم المآب. ثم
قلت: لعل الشيخ عبد الكريم كان أذكى ذهنًا من الأستاذ الإمام؛ ولكن هذا فاقه ففاته
بالجد والاجتهاد. إلى أن قلت: فكان الأستاذ الإمام البدء من مريدي السيد جمال الدين
وكان هو الثنيان [1] . ولم أَدَعْ بعد هذا شيئًا من أعماله وسيرته وأخلاقه الحسنة إلا
ونوهت به أحسن تنويه.
* * *
محاولة الإيقاع بين الأستاذ الإمام وصاحب المنار:
وأما مسألة مساعدته لمحاولي الإيقاع بيني وبين الأستاذ الإمام؛ فإنما ذكرتها
لأنها في رأيي من أعظم مناقب الإمام أحسن الله جزاءه، وإنني - وأيم الحق - قد
تحريت فيها الحق والصدق، والتجرد من هوى النفس، ولو كانت وقعت مع
غيري لدونتها بهذا الأسلوب عينه، بل ربما كنت أزيدها تفصيلاً وتنويهًا أستحي
كتابة مثله في شيء يعنيني ويخصني؛ ولكن لا يجوز لي أن أهضم حق نفسي
وحق الأستاذ في المسألة بعد وفاة الشيخين ودخولهما في حكم التاريخ، وقد دون
سلفنا الصالح من المحدثين والمؤرخين من هفوات شيوخهم من الأئمة وكذا الصحابة
ما هو أعظم من هفوة الشيخ عبد الكريم هذه.
ذلك بأن المسألة من أظهر الحوادث الواقعة التي تدل على أن الأستاذ الإمام
كان يؤثر المصلحة العامة على العلاقات الخاصة بألصق إخوانه وأصدقائه به
وأقربهم إليه، على ما اشتهر به من كمال الوفاء وصدق الوداد، وأن الإصلاح
الإسلامي الذي انفردت بالاشتغال معه به في خاتمة عمره الشريفة كان عنده فوق
كل شيء من أمور الدين والدنيا؛ لأنه قد رسخ في وجدانه أنه مفروض عليه يثاب
على العمل له فوق كل ثواب، ويعاقب على التفريط فيه ما لا يعاقب على غيره،
وقد أثبت في استيائه من الشيخ عبد الكريم وإنذاره إياه استغناءه عن صحبة أربعين
سنة مكانة الشيخ عبد الكريم عنده.
دعابة الشيخ عبد الكريم سلمان وعلمه:
ذلك ولا أرى وصف الشيخ عبد الكريم بحُب الدعابة والفكاهة الأدبية غميزة
وإزراء، وهو مشهور بهذا، وقد وُصف بالدعابة في كتب التاريخ والأدب أفراد من
أرقى البشر كأمير المؤمنين علي، وأين مثل أمير المؤمنين علي عليه السلام؟
وإني على ما فيّ من حفيظة - كما قال الأمير - لا أحمل على أحد حقدًا، ولا
أبخس أحدًا حقًّا، وإني قد أغضيت على فتور حرارة الشيخ عبد الكريم في مودتي
عدد سنين، فكنت على إبائي أزوره كثيرًا ولا يزورني على ما أعلم من عنايته
بزيارة جميع أصدقائه، فلم يشعر أحد بشيء من هذا الفتور من قبلي بقول ولا فعل،
والأمير ينقل عنه أنه قال له عني: إنني أصفيت له المودة بعض وفاة الشيخ اهـ.
وأنا قد صرحت بهذا في التاريخ، وقلت: إنه صار يزورني ويأكل طعامي كما آكل
طعامه، ويسألني عن أولادي. وهذه شهادة عليه - عفا الله عنه - بأنه لم يكن مُوادًّا
لي كموادتي له، ولا كموادته لأدنى أصحاب الأستاذ الإمام وصنائعه حتى صنائع
التملق وطلاب المصالح، وهو يرى أن الأستاذ اصطفاني على الجميع؛ ولكن هذه
هي العلة في مُمَاذَقَته لي على وغر كما كنت أعتقد، لا ما قاله الأستاذ من أنه كان
يظن أنني لا أعتقد أنه عالم، إذ لو كان هذا هو السبب لما صفا لي وده بعد وفاته
رحمهما الله تعالى؛ فإنني إذا كنت أعتقد في عهد الأستاذ الإمام أنه غير عالم فلا
يعقل أن يزول هذا الاعتقاد بعد وفاته، فقول الأمير عني: (ولولا هذا لوفر له
حقه غير منقوص) مبني على رأي الأستاذ وعلى عدم قراءته هو كل ما كتبته في
حقه، فأنا أعتقد أنني وفيته حقه في هذا التاريخ لم أنقصه منه شيئًا يقتضي المقام
ذكره ويعد من موضوعه، بل ربما كنت قد زدته على حقه في المنار.
ولعل سبب ظن الأستاذ فيه وفي ما ذكر أن الشيخ عبد الكريم ما كان يشاركنا
في المذاكرات العلمية الدقيقة التي تقع بيننا وهو معنا كمشاركته لنا في المباحث
العلمية من إصلاحية ووطنية، وإنني لا أنكر أنني ما كنت أعتقد أنه متقن لعلم من
العلوم؛ لأنه وجه كل عنايته إلى الكتابة؛ ولكنني لم أكن أنطق بما يدل على
اعتقادي هذا تصريحًا ولا تلويحًا، إلا ما استثنيت في التاريخ من تمثلي في إثر
انتقادات لغوية وأدبية معه بقول السموأل:
وننكر إن شئنا على الناس قولهم
…
ولا ينكرون القول حين نقول
* * *
فكاهة الأمير شكيب ونوادره:
بقي عليَّ ما يخص الأمير - حفظه الله - من مودة الشيخ عبد الكريم رحمه
الله؛ فإنني أراه فهم منه ما لم يخطر لي على بال، وما لا أراه يخطر على بال أحد
من الناس، هو أن الشيخ عبد الكريم - رحمه الله تعالى - لم يجد فيه، أو لم يعرف
منه ما يحببه إليه ويحله من نفسه محل الكرامة إلا فكاهاته الأدبية ونوادره اللطيفة،
وأن هذا التعليل مني يخيل إلى قارئه أنه - أي الأمير - أبو نواس عصره.
فضائل الأمير ومزاياه بارزة مضيئة كالشمس لا تخفى على حاسد يعميه الحسد
عن رؤيتها؛ فإنه إن لم يرها تلذعه حرارتها، فكيف يجهلها مثل الشيخ عبد الكريم
في ذكائه ولوذعيته؟ وإنما أعني بما ذكرته أن كراهة الرجل للسوريين لم يكن
يخطب مودته منهم معها علم ولا أدب، ولا حسب ولا نسب، فهي وحدها لا تحلهم
من نفسه محل الكرامة، ولا محبة الأستاذ الإمام أيضًا؛ فإنه كان يحب السوريين
ويغار عليهم، وما كان الشيخ عبد الكريم يساهمه هذا، لا في حملة العلم ووعاة
الآداب، ولا في أبناء الأحساب والأنساب، وهو - كما قال الأمير - لم يكن يغمصني
في شيء مما ذكر، وقد أنشأ الأستاذ الكبير الشيخ محمد بخيت مجلة باسم غيره كان
ينشر فيها شيئًا من تفسيره للقرآن، فقال الشيخ عبد الكريم: إن الشيخ بخيتًا يستطيع
أن ينشئ مجلة تنقل عنه تفسيرًا وتنوه به مباراة للشيخ محمد عبده فيما تنشره عنه
مجلة المنار؛ ولكنه لا يستطيع أن يأتي بمثل الشيخ رشيد يحررها له! فما الفائدة؟
جد الأمير شكيب وشدته وظرفه:
الأمير شكيب مشهور بالجد في عمله وقلمه، وبالشدة في سيرته السياسية
والاجتماعية، ولهذا ينبزه بعض الناس بلقب الكبر، كما ينبزون به أكثر أهل الصدق
والجد، ولا يعرف ظرفه في فكاهاته اللطيفة ونوادره الأدبية النزيهة إلا من عاشره
وحاوره وسامره، وإني لأغبطه عليها، وأتمنى لو أوتيت مثلها؛ فإن الجد المحض
يمل الجليس، ويوحش الأنيس، وأنا لا أعرف عن أبي نواس مثل هذا؛ إنما كان
أبو نواس شاعرًا، بل هو أشعر الشعراء في عصره الذي ارتقى به شعر الحضارة
والتمتع إلى أَوَجِّه، وكان مع هذا ماجنًا فاسقًا، ولم يؤت شيئًا من الجد في خدمة
الأمة ولا سياسة الدولة، ولا عني بهداية الدين ولا بيان فضائل الإسلام، فأنى يذكر
مع الأمير شكيب، أو يخطر بالبال إذا ذكر علمه وأدبه، أو قرئت رسائله وكتبه؟
إني لأوقن أن الأمير لم يظن بي أنني عنيت هذا الذي عده لازمًا ذهنيًّا لوصفي
له بحلاوة الفكاهة ولطف النادرة؛ وإنما عدَّه عليَّ مما غمصتُ به الشيخ عبد الكريم
دونه، فكان مثارًا لظن من لا يعرفه أنه أبو نواس عصره، وأن الشيخ عبد الكريم
يؤثر الهزل على الجد، والدعابة العارضة على الفضائل الراسخة.
كلا إنني لم أعن بكلمتي شيئًا وراء ما تدل عليه دلالة المطابقة من تضمن أو
التزام. فلما قلت: إن الشيخ عبد الكريم لم يكن يحب السوريين، خطر في بالي أن
من واجب الصدق أن أستثني الأمير شكيبًا من هذا الإطلاق أو العموم، لما كنت
سمعته من كل منهما من التنويه بالآخر، ثم ما رأيته من اغتباطهما بالتلاقي في
أثناء إلمامة الأمير الأخيرة بمصر.
مثال من تحاور عبد الكريم وشكيب بالسجع:
لعل الأمير لم ينس أنني كاشفته في بيروت سنة 1315 بعزمي على الهجرة
إلى مصر للاتصال بالأستاذ الإمام، وأن هذا سر بيني وبينه لم يتعدنا إلا إلى
الأستاذ عبد القادر أفندي القباني صاحب جريدة ثمرات الفنون والأستاذ الشيخ صالح
الرفاعي ناظر النفوس، ولعله يذكر - إذا ذَكَّرتُه - ما حدثني به يومئذ عن محاوراته
مع الشيخ عبد الكريم سلمان وإبراهيم بك المويلحي، وأن جل حديثه عن محاورات
الأول ما كان يلتزمانه من السجع والفكاهات الحسنة الوقع، وأزيد على هذا أنني لما
بلَّغت الشيخ عبد الكريم سلامه عليه واشتياقه إليه، برقت أساريره وطفق يحدثني
عن محاوراته اللطيفة معه، وأذكر مما قاله لي كل منهما أن شكيبًا كان عنده بداره
فسمعوا صياحًا ولغطًا أمام باب الدار بين الخدم وغيرهم، فصاح الشيخ بخادمه
البواب غاضبًا: يا ولد يا ولد، فقال الأمير رافعًا صوته: وأول التشاجر الذي ورد.
فسكت غضب الشيخ وأغرب في الضحك استغرابًا لهذه البديهة الحاضرة، وإعجابًا
بالبادرة النادرة، وربما لم يكن يخطر له ولا لغيره أن مثل الأمير شكيب يحفظ العقيدة
الأزهرية المعروفة بجوهرة التوحيد، وأن يكون من قوة الذاكرة بحيث يسبق إلى لسانه
هذا الشطر منها عند صيحة الشيخ يا ولد، وهما يتباريان السجع، ومناسبتها للمعنى
أقوى من مناسبتها للفظ؛ فإن الخدم كانوا يتشاجرون عند دار الشيخ، وبيت الجوهرة
في تأويل تشاجر الصحابة رضي الله عنهم.
فهذا مثال مما عزوته إليهما من حب الفكاهة والمفاكهة والنوادر الأدبية، فهل
يقول أحد: إنها تنافي الجد أو تجانب العلم؟! وهي لو عُرضت على الحسن وابن
سيرين، لقالا: ربنا لئن آتيتنا هذه لنكونن من الشاكرين.
ما يجب على الأمير شكيب لتاريخ الأستاذ الإمام:
وأختم هذا التعليق بتذكير الأمير شكيب بأن لتاريخ الأستاذ الإمام عليه حقًّا آخر
وراء حق التقريظ الذي أدى واجبه ومندوبه، وزاده من النافلة ما شاء الله أن يزيده،
أعني بالحق الآخر تكرار التنويه في مقالاته الإصلاحية بالغرض المقصود بالذات
من تصنيفه، وهو ما فصَّلناه فيه وأجملناه في فاتحة تصديره وخاتمته، من الدعوة
إلى الإصلاح والتجديد للشرق والإسلام، التي قام بها الحكيم السيد الأفغاني والأستاذ
الإمام، مع إحياء ذكرهما، بإسناد الفضل الأول فيهما إليهما، ولهذه الدعوة مجالات
واسعة في مقالات الأمير السياسية والاجتماعية ورسائله الإصلاحية، وليس بكثير
على غيرته أن يخصها بمقال ممتع، ويؤيده بالبرهان المقنع، وهو إنما يكتب ما
يكتب بما نفخ فيه من روحهما، ونفث في روعه من حكمتهما، جعلنا الله وإياه خير
خلف لهما، آمين.
…
...
…
...
…
...
…
... مؤلف تاريخ الأستاذ الإمام
…
...
…
...
…
...
…
...
…
محمد رشيد رضا
_________
(1)
البدء: هو الأول في سيادة قومه ونحوها، والثنيان: هو الذي يليه، قال الشاعر:
ثنياننا إن أتاهم كان بدأهم
…
وبدؤهم إن أتانا كان ثنيانا.
الكاتب: محمد رشيد رضا
المناظرة بين أهل السنة والشيعة
تمهيد وتصحيح غلط:
نشرنا في الجزء الأول الماضي الرسالة الأولى لمقترح المناظرة الأستاذ السيد
عبد الحسين نور الدين العاملي بنصها على ما فيه وإمضائه؛ ولكن سبق القلم في
عنوانها فذكرنا أن لقبه شرف الدين، وهذا لقب لعالم آخر من العامليين يوافقه في
اسمه، وهو أشهر عندنا وعند غيرنا بالذكر والعلم والرأي، فهو لا يكتب ما كتبه
نور الدين، ومثل هذا الغلط في الأسماء من سبق القلم لذكر الرجل الأشهر ما
ذكرناه في ذلك من الجزء من تعازي كبراء المصريين وزعمائهم لنا عند وفاة والدتنا
رحمها الله تعالى فقد ذكرنا منهم حسن باشا عبد الرازق وإخوته وإنما عنينا نجله
محمود باشا وكيل حزب الأحرار الدستوريين، وكان له أخ آخر اسمه حسن باشا
كاسم والده قُتل اغتيالاً سياسيًّا رحمهما الله تعالى، وسبب هذا الغلط أن اسم حسن
باشا عبد الرازق الكبير منقوش في ذهننا من عهد والدهم الجليل وطول عشرتنا له
مع شيخنا الأستاذ الإمام، وذكر اسمه في تاريخه والمنار مرارًا.
مطالبة علماء الشيعة برأيهم في دعوى المناظرة:
نشرت رسالة مقترح المناظرة بنصها، وقلت فيما علقته عليها: إنه لم يلتزم
فيها الشرط الذي اشترطته عليه فيها، وإنني أحب أن أعلم قبل الشروع في
المناظرة هل يوافقه كبار علماء الشيعة في سورية والعراق والهند وإيران على
قوله: إنه لا يمكن الاتفاق بين أهل السنة والشيعة على شيء من المصالح
الإسلامية، إلا بالشرط الذي اشترطه وهو رجوع أحدهما إلى مذهب الآخر للسبب
الذي ذكره؟ ثم اقترحت عليه وعلى زميلي الأستاذ الفاضل صاحب مجلة العرفان
أن يأخذا لي تصريحًا من علماء الشيعة المشهورين في المسألة (راجع ص 72 ج
1) .
مرت على هذا الاقتراح ثلاثة أشهر لم يصدر فيها المنار للأسباب المبينة في
أول هذا الجزء، ولم يرد لنا من حضرة مناظرنا ولا من غيره من علماء الشيعة
شيء، إلا أن زميلنا الأستاذ صاحب مجلة العرفان ذكر في كتاب تعزيته لنا عن
والدتنا إنكارًا على السيد عبد الحسين نور الدين في ذلك، وأنه سينشر هذا الإنكار
في مجلته المحجوبة الآن عند عودتها إلى الظهور. ورسالة من سائح فاضل باسم
(نظرة
…
) ننشرها في هذا الفصل.
ثم إنني لما دعيت إلى المؤتمر الإسلامي العام الذي عقد في القدس وعلمت أن
ممن أجابوا الدعوة إلى حضوره الأستاذ العلامة الكبير الشيخ محمد حسين آل كاشف
الغطاء الشهير أكبر مجتهدي النجف الذي هو أزهر إخواننا الشيعة - سررت جد
السرور، ونطت أملي في مسألة الشقاق الجديد، أن يكون تلافيها بتلاقينا في هذا
المكان الشريف، وتعاوننا هذا على هذا العمل الشريف، بأن يكون من أهم مقاصدنا
فيه السعي للتأليف، وقد سبق لي لقاء هذا الأستاذ بمصر، إذ زارها بعد الحرب
الكبرى وتذاكرنا في وجوب الاتفاق، وكان معه في القدس الأستاذ الشيخ عبد
الرسول من آله الكرام ونجله الشيخ عبد الحكيم حفظهم الله تعالى، وحفظ بيتهم
العلمي موفقًا لخدمة الإسلام.
تلاقينا على ما أحب، وأطلعت الشيخ على رسالة السيد عبد الحسين نور الدين
وسألته عن رأيه فيها فأنكر عليه أشد الإنكار، فقلت: إن الإنكار بالقول لا يكفي
فهل تكتب رأيك في الرد عليه ليُنشر في المنار؟ قال: نعم.
وكان من حسن الحظ أن وجد في أعضاء المؤتمر عالمان شهيران من علماء
الشيعة السوريين، وهما من أصدقائنا قدماء قراء المنار، أحدهما الشيخ سليمان
الضاهر من علماء جبل عامل، والثاني الشيخ أحمد رضا من علماء صيدا، وقد
رأيت كلاًّ منهما منكرًا على السيد عبد الحسين نور الدين قوله: إن الشيعة بمقتضى
مذهبهم لا يمكن أن يتفقوا مع أهل السنة لاعتقادهم أنهم غير متبعين لسبيل المؤمنين.
فأما الأستاذ الأكبر الشيخ محمد حسين فقد كتبت إليه عندما تفضل بتوديعي في
القدس ساعة سفري منها كتابًا سألته فيه رأيه في المسألة، فأرسل إلي جوابه بعد
عودته إلى النجف، وسأنشره في مقال خاص في موضوع الاتفاق، وأما الأستاذان
السوريان فلم يطلبا مني كتابًا ولم يرسلا إلي شيئًا، فأرجو منهما أن يكتبا إلي في
الموضوع ما أقنع به قراء المنار بما سأجدد الدعوة إليه من الاتفاق والإيلاف،
وأرجو مثل هذا من الأستاذ الشيخ عارف الزين وإذا أمكنه أخذ كتاب أو إمضاء من
العلامة المجتهد الكبير السيد عبد الحسين شرف الدين وغيره فإن الفائدة تكون أتم؛
فإن هذا الأستاذ قد لاقيته مرارًا في بيروت وحدثته في وجوب السعي للاتفاق،
فوجدت رأيه موافقًا لرأيي، وقد اتفقنا يومئذ على كلمته في الطائفتين: (فرقتهما
السياسة وستجمعهما السياسة) وسبق لي ذكر هذه الكلمة في المنار.
وقد علم هؤلاء وسائر قراء المنار أن الذي دعاني - بل دعَّنِي - إلى الرد على
الشيعة بل غلاتهم الملقبين بالرافضة، ذلك الكتاب الخبيث الذي لفقه ملفقه في تكفير
الوهابية كافة وشيخ الإسلام ابن تيمية وصاحب المنار خاصة، وما كان من تقريظ
مجلة العرفان ونشرها له وعدم سماع كلمة من علماء الشيعة في الإنكار على ملفقه،
دع فتنة العراق المشهورة، وذيولها بين الشيعة والنجديين، وكانت بدسائس
المستعمرين.
ولكن جاءتني رسالة طويلة جدًّا في مناظرة طويلة لعالم سني مع بعض الشيعة
في المحمرة لم أنشرها؛ لأنها تزيد الشقاق احتدامًا.
* * *
كتاب ورسالة من سائح شيعي أديب
في الإنكار على السيد عبد الحسين نور الدين
سيدي الأستاذ العلامة السيد محمد رشيد رضا المبجل:
بعد التحية: لا شك أن حضرتكم تعرفون ما يوجبه الدين، ويُحتِّمه الوجدان،
والحق على كل منا في مثل هذا اليوم العصيب، وقد أثر المقال الذي نشرتموه في
مجلتكم الغراء بإمضاء السيد عبد الحسين نور الدين العاملي فيَّ تأثيرًا اضطرني إلى
تحرير كلمة حول الموضوع رغم العناء ومشقات السفر، وإني لأنتظر أن يسارع
إخواني وأساتذتي إلى نشر حقيقة هذا الرجل وصده فيما بعد عن الخوض في مثل
موضوعه ذاك المتطرف، وأملي الوحيد أن تسارعوا في نشر ما تجدونه طيبًا،
وأشكركم من صميم قلبي، وأقدر أعمالكم ودعاياتكم الإصلاحية بكل عواطفي،
وتقبلوا مزيد تقدير مخلصكم واحترامه.
…
...
…
...
…
...
…
... المخلص السائح العربي
…
...
…
...
…
...
…
... عبد الهادي آل الجواهري
* * *
نظرة حول مناظرة
لقد كان من الصعب عليَّ وأنا بين عوامل لا تسمح لي أن أخوض في بحث
كهذا لكثرة انشغالي وتشويش بالي من كثرة الأسفار وفراق الأوطان وتعدد المصائب
والأحزان.
تكاثرت الظباء على خراش
…
فما يدري خراش ما يصيد
نعم والله، تكاثرت وتعدد المؤثرات المحزنة المشجية، وقد كان الأجدر
والأليق بإخواني الذين أعهد فيهم الغيرة والحمية من أبناء العروبة والإسلام،
والأساتذة الذين وقفوا أقلامهم لمكافحة الحشرات التي نخرت عظامنا وأنهكت قوانا،
ومقاومة تلك الدعايات التي يقوم بها بعض أولئك المأجورين باسم الدين والمذهب،
وأن يتصدوا للطم أولئك الأوغاد الذين ينتهزون الفرص لوصمنا بوحدتنا في الصميم
وليتصيدوا بالماء العكر، أولئك الذين لم يجدوا لهم موردًا شريفًا في هذا المجتمع
يسدون به طمعهم ويملؤون به جيوبهم وعيابهم إلا إثارة العواطف المذهبية
والنزعات الطائفية يغرون بها البسطاء الجهلة ممن لم يعرفوا للدين معنى وللشريعة
قيمة.
من الأسف - وليس يجدي نفعًا - أن نجد بعض أولئك المتزعمين باسم الدين
يستغلون - ومن دون غيرهم - التهويش باسم الدين، ويحتكرون سمعته لأغراضهم
وأطماعهم، فإذا ما وجدوا مجالاً ليمثلوا دورهم على مرسح المذهبية أخذوا
يعرضون (فلم) روايتهم المشؤومة المحزنة على رؤوس بعض السذاج البسطاء
والسوقة.
باسم الدين تزعم بعضهم ويا حبذا لو قام ببعض ما تقتضيه هذه المهمة (ولو
كانت مدعاة) من عظيم الأعمال، فينتهز الفرصة ويبرهن على أهليته وكفاءته لهذا
المنصب الجليل المهم فيؤلفوا بين النزعات ويوحدوا القلوب والغايات، ويظهروا
مزايا الدين وينشروا محاسنه ليجلبوا إليه الأنظار ويحببوه في عين الأجنبي،
لا أن يجعلوه واسطة للتنافر والتعادي ويظهروه بأسوأ مظهر وأخزى منظر، كي
ينفر منه البعيد الأجنبي الذي يمسي، وهو لا يعرف منه إلا أنه دين أحزاب
وخراب، وتنافر وبغضاء وشقاء، على لسان من يدعون الزعامة الدينية في
الجرائد والمجلات؟
أليس كذلك أيها القارئ؟ أليس إن مجلاتنا وصحفنا نراها طافحة بالسباب
وشتم بعضنا بعضًا؟ وما كفانا ذلك حتى أخذنا نتحرش ونتجاسر حتى على أولئك
المقبورين المدفونين منذ ألف وثلاثمائة سنة، ألسنا وقد خصصنا أوقاتنا وأوقفنا
أقلامنا، وبذلنا دراهمنا، وأشغلنا مطابعنا، وأنهكنا أفكارنا وأدمغتنا، وسهرنا
الليالي والأيام، لنخلق لنا هذه المشاكل المذهبية ولنجعل لنا عقبة لن تذلل؟ ألسنا
ونحن أصبحنا بفضل هذه كلها في مؤخرة العالم والمجتمع وعبيدًا للأجانب يفترس
بعضنا الآخر، وكل ذلك في مصلحة الأجنبي الغربي.
أليس نظرة واحدة إلى ماضينا المجيد حين كنا تحت راية واحدة، وقد ملكنا
زمام أكثر العالم، وركزنا تلك الراية في قلب الغرب - تكفينا وتدلنا على الفرق بين
ذلك الزمن والزمن الذي ابتدأت فيه نار الفتن الطائفية والنزعات المذهبية، وما
وصلنا إليه اليوم من حالة لا يرجى لها خير؟ أليس السبب في ذاك كله هو التخاذل
والتباغض باسم السلف الصالح والإسلام، وحاشا للإسلام أن تكون هذه مبادئه، بل
حاشا للسلف الصالح أن يرضى هذه الأساليب والمبتكرات، حاشا ثم حاشا،
أوليس دين الإسلام هو دين التآخي والتآلف؟ دين الوحدة والوئام.
أباسم عمر وعلي نطعن هذا الدين في الصميم؟ أباسمهما نمزق أوصال هذا
الدين ونشتت شمله؟ ونثلم وحدته ونضيمه؟ حاشاهما أن يعذراكم يا قوم، وأن
يرضيا هذه الأفعال والأعمال، وباسمهما تتفرقون وتتشتتون؟ فاتقوا الله يا قوم
فيهما.
هلموا يا قوم وأمعنوا نظركم، وتتبعوا التواريخ؛ فإنكم تجدون السبب كله في
هذا التطاحن المذهبي هو تداخل الأجانب في أمورنا الدينية، وتشبثهم باسم الدين
في تفريقنا وتباغضنا، والعار كل العار أن نكون وفق مشيئتهم وتحت إرادتهم،
وأن نستسلم مذعنين لما يفرضونه علينا من التنابذ والتعادي.
والأسف كل الأسف أن تلعب بنا الأهواء والنزعات، وتقودنا فئة ذات أطماع
وأغراض باسم الدين والإسلام إلى المهاوي والهلكات، وهم بعيدون كل البعد - لو
تحققنا - عن الإسلام ومبادئه، مأجورون بدعايتهم هذه ومستخدَمون بمبادئهم تلك.
في هذا اليوم وقد أخذ الكل يشعر بالحاجة إلى التآلف وتوحيد الصفوف أمام
الاستعمار وسيله الجارف - في هذا اليوم الذي نئن فيه من انشقاقنا وانخذالنا - في
هذا اليوم الذي سهل على العدو أن يمص آخر قطرة من دمائنا وينخر عظامنا،
يظهر لنا حضرة السيد عبد الحسين نور الدين العاملي في النبطية بمقاله المشهور
في المنار الجزء الأول من المجلد الثاني والثلاثين سنة 1350 مناظرًا فيه حضرة
الأستاذ صاحب المنار السيد محمد رشيد رضا يمثل الشيعة ويعبر عنهم في ذلك
المقال المزيف المملوء خطأ وركة، والذي ينكره عليه الشيعة أنفسهم، والذي
اعتبره حضرته أساسًا للصلح، وفاتحة لعقد التفاهم والمودة ما بين أهل السنة
والشيعة.
وقد كنت أنتظر من إخواني الشيعة في العراق وسورية أن يسارعوا في
احتجاجهم واستنكارهم على هذا الرجل المدعي، وأن يعجلوا في كم فمه والضرب
على يده، كي لا يعود لمثله أبدًا، ولا زلت أنتظر من الشيعة في القطرين الشقيقين
أن يعلنوا استنكارهم من هذه الفئة المتعجرفة وبراءتهم من هذا الحزب المتعصب
المأجور، الذي جرهم إلى الهلاك والتدهور، وأن لا يتماهل المصلحون الذين أعهد
فيهم الحرص على سمعة الإسلام في تدارك ما جاء على لسان هذا الرجل،
وينشروا حقيقة روح المسالمة والمودة الأكيدتين بين إخوانهم السنيين والشيعيين،
ويدعوا بعضهم البعض إلى حسم هذا الخلاف وإتمام فصول هذه الرواية المحزنة،
وليجعلونا نسير والكل منا ينشد:
ما مذهب السني إلا مذهب الز
…
يدي والشيعي والوهابي
الدين يبرأ من تطاحن أهله
…
والأخذ بالتهويل والإرهاب
إن الشقاء وإن تطاول عهده
…
آبت به الأيام شر مآب
ألمذهبٍ يتقاتلون وحولهم
…
إلب العداة تهم بالأسلاب
وأعود فأقول بالرغم من شذوذ حضرة السيد عبد الحسين نور الدين عن
الموضوع المتفق عليه في المناظرة، وخروجه عن الخطة المرسومة فقد جاء في
المقال ما لفظه (روي في كنز العمال على هامش مسند أحمد ص43 أن عليًّا سئل
عن كثرة ما يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: كنت إذا سألته
أنبأني وإذا سكتُّ ابتدأني) وقد راجعنا هامش الستة مجلدات من مسند أحمد فلم نجد
لذلك أثرًا.
وجاء أيضًا في المقال نفسه: روى المحدث الجليل الموثق عند إخواننا وهو
محمد بن سعد في الطبقات جزء 3 صفحة 273 بإسناده عن أبي هريرة قال: قدمت
على عمر رضي الله عنه من عند أبي موسى بثمانمائة ألف درهم فقال لي: ألم أقل
لك إنك يمانيٌّ أحمق، إنك قدمت بثمانين ألفًا، فقلت: يا أمير المؤمنين إنما قدمت
بثمانمائة ألف درهم، فجعل يعجب ويكررها، فقال: ويحك وكم ثمانمائة ألف درهم؟
فعددت مائة ألف ومائة ألف حتى عددت ثمانمائة، وقد راجعنا أيضًا في طبقات
ابن سعد فلم نجد لذلك أثرًا.
وهكذا قد لفَّق حضرته مقاله وادَّعى فيه أنه جاء يريد بذلك الاتفاق والتآخي،
وهو أبعد ما يكون من روح الوفاق والوئام، لما ضمنه من جمل وكلمات لا يوافقه
عليها الشيعة أنفسهم (طبعًا) وكان الأحرى بصاحب (كذا) أن ينتخب لو أراد
التفاهم وإزالة الخلاف أن يختار من أولئك المصلحين القادرين الذين لا أخال
حضرته يجهلهم من إخوانه الشيعة في العراق وسورية.
أما أن يتصدى السيد عبد الحسين نور الدين ويتزعم باسم الفرقة الشيعية،
والذي أعرفه منه أنه لا يملك حريته الشخصية فضلاً عن الملايين، وأنه مأجور
لبعض العلماء الإيرانيين في النجف، ثم يجيء حضرة الأستاذ صاحب المنار ويفتح
له مجلته للنشر، فذاك أمر يزيد الطين بلة، ويوسع شُقة الخلاف، وحينئذ يتعذر
على المصلحين الحقيقيين تلافي الخطر [1] .
وإني أعلم بصفتي أحد الشيعة، ومن بيت له مكانته الدينية عند الشيعة مطمئن
من أن كلمتي هذه سوف ينكرها علي حضرة السيد عبد الحسين وأتباعه المأجورون؛
ولكني أعتقد أيضًا أنها سوف تلاقي استحسانًا من حضرات العلماء، والأساتذة
المصلحين، ومن إخواني الشيعيين جميعًا الذين أخذوا يشعرون بحاجتهم إلى
التعاون والتفاهم مع إخوانهم، وأنهم ينفرون من أعمال هذه الفئة المتعصبة المعدودة،
التي لا زالت تشوه سمعتنا وتسيء إلينا في الخارج، وهم غير مؤيدين من عشر
الشيعة، ولم يوافقهم أحد على ما يقولون ويدعون، وأملي الأكيد أن سوف يعرف
رجال الإصلاح وزعماؤه غايات أمثال السيد عبد الحسين فلا يدعوا لهم مجالاً بعد
هذا لبث سمومهم القتالة، وأن يعرفوا العالم هويات هؤلاء ومرامهم، وأن بعد هذا
لنا عليهم حساب {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} (الأنعام: 132) .
الحجاز 14 رجب سنة 1350
…
...
…
...
…
...
…
...
…
السائح العربي
…
...
…
...
…
...
…
... عبد الهادي آل الجواهري
(المنار)
إننا نشكر لهذا السائح الكريم من هذا البيت العريق غيرته الإسلامية التي
لا شك في أن فوائد السياحة وعبرها تزيد في إذكاء نارها، وتألق أنوارها، وإني
لأوافقه على أن دعاة التفريق بين المسلمين بعصبية المذاهب أصحاب أهواء
وطلاب مال وجاه، وأن دسائس الأجانب والمتعصبين تعبث بهم من حيث يدرون
ومن حيث لا يدرون، وهذا مما لا يشك فيه أحد من المختبرين الواقفين على
الحقائق.
وإنني على هذا العلم لأجرأ على تبرئة السيد عبد الحسين نور الدين من سوء
النية، أو خدمة دسائس بعض الإيرانيين أو المستعمرين الذين يستفيدون من غلوه،
ولا زال على رأيي السابق فيه وهو أنه ذو وجدان خيالي ديني مستحوذ عليه فهو
يعتقد ما يقول.
* * *
الرد على السيد عبد الحسين نور الدين
لا على الشيعة في المفاضلة بين الخليفتين
لا مندوحة لي وقد نشرت هذه الرسالة على منكراتها من الرد عليها، ليرى
صاحبها قيمة حججه في مسألة التفاضل بين عمر وعلي رضوان الله عليهما، وأن
بعض ما سماه براهين قطعية، لا يعدو أن يكون شبهات خطابية، وتخيلات شعرية،
لا يصح في الشرع ولا العقل أن تُجعل من عقائد الدين، ويجعل الخلاف فيها
سببًا للشقاق بين المسلمين، وأن من أكبر الخذلان، واتباع خطوات الشيطان، أن
يجعل الخلف الطالح مسألة المفاضلة بين الخليفتين من أصول الدين، التي يُقذَف
فيها المخالف بأنه (غير متبع سبيل المؤمنين) مع العلم القطعي بأن عليًّا كان وليًّا
ونصيرًا وظهيرًا وقاضيًا ووزيرًا لعمر، وأنه فضله هو وأبو بكر على نفسه
وسائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رواه أحمد والبخاري وغيره
بالأسانيد الصحيحة، يقابله ما علم واشتهر من تقديم عمر له في التعظيم والشورى
والقضاء، ومن تفضيله على نفسه ما قاله عمر لابنه عبد الله حين عاتبه على
تفضيل الحسن والحسين عليهما السلام عليه في العطاء فقال له: (ألك أب كأبيهما
أو جد كجدهما؟) كما نقله الرضي في نهج البلاغة.
أليس أمير المؤمنين علي عليه السلام هو القدوة الأكبر بعد رسول الله صلى
الله عليه وسلم المعصوم عند إخواننا الشيعة، فلماذا لا يتبعونه في إجلال أبي بكر
وعمر وكذا عثمان لأجل جمع كلمة المسلمين، وإعلاء كلمة الدين؟ وإن كان أحق
بالخلافة منه عندهم، أو ليس هو وعمر عند أهل السنة في درجة واحدة من الخلافة
الراشدة؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء
الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ) فما لنا في هذا العصر لا نقتدي بهما في
الولاية والتعاون على مصلحة المسلمين، ونتسلق إلى ما لا نبلغه من التفاضل بين
علميهما؟ ألا إننا سنفعل ذلك رغم أنوف المتعصبين الخياليين والمأجورين.
تفنيد ما سمَّاه البراهين القاطعة على تفضيل علي:
خلاصة براهينه أن عمر أسلم في السنة السادسة من البعثة وعمره ست
وعشرون سنة، ومكث مدة ثلاث سنين لا يرى النبي صلى الله عليه وسلم إلا
نادرًا، وهي مدة حصاره في بني هاشم وبني عبد المطلب في الشِّعب.
ونتيجة هذا أنه طلب العلم في سن لم يسمع المعترض أن أحدًا طلب العلم فيها
وبرع فيه، فهذا برهان عقلي على أن عمر لم يبرع في علم الإسلام اهـ (ص
66) .
وأما علي فقد ضمَّه إليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربع سنوات،
ولم يفارقه في طول حياته إلا في أوقات قليلة، فقد تلقى العلوم من سن الطفولة التي
هي سن التحصيل، وفي الزمن الطويل، فهذا برهان عقلي على أنه فاق عمر
وسائر الصحابة في علوم الإسلام كلها مع ذكائه النادر اهـ (ص 67 - 69) .
أقول: (1) إن العلم الذي دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن فيه
شيء من الفنون الخاصة بالأطفال التي تؤخذ بحفظ العبارات أولاً، ثم تفهم بالتدريج
البطيء الذي يراعى فيه سن الطفل ونمو مداركه؛ وإنما دعا إلى علم لا يوجه إلا
إلى العقلاء المكلفين، وأوله توحيد الله تعالى والإيمان بملائكته وكتبه ورسله
وبالبعث والجزاء، ثم بأصول الفضائل وعبادة الله تعالى بالصلاة والذكر والفكر،
وينبوع هذا العلم كله القرآن وقد بلغ كله للجميع؛ وإنما كان النبي صلى الله عليه
وسلم مبينًا له بسنته العملية والقولية، وكانوا يتفاضلون في العلم بفهم القرآن، وقد
سأل أبو جحيفة عليًّا عليه السلام: هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء
من العلم؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا أن يؤتي الله عبدًا فهمًا في
القرآن وما في هذه الصحيفة. يعني كرم الله وجهه صحيفة كان ربطها بسيفه فيها
أحكام عقل الدية وفكاك الأسير وتحريم المدينة كمكة وعدم قتل المؤمن بالكافر.
والحديث صحيح رواه أحمد والبخاري في مواضع متعددة من المسند والجامع
الصحيح ورواه غيرهما أيضًا، ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم بلَّغ عشيرته
في الشِّعب شيئًا من التشريع ولا أن عليًّا أو غيره قال ذلك، بل من المعلوم الذي لا
خلاف فيه أن أكثر الأحكام التشريعية كانت بعد الهجرة.
(2)
الإنسان كما يقول الأطباء لا يكتمل نموه الجسدي والعقلي الطبيعي إلا
باكتمال 25 سنة التي هي ربع العمر الطبيعي المعتدل، ومن المعلوم بالتجارب في
المدارس وغيرها أن ابن 26 سنة أقوى فهمًا للمسائل العقلية من اعتقادية وتشريعية
من الطفل المميز واليافع الذي لم يكتمل نموه، وأن أكثر الذين يطيلون المكث في
مدارس التعليم أقلهم نبوغًا، فأشهر الحكماء والنابغين لم يمكثوا في المدارس إلا
قليلاً، وقد سمعت أستاذنا الشيخ حسينًا الجسر يقول للسيد علي الثمين نقيب
الأشراف بطرابلس في تلميذ له: إنه ساوى في السنة الأولى الأذكياء الذين سبقوه
في طلب العلم بسبع سنين.
(3)
من المعلوم عند علماء النفس، وعلماء التاريخ أن من كان قوي
الاستعداد للحفظ يزداد في الشباب قوة باستعمال استعداده، كما يُعلم من تراجم حفاظ
الحديث، ولما حفظ ابن عباس قصيدة عمر بن أبي ربيعة من سماعها مرة واحدة كان
كهلاً لا شابًّا ولا طفلاً، وعَجِب ممن عَجِبَ مِن ذلك فقال: (وهل يسمع الإنسان
شيئًا ولا يحفظه؟) وأملى الحافظ ابن حجر ألف درس من حفظه وكان كهلاً، ومن
المعلوم أيضًا أن ملكة الحفظ في العرب كانت قوية جدًّا لاعتمادهم عليها، وكذلك
كانت عند غيرهم من الأمم قبل تعلم الكتابة والاعتماد عليها في حفظ العلم، ففي
تاريخ اليونان القديم أن عقلاءهم اعترضوا على اقتباسهم فن الكتابة من المصريين
بأن الاعتماد عليها يضعف ملكة الحفظ.
(4)
ما جعل الله لرجل من قلبين، وزيادة بعض القوى يقابلها نقض غيرها
فمن كان أكثر حفظًا للنصوص الشرعية كالقرآن والحديث أو اللغة قلما يساوي في
فهمها والتفقه فيها من يعنى بفهمها دون حفظها، وقد علم بالتجربة أن قوة الاستعداد
للحفظ قلما تتفق مع قوة الاستعداد للفهم والحكم في المعاني، فأكثر حفاظ الحديث
غير فقهاء فيه، وأكثر الفقهاء غير حفاظ له، وكذا علماء المعقول فقلما تجد في
كبارهم حافظًا للحديث والآثار أو من يسمى محدثًا، وقد كان أبو حنيفة يعد أفقه أئمة
المذاهب المشهورة وهو أقلهم حفظًا، وكان أحمد بن حنبل أحفظهم، وقد قال فيه
الإمام ابن جرير: إنه محدِّث لا فقيه. بل يُروى أن الشافعي قال لأحمد على ما اشتهر
من إجلاله له: إذا صح عندكم الحديث فأخبرونا به، فأنتم أعلم بروايته ونحن أعلم
بفقهه، أو ما هذا معناه.
(5)
إن فائدة حفظ النصوص تبليغها للناس، وإننا نرى المروي عن عمر
من الحديث في البخاري، وفي مسند أحمد أكثر من المروي عن علي، وهو لم يرو
إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي بكر وأبي بن كعب، وعلي قد روى
عنه وعن أبي بكر والمقداد بن الأسود رضي الله عنهم، وكذا عن فاطمة عليها
السلام، والمروي عن أبي هريرة الذي أسلم في السنة السادسة من الهجرة أكثر مما
روي عن الخلفاء الأربعة، وعن العبادلة الذين هم أكثر رواية من الخلفاء؛ ولكنهم
يلونهم في فقه الدين وحكمه، وكان أبو هريرة دون كل واحد منهم في علوم الإسلام
الإلهية والشرعية.
فقول هذا السيد في براهينه القطعية عنده: (فكان أعلمهم أكثرهم حفظًا
وأقواهم حافظة) غير صحيح وإلا لكان أبو هريرة أعلم الصحابة على الإطلاق،
ثم إنه معارض ببرهانه القطعي الآخر أن المتأخر في الزمن في التلقي عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم لا يبلغ شأو المتقدم، ثم إن كون علي أكثرهم حفظًا
وأقواهم ذاكرة لا دليل عليه من عقل ولا من نقل؛ لأن مثله لا يثبت إلا بامتحان
استقرائي تام، وهو لم يقع تامًّا ولا ناقصًا، وإن كان في نفسه غير كثير عليه.
ومن غرائب براهينه القطعية الخاصة بمنطقه: استدلاله بذاكرته وذاكرة بعض
معارفه؛ إذ قال: إنه لم يكن ينسى في شبيبته شيئًا مما سمعه أو قرأه، وكان يتعجب
ممن ينسى، وبعد بلوغه الثلاثين انقلب الأمر وانعكس، وأصبح يتعجب ممن
يحفظ ولا ينسى، وأنه ما شكا هذا الداء لأحد إلا وشكا له مثله، فكأنه هو وأصحابه
الذين شكا لهم حاله حجة الله القطعية على البشرية والمعيار لنابغي العلماء والحفاظ،
ومثل عمر بن الخطاب، وأنا أقول له: إنني بعد بلوغي الستين لم أنس شيئًا مما
سمعته وقرأته، إلا الأمور التافهة التي لا ألقي لها بالاً، ولا أحب أن أحفظها، ولا
أن أعيدها إذا ذكرتها؛ ولكنني منذ الصغر قليل الحفظ لأسماء الأعلام والأرقام
واستحضار ما لم يتكرر على ذهني منها، وقوي الحفظ سريع الاستحضار للمسائل
العلمية ولا سيما المعقولة منها، ومن عادتي أنني إذا ألقيت خطبة أو محاضرة أو
سمعتها من غيري ونويت أن أعيدها أو أكتبها فإنني أعيدها بما يقرب من ألفاظها
وبتحديد معانيها، وإذا لم أنو ذلك فإنني أتذكرها بعد ذلك بالإجمال لا بالتفصيل.
مثال ذلك بعض الخطب التي ألقيتها في سورية سنة الدستور، وبعض الخطب
التي ألقيتها في الهند؛ فإنني كتبتها للمنار بعد إلقائها في مدد قصيرة أو طويلة،
ورأيت الذين سمعوها يقولون إنني لم أترك مما قلته شيئًا، ومنها الخطبة التي
ارتجلتها في مدرسة عليكرة الإسلامية الجامعة في الهند وموضوعها التربية وأنواعها
وفلسفتها، اقتُرحتْ عليَّ عند عقد الحفلة التي أقامها طلاب المدرسة لي، ثم اقتُرح
علي بعد الاحتفال أن أكتبها فلم أجد فرصة لذلك مدة مكثي في الهند؛ ولكنني كتبتها
في مسقط وأرسلتها إلى عمدة المدرسة، وكانوا قد كتبوا كل ما وعوه منها بطريقة
الاختزال فلما وصل إليهم ما كتبته وجدوه أوفى وأضبط مما كتبوا، ولقد رويت عن
شيخنا الأستاذ الإمام في تاريخي له أمورًا كثيرة سمعتها أو حضرتها بعد الثلاثين
ودونتها بعد الستين، ونشرت له خطبًا ارتجالية في عهده لم يستدرك علي منها كلمة.
(6)
لو كان التفاضل في العلم عند الصحابة بالرواية لتنافسوا فيها ولكتب
الكاتبون منهم ما سمعوه ووعوه، ولم ينقل عنهم هذا بل المنقول خلافه.
(7)
من المقرر عند العلماء أن العلوم والأعمال التي يتعدى نفعها أفضل
وأكثر ثوابًا من القاصرة على صاحبها، ومن المعلوم الذي لا خلاف فيه بين
المحدثين والمؤرخين للإسلام ودوله أن علوم عمر وأعماله كانت أنفع من علوم
سائر الخلفاء في نشر الإسلام واهتداء الشعوب به وفتوحه وما اشتهر به من العدل
والفضائل.
(8)
من المعلوم الذي لا مرية فيه بين الواقفين على تواريخ الأمم وسنن
الاجتماع البشري أن أرقى البشر عقلاً وعلمًا نفسيًّا هم أقدرهم على سياسة الشعوب
وإقامة الدول، وأن هؤلاء مفضلون على الحفَّاظ والعلماء الفنيين الذين يقومون
ببعض الأعمال الجزئية في الدولة، وهذا هو العلم الذي يرجح صاحبه على من
دونه فيه لتولي الحكم العام كالخلافة والملك، ومن دعائم هذا العلم معرفة استعداد
الأفراد الذين يصلحون للسياسة والإدارة والقضاء وقيادة الجيوش، ومن المعلوم من
التاريخ بالتواتر والعمل أن عمر رضي الله عنه كان في الذروة العليا من نابغي
البشر وأفذاذ الأمم في هذا الأمر علمًا وعملاً، يشهد له بهذا علماء هذا الشأن من
جميع الشعوب، ولبعض علماء أوربة وفلاسفتهم أقوال في ذلك مشهورة ومدونة.
فلو كان العلم الذي يفضل صاحبه على غيره في الخلافة وإدارة سياسة الأمة
هو كثرة الحفظ للأحاديث وضبط الروايات لكان أبو هريرة وأنس بن مالك أول من
ولاهم الخلفاء الراشدون ولا سيما عمر على الأمصار، ولو كان الذي يصلح لذلك
أصحاب المبالغة في الزهد والعبادة لكان أبو ذر وأبو الدرداء وأبو موسى
الأشعري مقدمين على غيرهم للولاية والسياسة وإدارة أمور الشعوب.
وجملة القول في براهين السيد عبد الحسين نور الدين العقلية: إنها ليس فيها
قياس منطقي مؤلف من مقدمات يقينية تصلح لتأليف برهان عقلي؛ وإنما جاء
بروايات نقلية لا يمكنه إثباتها كلها؛ وإنما بعضها صحيح كتقدم إسلام علي على
إسلام عمر، وهو لا يدل على ما استدل به عليه، وبعضها لا يصح، وهو على
فرض صحته لا ينتج مع غيره ما فهمه منه بطريقة القياس البرهاني لما بيناه من
الحقائق الفلسفية والتاريخية.
على أننا نقول: إن كلاًّ من عمر وعلي رضي الله عنهما من أفراد البشر
الممتازين بالعبقرية العليا، فعمر جدير بأن يفهم في الزمن القصير من القرآن
والسنة ما لم يفهمه غيره في الزمن الطويل، وهو الذي شهد له الرسول بأنه من
المحدَّثين (بفتح الدال المشددة) أي الملهمين المفهَّمين من الله تعالى، وبأن الله
جعل الحق على لسانه وقلبه، وهو هو الذي نزل القرآن مرارًا موافقًا لرأيه وقال
فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (لو كان بعدي نبي لكان عمر) رواه أحمد
والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وأقره الذهبي، وكان في شبابه صاحب سفارة
قريش وعمدتهم في المفاخرة والمنافرة، فلولا أنه من أحفظهم وأفصحهم وأقواهم
حجة لما ولّوه ذلك، فإذا كان قد سبقه أربعون رجلاً إلى الإسلام فلا يمكن لمن
يفضل عليًّا وأبا بكر عليه في علمهما أن يفضل عليه باقي الأربعين، والتفاضل بين
الثلاثة أنفسهم لا يسهل أن يثبت بقياس برهاني؛ وإنما الدلائل القطعية في فضائل
عمر وعلي هي ما ثبت بالتواتر من سيرتهما العملية التي لا تحتمل التأويل.
دلائل مناظرنا النقلية:
إن ما ذكره السيد عبد الحسين نور الدين من الروايات النقلية التي بنى عليها
استدلاله تدل على أنه لا يوثق بنقله وإن عين مواضعه بالأرقام، ولا بتمييزه بين ما
يصح من الروايات وما لا يصح، ولا بفهمه لما ينقله، وهاك البيان مختصرًا:
(1)
ما نقله عن مختصر كنز العمال من هامش ص 43 من مسند الإمام
أحمد وقد أنكره عليه السائح العربي؛ وإنما هو في ص 46 منه ج 5 وهو روايتان:
إحداهما عن علي ولم ينقلها ولفظها: (كنت إذا سألت رسول الله صلى الله عليه
وسلم أعطاني وإذا سكتُّ ابتدأني) وهذه أخرجها ابن أبي شيبة والترمذي من طريق
عبد الله بن هند وهو المرادي الجملي الكوفي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن
غريب من هذا الوجه، وأقول: إن عبد الله بن هند لم يثبت سماعه عن علي وهو
صدوق، والثانية التي نقلها وهي: عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب أنه
قيل لعلي: ما لك أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا؟ فقال:
(إني كنت إذا سألته أنبأني وإذا سكتُّ ابتدأني) رواه ابن سعد اهـ. ومحمد بن عمر
هذا لم يسمع من جده علي ولم يذكر من حدَّثه عنه، وفي روايته من جهة المتن أنه
لم يثبت أن عليًّا كرم الله وجهه كان أكثر الصحابة حديثًا أيضًا.
(2)
ما نقله عن ص273 ج 3 من طبقات ابن سعد وهو رواية قدوم أبي
هريرة من عند أبي موسى بثمانمائة ألف درهم، وقد أنكره عليه السائح العربي
أيضًا، وهو في ص 616 ج 3 (طبعة أوربة) وهذا لفظه: أخبرنا يزيد بن
هارون نا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أنه قدم على عمر من
البحرين (قال أبو هريرة: فلقيته في صلاة العشاء الآخرة فسلمت عليه فسألني عن
الناس ثم قال لي: ماذا جئت به؟ قلت: جئت بخمسمائة ألف درهم، قال: هل
تدري ما تقول؟ قلت: جئت بخمسمائة ألف درهم، قال: ماذا تقول؟ قلت: مائة
ألف، مائة ألف، مائة ألف حتى عددت خمسًا، قال: إنك ناعس فارجع إلى أهلك
فنم فإذا أصبحت فائتني، فقال أبو هريرة: فغدوت إليه فقال: ماذا جئت به؟ قلت:
جئت بخمسمائة ألف درهم، قال عمر: أطيب؟ قلت: نعم، لا أعلم إلا ذلك،
فقال للناس: إنه قدم عليكم مال كثير، فإن شئتم أن نعد لكم عددًا وإن شئتم أن نكيله
لكم كيلاً؟ ثم ذكر مسألة إنشائه الديوان) .
أقول: أولاً: إن السيد نور الدين لعدم وقوفه على علوم الحديث ومصطلحات
أهلها، يقول إذا نقل شيئًا عن كتاب: إن صاحبه موثق عند إخواننا، كما قال في ابن
سعد، وإذا كان ابن سعد ثقة فلا يقتضي أن يكون كل ما يرويه صحيحًا، فهو
يروي غيرالصحيح كغيره من المحدثين، وعذره أنه يذكر السند الذي هو العمدة في
تمييز الصحيح من غيره، وقد قال هو نفسه في محمد بن عمرو راوي هذا الحديث:
كان كثير الحديث يستضعف، وقال فيه يحيى بن معين: ما زال الناس يتقون حديثه،
قيل له: وما علة ذلك؟ قال: كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء من روايته، ثم
يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة اهـ. أي مثل هذه الرواية.
ثانيًا: إن هذه الرواية ليس فيها أدنى مطعن على علم عمر رضي الله عنه،
ولا على فهمه، بل كل ما فيها أنه استكثر هذا المال أن يجيء من البحرين، فظن
أن أبا هريرة مخطئ في بيانه لنعاس أو تعب طرأ عليه، وهو معذور في استكثاره
لما كانوا عليه من الضيق والعسر.
(3)
قوله: وروى أحمد في مسنده أن عمر لم يعرف حكم الشك في الصلاة،
وهذا من غرائب عدم فهمه إذا كان قد رواه بالمعنى، وإلا كان افتراء على المسند؛
فإنه ليس فيه أن عمر لم يعرف حكم الشك؛ وإنما فيه عن محمد بن إسحاق عن
مكحول عن كريب عن ابن عباس أنه قال له عمر: يا غلام، هل سمعت من
رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من أحد من أصحابه إذا شك الرجل في صلاته
ماذا يصنع؟ فبينما هو كذلك إذ أقبل عبد الرحمن بن عوف فقال: فيم أنتما؟ فقال
عمر: سألت هذا الغلام.. . إلخ، فقال عبد الرحمن: سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أواحدة صلى أم ثنتين، وإذا
لم يدر صلى ثلاثًا أم أربعًا فليجعلها ثلاثًا ثم يسجدْ إذا فرغ من صلاته وهو جالس
قبل أن يسلم) .
وأقول أولاً: إن السؤال لا يكون دائمًا عن جهل بالمسئول عنه، بل قد
يكون امتحانًا، وقد يكون للتثبت في رواية مختلف فيها أو متهم راويها، وفي
سجود السهو عدة روايات مختلفة.
وثانيًا: إن هذا الحديث غير صحيح؛ فإنه رواية ابن إسحاق عن كريب وهو
مدلس، وقد عنعن فلا تُقبل روايته، ومكحول رواه له مرسلاً، قال ابن إسحاق:
فلقيت حسين بن عبد الله فقال لي: هل أسنده لك؟ قلت: لا؛ لكنه حدثني أن كريبًا
حدَّثه به. وحسين ضعيف جدًّا، وقال ابن أبي خيثمة: سمعت هارون بن معروف
يقول: إن مكحولاً لم يسمع من كريب اهـ. ولكن ذكر في التهذيب أنه سمع منه،
والله أعلم.
فهذه أمثلة للروايات التي يعتمد عليها هذا المناظر في الطعن في علم عمر بن
الخطاب مما ينقله عن المحدثين، فما قولك بما ينقله عن كتاب الأغاني وابن أبي
الحديد؟
وإني لأراه وأمثاله ممن يبحثون في الكتب عن شيء فيه طعن ما على من لهم
هوى في نقل الطعن فيه من غير تمييز بين صحيحه وسقيمه كدعاة النصرانية
(المبشرين) إذ ينظرون في القرآن الكريم وكتب الحديث والتفسير يتلمسون كلمة
يمكن الطعن فيها أو اتخاذها حجة على الإسلام والمسلمين ولو بالتحريف، فينقلونها
ويعتمدون عليها في تشكيك عوام المسلمين في دينهم، وإلا فما باله يختار من مسند
أحمد ما نقله كما فهمه لا كما وجده، ولم يعتبر بما رواه أحمد فيه من طرق كثيرة
عن علي أنه قال: (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر) ومنها أنه قال ذلك
وهو على المنبر، ومنها أنه قاله لمن سأله ومنهم أبو جحيفة من جماعته ومفضليه
على غيره.
هذا ومناظرنا يوجه هذا إلى صاحب المنار المشهور بالاشتغال بعلوم الحديث
ونقد الروايات؛ وإنما يوجهه إليه لأجل المناظرة فيه، فلولا أنه مصدق لهذه
الروايات وواثق بفهمه لها مع إقراره بضعف ذاكرته، لما جعلها من موضوع
مناظرته معه.
أكتفي بهذه المباحث في تفنيد براهين الأستاذ عبد الحسين العقلية والنقلية ليعتبر
به هو ومن يغره كلامه، ويعلم أن مثل هذا الذي جاء به لا يوصِّل إلى الغاية التي
طلب المناظرة لأجلها، لعله يحاسب نفسه، ولا يجعل شعوره الخيالي وغلوه
الوجداني حججًا علمية وبراهين عقلية يحاول بها تحويل أهل السنة كلهم عن
مذهبهم إلى مذهبه، فيجمع به كلمة المسلمين بوهمه، أما المناظرة العلمية في
مسائل الخلاف فطريقها الوحيد أن تحرر مسائل الخلاف الأساسية تحريرًا يمضيه
أشهر علماء الشيعة في سورية والنجف، وأما الاتفاق بدون مناظرة فهو ما سنبينه
في جزء آخر لعله الذي يلي هذا.
((يتبع بمقال تالٍ))
_________
(1)
المنار: إنما فتحنا الباب لمناظرة علمية يقصد بها جمع الكلمة، فلما رأينا الرسالة الأولى على خلاف الشرط والقصد فوضنا أمر الحكم فيها إلى علماء الشيعة.
الكاتب: محمد رشيد رضا
فتاوى المنار
تعليم أولاد المسلمين في المدارس اللادينية الحكومية وغيرها
أو مدارس النصرانية
(س 28) من حضرة صاحب الإمضاء بتونس:
بسم الله الرحمن الرحيم
ما رأيكم - دام نفعكم - في من يدخل ابنه الصغير إحدى المكاتب (المدارس)
الدولية، وهي خالية من تعليم الدين الإسلامي وتدريس اللغة العربية كما يجب، بل
كل تعليمها امتهان لنفس التلميذ حتى ينشأ ذليلاً محتقرًا نفسه وأهله، واعتناء باللغة
الفرنساوية اللطيفة، والدافع إلى زج هذه الفلذة الصغيرة هو توقع ما تحقق أن الولد
يؤخذ للخدمة الجندية ثلاثة أعوام إذا لم يحرز من تلك المكاتب على شهادة يتخلص
بها من الجندية، مع أن طرق الخلاص منها كثيرة واضحة، إلا أن الشهادة
المدرسية أضمن للخلاص من حيث المآل وراحة البال.
فهل هذا يعد ضرورة حتى يرتكبه الآباء المحافظون على الدين الإسلامي،
والقومية العربية، ومما يلاحظ أن بعض البلدان فُقد منها تعليم القرآن المجيد فضلاً
عن حفظه الناشئة المولودة بعد الحرب العظمى؟ نرقب جوابكم السامي في هذه
المزلقة التي انطبعت في فكر العارف والجاهل إلا من عصمه الله، وقليل ما هم،
والفضل الأكبر لدعاية المعلمين العربيين بالمكاتب الذين هم مسوقون بأن يكونوا
كشعوذة ودعاية بين أهليهم وذويهم حتى أني رأيت التوظف بها مع القدرة على
التعيش من طريق آخر من أكبر الكبائر، فما رأيكم؟ أطال حياتكم والسلام.
…
من محرره فقير ربه المخالف لكل أمته في هذه البدعة
…
...
…
...
…
(م. خ)
(ج) إن تعليم الأولاد ما يجب عليهم من عقائد الإسلام وأحكامه عند ما
يبلغون سن التكليف، ومبادئ اللغة العربية التي هي لغة الإسلام - فرض على
والديهم وأولياء أمورهم، فإذا كانت المدارس الدولية المذكورة في السؤال لا تمنع
والديهم من تعليم ما ذكر من الأمور الدينية ولغتها ومن تربيتهم على هدي الإسلام
وأخلاقه ومن أهمها عزة النفس، فلا مانع من إدخالهم فيها، وإن كانت تمنعهم مما ذكر
من التعليم والتربية الواجبين فلا يجوز لهم إدخالهم فيها، وما ذكر في السؤال من
الباعث على ذلك وهو التفصي من خدمة الجندية لا يصح أن يكون ضرورة ولا عذرًا
لهم، بل ينبغي للمسلمين - أو يجب عليهم - العناية بتعليم أولادهم النظام العسكري
بقدر الإمكان.
هذا، وإن في البلاد الإسلامية مدارس أخرى شرًّا من المدارس المذكورة في
السؤال وهي مدارس دعاة النصرانية، وقد ثبت بالاختبار التام في جميع الأقطار
الإسلامية أن المدارس التي تنشئها جمعيات الدعاية النصرانية؛ إنما تنشئها لنشر
دينها وتربية التلاميذ والتلميذات فيها على عقائده وعباداته وآدابه، وأنها تتوخى مع
ذلك إبعاد المسلمين والمسلمات منهم عن دين الإسلام بأساليب شيطانية تختلف
باختلاف حال المسلمين في العلم والجهل، وأن المدارس اللادينية التي تنشئها
الجمعيات السياسية والإلحادية تتوخى بث الإلحاد، بل الكفر المطلق بالرسل وما
جاءوا به من الهدى والرشاد.
وقد ثبت بالاختبار أن الإلحاد في الدين قد فشا في المتعلمين في هذه المدارس
كلها على درجات تختلف باختلاف أحوالهم، فمنهم المعطلة الذين لا يؤمنون بالله
ولا بملائكته وكتبه ورسله، ولا بالبعث والجزاء، ومنهم الذين يؤمنون بالله ولا
يؤمنون بالوحي والرسل، ومنهم الشاكون أو اللاأدريون، ومنهم الذين يقولون:
(آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) ومنهم الذين يلتزمون الجنسية الدينية
السياسية والاجتماعية في الزواج والإرث، والأعياد والمواسم والجنائز ولا يقيمون
الصلاة ولا يؤتون الزكاة ولا يحجون البيت الحرام ولا يصومون رمضان، ومنهم
من يلتزم حرمة شهر رمضان وعاداته وقد يصومون أيامًا منه، ولا يحرِّمون ما
حرَّم الله ورسوله من الخمر والميسر والزنا والربا إلا بالقول دون الفعل.
ومنهم من يصلي ويصوم أحيانًا أو دائمًا؛ ولكنهم لا يعرفون كل ما يجب أن
يعرفه المسلم من عقائد الإسلام وأصول أحكامه وآدابه.
ومن آثار ذلك ما نراه من الفوضى في الأمور الإسلامية والجهل ببعض الأمور
المعلومة من الإسلام بالضرورة التي أجمع علماء المسلمين سلفًا وخلفًا على كفر
جاحدها، وعدم عذر جاهلها والدعوة إلى مخالفتها في المحاضرات والمناظرات
والكتابة والخطابة؛ وإنك لترى هذا في الصحف المنتشرة، والرسائل والكتب
المنكرة، التي تكتب بأسماء إسلامية في الأحكام الشرعية كحقوق النساء وترجمة
القرآن وغير ذلك.
ومن آثار ذلك ترجيح المتفرنجين وأولي العصبية الجنسية للغات الأجنبية على
لغة الإسلام العربية، بل يجهلون أن الإسلام قد جعل لغة العرب لغة لكل المسلمين
لتكون عبادتهم واحدة، وشريعتهم واحدة، وآدابهم واحدة، ويصدق عليهم قوله
تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} (الأنبياء: 92) من كل وجه.
فتعليم أولاد المسلمين في المدارس التبشيرية والمدارس اللادينيية (لاييك) قد
جنى عليهم في دينهم ودنياهم وسياستهم وأوطانهم، وسلبهم أكثر ما نالوه بهداية دينهم؛
حتى لم يبق منه إلا القليل وهو على وشك الزوال.
إنهم أسلموا أولادهم أفلاذ أكبادهم لأعدائهم لأجل أن يجعلوهم مثلهم فيما كانت
به دولهم عزيزة قوية، فقطعوا عليهم الطريق المستقيم الذي يوصلهم إلى ذلك وهم
لا يشعرون ولا يعقلون، ثم إنهم بعد ذلك كله يمارون الذين ينبهونهم ويبينون لهم
حقيقة حالهم وسوء مآلهم.
وأكبر المصائب على المسلمين أنه ليس لهم دولة إسلامية تقيم الإسلام في
علومه وسياسته وهدايته وتشريعه وتعليمه وتربيته، فيرجعون إليها فيما يختلفون
فيه من أمورهم في بلادها وغير بلادها.
وليس لهم جمعيات علمية دينية حكيمة غنية كجمعيات النصارى واليهود تنشئ
لهم المدارس والملاجئ والمستشفيات الإسلامية فتغنيهم بها عن الالتجاء إلى أعداء
دينهم فيما صاروا يرونه ضروريًّا من التعليم الذي عليه مدار المعاش في هذا
العصر.
ترك المسلمون هذه الأمور التي هي من فروض الكفايات فكان من سوء تأثير
تركها ارتكاب الأفراد لمعصية الله تعالى في تعليم أولادهم في المدارس التي بيَّنا
ضررها وفسادها في دينهم ودنياهم.
قد يغتر الذين يعرفون الإسلام ويثقون بتربية أولادهم عليه فيظنون أنه يمكنهم
حفظ عقائد أولادهم مع تعليمهم في هذه المدارس، وقلما يصدق ظن أحد منهم.
وضع أخي السيد صالح رحمه الله بنتًا له في مدرسة البنات الأميركانية
بطرابلس الشام، وهي ناشئة في بيت قلما يوجد نظير له في بيوت المسلمين في
معرفة الإسلام والاعتصام به، وكان السيد صالح بارعًا في جدال القسوس
والمبشرين شديد العارضة قوي الحجة، وكان يكون له الفلج والظفر بهم في كل
مناظرة؛ لكنه كاد يعجز عن إقناع بنته ببطلان ما لقنتها المدرسة من الأناشيد في
ألوهية المسيح وفدائه للبشر أو انتزاع شعورها الوجداني به، فاضطر إلى إخراجها
من المدرسة قبل أن تتم مدتها، ثم كانت على تدينها ومحافظتها على الصلوات
والصيام ويقينها بتوحيد الله تعالى وكون المسيح عبده ورسوله، تحن إلى المدرسة
وتعتقد أن ناظرتها مس لاكرانج من أفضل البشر، وفي هذا عبرة لمن يعتبر.
***
إشكال في تفسير المنار في نقل العرب المناسك
وتحريم الأشهر عن إبراهيم
(س29 - 32) من صاحب الإمضاء في طرابلس الشام:
حضرة الأستاذ الفاضل علامة العصر، وفريد الدهر، الشيخ رشيد أفندي
رضا المحترم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد، فقد قرأت في العدد الأول من
مجلد هذه السنة - يعني السنة الماضية - من مجلتكم الغراء ما يأتي:
بعد ما ذكرتم قوله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا
يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ} (التوبة: 37) قلتم في تفسير هذه الآية: كانت العرب ورثت من ملة إبراهيم
وإسماعيل تحريم القتال في الأشهر الحرم لتأمين الحج وطرقه كما تقدم، كما ورثوا
مناسك الحج، ولما طال عليهم الأمد غيَّروا وبدَّلوا في المناسك وفي تحريم الأشهر
الحرم ولا سيما شهر المحرم منها؛ فإنه كان يشق عليهم ترك القتال وشن الغارات
ثلاثة أشهر متوالية، فأول ما بدَّلوا في ذلك إحلال الشهر المحرم بالتأويل، وهو أن
ينسئوا تحريمه إلى صفر لتبقى الأشهر الحرم الأربعة كما كانت، وفي ذلك مخالفة
للنص ولحكمة التحريم معًا اهـ.
فنرجو من فضيلتكم أن تجيبونا على هذه الأسئلة الآتية على طريق الاستفادة؛
لأن مجلتكم ترغب بنشر المباحث ليزداد النفع وتظهر حقية هذا الدين:
أولاً: هل لدينا ما يثبت أن مناسك الحج وتحريم القتال في الأشهر الحرم هو
من شريعة سيدنا إبراهيم الخليل؟ أين الكتب الدينية أو السند المتصل الذي يثبت
ذلك ويظهره ظهور الشمس في رائعة النهار؟ فتوارث ذلك من أسلافهم إلى أن
يصل إلى إبراهيم الخليل لا يكون سندًا يُعتد به في الأمور الدينية؛ لعدم الثقة
برجال الجاهلية لكونهم عبدة أوثان؛ ولأن كل ما يفعلونه كانوا ينسبونه إلى إبراهيم
الخليل، ولا يبعد أن تكون عبادتهم للأصنام ادعاء منهم أن سيدنا إبراهيم كان يعبدها.
ثانيًا: كيف يجعل الله عبادة الوثنيين ومناسكهم عبادة في الإسلام ومناسك له،
والإسلام جاء ليجتث جذور الوثنية كما في تحريمه التشفع بالأولياء والصلحاء؛ لأنها
تماثل ما يفعله الوثنيون.
ثالثًا: إذا كانت العرب ورثت عن إبراهيم الخليل المناسك وتحريم القتال في
الأشهر الحرم يلزم أن تكون العرب قبل الإسلام أمة غير جاهلية لأنها صاحبة
شريعة، وإن اعتقدنا أنها كانت أمة جاهلية لكونها غيرت وبدلت ما شرع إبراهيم
الخليل؛ فتكون الأمة الإسرائيلية أيضًا قبل ظهور السيد المسيح أمة جاهلية؛ لأنه
كان لها أحكام فغيَّرتها، وعقائد حقة بدَّلتها.
رابعًا: ما معنى كون العرب قبل الإسلام أمة جاهلية؟ هل لكونها لم يرسل
لها نبي أو لكونها غيرت شريعة إبراهيم الخليل صلوات الله عليه؟
نرجو الجواب على صفحات مجلتكم الغراء مؤيدًا بالأدلة العقلية والنقلية، فلا
عدمت الأمة الإسلامية أمثالكم، ودمتم لها حصنًا حصينًا وسيفًا قاطعًا لأعناق
المعتدين، والسلام.
…
...
…
...
…
...
…
... محمد فؤاد إشراقية
(ج) إن ما تنقله الأمم بالعمل المتواتر لا يحتاج في إثباته إلى أسانيد قولية
محفوظة ولا مكتوبة كنقل الكلام، فصفة الصلاة وعددها وعدد الركعات فيها وصفة
مناسك الحج المجمع عليها من الطواف والسعي والوقوف، كل ذلك بينه النبي صلى
الله عليه وسلم وجرى عليه المسلمون بالعمل إلى يومنا هذا، وبذلك كان قطعيًّا يرتد
جاحده عن الإسلام لا برواية المحدثين له بأسانيدهم في كتبهم، وكذلك العرب أخذت
عن إبراهيم وإسماعيل مناسك الحج التي أسندها الله تعالى إليهما في كتابه، وكذا
تحريم القتال في الأشهر الحرم وعملوا بهما قرنًا بعد قرن، إلا أنهم أحدثوا فيهما
بدعًا كالنسيء في الأشهر والعري للطواف ووضع الأصنام في البيت وغيره،
وكانت هذه البدع والأحداث معروفة عندهم هي ومن أحدثها إلا قليلاً منها، ونُقل
هذا عنهم في كتب الحديث والتاريخ الإسلامي، ولم يكونوا يسندون عبادة الأصنام
إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في سيرة ابن إسحاق أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: (رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار؛ لأنه أول من غير
دين إسماعيل فنصب الأوثان وسيب السائبة)
…
إلخ، ورواه الطبراني بلفظ:
(غير دين إبراهيم) وهو الذي وضع صنمي إساف ونائلة على الصفا والمروة.
ولكن العمدة في التمييز بين ما كان من مناسك إبراهيم وما لم يكن منها إنما هو
كتاب الله وبيان النبي صلى الله عليه وسلم وهو منقول في كتب الحديث، فما أقرَّه
صلى الله عليه وسلم من تلك المناسك قد صار مشروعًا لنا بإقراره إياه لا بنقلهم له،
وقد كان الحمس من قريش يقفون بالمزدلفة دون عرفات ويفيضون منها وظنوا أن
النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك في حجة الوداع، فوقف مع الناس وأفاض
ونزل في ذلك {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفَاتٍ} (البقرة: 198) إلى قوله: {ثُمَّ
أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} (البقرة: 199) وصوروا إبراهيم وإسماعيل
يستقسمان بالأزلام، فكذَّبهم النبي صلى الله عليه وسلم بيانًا لجعل الله ذلك من الفسق،
بل جاء شرعنا موافقًا لبعض عاداتهم فصارت مشروعة لنا، وما كل عاداتهم ولا
تقاليدهم كان قبيحًا، فهذا جواب السؤالين الأول والثاني.
وأما الجواب عن الثالث والرابع فهو أن حالة العرب قبل الإسلام سميت جاهلية
لما كان يغلب عليهم من الجهل بالدين والشرائع وغلبة الأمية والوثنية ومفاسدها
عليهم، ولا ينافي هذا تعظيمهم لإبراهيم وإسماعيل وحفظهم لأكثر مناسكهما لما كان
لهم في ذلك من العزة والفخر بالإباء والمنافع المادية في سدانة البيت وموسم الحج،
والفرق بينهم وبين اليهود عظيم، وهو غير محتاج إلى البيان لظهوره على أن هذا
الجواب ليس بمحل له.
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
ترجمة القرآن وكون العربية لغة الإسلام
مقدمة إجمالية
وضعت مسألة ترجمة القرآن موضع المناظرة والجدال في الجرائد السياسية،
فكانت كسائر المناظرات في السياسة الحزبية والأهواء الاجتماعية، خاض فيها من
له إلمام بأصول الدين الإسلامي وفروعه ومن لا إلمام له بهما ممن اعتادوا تحكيم
آرائهم في كل شيء بما تبيحه لهم فوضى العلم والدين والسياسة في مصر، فكان
الجمهور حائرًا لا يستقر له فكر، ولا يستبين له حكم.
ثم برز إلى الميدان علماء الأزهر فكانوا مختلفين كغيرهم، وقد أكثروا من
نقل عبارات الكتب واختلفوا في فهمها والترجيح بين مدلولاتها، فزادوا الجمهور
حيرة على حيرة، واضطرابًا على اضطراب؛ لأنه كلام في مقابلة كلام، وخصام
حيث لا مسوغ للخصام، ولم يعرج أحد من الكاتبين على ما هو مثار النزاع في
المسألة وهو عمل الحكومة التركية اللادينية، ما حقيقته وما سببه؟ وما موقعه من
دين الشعب التركي ومذهبه واعتصامه بهما؟ بيد أن بعض من كتب من العلماء
ألقى نظرة عجلى على شعوب الإسلام الأعجمية ليعطيها حقها من حكم ترجمة
القرآن بحسب حاجتها في هذا الزمان؛ ولكنه لم يبصر بهذه النظرة العجلى ما عليه
هذه الشعوب، وألقى نظرة أثبت منها على الشعوب غير الإسلامية، فأدرك ما
للإسلام من الفائدة في إطلاعها على ترجمة القرآن بألسنتها؛ ولكنه لم يحرر
الموضوع من كل وجهة، فظلت الحقيقة خفية غير ظاهرة.
وقد كنت وفيت هذه المباحث حقها في مواضع من المنار ومن الجزء التاسع
من تفسير القرآن الحكيم، وجمعت أكثرها في رسالة خاصة، ولما ألح علي
الكثيرون من العلماء والفضلاء بكتابة شيء جديد يناسب مقتضى الحال ويُرجى أن
يُزيل كل إشكال، شرعت في كتابة مقال طويل جمع بعضه في المطبعة، ثم بدا لي
بعد دخول كبار العلماء في المعمعة أن أرجئ إتمامه، وأعجل إلى الجمهور ببيان
القضايا القطعية في الموضوع وما يجب على المسلمين منه في هذا العصر، وهو
ملخص في عشر مسائل، وسأنشر بعدها ذلك المقال الطويل المفصَّل، الذي يحز
في المفصل، ويزيح كل مشكل، ويثبت أن اللغة العربية هي لغة دين الإسلام
والمسلمين، ورابطة الأخوة العامة ووسيلة السلام للمؤمنين، بما يفند نزعات
الشعوبية وعصبية الجنسية ونزعات الملحدين، ويوحد كلمة العلماء المختلفين، بما
يخرج من بين فرث ودم لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين، وهذه خلاصته الإجمالية:
1-
أجمعت الأمة الإسلامية عربها وعجمها على أن هذا القرآن المحفوظ في
قلوب الألوف التي لا تحصى من الحفاظ، المرسوم في ألوف الألوف من
المصاحف، هو كلام الله عز وجل المنزَّل على محمد رسول الله وخاتم النبيين،
بلسان عربي مبين، مُعجز للخلق أجمعين.
2-
أجمعت الأمة الإسلامية عربها وعجمها على أن هذا القرآن العربي هو
أساس دين الله الذي أكمل به ما أوحاه إلى رسله من قبله، وأتم به نعمته على
العالمين، وأمر رسوله أن يبلغه كما أنزله عليه بنصه العربي المبين، فبلَّغه كما
أمره الله، وأمر أصحابه وأتباعه بإذن الله تعالى أن يبلِّغوا عنه ما بلَّغهم عن الله عز
وجل إلى جميع البشر، فبلَّغوا وما زالوا يبلِّغون هذا القرآن بنصه العربي المنزَّل،
وما بينه من سنة الرسول الذي جاء به صلى الله عليه وسلم وما استنبطه أئمة العلم
من عقائده وأحكامه وآدابه.
3-
أجمعت الأمة الإسلامية عربها وعجمها على أن الله تعالى قد تعبد بهذا
القرآن العربي كل من آمن به وبرسوله محمد خاتم النبيين من أجناس البشر تلاوة
وتدبرًا وأذكارًا واعتبارًا، وامتثالاً للأوامر، واجتنابًا للمناهي، وحكمًا بين الناس
كما قال: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِياًّ} (الرعد: 37) على ما في ذلك من
الفروض والواجبات على الأعيان، ومن الفروض والواجبات على الكفاية التي
يكفي قيام البعض بها عن قيام الكل، وما فيه من المندوبات والفضائل والآداب
الكمالية، فجميع الشعوب الإسلامية تعبد الله به إلى هذا اليوم، وستعبده به إلى ما
شاء الله على تفاوت عظيم فيها بين جماعاتهم وأفرادهم في حظهم من هذه العبادة،
وبين خير القرون وما يليها.
4-
أجمعت الأمة الإسلامية عربها وعجمها على أن ما فرضه الله تعالى على
أفراد أمة محمد صلى الله عليه وسلم من قراءة في الصلاة، فالواجب على كل فرد
أن يتلوه بنصه العربي المنزَّل كما أنزل {قُرْآناً عَرَبِياًّ غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} (الزمر:
28) .
ولكن اختلف مدونو الكتب الفقهية بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم
وأصحابه رضي الله عنهم فيمن عجز من أفراد الأعاجم عن النطق به عربيًّا
صحيحًا غير ذي عوج بدون تحريف وتبديل لا يبيحهما له الشرع، فقال بعضهم:
إنه في حال العجز تسقط عنه القراءة فيقف ساكتًا مخبتًا خاشعًا لله تعالى، وقال
بعضهم: يستبدل بها ذكرًا آخر، وقالت الحنفية: بل يستبدل بها ترجمتها، وجوبًا
أو جوازًا (قولان) كما أن العاجز عن القيام في الصلاة يصلي جالسًا، والعاجز
عن الجلوس يصلي مضطجعًا، والعاجز عن الركوع والسجود يومئ بهما، ومتى
زال العذر في الجميع يرجع المصلي إلى الأصل المفروض بإجماع الأمة.
ومن المعروف بالاختبار أن العجز عن النطق بالقرآن العربي نادر قلما يقع إلا
لمن أسلم من بعض الأعاجم وهو كبير السن، وقد جرى المسلمون على تعليم
أولادهم الفاتحة وبعض السور القصيرة عند تعليمهم أحكام الصلاة وأذكارها في
الصغر، فلا يكاد يوجد فيهم من يعجز عن النطق بها، ويضطر أن يستبدل بها
ترجمتها فيحتاج إلى هذه الرخصة الحنفية فيها؛ وإنما يحتاج إليها بعض من يدخل
في الإسلام كبيرًا إلى أن تنحلَّ عقدة لسانه بالتمرين على اللفظ العربي.
5-
أجمعت الأمة الإسلامية عربها وعجمها على أنه لا يُباح للمسلمين ترجمة
القرآن بلغة أخرى يتعبد بها في الصلاة والتلاوة والتشريع، ويُطلق عليها اسم كلام
الله، وكتاب الله، والقرآن الكريم، والقرآن العظيم، والقرآن المجيد، كما سمى
الله كتابه العربي، ويستغنى بها عن كتابه المنزل، الذي أرسل به رسوله، وتعبد
به أمته، وصرَّحوا بأنه لا يفعل ذلك إلا مجنون أو زنديق؛ ولذلك نرى جميع
الشعوب الإسلامية الأعجمية من الترك والفرس والأفغان والهند والجاوة والصين
وغيرهم يعلِّمون أولادهم القرآن ويدرسون في مدارسهم الدينية تفاسيره وكتب
الحديث والفقه والأصول والنحو والصرف والبلاغة باللغة العربية؛ ولكن أكثر
أهل القرون الأخيرة منهم صاروا يفسرونها لطلاب العلم بلغاتهم خلافًا للمتقدمين
فلذلك قل المجتهدون والنابغون فيهم، وكثيرًا ما يُرسلون أولادهم إلى مصر أو
الحجاز لأجل إتقان اللغة العربية وعلومها.
6-
قد علم من هذه الأصول التي أجمعت عليها الأمة اعتقادًا وعملاً أن إقامة
هذا الدين في عباداته وتشريعه وحكومته تتوقف على معرفة اللغة العربية، وأن هذه
اللغة قد جعلها شرع الإسلام لغة المسلمين كافة وأوجب عليهم تعلمها، إذ لا يمكن
العمل بما ذكر من الإجماع بدونها، وقد صرَّح بهذا الإمام الشافعي في رسالته التي
هي أول كتاب صنف في تدوين أصول هذه الشريعة وكذلك الشاطبي في مقاصدها
من كتابه الموافقات [1] وبيَّناه في مواضع من المنار والتفسير، وسنزيده بيانًا
وإيضاحًا في تفصيل ما في هذا المقال من الإجمال، فلينتظره من يشتبه في شيء
منه.
7-
قد ترجم القرآن بعض علماء الإفرنج بأشهر لغاتهم العلمية كالفرنسية
والإنكليزية والألمانية والطليانية، وترجمه بعض المسلمين بأشهر لغاتهم الشرقية
وبالإنكليزية أيضًا، وفي كل ترجمة من هذه التراجم أغلاط كثيرة مخالفة لمدلولات
عباراته اللغوية والشرعية، فتح بها باب للطعن فيه والصدّ عن الإسلام، كما أنها
فتحت بابًا آخر لمن اطلع عليها من مستقلي الفكر عرفوا بدخولهم فيه شيئًا كثيرًا من
عقائد الإسلام الصحيحة، وحكمه العالية، وأحكامه العادلة، ومقاصده الحكيمة في
إصلاح البشر، وحكموا على جميع ما نشره الملاحدة الماديون، ورجال الكنيسة
المتعصبون، ودعاة النصرانية المرتزقون، من الكتب والرسائل الكثيرة في الطعن
على الإسلام، بأن ما دونوه فيها من المطاعن زور وبهتان، فكثر مادحو الإسلام
من علمائهم الأحرار، واهتدى كثير منهم به، واستضاءوا بنوره، ولا تكاد تمر
سنة إلا وتجد بعض المستقلين في الفهم منهم يدخلون في الإسلام بالاطلاع على
بعض هذه الترجمات أو بمعرفته ممن عرفوهم من المسلمين.
8-
أن ما ترتب على ما ذكر من الترجمات من صلاح وفساد يُوجب على
المسلمين وجوبًا كفائيًّا أن يزيدوا ما كان من صلاح قوة وتأييدًا، وأن يفندوا ما
حدث من الفساد تفنيدًا؛ وإنما يكون ذلك بترجمته بتلك اللغات كلها ترجمة معنوية
صحيحة، إذ كانت الترجمة الحرفية متعذرة وغير مفيدة، كما نبين ذلك بالأدلة
والشواهد التي لا تقبل النقض، ولا تُقابل بالرد، وفاقًا لما قررناه من قبل، وهذه
الترجمة التي تُعَدُّ - بما ذكرنا من الحاجة إليها - فرض كفاية على المسلمين، لا
تسمى
قرآنًا ولا يتعبد بتلاوتها، إنما هي خلاصة تفسيرية له تدخل في باب الدفاع عن
دين الإسلام من جهة، وفي باب الدعوة إليه من جهة أخرى، وإن كانت الدعوة
العامة لا تتوقف عليها كما سنبينه في تفصيل هذه المسألة المجملة.
9-
أن هذه الترجمة لا يرجى أن تكون متقنة ومقبولة عند المسلمين وغيرهم
إلا إذا قام بها جماعة من العلماء الراسخين في اللغة العربية، وعلوم الشريعة
الإسلامية وتاريخها، ومتقنين للّغات التي يترجمون بها، حتى يكون لها صفة تشبه
البلاغات الرسمية الدولية، ولا يتم هذا العمل إلا بإنفاق ألوف كثيرة من الجنبيهات،
فلا بد أن تقوم به دولة غنية، أو جمعية قوية، أو يكفله أحد ملوك المسلمين بنفوذه
وماله.
10-
لا جرم أن الدولة المصرية أقدر الدول الإسلامية الحاضرة على أداء
هذا الواجب الذي يعد أعظم خدمة للإسلام لدى الشعوب غير الإسلامية، وأن جلالة
ملكها المعظم أجدر ملوك المسلمين به، إذ يمكنه أن يبذل في سبيله عشرات الألوف
من الجنيهات من الأوقاف الخيرية العامة والخاصة بالأسرة المالكة، وإن احتاج إلى
المزيد فإن في ثروة جلالته ما يغني عن فتح اكتتاب له من الأمراء والنبلاء من
أسرته وسائر أغنياء مصر وغيرها إن أراد أن يستقل بشرفه، وإلا وجد كثيرًا من
المتنافسين بمشاركته فيه، وقد بذل جلالته ألوفًا من الجنيهات لعالم فرنسي جزاء
على كتابة تاريخ حديث لمصر، فلا يكثر على جوده أن يبذل أضعافه في سبيل الله
والدفاع عن دين الله، وتعميم هداية كتاب الله؛ فإن هذا أفضل ما يمكن أن يعمله
للإسلام.
فإذا وفق الله تعالى جلالته لتنفيذ هذا العمل الذي نتقرب إلى الله تعالى، ثم إلى
مقامه الإسلامي السامي باقتراحه عليه أولاً، فهو أعلم الناس بطريقة التنفيذ له
وتأليف الجمعية التي تقوم بالترجمة من علماء الأزهر وغيرهم من العارفين باللغات
الأجنبية الحاذقين لها، ووضع النظام لعملهم.
وإن كان لدى جلالته مانع من ذلك - وهو ما لا نظنه - فإن هذه الفريضة لا
تسقط عنه وعن سائر المسلمين إلا بقيام آخرين بها، وأيًّا ما قام بها يرتفع الإثم عن
الآخرين، وحينئذ يجب أن يفكر أهل الغيرة على الدين في الأمر، ويسعوا لتأليف
جميعة قوية غنية تقوم به، كجمعية الرابطة الإسلامية العامة التي فكر فيها الخديو
السابق لمصر الأمير عباس حلمي ونشرنا نظامها في المنار، لا الجمعية الضعيفة
التي وضع أساسها في هذا الشهر بعض المهتمين بالدفاع عن الإسلام، فإن لم يتيسر
هذا ولا ذاك فيجب أن يجعل هذا المشروع أهم ما يُعرض على المؤتمر الإسلامي
العام في دورته الثانية، إذا وفَّق الله تعالى لإعادته، بما نرجو أن يكون أفضل من
بدايته.
ويمكن صاحب هذا الاقتراح أن يبين ما ينبغي توخيه في هذه الترجمة لتكون
تامة الفائدة بما له من طول الاشتغال بتفسير القرآن الحكيم مدة ثلث قرن أخرج فيها
عشرة مجلدات منه بطريقة لم يسبق بها من تحري صحيح المأثور عن النبي صلى
الله عليه وسلم وأصحابه وعلماء السلف، واجتناب الروايات الموضوعة والضعيفة
من الإسرائيليات وغيرها، وبيان ما أغفله المفسرون من سياسة الإسلام، وما أرشد
إليه القرآن من سنن الاجتماع وأصول العمران، والتزييل بين ما كان عليه
المسلمون في القرون الأولى من سعادة وسيادة بهدايته، وما صاروا إليه من جهالة
وضعف بتركها أو التقصير فيها، مع رد شبهات الفلسفة والعلم الحديث ودعاية
الإلحاد أو الأديان الأخرى المضادة لها.
وإنني أقترح على صاحب الفضيلة شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية
وغيرهما من كبار علماء الأزهر أن يؤيدوا اقتراحي هذا بتأليف وفد منهم يقابل
جلالته ويبسط له ما في هذه الخدمة للإسلام من الفوائد الغر، والمثوبة وعظم
الأجر، وحسن الأحدوثة وشرف الذكر، وعسى ألا يصدهم عن هذا السعي أن
كان مقترحه والمذكر به أخاهم المخلص المتواضع:
…
...
…
...
…
...
…
...
…
محمد رشيد رضا
((يتبع بمقال تالٍ))
_________
(1)
ولكن الشاطبي أخطأ في كلامه في موضوع ترجمة القرآن، وفي المسألة التي حاول بها إثبات كون هذه الشريعة أمية، وسنبين ذلك في التفصيل الآتي.
الكاتب: عبد المجيد القرشي
أنباء العالم الإسلامي
نُشر النداء الآتي في صحيفة (إيمان) التي تصدر في مدينة (لاهور -
الهند) بالعربية والأوردية والفارسية والإنكليزية، وجاءنا منها عدة نسخ وزعناها
على خواص المسلمين وبعض الصحف، وإننا نرجو من الجرائد والجمعيات
الإسلامية وأفراد المؤمنين الصادقين التأمل فيه والعمل به والحث عليه، وهذا
نص العربي منه:
نداء عام لإحياء ذكرى يوم النبي
انتشرت فكرة في البلاد الهندية عام 1928 لإقامة احتفال عام شامل دعي باسم
(يوم النبي) وقد أيَّد هذه الفكرة جميع أجلة العلماء، وأكابر هذه البلاد تأييدًا تامًّا،
كما أن الصحف الأوردية كانت من أول محبذيه والداعية إليه، والغرض من هذه
الفكرة هو أن يجعل هذا اليوم وقفًا في سبيل ذكرى النبي صلى الله عليه وسلم في
كل أقطار العالم، وأن ينبذ كل الأقوام في هذا اليوم التعصبات الدينية والاختلافات
المذهبية ظهريًّا ويتناسوها، وأن يقفوا صفًّا واحدًا متحدين متضامنين في سبيل
الأخوة الإنسانية بداعي المحبة والمساواة، ساعين للاستنارة بنور هديه صلى الله
عليه وسلم والاقتداء به.
إن كل ما ترمي إليه هذه الفكرة هو توحيد نظريات مسلمي العالم وهمم لجانه
في كل الأقطار الإسلامية وجمعهم في مركز واحد، ليقوموا جميعًا بالسعي والجهد
لنشر تاريخ الحياة النبوية بين جميع أقوام الأرض مترجمة إلى لغاتهم على أن يكون
ذلك ضمن حلقة واسعة النطاق بصورة مستقلة دائمية شاملة منتظمة حتى يتسنى من
وراء ذلك (أولاً) ربط النظام التبشيري الديني في جميع البلدان بنظام واحد،
وإبراز نظام الاتحاد الإسلامي باللباس العملي (وثانيًا) السعي لإيصال الكتاب
الكريم والحياة النبوية إلى كل فرد من أفراد المسكونة، حتى يزول بذلك ما علق في
الأذهان وما هو رائج بين العوام من سوء الظن بالإسلام والنبي صلى الله عليه
وسلم وليتجه الناس إلى مطالعة القرآن المجيد، وليقفوا على ما فيه من الحق والنور
المبين، وليهتدوا بهديه ويتأسوا بأسوة النبي الحسنة.
إن خير مناسبة تاريخية توافق الفطرة والطبع هو أن يكون ذاك اليوم اليوم
الثاني عشر من شهر ربيع الأول الذي بزغت فيه أشعته صلى الله عليه وسلم في
عالم الوجود، وإنا لنرجو أن يتخذ هذا اليوم العظيم يوم عيد شامل على أهل
المسكونة أجمعين، وأن يوقف لتبليغ الناس للتأسي بالأسوة الحسنة، وأن يكون
مركز اتجاه العالم بأنظاره نحو تلك الذات الطاهرة لا غير، أن يرى لواء {وَرَفَعْنَا
لَكَ ذِكْرَكَ} (الشرح: 4) مرفوعًا فوق ربوع الأرض كافة، وأن تظهر عيانًا
وبأجلى المظاهر صفته صلى الله عليه وسلم بأنه رحمة للعالمين.
برنامج هذا اليوم كما يلي:
(1)
أن يقوم المسلمون وغير المسلمين في كل بقاع الأرض بإظهار شأنه
صلى الله عليه وسلم بإقامة احتفالات عامة ومواكب فخمة، تذكارًا لذلك اليوم.
(2)
أن ينشر مطبوعًا في اليوم المذكور من كل سنة خطاب أو محاضرة
لأي فاضل من الأفاضل، سواء أكان مسلمًا أم غير مسلم، يتضمن السيرة النبوية،
على أن يترجم إلى لغات العالم أجمع.
(3)
أن تلقى هذه النشرة الآنفة الذكر كمحاضرة في الاحتفالات في ذلك
اليوم، وأن تترجم وتوزع في كل بلدة مجانًا بكثرة؛ ليقف العالم كله في آن واحد
على جانب من سيرة حياته صلى الله عليه وسلم.
إن السعي الذي بذل منذ ثلاث سنوات حتى الآن قد أتى بخير ثمر حيث أقيم
في مئات من المدن مراكز تبليغية للحياة النبوية، وقد ترجمت السيرة النبوية بفضل
جهود هذه المراكز إلى سبع عشرة لغة، كما أنه في كل سنة يُقام ما يزيد على
خمسين ألف اجتماع، وتوزع بمختلف اللغات الآلاف، لا بل مئات الألوف من
المحاضرات المطبوعة مجانًا على المسلمين وغير المسلمين.
إنا لنرجو من إخواننا المسلمين ومن لجانهم الموقرة، ومن صحفهم الغراء أن
يسعى كل في بلاده لإنجاح هذا السعي الخيري الإنساني ولرفع مناره، وأن يؤسسوا
لجانًا لتعميم نشر السيرة النبوية باذلين ما في وسعهم لتنظيم الاحتفالات المذكورة
جادين وراء التبليغ، كما أننا لعلى يقين من هممهم القعساء أن يترجموا - كل إلى
لغته القومية - سيرة الحياة النبوية وأن يوزعوها مجانًا.
إننا مفتقرون إلى معونة كل فرد من إخواننا المسلمين في كل أقطار الأرض
لإنجاح هذا المسعى المقدس الجليل، وإنا لنرجو من أرباب الصحف أن ينشروا
نداءنا هذا على صفحات جرائدهم الغراء، وأن يزودونا بما عندهم من الآراء
الصائبة، كما أنا لنرجو من كل القراء الكرام لهذا النداء أن يتفضلوا علينا بلائحة
تحوي أسماء وعناوين اللجان الإسلامية والصحف الكبيرة ومشاهير العلماء
والوجهاء في بلادهم وغير ذلك من المعلومات القيمة، ولهم منا جزيل الشكر، ومن
الله عظيم الأجر.
إن المحاضرة التي ستلقى في يوم النبي للعام القادم 1351 سينتهي طبعها في
شهر رمضان، فمن كان يود ترجمتها إلى لغته وتوزيعها سواء كان في الهند أو في
خارجها فعليه أن يطلب إلينا إياها بعنواننا أدناه، على أن تكون المكاتبة بهذه اللغات:
العربية والأوردية الفارسية والإنكليزية، فتقدم إليه مجانًا.
…
...
…
...
…
...
…
القاضي عبد المجيد القرشي
…
...
…
...
…
...
…
... بتى (لاهور- الهند)
(ملحوظة) : لقد طُبع في السنوات الثلاث التي خلت ثلاث محاضرات،
وكانت محاضرة عام 1350 محاضرة كتبها الحاج اللورد هيدلي أحد مشاهير
الإنكليز الذي اعتنق الإسلام حديثًا، فها أنا نرسل هذه المحاضرات مع بعض
التراجم إلى أرباب الصحف الإسلامية راجين منهم إبداء آرائهم بشأنها وشأن ندائنا
هذا، وأن يتكرموا علينا بنسخة من الجريدة التي تُطبع فيها ولهم منا الشكر، وكل
من يرغب الحصول على هذه المحاضرات التي قد ترجمت إلى اللغات الأوردية،
الكرمكية، الإنكليزية، الكجراتية، الهندية، التاملية، لا فرق أكانوا مسلمين أم
غير مسلمين، ترسل إليهم عند الطلب مجانًا اهـ.
(المنار)
هذا وإنه قد أرسل إلينا عدة نسخ من محاضرة اللورد الحاج هيدلي المذكورة
وزعنا أكثرها، وجاءنا من ناموس اللجنة خطاب في الموضوع باللغة الإنكليزية
يقترح علينا فيه وضع محاضرة لسنة 1351، وسننشر ترجمته بالعربية في الجزء
الآتي.
((يتبع بمقال تالٍ))
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
المؤتمر الإسلامي العام في بيت المقدس
(2)
ما تجب مراعاته في عقد المؤتمر الثاني:
لا يجوز أن تتضمن المؤتمرات الإسلامية العامة التي تُعقد لمعالجة مصالح
المسلمين الدينية والمدنية ما ليس موضوعًا لها من تأييد حزب على حزب، ولا
شعب إسلامي على حكومته، ولا إقرار استبداد حكومة في شعبها، ولا يجوز أن
يسمح لرئيس ولا زعيم أن يكون له هوى شخصي في مؤتمر إسلامي يستعلي به
على خصومه في الجاه والعظمة.
ولا يجوز أن يكون اختلاف الرأي بين الذين يعقدون المؤتمرات الإسلامية
لإحياء هداية الإسلام وإعادة مجده ومصلحة شعوبه - سببًا للتعادي والتخاصم، وقد
عرض لمؤتمر القدس الأول شيء من هذه الشوائب.
التمهيد لعقد المؤتمر الثاني منوط باللجنة التنفيذية، فالواجب عليها قبل غيرها
أن تراعي فيه ما ذكرنا، وإذا رجحت عقده في القدس لعدم المانع فالواجب عليها أن
تسعى لعقد الصلح بين الفريقين المتنازعين في فلسطين الذين يلقبون بالمجلسيين
والمعارضين، وإلا كان محاولة عقده فيها مثار فتنة قد تكون سببًا لمنع الحكومة
الإنكليزية إياه إن لم يكن لديها سبب آخر للمنع.
نعم إن جمهور أهل فلسطين وسورية الشمالية ولبنان الذين يعنون بأخبار
السياسة المصرية يميلون إلى الوفد المصري ويحبون زعماءه؛ لأنهم يشاركونهم في
احتمال الآلام من نفوذ الاستعمار الأجنبي ويعدونهم قدوة لهم في معارضته
ومناهضته، وفي مقاومة كل حكومة وطنية تواتيه وترضيه، وليس من شأن
المؤتمر أن ينكر عليهم رجاله هذا الميل والشعور؛ لأنه حق طبيعي لهم، ولا أن
يجعلوا المؤتمر مظهرًا له فيه؛ لأنه ليس مما يعقد له المؤتمر من المصالح
الإسلامية التي يجب استمالة جميع الشعوب الإسلامية وحكوماتها لمساعدتها، واتقاء
سخط أحد منهم على شيء منها بقدر الطاقة، وأهمها الشعب المصري المجاهد
والحكومة المصرية مهما تكن صفتها في بلدها، وكذا جلالة ملك مصر مهما يكن
شكل حكومته وصفتها؛ فإن لعطف جلالته ومساعدته قيمة كبيرة لا يعدلها غيرها.
وجملة القول: إنه يجب على اللجنة التنفيذية أن تعنى أشد العناية بجعل التمهيد
للمؤتمر الثاني مقنعًا لجميع المسلمين بخلوه من الشوائب التي أشرنا إليها، وتجعل
نصب عينيها قاعدة الأستاذ الإمام الحكيمة (ما دخلت السياسة في عمل إلا أفسدته) .
جمعية الرابطة الإسلامية ومؤتمرها وناموسها:
بعد كتابة ما تقدم تتمة لما نُشر في الجزء الماضي من المنار وضيق الجزء
عنه شاع أن صاحب السمو الأمير عباس حلمي باشا خديو مصر السابق ألَّف في
جنيف (سويسرة) جمعية باسم (الرابطة الإسلامية) من موضوعها عقد مؤتمرات
إسلامية دورية، ثم علمنا أن سموه جعل السيد ضياء الدين الطباطبائي الإيراني
ناموسًا (سكرتيرًا) عامًّا لهذه الرابطة، وكانت اللجنة التنفيذية للمؤتمر الإسلامي
العام الأول قد اختارت هذا السيد ناموسًا عامًّا لها، فتردد في القبول وسافر إلى
أوربة واعدًا بأن يكتب إلى رئيس المؤتمر بما يستقر رأيه عليه من القبول وعدمه،
فلما تبين أنه قبل العمل مع سمو الأمير عباس حلمي صار قبوله العمل في لجنة
مؤتمر القدس مشكلاً، فإن كتب إلى رئيسه بالقبول وجب على الرئيس أن يستشير
أعضاء اللجنة كلهم أينما كانوا في أمره؛ فإن ما بلغنا من أخبار جمعية الرابطة
الإسلامية يقتضي أن يعمل هذا الناموس لإدغام اللجنة التنفيذية لمؤتمر القدس في
جمعية الرابطة الإسلامية الأوربية وتفويضه أمر المؤتمر الثاني إليها بحجة اتساع
دائرة أعمالها ووفور ثروتها وحرية مركزها العام، وهذا يتوقف على قرار رسمي
من اللجنة التنفيذية ولا يملك المؤتمر الأول البت فيه، وهو لما يجمع اللجنة
التنفيذية ولا ألَّف مكتبها، ولا ريب أنه يتعذر على السيد الطباطبائي أن يقوم بأعباء
وظيفته في القدس ووظيفته في جنيف معًا.
إن الأمير عباس حلمي هذا من أعظم أمراء المسلمين حنكة واختبارًا وهمة
وإقدامًا، واشتهر أن له مع ذلك آمالاً شخصية في المُلك، وقد خاضت صحف
الشرق والغرب في هذه الأثناء في أخبار سعيه لعرش سورية، وهذا مما يجعل
عمله هذا موجبًا للظنة، وسنعقد لهذه الرابطة مقالاً خاصًّا بها.
* * *
نظام المؤتمر
الأول وافتتاحه ومكان عقده
إن المجلس الإسلامي في القدس قد قام مع اللجنة التحضيرية له بوضع النظام
التام لعقد المؤتمر وتنفيذه، وأخلى له مدرسة روضة المعارف الإسلامية التابعة
للمجلس فكانت كافية لذلك، ووضع فيها من الورق والأقلام والدفاتر والمحابر
والكتبة والخدم - ومنهم سقاة الشاي والقهوة اليمانية الإمامية - ما لا حاجة معه إلى
مزيد، وكان من التمهيد لراحة أعضاء المؤتمر والاقتصاد في نفقاتهم اتفاق المجلس
الإسلامي مع أصحاب الفنادق التي ينزلون فيها على إسقاط قدر غير قليل من النفقة
المعتادة عنهم، والاتفاق مع أصحاب سيارات الركاب على نقلهم من الفنادق إلى
المؤتمر ومنه إليها أو إلى حيث شاءوا على حساب المجلس، بل احتمل المجلس
جميع نفقة الفنادق عن بعضهم، وكان السيد محمد أمين الحسيني يعنى بكل ما
يُرضي الأعضاء بقدر اجتهاده.
وفد على مدينة القدس كثير من أهل المدن والقرى الفلسطينية لحضور حفلة
المؤتمر، واتفق أن كان يوم الأحد 26 رجب الذي يجتمع فيه الأعضاء في مكان
المؤتمر لأجل الاحتفال يومًا شديد المطر، ولولا ذلك لكانت الوفود أضعاف ما رأينا.
اجتمع الأعضاء في مدرسة الروضة وقبل المغرب توجهوا إلى المسجد
الأقصى بين الجماهير من مسلمي القدس ووفودها، فوجدنا المنتظرين في المسجد
يُعدون بالألوف.
وعندما حضرت صلاة المغرب قدَّم السيد محمد أمين الحسيني رئيس المجلس
الإسلامي الشرعي الأعلى الأستاذ العلامة كبير مجتهدي الشيعة في أعظم معاهدها
العلمية (النجف الأشرف) الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء فصلى إمامًا
بالناس، فكان لهذا التقديم تأثير عظيم ووقع حسن من أنفس أعضاء المؤتمر
وغيرهم من المسلمين الذين يشعرون بشدة الضرورة إلى التأليف بين أهل السنة
والشيعة، والقضاء على هذا التفرق والتعادي الذي طال عليه العهد، وكان فساده
وضرره على الإسلام وشعوبه ودوله عظيمًا، ولم تكن له أدنى فائدة صحيحة لأحد
من الفريقين.
وبعد صلاة المغرب قرأ بعض القراء المُجوِّدين آيات من أول سورة الإسراء
وتلاهم الشيخ حسن أبو السعود فقرأ رسالة في شمائل سيد ولد آدم محمد رسول الله
وخاتم النبيين وما جاء به من الإصلاح العام للبشر، ألمَّ فيها بمعجزة الإسراء من
المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى إلمامًا، وكان يتخلل إلقاءه استراحات ينشد فيها
بعض القراء حسني الصوت أناشيد محفوظة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم قد
اعتادوا إنشادها في حفلات الموالد، وفي بعضها منكرات نبهت صاحب السماحة
المفتي ورئيس المجلس إلى وجوب الاختصار فيها ثم إعادة النظر فيها بعد المؤتمر.
وقد دعيتُ بعد أن أتم الأستاذ قراءة رسالته إلى إلقاء كلمة في معنى الإسراء
وفضل المسجد الأقصى واختيار هذه الليلة الشريفة لافتتاح المؤتمر الإسلامي العام
فأجبت، وألقيت ما أُلهمته على الكرسي المعد لذلك، وامتد ذلك إلى وقت العشاء،
أوجزت الكلام في منقبة الإسراء إلى المسجد الأقصى وتواترها، وتقريب وقوعها
إلى العقول بما أجمع عليه العلماء والفلاسفة الروحيون حتى غير المليين منهم على
جواز تشكل الأرواح في أجساد لطيفة كالأثير في نفوذها من الكثائف وسرعتها
كالكهرباء، وإثبات ألوف منهم وقوع هذا التشكل بالفعل، وذكرت من حكمته
وتسمية هذا المكان الشريف بالمسجد الأقصى بعد خراب ما بناه سليمان عليه السلام
ومحو أثره هو أن الله تعالى شرَّفه بجعله معبدًا للمسلمين إلى آخر الزمان، وجعله
في المرتبة الثالثة بعد المسجد الحرام ومسجد المصطفى عليه الصلاة والسلام،
وأوجب على المسلمين صيانته وحفظه إلى آخر الزمان، ولهذا اختير افتتاح هذا
المؤتمر الإسلامي العام فيه وإقامته بجواره
…
إلخ.
وبعد صلاة العشاء بإمامة الأستاذ آل كاشف الغطاء افتتح السيد الحسيني
المؤتمر بخطبته التي كان أعدها لذلك، وطُبعت وأُرسلت إلى الجرائد في البلاد
المختلفة فنشرتها.
وألقى بعده الأستاذ آل كاشف الغطاء محاضرة أو درسًا في تفسير قوله تعالى:
{اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} (النور: 35) الآية، ذهب فيه إلى أن المراد
بالشجرة المباركة في الآية الكريمة آل بيت رسول الله صلوات الله وسلامه عليه
وعليهم، ثم خطب غيره من أعضاء المؤتمر خطبًا تناسب المقام، وقد نشر كل ذلك
في الجرائد وسيدون في الكتاب الذي تقرر تأليفه ونشر اللجنة التنفيذية له في
الأقطار، فلا حاجة إلى نشر شيء منه في المنار؛ وإنما ننشر خلاصة في صفة
المؤتمر وجلساته ونظامه واقتراحه ولجانه، ونخص بالذكر خطتنا فيه وتقرير لجنة
الدعوة والإرشاد من لجان المؤتمر، وخطبتنا التي ألقيناها في آخر يوم منه في
أمراض المسلمين الداخلية والخارجية وطرق علاجها فنقول:
رجال المؤتمر وجلساته ولجانه:
كان في المؤتمر نفر من خواص رجال المسلمين في العلم والرأي وكل ما
يحتاج إليه في عقد المؤتمرات الملية العامة، يقابلهم رهط من طبقة العوام، وأكثر
أعضائه بين هذين، وبلغ المنتظمون في عضويته زهاء 150 من جميع الأقطار
والشعوب الإسلامية العربية والهندية والجاوية والتركية والروسية والأوربية،
وأيدته الحكومات العربية اليمانية والحجازية النجدية والعراقية والأردنية وكثير من
الأمراء والزعماء والعقلاء من مصر والهند وجزائر أندونسية وغيرها.
وكان نظام جلساته حسنًا لم يستطع أعداؤه الطعن فيها، إلا أن أكثر أوقاتها
ضاعت بإلقاء الخطب والمناقشات العديدة مع كثرة التكرار في الموضوع الواحد
والخطبة الواحدة، حتى إنني كنت شديد الزهد في الكلام فيها إلا لضرورة، وقد
أشرت إلى ما انتقدته من الاقتراحات فيه في مقدمة تقرير لجنة الدعوة والإرشاد.
وأما لجانه فقد بني تأليفها على أساس فاسد، وهو أنه أبيح لكل عضو أن
يدخل في اللجنة التي يختار العمل فيها، فكان العضو الواحد يكتب اسمه في لجنتين
أو ثلاث بحسب ما يهوى لا بحسب استعداده للعمل فيها كلها، وأن أجهل الناس من
يظن أنه مستعد لكل عمل وبصير بكل علم، وقد دخل زهاء نصف الأعضاء في
لجنة تنقيح القانون الأساسي للمؤتمر، فكان أكثر الكلام في جلساتها لغوًا وجدلاً
باطلاً كادت تزهق له أرواح واضعي مشروع القانون وأهل العلم بهذه القوانين من
الأعضاء، وسأبين ما قاسيناه في لجنة الدعوة والإرشاد.
وأما لجانه فكانت ثمانًا 1- للدستور 2- للدعاية والنشر 3- للمالية والتنظيم
4-
للثقافة وجامعة المسجد الأقصى 5- لسكة الحديد الحجازية 6- للأماكن المقدسة
والبراق الشريف 7- للدعوة والإرشاد 8- للمقترحات.
خطتنا وعملنا في المؤتمر
ذكرت في الجزء الماضي أن صاحب السماحة رئيس المجلس الإسلامي
الأعلى في القدس الذي تولى الدعوة إلى المؤتمر بمساعدة اللجنة التحضيرية له قد
اقترح علي باسم اللجنة وضع تقرير في الإصلاح الإسلامي ليكون مادة لمباحث
أعضاء المؤتمر، فأبدأ هذا الفصل بنشر كتابه في ذلك، وهذا نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة صاحب السماحة الأستاذ الأكبر العلامة السيد محمد رشيد رضا
المحترم، متَّع الله المسلمين بطول بقاه.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد، فقد تلقيت بيد التعظيم كتابكم
الكريم المؤرخ في 29 جمادى الأولى سنة 1350، وشكرت لسماحتكم تفضلكم
بتلبية الدعوة إلى هذا المؤتمر الذي نرجو من ورائه الخير للمصلحة الإسلامية
العامة، ومما لا ريب فيه أن حضور سيادتكم هذا المؤتمر هو قيمة كبيرة وسبب
عظيم لإنجاح المؤتمر وتحقيق غاياته ومقاصده بإذن الله تعالى.
وقد قررت اللجنة التحضيرية في جلستها الأخيرة أن ترجو من سماحتكم أن
تتفضلوا بوضع تقرير بشأن الإصلاح الإسلامي، ليُطرح هذا التقرير على المؤتمر
أثناء انعقاده، ويكون مدارًا لما يقرر في هذا الشأن، وإني باسم اللجنة التحضيرية
أنهي إلى سيادتكم هذا الرجاء مشفوعًا برجائي الخاص أن تتفضلوا بشد أزر المؤتمر
بوضع التقرير الخطير، وإذا أمكن الفراغ منه وإرساله إلينا قبل ميعاد انعقاد
المؤتمر بأسبوعين أو ثلاثة على الأقل؛ فإننا نتخذ أسرع الوسائل لطبعه وإعداده
على شكل كراس على حدة.
وإنني أنتظر تفضل سماحتكم بالجواب بهذا الشأن، مختتمًا بالدعاء لله بأن
يوفقنا إلى ما فيه خير المسلمين دينًا ودنيا، وإني أرجو أن تتفضلوا بإبداء نصائحكم
الثمينة وآرائكم القيمة، في شأن المؤتمر والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
15 جمادى الثانية سنة 1350
…
رئيس المجلس الإسلامي الأعلى
…
...
…
...
…
...
…
محمد أمين الحسيني
جاءني هذا الكتاب في أثناء اشتداد الفتنة التي أثيرت في الأزهر والمعاهد
الدينية التابعة له لمقاومة المؤتمر وصد العالم الإسلامي عنه، وقد بلغ الإرجاف فيه
مدى أبعد مما نُشر في الجرائد وأشرنا إليه في الجزء الماضي، فقد سمعت من لسان
الأستاذ الأكبر شيخ الأزهر أنه بلغه أن السيد الحسيني دعا الشيخ أبا زيد الدمنهوري
إلى حضور هذا المؤتمر أي ليبث نزعاته الإلحادية فيه ويدعو إليها، فقلت له: إن
هذا لا يُعقل ولئن رأيته في المؤتمر لأقترحن إخراجه منه فإن لم أُجب خرجت
محتجًّا، وعلمت أنه قد بلغه وبلغ فضيلة مفتي الديار المصرية أن أحد أعاظم علماء
الأزهر المشهورين سيلقي في هذا المؤتمر خطابًا في الطعن في الفقه الإسلامي
والدعوة إلى تركه، وقد جزمت بأن هذا البلاغ إفك وزور، وكان عجبي شديدًا أن
انتهت الفتنة إلى هذا الحد، وإن بلغ الإرجاف فيها هذا المبلغ، وكنت وَجِلاً من
سوء عاقبتها، لهذا كتبت إلى السيد الحسيني أنه يجب عليه أن يبادر إلى إطفاء
نارها بنفسه في القاهرة، وبعد ذلك أنظر في أمر اقتراحه، وقد حضر وكان من
عاقبة سعيه ما كان، وشرحنا ما فيه العبرة من خبره.
بعد هذا شرعت في كتابة التقرير المقترح على كثرة الشواغل، وفي أثناء
ذلك بلغني أن جمعية الشبان المسلمين وضعت تقريرًا طويلاً تعرض فيه على
المؤتمر ما تراه من الإصلاح الإسلامي، وأن معالي محمد علي باشا علوبة يضع
تقريرًا في الإصلاح اللغوي بوضع معجم عربي للعلوم والفنون والاصطلاحات
العصرية، فترجح عندي أن كثرة التقارير العامة ستكون من الشواغل لمن يهتم بها
من أعضاء المؤتمر، ولا تزيد فائدتها على ما يقرءون في الكتب والصحف، وأن
الأجدر بي إذا يسَّر الله تعالى لي حضور هذا المؤتمر - الذي أخشى أن تعوقني عنه
شدة العسرة المالية وما يتعلق بها من الحقوق - أن أعرض ما أراه من الإصلاح في
جلساته عند الحاجة إليها؛ فإن ذلك أحرى أن ينتفع بها، وكذلك كان، وتركت إتمام
كتابة التقرير، ثم علمت أنه عرض على المؤتمر بيانات أو تقارير غير ما ذكرنا
مطبوعة، منها تقرير لجنة الدفاع عن سكة الحديد الحجازية وتقرير لجنة البراق
الدولية، وتقرير في أعمال دعاة النصرانية وهو مهم جدًّا قرأته بعد العودة إلى
مصر، وربما أنشره في المنار.
لجنة الدعوة والإرشاد
لما أُلِّفت اللجان كتبتُ اسمي في لجنتين فقط (الأولى) لجنة القانون الأساسي
لأجل حضور بعض مواده وأهمها عندي المادة الثالثة التي موضوعها تأليف المؤتمر
وقد قاومت فيها رأي الزعيم شوكت علي في جعل المؤتمر شعوبيًّا كما اقترح في
مؤتمر مكة وتقرر فكان أفعل الأسباب في قتل ذلك المؤتمر، واقترح مثل هذا في
مؤتمر القدس ففنَّدنا اقتراحه فلم يقبل (الثانية) لجنة الدعوة والإرشاد، وكان معي
في هذه اللجنة الأساتذة: رضا بك توفيق الملقب بالفيلسوف التركي، وقد ولي
وزارة المعارف في الدولة العثمانية، والشيخ محمد عبد الرسول كاشف الغطاء من
علماء النجف الشرعيين، والشيخ عبد الوهاب النجار ناظر مدرسة عثمان ماهر
باشا بمصر والمدرس بقسم التخصص في الأزهر (وكان مدرسًا في دار العلوم وكذا
في مدرسة الدعوة والإرشاد) والشيخ محمد عبد اللطيف دراز من علماء الأزهر،
والشيخ حسن أبو السعود قاضي الرملة الشرعي، وإسعاف بك النشاشيبي أديب
فلسطين، والشيخ محمد سعيد درويش البابي الحلبي، وكان قد جاور في الأزهر،
ومحمد علي أفندي الحوماني التاجر من نبطية لبنان ومهاجرتها في أمريكا، وغيرهم
ممن لم يحضر إلا جلسات قليلة.
وكان كل واحد من هؤلاء الأعضاء عضوًا في لجنة أو لجان أخرى، اجتمعنا
لأول مرة في الحجرة التي خصصنا بها من حجرات روضة المعارف، فانتُخبتُ
رئيسًا للجنة، وانتخب الأستاذ رضا بك توفيق نائبًا للرئيس، والأستاذ إسعاف بك
النشاشيبي أمينًا للسر ومقررًا للجنة، وشرعنا في البحث، وكان كل عضو من
هؤلاء الأعضاء يعلم ما سبق لي من الاشتغال في تأسيس جماعة للدعوة والإرشاد
ومدرسة لها توليت وضع نظامها ومناهج التعليم في المدرسة، وكنت ناظرًا لها، إلا
العضوين الأخيرين - ومن العلوم بالبداهة أنه وقع بيني وبين الأعضاء المؤسسين
لجمعية الدعوة والإرشاد في الآستانة ثم في مصر مناقشات كثيرة في كل مادة من
نظامها - فلما شرعنا في البحث كان هذان العضوان يعارضان في كل كلمة
ويجادلان بغير علم في كل رأي حتى تنقضي الجلسة بدون وضع شيء يتفق عليه
فيكتب، وكنا مضطرين للصبر عليهما مراعاة لقاعدة حرية الرأي وقاعدة المساواة
بين الأعضاء، إلى أن عيل الصبر.
وقد كان أول ما قلته بعد شكر الأعضاء على اختيارهم إياي لرياسة اللجنة
وما عللوه به: إن مشروع الدعوة والإرشاد هو أعظم مشروع إسلامي لإصلاح
المسلمين في أنفسهم ولتجديد هداية دينهم ومجده، وهو يتوقف على تعليم جديد
وتربية جديدة في مدرسة خاصة، وعلى جمعية كالجمعية التي سبق لنا تأسيسها في
مصر، وعلى مال كثير وللدعاة والمرشدين الذين يتخرجون في المدرسة، ولا يتم
غرسه ونباته وإثماره إلا في سنين كثيرة، وأعضاء المؤتمر يطلبون منه بما
يشعرون به من حاجة المسلمين شيئًا عاجلاً مؤقتًا قبل الشروع في العمل الأساسي
الدائم من تربية الدعاة والمرشدين وتعليمهم ما يؤهلهم للقيام بهاتين الفريضتين
العظيمتين اللتين لا قوام للإسلام بدونهما.
والذي أراه في الحاجة المؤقتة أن يسعى المؤتمر:
(أولاً) لتأليف ثلاث رسائل في عقائد الإسلام القطعية، وفي آدابه وفضائله
وما ينافيهما من الرذائل والمحرمات القطعية، وفي أحكام العبادات التي لا يسع
مسلمًا جهلها، وأن يقتصر في هذه الرسائل على المجمع عليه بين المسلمين الذي
لا تختلف فيه المذاهب الإسلامية ليكون مقبولاً عند الجميع، ويترك لأهل كل
مذهب تعليم أهله ما هو خاص به، إلى آخر ما سيأتي تفصيله.
(وثانيًا) لنشر رسائل في نقض أسس الأديان التي يتصدى دعاتها
لإضلال المسلمين عن دينهم، ويوجد في هذا رسائل وكتب مطبوعة قد جربت
فائدتها، وذكرت لهم منها (عقيدة الصلب والفداء) وكذلك كتاب (نظرة في كتب
العهدين القديم والجديد) للدكتور محمد توفيق صدقي رحمه الله تعالى.
نازعني العضوان المذكوران في هذا الكلام وتنازعوا مع اللجنة فيه، واقترح
أحدهما الشيخ محمد سعيد درويش: تأليف كتاب لإزالة الاختلاف بين فرقتي
الوهابية والشيعة التي تكفر كل منهما الأخرى يصرح فيه بإثبات إسلام كل منهما
وعدم الفرق بينهما (ثم علمت أنه من أعداء الوهابية؛ وإنما يريد الرد عليهم،
ويتحداني للدفاع عنهم) .
قلت له: إن التأليف بين فرق المسلمين ومقلدي المذاهب المختلفة منهم من
أهم مقاصد المؤتمر، وأنا قد سعيت له سعيه منذ خمس وثلاثين سنة، وما اقترحه
هو لا يفيد ذلك؛ فإن المتعصب الذي يكفر مخالفه عن اعتقاد قد يكفر من يخطئه في
اعتقاده أيضًا، ومن كان من هؤلاء يتبع هذا المؤتمر في رأيه فقد علم القاصي
والداني أن هذا المؤتمر لا يفرق بين أحد من أهل القبلة باختلاف مذاهبهم الاجتهادية
المعروفة، ومن أعضائه السنيون من سلفية وخلفية، والشيعة من زيدية وإمامية،
والإباضية، ولم يبق من فرق المسلمين الكبرى غير هؤلاء، وكلهم في المؤتمر
إخوان يصلي بعضهم مع بعض، فلم يعجبه هذا البيان وأصر على اقتراحه، وكان
يشاغب فيما عداه.
واقترح محمد علي أفندي الحوماني إرسال المؤتمر بعثة إلى أميركا لتقوية
المسلمين الذين هاجروا إليها والدعوة إلى الإسلام، وهذا اقتراح حسن في نفسه؛
ولكن المؤتمر لا يمكنه الآن مثله؛ وإنما هو ثمرة من ثمرات جمعية الدعوة
والإرشاد التي ستقدم اللجنة له اقتراحها في شأنها، فأصر على رأيه وكان يشاغب
في كل ما عداه.
أكثر هذان العضوان المراء والشغب في اللجنة حتى مل سائر الأعضاء وقل
اجتماعهم فيها، ثم ملَاّ هما وقَلَّ حضورهما، فاغتنمت فرصة تخلفهما ووضعت ما
أراه من الاقتراحات مع مقدمة لها في جلسة واحدة وتناقشنا فيها مع أهل العلم
والرأي من سائر الأعضاء فنقحت، ثم دعا السكرتير المقرر جميع الأعضاء
لقراءتها قبل تقديمها إلى المؤتمر فامتنع العضوان المذكوران من الحضور فقدمناها
إلى المؤتمر، وإنني أنشر نصها ثم أقفي عليه بما كان فيه من شأنها:
تقرير لجنة الدعوة والإرشاد
للمؤتمر الإسلامي العام
{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ
وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ
وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (آل عمران: 104-105)
مقدمة:
أما بعد، فإن الله تعالى جلت حكمته قد أكمل لعباده الدين بنبي أمي بعثه في
الأميين {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي
ضَلالٍ مُّبِينٍ} (آل عمران: 164) محمد رسول الله وخاتم النبيين، وجعل
دعوته عامة للناس أجمعين، فأتم به نعمته على العالمين، باستكمال دينه العام
الباقي إلى يوم الدين، لجميع ما يحتاجون إليه من حقوق الروح والجسد للأفراد
والاجتماع، بالهداية الروحية، والمصالح المدنية، الموصلتين لمن أقامهما إلى
سعادة الدنيا والآخرة، ولم يبعثه من أتباع الأنبياء الذين كانوا قبله، ولا في
الشعوب التي توارثت العلوم والفلسفة، وأقامت معالم الحضارة، وأتقنت فنون
الصناعة؛ لتكون أميته - صلى الله عليه وآله - من دلائل إعجاز الكتاب الذي بعثه
به؛ ولتكون سنته في بيان هذا الكتاب بالعلم والعمل، والخلق والأدب، والحكمة
وجوامع الكلم، من الحجج العلمية الحسية على نبوته ورسالته، فلا يمكن المراء ولا
الريبة فيها.
ثم لتكون سيرة خلفائه الراشدين فيما فتحوا من الأمصار، وما أقاموا من
ميزان العدل والمساواة في الأحكام، وما ضربوه هم وسائر أصحابه لأهل الملل
وأجناس الأمم من المثل الصالح في الأخلاق والفضائل وأحاسن الأعمال مؤيدة لتلك
الحجج في إظهار حقية دين الإسلام، وتواترها بين الأنام، وأنها من عند الله عز
وجل، لا مستمدة من قوانين موضوعة، ولا من معارف مكتسبة أو مقتبسة، ولا
من تقاليد موروثة.
لقد كان الأساس الأعظم لإصلاح هذا الدين لجميع من يهتدي به من البشر هو
التوحيد، المزيل لجميع أنواع الشقاق والتفريق؛ ولذلك كان التوحيد خمسة أنواع:
1-
توحيد الألوهية والربوبية، المطهِّر للعقول والقلوب من خرافات الوثنية،
وأوهامها المفسدة للفطرة البشرية، الرافع لأهله إلى أعلى المعارف الإلهية.
2-
توحيد العبادات المزكية للأنفس من دنس الفواحش والمنكرات، المربية
لها على الاتحاد والاجتماع والنظام.
3-
توحيد التثقيف والآداب النفسية والمنزلية والاجتماعية، المرقي للأمة في
الصحة ومكارم الأخلاق وأحاسن العبادات.
4-
توحيد التشريع المدني والمالي والسياسي والاجتماعي الذي هو قوام
المصالح الدولية، والمانع من التفرق في الأحكام والأوطان.
5-
توحيد اللغة الذي يتم به التعاون والتعارف والتآلف والتعليم، ويحول دون
تفرق الأمة إلى أجناس مختلفة.
فبهذه الأنواع من التوحيد والتأليف بين أجناس البشر في جميع مقومات الأمم
كانت أخوة الإسلام الدينية، وروابطه الحسية والمعنوية، أقوى وأمتن ما عرفته
الإنسانية في الجمع بين شعوبها وقبائلها وتعارفهم وتآلفهم، وإزالة ما أرهقها من
التعادي والشقاق بينهم، باختلاف الأديان، واللغات والأنساب والأوطان، وتمهدت
بذلك جميع وسائل الكمال البشري، والمدنية الحق الفاضلة التي كانت الحكماء
السابقون يتمنونها وينشدونها ولا يهتدون إليها سبيلاً، وما زال الحكماء اللاحقون
يبغونها ولن يجدوا إليها في غير ظل الإسلام مَقيلاً.
جرى السلف الصالح من خلفاء الإسلام وأمرائه وقواد جيوشه وقضاته على
صراط هذا التوحيد العام الكامل وهو الصراط المستقيم، فكان هذا هو السبب دون
غيره في دخول الأمم في دين الله أفواجًا، وفي ترك لغاتهم إلى لغته التي جعلها
ربهم لغة لدين الإسلام وأهله، إذ جعل كتابه لهم عربيًّا، وحكمه فيهم به عربيًّا،
وأوجب عليهم تدبره والتعبد به في الصلاة وغيرها، ولولا أن الذين كانوا يهتدون
إلى الإسلام برؤية ما كان عليه الفاتحون من الصحابة رضي الله عنهم وأهل الصدر
الأول من العدل والفضائل، قد علموا أن هذا الدين هو القرآن وما بيَّنه رسول الله
صلى الله عليه وسلم به من سنته، وأن لغته هي لغة القرآن لا تقوم هدايته ولا
تشريعه ولا تتم وحدة أمته وأخوتها إلا بها - لما أقبلوا على تعلم هذه اللغة من تلقاء
أنفسهم بباعث العقيدة، ولما انتشرت بينهم بتلك السرعة الغريبة، حتى أن الشعب
الفارسي العريق في المجد والحضارة والأدب فضَّل لغة دينه السامية، على لغة
جنسه وشعبه الرشيقة الراقية، فانتشرت منذ العصر الأول فيهم بسرعة البرق، من
غير دعاة ولا مدارس ولا كتب، ثم كان من رجاله واضعو بعض معاجمها وفنونها،
وأئمة الحديث والفقه وسائر العلوم فيها، وصارت هي اللغة الوحيدة للأقطار
السورية والمصرية والأفريقية، وتحقق بهذا أن هذه اللغة إنما هي لغة الإسلام لا
لغة العرب وحدهم، ولولا ضعف الخلافة العباسية في العلم وتغلب نفوذ الأعاجم
فيها ومنازعة سلاطينهم إياها في حكمها، لعمت العربية بلاد الأعاجم الإسلامية كلها
على أنهم ما زالوا كلهم يعبدون الله تعالى بها.
بذلك التوحيد الذي أوجزنا في بيان أنواعه ساد الإسلام العالم كله دينًا ولغة
وحكمًا وتشريعًا وأدبًا وعلمًا وحكمة وحضارة؛ ولكن المسلمين لم يلبثوا أن صدعوا
بنيان كل توحيد منها، وتفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، وكانوا شيعًا
حتى في العقائد والتشريع، ودعوا إلى العصبية النسبية واللغوية، واقتتلوا بنعرة
عصبيات المذاهب والمُلك والوطن، فأوشك أن يخرجوا من حظيرة قوله تعالى:
{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون} (الأنبياء: 92) وكاد يحيط بهم
سرادق {الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُم وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} (الروم:
32) ولا تتسع هذه المقدمة لبيان الأسباب التي دعتهم إلى هذا التفرق بل دعَّتهم
إليه دعًّا، وعتلتهم إلى هذه الضلالة عتلاً، مع بيان شواهدها من الكتاب العزيز
والتاريخ.
غيروا ما بأنفسهم فغير الله ما بهم بمقتضى سننه في خلقه، فسلب منهم جل ما
كان آتاهم من ملك وسيادة ونعمة كانوا فيها فاكهين، وأنفذ وعيده فيهم كما أنفذه فيمن
قبلهم، وقد بلغ من خذلان الجهل وفساد الأخلاق فيهم أن راجت فيهم شبهة أعدائهم
الذين وسوسوا إليهم أن سبب ما طرأ عليهم من الضعف وزوال الملك إنما هو دينهم،
وهو هو الذي ساد به سلفهم، وعزَّ به ملكهم، ونشأت بهدايته حضارتهم؛ ولكنهم
جهلوا دينهم وتاريخهم.
أتى عليهم بضع قرون، وهم في غمرة ساهون، لا يشعرون بذنوبهم فيتوبوا
منها، ولا يحسون بخطر أدوائهم فيُعْنُوا بمعالجتها، حتى إذا ما بلغ السيل الزبى
بإمعان الأقوياء في الفتك بهم، ومحاولة الإجهاز على دينهم في كل قطر أجهزوا فيه
على دنياهم، بعث الله تعالى لهم مجددًا من آل بيت نبيه الأخيار، آتاه الحكمة
وفصل الخطاب، ألا وهو الحكيم الرباني، السيد جمال الدين الأفغاني، فصاح بهم
صيحة بعد صيحة، في قطر بعد قطر، أيقظت كثيرًا من النائمين، ونبهت المستعد
من الخاملين، بدأ إنذاره بالأفغان فالهند فمصر، فالترك والتتار والفرس، فربى
بحكمته وهمته رجالاً نفروا للجهاد العلمي والسياسي والمدني خفافًا وثقالاً، وكان
ظهيره ووليه في عهده، وخليفته في الإصلاح من بعده، الأستاذ الإمام الشيخ محمد
عبده رحمهما الله تعالى فهما المجددان اللذان شَخَّصَا الداء ووصفا الدواء، وشرعا
في العلاج، فهب لمعارضتهما الجامدون من المقلدين، والخرافيون من المرشدين
والمستبدون من الحاكمين، وكان بينهما وبين قواد تلك الجنود المجندة ما كان من
مصارعة ومقارعة، ومصاولة ومنازلة، حتى كان لدعوتهما النصر، ولتعاليمهما
الظفر، على سنة التدريج المطردة في الأمم، فكل ما سمعناه في الجلسات العامة
لهذا المؤتمر وجلسات ما عقده من اللجان من الشكوى من تفرق المسلمين وجهلهم
وضعفهم، ومن الآراء في الدفاع عنهم؛ إنما هو أثر دعوتهما، وسريانها في جسم
العالم الإسلامي سريان البرء في السقم.
أكثر أعضاء هذا المؤتمر من شعوب المسلمين في جميع الأقطار فيما اقترحوه
عليه من الإصلاح وهو في مهد مولده، حتى كأنه دولة نيابية قوية غنية؛ وإنما هي
نفثات مصدورين، وكرير مخنوقين، بل يصح أن يقال في بعضها إنها استغاثة
غرقى أو حشرجة محتضرين، كالصوت الذي وصل من إخواننا المرهقين بظلم
البلشفية في الروسية، ويقرب منهم إخواننا برابرة المغرب ولا سيما الأقصى ومنها
ما هو تعبير عن الرجاء في المؤتمرات الملية التي هي أقوى وسائل توحيد قوى
الأمة.
على أنه قد بقي من مصائب المسلمين ما قصَّر الأعضاء في بيان كنهه،
وتمثيل خطره، وهو فشو الإلحاد والإباحة، والإسراف في الشهوات الحيوانية،
فهذه الموبقات أشد فتكًا وأسرع انتشارًا من مضار تفرق المذاهب، والجمود على
التقاليد والإصرار على الخرافات، بل هي شر مآلاً من تعاليم الدعاة إلى دين غير
الإسلام؛ فإن سمومها تنفث في الأرواح من طريق العلوم والفنون التي يتهافت
عليها نشء المسلمين في جميع الأقطار، بباعث اعتقادهم واعتقاد أولياء أمورهم
أنها طريق الحياة المادية، ووسيلة السعادة في الحضارة العصرية والعيشة الراضية
المرضية.
فأما كون الحياة المدنية في هذا العصر لا تقوم إلا بالعلوم والفنون فقد صار
من المسلمات التي لا مراء فيها، وأما كون العلوم تقتضي الإلحاد والإباحة فهذا
باطل، ولهذا كان من أعظم مقاصد هذا المؤتمر إنشاء مدرسة جامعة لها تكون
إسلامية، وليس معنى كونها إسلامية أن تقبل طلاب العلم العالي فيها من جميع
شعوب المسلمين كما قيل؛ فإن معاهد العلم العالي في كل بلد لا يصد عنها
المسلمون، فمدرستهم أحق بذلك وأولى؛ وإنما يعنى به أن يجمع فيها بين العلم
النافع ودين الإسلام الصحيح الذي هو دين العلم والحضارة بطبعه، بحيث يكون
الإسلام فيها مهذبًا للعلوم المادية بالعقائد الحق وتربية العبادة والفضائل التي تصد
عن جعلها وسائل للإسراف في الشهوات، وفتك الأقوياء بالضعفاء، ويكون العلم
فيها معززًا للإسلام وأهله بالثروة والقوة التي تصد الأعداء عن الاعتداء على دار
الإسلام، وتحول دون تمكنهم من سلب سلطته واستعباد أهله، وحسبنا في هذه
الجملة الوجيزة في معنى كون هذه المدرسة الجامعة الإسلامية، ومنه ننتقل إلى
موضوع لجنتنا واقتراحاتها فنقول:
المقصد:
إن ما يقصده المؤتمر من مشروع الدعوة والإرشاد هو الذي يتحقق به معنى
كون الجامعة إسلامية، وبه تحصل جميع المقاصد الإصلاحية التي كثرت
الاقتراحات فيها، كمقاومة التبشير المراد به تنصير المسلمين ومحاربة الإلحاد
والإباحة، ومناهضة التفريق بين المسلمين بعصبية المذاهب والجنس واللغة وهدم
البدع والخرافات وغير ذلك.
ذلك بأن المراد من الدعوة والإرشاد أن تعرف حقيقة الإسلام الحق وإظهاره
بأمثل طرق التعليم في جميع درجاته، وتربية من يقوم بذلك بالتعليم والإرشاد
والخطابة والتأليف، وتعميم ذلك بقدر الاستطاعة، وبالدفاع عن الإسلام، وبيان
فضله على جميع الأديان، وكونه هو الدين الذي لا يمكن بدونه أن تصلح أمور
البشر، ويعالج ما يهددها من مفاسد البلشفية والإباحة وفوضى الأفكار المادية.
وأما تنفيذه فلا يتم إلا بتعليم خاص وتربية خاصة، وجمعية خاصة؛ وإنما
يمكن أن يقوم المؤتمر الآن بما هو دون الكمال منه والذي نقترحه في ذلك يلخص
في المواد الآتية:
نص المواد التي اقترحتها
لجنة الدعوة والإرشاد
(المادة الأولى) : تؤلف جمعية باسم جمعية الدعوة والإرشاد الإسلامية،
تكون تابعة للجنة التنفيذية وهي تعين مركزها العام، ويكون لها فروع في الأقطار
الإسلامية.
(المادة الثانية) : غايتها (أ) نشر الهداية الإسلامية (ب) توثيق عرى
الوحدة والإخاء بين المسلمين (ج) مقاومة الإلحاد (د) صد الغارة على الإسلام
ودفع الشبهات عنه.
(المادة الثالثة) : تتوسل الجمعية إلى ذلك بالوسائل الآتية (أ) بث الدعاة
إلى الإسلام (ب) بث المرشدين بين المسلمين ولا سيما أهل البادية منهم (ج)
نشر رسائل وكتب تشتمل على أصول الإسلام وفضائله وآدابه وحكمة التشريع فيه
(د) إلقاء المحاضرات والخطب ونشر المقالات في الصحف (هـ) إنشاء
صحف باللغة العربية وغيرها في الأقطار المختلفة تعنى بالشؤون الإسلامية (و)
السعي لإصلاح منهج الخطب المنبرية ودروس الوعظ والإرشاد (ز) السعي لدى
حكومات البلاد الإسلامية ومدارسها الأهلية لأجل العناية بالتعليم الديني والتربية
الإسلامية.
(المادة الرابعة) : الاهتمام بتعليم اللغة العربية في جميع الشعوب الإسلامية.
…
المقرر
…
...
…
...
…
رئيس اللجنة
إسعاف النشاشيبي
…
...
…
السيد محمد رشيد رضا
(المنار)
كانت هذه الاقتراحات مبسوطة ومطولة، فعند المناقشة فيها قرر المؤتمر تأليف
لجنة تلخصها وتضعها في صيغة مواد قانونية، فاجتمعت اللجنة واتفقنا معها على
وضعها بالنص الذي تراه هنا وقرره المؤتمر بالإجماع، وسأذكر في الجزء الآتي
النص الأصلي لفائدته وما كان من الاعتراض عليه وتفنيد كلام المعترض خدمة
للتاريخ.
((يتبع بمقال تالٍ))
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
الرابطة الإسلامية الدولية
(جاء في جريدة صوت الشعب الفلسطينية لصاحبها الكاتب الوطني المعروف
عيسى أفندي بندك بتاريخ 12 آذار (مارس) تحت هذا العنوان ما نصه)
ننشر فيما يلي نظام الرابطة الإسلامية الدولية التي يشغل السيد ضياء الدين
طباطبائي وظيفة السكرتير العام لها في جنيف ويشمل سمو الخديوي هذه الرابطة
بنفوذه وعطفه:
(1)
اسمها، مركزها، أغراضها، ووسائل عملها
(المادة الأولى) أسست وفقًا للمادة ستين وما يليها من مواد القانون العام
المدني السويسري جماعة اسمها (الرابطة الإسلامية الدولية) ومركزها العام مدينة
جنيف.
(المادة الثاني) ترمي هذه الرابطة على وجه الخصوص إلى ما يأتي:
أولاً: العمل على استدامة الوئام بين مختلف عناصر العالم الإسلامي.
ثانيًا: إنشاء مركز تعاون فكري بين علماء الإسلام وجامعاته ومعاهده.
ثالثًا: السهر على الاحتفاظ بأوضاع الطوائف الإسلامية حيثما توجد.
رابعًا: إعانة أعمال البر والمؤسسات الاجتماعية الإسلامية.
خامسًا: إطلاع غير المسلمين على الأصول الصحيحة لعلوم الإسلام ومذاهبه
ورفع الهجمات غير المبررة التي توجه إليها، والوصول عن هذا الطريق إلى
توثيق العلاقات بين الشرق والغرب.
(المادة الثالثة) تعمل الرابطة بوسائل إذاعة النشرات، وعقد الاجتماعات،
وتقديم الآراء، وإسداء النصائح، وذلك كله في الحدود التي ترسمها القوانين الأهلية
في كل دولة.
(2)
أعضاء الرابطة
(المادة الرابعة) يقبل عضوًا في الرابطة كل مسلم كامل الأهلية تزيد سنه
عن الواحدة والعشرين من غير تمييز للجنس أو اللغة أو المذهب متى قبل قوانين
الرابطة وتعهد باحترام لوائح أنظمتها المختلفة، وبتسديد قيمة اشتراكه في الميعاد.
(المادة الخامسة) أعضاء الرابطة على سبعة أنواع: أعضاء شرف،
ومحسنون، ومتبرعون، ومؤسسون، وعاديون، وجماعيون، ومنتسبون.
(أ) فأعضاء الشرف هم الملوك ورؤساء الدول المسلمون، وكذلك عظماء
رجالات الإسلام، الذين يؤدون للرابطة خدمات أدبية أو مادية يقدرها مجلس
الرابطة الأعلى.
(ب) والأعضاء المحسنون هم الذين يهبون الرابطة هبة أو يوصون لها
بوصية تزيد قيمة أيتهما على عشرة آلاف فرنك سويسري.
(ج) والأعضاء المتبرعون الذين يساهمون في ميزانية الرابطة بمبلغ
سنوي تزيد قيمته على مائة فرنك سويسري.
(د) والأعضاء المؤسسون هم الذين اشتركوا في تكوين الرابطة بمدينة
جنيف، في اليوم الخامس عشر من شهر نوفمبر لسنة 1931.
(هـ) والأعضاء العاديون هم المسلمون الذين يستوفون شرائط المادة
الرابعة من هذا القانون الأساسي وتصادق اللجنة التنفيذية على طلبات الانضمام
التي يقدمونها إليها.
(و) والأعضاء الجماعيون هم الأحلاف التي تؤسس في عواصم بلاد أوربا
والعالم الإسلامي مع ما يكون لها من فروع في هذه البلاد المختلفة، وتديرها لجان
أهلية تقرر طريقة تأليفها في قوانين الأحلاف التي يجب تصديق المجلس الأعلى
عليه قبل نفاذها.
وتنظر هذه اللجان الأهلية على وجه الخصوص في أمر قبول الأعضاء
المنتسبين، وتسهر على تحصيل الاشتراكات وإرسال عشر قيمتها إلى المجلس
الأعلى وتقف هذا المجلس على حالة الطائفة الإسلامية في بلادها، وتنفذ قراراته
في حدودها، كما تفصل بصفة ابتدائية في الخلافات التي تنشأ بين الفروع التابعة
لها.
(ز) والأعضاء المنتسبون هم الذين ينتمون إلى حلف من أحلاف الرابطة
ويدفعون له اشتراكًا سنويًّا تُعادل قيمته خمسة فرنكات سويسرية.
(المادة السادسة) أعضاء الرابطة العاملون هم المؤسسون والمنتسبون
والمتبرعون الذين يطلبون ذلك.
(3)
نظام الرابطة
أنظمة الرابطة هي:
(أ) المؤتمر العالمي الإسلامي.
(ب) المجلس الأعلى.
(ج) اللجنة التنفيذية.
المؤتمر العالمي الإسلامي:
(المادة السابعة) يؤلف المؤتمر العالمي الإسلامي من الأعضاء المؤسيسن،
ومن الأعضاء المتبرعين العاملين، ومن مندوبين عن الأحلاف، يمثل الواحد
منهم ألف عضو منتسب، وينعقد المؤتمر بهيئة جمعية عادية مرة في كل ثلاث
سنين وبهيئة جمعية عامة فوق العادة كلما وجد المجلس الأعلى ضرورة لذلك.
ويرسل المجلس الأعلى الدعوات لعقد الجمعية العامة العادية قبل موعد الانعقاد
بستة أشهر على الأقل، ولعقد الجمعية العامة فوق العادة قبل موعد انعقادها بشهر
واحد على الأقل.
المجلس الأعلى:
(المادة الثامنة) يدير الرابطة مجلس أعلى مؤلف من الأعضاء المؤسسين
وخمسة أعضاء ينتخبهم المؤتمر العالمي الإسلامي بين المرشحين الذين يقدم كل
حلف اثنين منهم، ويكون انتخابهم لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد.
(المادة التاسعة) يجب على المرشح لعضوية المجلس الأعلى أن تكون سنه
قد جاوزت الأربعين، وأن يكون قد أمضى أكثر من سنتين عضوًا في لجنة أهلية.
(المادة العاشرة) يجتمع المجلس الأعلى كل ثلاثة أشهر مرة على الأقل،
ولا تكون قراراته صحيحة إلا بحضور خمسة من أعضائه على الأقل.
(المادة الحادية عشرة) يدعو المجلس الأعلى إلى اجتماع مندوبين عن
الأحلاف بواقع واحد عن كل حلف مرة في كل عام قصد التشاور وتبادل الرأي.
(المادة الثانية عشرة) يختص المجلس الأعلى بالفصل بصفة نهائية فيما
ينشأ من خلاف بين حلف وحلف آخر، كما يختص بالنظر استئنافيًّا بناء على طلب
أحد الأطراف ذات الشأن في الأحكام الصادرة في الخلافات بين الفروع.
(المادة الثالثة عشرة) يرفع المجلس الأعلى إلى المؤتمر العالمي المنعقد
بهيئة جمعية عامة عادية تقريرًا عامًّا عن سير أعمال الرابطة وإدارة أموالها.
اللجنة التنفيذية:
(المادة الرابعة عشرة) يختار المجلس الأعلى بين أعضائه رئيس الرابطة
ووكيلها وسكرتيرها العام وأمين صندوقها الذين يكونون لجنتها التنفيذية.
(المادة الخامسة عشرة) رئيس الرابطة هو في الوقت نفسه رئيس
المجلس الأعلى واللجنة التنفيذية والمؤتمر الإسلامي العام.
(المادة السادسة عشرة) يجدد المجلس الأعلى اختصاص اللجنة التنفيذية
والسكرتير العام وأمين الصندوق في لائحته الداخلية التي تشمل كذلك أحكامًا خاصة
بالنشرة الرسمية للرابطة وبمفتشيها الزائرين.
(المادة السابعة عشرة) تجتمع اللجنة التنفيذية مرة في كل شهر، ولا
تكون قراراتها صحيحة إلا بحضور اثنين على الأقل من أعضائها.
(4)
أموال الرابطة
(المادة الثامنة عشرة) تتكون إيرادات الرابطة التي يعهد بإدارتها إلى
المجلس الأعلى من هبات أعضاء الشرف والأعضاء المحسنين ووصاياهم ومن
مساهمات الأعضاء المتبرعين، واشتراكات الأعضاء العاديين، وعشر اشتراكات
الأعضاء المنتسبين.
أما الأحلاف فيستقل كل واحد منها بإدارة إيراداته المكونة فقط من تسعة أعشار
اشتراكات الأعضاء المنتمين إليه.
وقيمة الاشتراك السنوي للأعضاء العاديين خمسة فرنكات سويسرية تدفع في
مركز الرابطة العام اهـ.
رأي المنار في هذه الجمعية
وفي سمو مؤسسها
إن موضوع هذه الجمعية لعظيم جدًّا، وإن هذا الهيكل العظمي لنظامها لكبير
جدًّا، وإن حاجة العالم الإسلامي إليها لشديدة جدًّا، وإن همة مؤسسها الأمير الكبير
عباس حلمي خديو مصر السابق لكبيرة، وإن إرادته لقوية، وإن ثروته لواسعة؛
وإنما يتوقف نجاح هذا العمل العظيم مع استخدام هذه القوى الثلاث على طائفة
من الرجال العظام؛ وإنما أعني العظام بعقولهم وقلوبهم وأخلاقهم وعلومهم وأعمالهم
وإخلاصهم وحريتهم واستقلالهم، لا بألقابهم.
يوجد في بلاد الإسلام المتفرقة أفراد من هؤلاء الرجال، لا يعوزهم للقيام بمثل
هذا المشروع العظيم إلا القوة والمال، وأغنياء المسلمين أولو المال كلهم أو جلهم
أغبياء أو بخلاء، وأمراؤهم أولو القوة والنفوذ كلهم أو جلهم مستبدون أو جهلاء،
فهم لا يعرفون أقدار عقلاء المصلحين ولا يقدرون على الاتفاق معهم؛ لأنهم
يريدون استخدامهم لأشخاصهم لا لأمتهم، ويحاولون تسخيرهم لأهوائهم دون العمل
بمقتضى عقيدتهم، والرجل المصلح المخلص لا يتبع في عمله هوى نفسه، فكيف
يتبع هوى غيره؟
ولا أعرف أحدًا من أمراء المسلمين قد جرب الناس وخبرهم كالأمير عباس
هذا، ذلك بأنه كان في عهد إمارته قليل التحجب والترفع، كثير المقابلة للناس من
الطبقات العليا والوسطى، واسع الحرية في محادثتهم، وقد تدلى عن أفق الإمارة
والمُلك إلى معاداة رجال من خواص أمته واتخاذهم خصومًا، ثم ارتقى إلى مقامه
اللائق به فأدنى الباقين منهم واتخذ منهم أولياء وأنصارًا، وقد رأى كثيرًا من الناس
الذين يتبعون هواه، ويبيعون دينهم بدنياه، لا حبًّا فيه بل حبًّا لأنفسهم، وتوسلاً به
إلى شهواتهم، ورأى قليلاً من الناس لا يعملون إلا لأمتهم، ولا يؤثرون أحدًا على
ملتهم، فلا يلفتهم المال ولا الجاه أقل لفتة عن عقيدتهم، ورأى أن قليل هؤلاء
الصادقين، خير من كثير أولئك المنافقين، وأن جميع علماء الأزهر ما كانوا يغنون
غناء الشيخ محمد عبده، وأن جميع رجال بطانته وحاشيته لا يبلون بلاء حسن
عاصم باشا وحده، فماذا كان مبلغ استفادة سموه من هذه التجارب، هذا ما لا أعلمه.
ولكنني كنت ممن عاداهم ثم أدناهم، وقد وعدني بالمساعدة على ما أقوم به
من الإصلاح الإسلامي إلى مدى بعيد، وشرع في الوفاء فحالت الحرب العالمية
دون استمرار العمل الذي بدأت به بمساعدته - وهو مدرسة الدعوة والإرشاد -
وكان من مقاصده فيه الاتفاق مع الدولة العثمانية على مثله وما هو أوسع منه بعد
وقوع ما كان يتوقعه من شعور رجالها بخطئهم في عدم تنفيذهم لمشروع الدعوة
والإرشاد في الآستانة، ولا أدري ما كان يرمي إليه من وراء ذلك الاتفاق وما
ظننت إلا خيرًا.
وأقول الآن: لو كان معه في مؤسسي هذه الرابطة الإسلامية رجلان كالشيخ
محمد عبده وحسن باشا عاصم، في بصريتهما واستقلال عقولهما وإرادتهما
وإخلاصهما لرجوت له الفوز والنجاح فيها، إذا هو أعطاهما حقهما في استقلالهما
وحريتهما، وقنعا بالعمل معه لخدمة الإسلام بالذات، وخدمته هو بالتبع لخدمة
الإسلام؛ وإنما اقتصرت على ذكر رجلين اثنين في هذا المثل لأنه ذكر في المادة
السابعة عشرة من قانون رابطته أن اللجنة التنفيذية لمجلسها الأعلى تنعقد بحضور
اثنين من أعضائها، وتكون قراراتها صحيحة، وهذا مما ينتقد من مواد هذا القانون؛
ولكن عبقريي الرجال يغني قليلهم عن كثير غيرهم إن وجدوا، ولا يفري فريهم
ألوف الدهماء إن فقدوا.
وأريد بهذا المثل أن مثل هذا العمل لا يمكن أن ينهض به إلا كبار رجال
الإصلاح العالمين بأمراض العالم الإسلامي العارفين بطرق علاجها، الذين يهمهم
أمر أمتهم أكثر مما يهمهم أمر أنفسهم وأهليهم وأولادهم، فإن كان الأعضاء
المؤسسون لهذه الرابطة مع سموه في جنيف (سويسرة) من هذه الطبقة؛ فإن ذكر
أسمائهم في ذيل قانون الرابطة أعظم تأثيرًا في العالم الإسلامي من جميع مواده
الواسعة النطاق، المحيطة بالآفاق، ولكن أنى له برجال من هذه الطبقة؟
أسس سموه هذه الرابطة في 15 نوفمبر سنة 1931 الموافق خامس رجب من
هذه السنة في مدينة جنيف، ولا نعلم أنه كان فيها من رجال العالم الإسلامي الذين
يصلحون للنهوض بهذا العمل إلا الأمير شكيب أرسلان، الملقب بأمير البيان،
والمشهور بجهاده في خدمة الإسلام في كل مكان، وإنا نعلم علم اليقين أنه لم يكن
من المؤسسين مع سموه لهذه الرابطة ولا ممن استمد رأيهم فيها، ولقد يعز على من
يعرف هذا الرجل أن يثق بمشروع إسلامي يرغب مؤسسوه عن اشتراكه، أو
يرغب هو عن مشاركتهم فيه.
أسس سموه الرابطة بعد أن وصل إليه كتاب الدعوة إلى المؤتمر الإسلامي
الذي عُقد في القدس الشريف وكان وعد بأن يحضره أو يرسل مندوبًا عنه يحضره،
ورأينا في أساس نظامها عقد (مؤتمر عالمي إسلامي) في كل ثلاث سنين مرة،
رأينا في مقدمته أن السيد الطباطبائي سكرتير لجنة هذا المؤتمر التنفيذية المنتخب
جعل سكرتيرًا لجميعة الرابطة الإسلامية الدولية أيضًا، وهو كفؤ لها باستعداده
الفني والسياسي؛ ولكنه لا يمكنه الجمع بين العملين ولا إدغام أحدهما في الآخر.
زار سمو الأمير عباس - بعد تأسيس هذه الرابطة - أنقرة وجدد مودته
لحكومتها الجمهورية اللادينية، وزار فلسطين وسورية فاحتفى بزيارته المندوب
السامي البريطاني في الأولى والمندوب السامي الفرنسي في الثانية، وزار شرق
الأردن وجدد مودته لأميرها عبد الله بن الملك حسين، وكل زيارة من هذه
الزيارات تضعف الثقة بهذه الرابطة التي أسسها، فإذا قرن ذلك بمن استخدمهم
سموه في زيارته هذه وباختياره لنشر قانون الرابطة جريدة رجل مسيحي في (بيت
لحم) من فلسطين على المجلات الإسلامية والجرائد اليومية المشهورة؛ فإن الثقة
بها تزداد وهنًا على وهن، وظنة على ظنة.
عبارة قانون الرابطة ضعيفة، ومنها ما لا يفهم معناه إلا بالقرينة، وفي مواده
على نقصها أمور مبهمة وأخرى غير معقولة، ومن أغربها أن من أعضاء الشرف
في هذه الجمعية ملوك المسلمين ورؤساء دولهم (أي الجمهورية) فمن ذا الذي يعقل
أن يرضى إمام اليمن وملك مصر وملك الحجاز ونجد وملك الأفغان وشاه إيران
وملك العراق أن يكونوا أعضاء لهذه الجمعية، وليس للمسلمين حكومة جمهورية إلا
حكومة الترك؛ ولكنها حكومة لا دينية لا حكومة إسلامية، فهي قد حلت جميع
روابط الإسلام وتبرأت من كل صلة لها بالمسلمين، ومن الشرق والشرقيين، فأنى
يقبل رئيسها أن يكون عضوًا لهذه الرابطة الإسلامية؟ إلا أنه قد يكون له هوى
سلبي فيها، وقد يكون منه شيء يتعلق بالخلافة؛ ولكنه لا يرضى أن يكون عضو
شرف لها.
تداولت الصحف نبأ اضطراب هذه الحكومة اللادينية وانزعاجها من عقد
مؤتمر إسلامي في القدس الشريف، وخوفها أن يكون من مقاصده إحياء منصب
الخلافة الإسلامية، فخاطبت وزارة خارجيتها الدولة الإنكليزية باعتراضها على عقد
مؤتمر هنالك يبحث في مسألة الخلافة، فبلغتها هذه الدولة أن ذلك ليس من عمل
المؤتمر، ولم يمنعها هذا من الكتابة إلى الدول الإسلامية: إيران وأفغانستان
ومصر والحجاز والعراق مقترحة عليها عدم الاشتراك في هذا المؤتمر.
وجملة القول أن أسباب الارتياب في هذه الجمعية كثيرة منها ما ذكرناه آنفًا،
ومنها ما ذكرناه في الكلام على المؤتمر الإسلامي العام من هذا الجزء، وهو ما
شاع من سعي سمو العباس ليكون ملكًا لسورية أو رئيس جمهورية لها في ظل
الانتداب الفرنسي، وقد تناقل المشتغلون بالقضية السورية عنه أنه مهَّد السبيل لهذا
السعي مع فرنسة وحكومة الترك الجمهورية بما حملهم على بث الدعاية لمقاومة
سعيه، وإحباط عمله.
ويمكنني بعد هذا كله أن أقول إن مشروع هذه الرابطة الإسلامية هو أكبر عمل
فكر فيه العباس، وأنه خير له من ملك سورية في ظل الانتداب، وقد يكون أفضل
له من ملك مصر مع سيطرة الاحتلال، إذا هو أعطاه حقه، واختار له من الرجال
أهله، وما أراه إلا يعتقد إخلاصي في النصح له، عملاً بحديث (الدين النصيحة لله
ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) رواه مسلم في صحيحه، وقد صرَّح لي بمثل
هذا الاعتقاد إذ شرفني بالدعوة إلى مقابلته في قصر القبة بعد إبعادي عنه، وإلحاحه
في عداوتي تسع سنين.
فليتأمل سمو العباس مقالي هذا تأملاً، وليتدبره تدبرًا، وليتفكر فيه تفكرًا؛
فإنه إن يعطه حقه من ذلك غير مشوب بشعور عظمة ماضية، ولا بأماني حاضرة
وآتية، يعلم أن ما قلته هو الحق لا ريب فيه، وحينئذ يجب عليه أن يقف مواهبه
النفسية والمالية على أخذه بربانه، وتوسيد العمل فيه إلى أهله، فبذلك يحدث أكبر
إصلاح في الشرق والغرب، وإلا فالأجدر به تركه والتفصي منه و (كل ميسر لما
خلق له) .
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
أذان إبراهيم الخليل بالحج
ودعاؤه لأهل الحرم بالرزق
وما للمسلمين وعليهم من ذلك في هذا العهد
قضت حكمة الله تعالى أن يجعل الركن الاجتماعي العام لدينه الإسلام في بقعة
من الأرض ليس للناس هوى فيها لذاتها، فهي لا تُقصد لاعتدال هوائها، ولا
لعذوبة مائها، ولا لبهجة رياضها وجنى جناتها، حتى يكون الباعث على قصدها
لأداء المناسك هو التعبد المحض والإخلاص لله تعالى فيه.
وكان من شرع الله في هذه المناسك إهداء الأنعام لبيت الله تعالى، وإيجاب
الفدية على من أخل بشيء من واجبات الإحرام عنده، وعلى من تمتع بالعمرة إلى
الحج فيه؛ لأجل توسعة الرزق على سكان حرم الله تعالى.
قال الله تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ أَن لَاّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ
بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً
وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي
أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ} (الحج: 26-28) .
بل كان من عناية الله بأهل حرمه وجيران بيته أن أنطق خليله إبراهيم بالدعاء
لهم أن يجذب إليهم قلوب الناس، وأن يرزقهم من الثمرات، وهي غاية نعمة
الرزق والرفاهة، قال تعالى:] وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ
أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [قال - أي الله تعالى -
{وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ المَصِيرُ} (البقرة:
126) فوعد تعالى بأن يرزق من كفر منهم وجحد نعمه بالرزق من الثمرات في
الدنيا؛ وإنما يكون جزاؤه على الكفر في الآخرة لا بحرمان الرزق في الدنيا، وقال
تعالى فيما قصه علينا من دعائه: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ
عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ
الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} (إبراهيم: 37) .
استجاب الله تعالى دعاء خليله لأهل حرمه في كل زمان، فسخَّر لهم القلوب
تهوي إليهم من كل مكان، وتتقرب إليه تعالى بإدرار الرزق عليهم، أجورًا لدورهم،
وجزاء على خدمتهم، وصدقة على فقرائهم، وهدايا لأغنيائهم، إذ علموا أن هذه
التوسعة عليهم من متممات نسكهم، وموجبات رضوان ربهم، حتى أن الله تعالى
سخَّر لهم في عهد الحرب العامة دولتي إنكلترة وفرنسة تحمل الحجاج إليهم من
المشرق والمغرب مع الإنفاق على هؤلاء الحجاج، وسخَّر الأولى لحمل الأرزاق
لهم من الهند.
وقد وفَّق الله تعالى أغنياء هذه الأمة المحمدية فوقفوا على حرم الله وحرم
رسوله صلى الله عليه وسلم ما لا يحصى من الأطيان والبساتين والعقار في جميع
الأقطار، مما لو حفظ كله أو جله وصرف ريعه في عمران المسجدين وما جعله
الشرع حرمًا لكل منهما، وفي التوسعة على سكانهما - لكان الحَرَمان الشريفان
أعظم بلاد الله تعالى عمرانًا، ولكان أهلهما أوسع عباد الله تعالى رزقًا وأبسطهم
عيشًا، بحيث لا تنال منهم أمثال العسرة العالمية الحاضرة شيئًا.
ولكن الفاسقين من الأفراد والظالمين من الحكام قد جعلوا كثيرًا من تلك الأوقاف
ملكًا، وطمسوا معالمها طمسًا، على أن ما بقي منها معروفًا إلى الآن كافٍ لعمران
الحجاز كله، وترفيه معيشة أهله، بل إن المعروف من أوقاف الحرمين في وزارة
الأوقاف المصرية وحدها يفي بذلك، وإننا لا نجد لحكومة مصر عذرًا شرعيًّا في
منع الحرمين الشريفين حقهما من أوقافهما والتصرف فيها بغير ما وقفت عليه.
هل يصح أن يكون منع ملك الحجاز استمرار بدعة المحمل المنكرة الخرافية
سببًا شرعيًّا لحرمان الحرمين وسكانهما من ريع هذه الأوقاف؟ هذا ما لا يقول به
مسلم يعرف الإسلام، ولو لم يكن المحمل بدعة مشتملة على كثير من المنكرات
الشرعية التي صرَّح الفقهاء بتحريم الاحتفال به، والتفرج بالنظر إليه - فكيف
يكون التعبد والتبرك به وجعله من قبيل مناسك الحج؟
هل يصح أن يكون عدم اعتراف الحكومة المصرية بحكومة الحجاز الحاضرة
عذرًا شرعيًّا لهذا المنع والحرمان؟ كلا إن هذا ذنب وذلك ذنب؛ ولكن بعض
رجال الحكومة المصرية يلبسون الشرع بالسياسة كما اعتذر المرحوم عبد الخالق
ثروت باشا عن عدم إرسال كسوة الكعبة المشرفة باحتمال رد الوهابية لها بادعاء
أنها بدعة كالمحمل، قال هذا في جواب البرلمان وقبله منه البرلمان مع علمه وعلم
أعضاء البرلمان أن الملك ابن السعود قبل الكسوة السابقة ووعد بقبول اللاحقة التي
لم تُرسل، ومع علم الجميع بأن المحمل بدعة ابتدعته شجرة الدر، وأن كسوة
الكعبة مشروعة مجمع عليها بين المسلمين، وقد صنعها ابن السعود بعد منع مصر
لها، فاستأثر بهذا الشرف من دونها.
وقد بلغنا عن بعض رجال الحكومة أنهم يعتذرون عن منع مخصصات الحجاز
السنوية من مال وغلال وهي دون حق الحجاز أن ناظر أوقاف مصر لا يأمن
حكومة الحجاز على وضعها في مواضعها، ويتعذر على وزارة الأوقاف توليها
لتوزيعها وإشرافها عليه ومراقبتها له، وهذه التعليلات غير صحيحة، ولو صحت
لما صلحت أن تكون سببًا لمنع هذه الحقوق أهلها، فحكومة الحجاز أمينة ويمكنها
إثبات توزيع ما يُرسل إليها على مستحقيه، وهي لا تمنع عمال وزارة الأوقاف عن
توزيع ما تشاء من المال إذا لم يكن بصفة تتضمن الطعن بأمانتها، ولو فرضنا أن
الذين يتولون توزيعها يخونون بأكل شيء منها لما كان هذا مبيحًا لمنعها كلها عن
جميع مستحقيها، وقد يكون هؤلاء الخونة المفروض وجودهم منهم.
ما لنا وللأعذار السياسية، والسياسة ما زالت تُلبس الحق بالباطل، وتكتم الحق
الصريح على علم بأنه الحق، نحن الآن أمام خطب عظيم يجب فيه تحكيم الرحمة
التي هي فوق الحقوق الرسمية، والمماراة السياسية.
إن جيران الله وجيران رسوله محتاجون، وقد تكون العسرة العامة أشد عليهم
من غيرهم، وإن حقوقهم على المسلمين كافة أكبر من حقوق غيرهم من إخوانهم
في الدين، فعلى المسلمين في جملتهم أن يتقربوا إلى الله تعالى بتوفير ما امتن به
على سكان حرمه من إغداق الرزق عليهم حتى احتج على المشركين منهم بقوله:
57) .
وعلى المسلمين أن يتقربوا إليه عز وجل بأن يكونوا مظهرًا محققًا لدعاء خليله
إبراهيم بسعة هذا الرزق عليهم، ولدعاء محمد رسول الله وخاتم النبيين بالدعاء
لأهل حرمه أيضًا.
والذي أقترحه على خيار المسلمين في هذه العسرة أن يقبل المستطيعون على
الحج، ويكون الذين يوفقهم الله تعالى لأدائه أسخياء، يبسطون أيديهم بالعطاء
للمطوفين والمزورين والخدم، وبالصدقات على الفقراء؛ فإن ثواب المناسك في
هذا العام مضاعف، وثواب جميع النفقات في الحرمين مضاعف، وليذكروا فيه
حجة الوداع لمن هداهم الله تعالى إلى هذه السعادة برسالته، وشرَّفهم بجعلهم من
أمته، صلى الله عليه وآله وصحابته، وأنه أهدى في حجته هذه إلى بيت الله تعالى
مائة بدنة (جمل) نحر بيده الشريفة منها في منى ثلاثًا وستين (وهي عدد سني
عمره الشريف) وأمر ربيبه عليًّا كرم الله وجهه فنحر الباقي.
وليحذر كل مسلم من فتنة بعض المضلين والملحدين الذين يصدونهم عن
التوسع في النفقة في الحرمين الشريفين ويغرونهم بالمشاحة والمماكسة فيها،
ويصفون جيران الله ورسوله بالطمع في أموال الحجاج، حتى صار المفتونون
بأقوالهم يعدون كل ما يقرِّب إلى الله تعالى من النفقة هنالك مغرمًا من المغارم، وإن
كانوا يسرفون في سائر النفقات حتى المكروهة والمحرَّمة منها في بلادهم ولا سيما
أماكن اللهو والفسق الخاصة بالأجانب، دع إسراف الفساق في بلاد الإفرنج، وإني
لأخشى على صاحب هذا الشعور أن يكون حجه غير مبرور، وسعيه غير مشكور
وأن يكون بهذا مأزورًا غير مأجور.
بل أحدث أعداء الإسلام من الأجانب ومن ملاحدة أهل دينه دعاية أخرى شرًّا
من هذه وهي ترك الحج لما فيه من إضاعة ثروة الوطن في بلاد العرب، وهذا
ضرب من الدعاية إلى ترك الإسلام من أهله؛ وإنما المسلم من يفضل النفقة في
الحرمين الشريفين على النفقة في وطنه تقربًا إلى الله تعالى، وقد صار أكثر
الحجاج من الفقراء الذين يزاحمون أهل الحرمين في رزقهم.
أخبرني الشيخ الرحالة عبد الرشيد إبراهيم أنه رأى مرة في البيت الحرام رجلاً
من حجاج بلخ فسأله عن فائدة حجه، فأجابه بأن الله تعالى جعل بيته في هذه البقعة
الجرداء، وسخَّر لأهله الناس لأجل أن يمونوهم ويدروا عليهم الأرزاق، ففائدتي
أنني ممن سخَّرهم الله تعالى لما يحبه من ذلك، فهذا البلخي الأعجمي قد فهم من
هذه الحكمة من حكم الحج ما لم تفهمه الألوف الكثيرة من المسلمين.
وأختم هذه الذكرى بمخاطبة مولانا صاحب الجلالة ملك مصر بسم الله وبما
تقدم من آيات كتابه وسنة خليله إبراهيم، وحبيبه محمد صلوات الله وسلامه عليهما،
أن يصدر أمره لوزارة الأوقاف بإرسال جميع مخصصات الحرمين المتأخرة
إليهما في هذا العام؛ فإنه يكون بحسن النية أكبر أجرًا من جميع الحجاج فيما
ينفقون فيه، وإن لم يبذل من ماله الخاص شيئًا، ويكون له أعلى الذكر وأرفع
الشرف والحمد في جميع العالم، وترفع في بيت الله ومسجد رسول الله صلى الله
عليه وسلم وسائر مشاعر الحج أصوات البائسين وغيرهم بالدعاء المرجو الإجابة له
ولولي عهده و {إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ} (التوبة: 120) .
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
مجلة الأزهر والأستاذ المراغي
في أثناء انشغال الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي بوضع قانون
الأزهر الجديد كان يذاكر أهل العلم والرأي من أصدقائه في موضوعه ومناهج
التعليم في الكليات التي ستنشأ فيه، وقد أفضى الحديث بيني وبينه في ذلك إلى
اقتراحه عليَّ أن أكتب له مذكرة في موضوع المجلة التي تقرر في القانون الجديد
إنشاء إدارة المعاهد الدينية لها، وفي موضوع درس الفقه في كلية الشريعة بعد
حديث طويل دار بيننا في الموضوعات ففعلت، ثم قضى الله تعالى أن يستقيل من
منصب المشيخة ورياسة المعاهد، وصدرت المجلة بعد ذلك فقرَّظتُها في المنار،
ونصحت لها بما أرجو أن يكون نافعًا مفيدًا؛ ولكن خاب أملي وآمال كل من أعرف
من أهل الرأي وطلاب الإصلاح الإسلامي فيها، كما بينت ذلك في الجزء (10 م
31) من المنار، وقد قرأت في جريدة الأهرام في الشهر الماضي أن شيخ الأزهر
ألَّف - أو يؤلِّف - لجنة لوضع تقرير فيما تراه من الإصلاح وترقية هذه المجلة
(نور الإسلام) فتذكرت ما كنت كتبته للشيخ المراغي وأحببت نشره في المنار لما فيه
من التنويه بمقاصد الأستاذ المراغي العالية في الإصلاح والتمهيد، وعسى أن يكون
مساعدًا للمجلة على عملها، أو مذكرًا لها بشيء يفوتها، وها هو ذا:
مذكرة صاحب المنار للأستاذ الأفضل
الشيخ محمد مصطفى المراغي
بسم الله الرحمن الرحيم
مولانا الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر ورئيس المعاهد الدينية:
رغبتَ إليَّ أيدك الله أن أكاشفك برأيي في صفة التدريس في كليات الأزهر
المعمور التي ستنشأ - إن شاء الله تعالى - في أول السنة الدراسية من هذا العام ولا
سيما دراسة العلوم الجديدة فيها، وأن أذكر لك من أعرف من العلماء الذين يصلحون
لتدريس هذه العلوم، ورأيتك غير متقيد بكون هؤلاء العلماء مصريي الجنس،
ولا من الحاملين لشهادة مدرسية رسمية، واستحسنت أن أعجل إليك بكتابة ما
أراه في صفة تدريس الفقه خاصة، وبكتابة ما أراه في نظام مجلة الأزهر التي تقرر
إصدارها منسوبة إليه، والمواد التي تتألف منها أبوابها..... إلخ ما تفضلتم
بمشافهتي به.
أكبرت هذه المشاورة من فضيلتكم، على ما أعلم وأعهد من عادتكم وشنشنتكم
فيها، وإنها لآية بينة على ما آتاكم الله تعالى من نور البصيرة، وسعة العلم، وبعد
الرأي، والتأسي برسول الله صلوات الله وسلامه عليه وآله في امتثاله لأمر الله عز
وجل في قوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} (آل عمران: 159) .
وإنني أرى أن امتثال أمركم هذا - وكذا كل ما هو بمعناه - واجب علي شرعًا
بما أمر الله تعالى من التعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق، والأمر
بالمعروف، وبما صح من قول رسوله صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة
قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)
رواه مسلم من حديث تميم الداري، وفي حديث أبي هريرة المرفوع في حقوق
المسلم الست (وإذا استنصحك فانصح له) رواه مسلم أيضًا.
مجلة الأزهر
أعيد في هذه المذكرة الوجيزة ما قلته في حديثنا من وجوب العناية التامة
بالمجلة من أول الأمر، وبذل الجهد في إتقان تحريرها، وحسن الاختيار لموادها؛
فإنها هي المرآة التي تتجلى فيها صورة عهد الإصلاح الجديد، في هذا العهد
الإسلامي التليد، لجميع العالم الإنساني، ولاسيما العالم الإسلامي، الذي يجب أن
تكون هذه المجلة مدرسة كلية سيارة له، تهديه إلى كل ما يجب عليه في أمري دينه
ودنياه، وبها يحكمون للأزهر ومشيخته ورئيسه أو يحكمون عليه وعليهم، وسيكون
هذا الحكم قطعيًّا لا يقبل استئنافًا ولا نقضًا، وليس لشيء من دروس كليات الأزهر
مثل هذا الشأن لعدم اطلاع العالم عليها؛ ولأن المعهود في مثلها أن يبدأ ناقصًا
ويرقى في معارج الكمال بالتدريج، وأما هذه المجلة فيجب أن تكون من أول يوم
في أعلى درجات الكمال المستطاع أو يصرف النظر عنها.
إن كثيرًا من الكتاب وعلماء اللغة وعلماء الدين والمؤرخين والسياسيين
وغيرهم من البارعين في العلوم المختلفة والفنون سينظرون إلى هذه المجلة بعيني
النقد القويتي الأشعة، لما لها من الصفة الرسمية، ولما يتوقع أن يكون لها من
التأثير في العالم الإسلامي ومنهم المنصف وغير المنصف، فيجب أن يحسب
رئيس تحريرها لذلك كل حساب، ويعلم أن حرية القول فيها يجب أن تكون دون
حرية صحف الشركات وصحف الأفراد، وأن يعنى باتقاء الاستهداف لسهام الأقلام
وأسنَّتها أولاً، وبإعداد المِجانِّ الصادَّة لها ثانيًا، ثم بمداواة كلومها بعد الإصابة ثالثًا،
ولا سيما إذا كان الانتقاد موجهًا إليها من بعض الدول الأجنبية أو من بعض
صحفها أو رجال سياستها أو علمائها.
فأول ما يجب أن يهتم به اختيار لجنة التحرير، وأن توزع مواد أبوابها على
الإخصائيين في كل باب، وأن تكون العناية باختيار رئيسها أشد، وأول ما يشترط
فيه أن يكون له معرفة واسعة بحال العصر، وبما أشرنا إليه في أول هذه الجُملة
من مواضع النقد، فإن لم يتيسر وجود من يثق به في هذا، فينبغي أن يكون للتحرير
مراقب أو مستشار، وإن لم يكونا من المحررين الموظفين، وقد يوجد من فيه الكفاية
لذلك من أساتذة بعض الكليات.
وإذا يسر الله تعالى اختيار ثلاثة رجال لرياسة التحرير ولمراقبته وللإدارة
العامة فيهم الغناء والكفاية؛ فإنهم يغنون مولانا الأستاذ الأكبر عن وضع هذا الداعي
للتقرير المفصل الذي كاشفني برغبته فيه، ولا أضن بوقتي عليهم إذا أحبوا
استشارتي في عملهم، فإن ظل - بعد الاطلاع على هذه المذكرة الوجيزة - على
رأيه في وضعي للتقرير، لم يجدني إلا صادعًا بأمره مهما يكن فيه من بذل للوقت
قلما أجود بمثله على أعمالي الإدارية.
أبواب المجلة
أهم أبواب هذه المجلة فيما أرى سبعة:
(الباب الأول) باب المقالات الدينية والعلمية والتاريخية والخطابية، ويجب
أن يكون الغرض الأول منها بيان حقيقة الإسلام وحقائقه، وإصلاحها لشؤون البشر
الشخصية والمنزلية والقومية، والوطنية والسياسية، ورفع مستوى الإنسانية،
وتوحيد مقومات الأمم، وبيان حاجة البشر إلى إصلاحه في كل زمان ومكان، ولا
سيما هذا الزمان الذي طغت فيه الأفكار المادية والشهوات على الأمم فأفسدت آدابها،
وعلى الدول فحصرت كل منها همها في الاستعداد للوثوب على التي تأنس فيها
الضعف منها، وحل التنازع في مرافق الحياة محل التعاون عليها.
(الباب الثاني) باب الفتاوى العامة الذي يفتح لكل طارق له من مشارق
الأرض ومغاربها فيما يتعلق بعقائد الإسلام وآدابه وحكمه وأحكامه وتشريعه
وسياسته، فمن سأل عن حكم في مذهب معين أجيب بالمعتمد في ذلك المذهب،
ومن أطلق السؤال أجيب بما يقتضيه الاستقلال في الاستدلال (كما يعهد مولانا
الأستاذ وغيره في فتاوى المنار) .
(الباب الثالث) باب كشف الشبهات، وحل عقد المشكلات، التي تعرض
لطلاب العلوم وغيرهم بالاطلاع على كتب العلوم والفلسفة والأديان المختلفة، وما
يورده الملاحدة الماديون ودعاة النصرانية وغيرها من الطعن في الإسلام، وما
يستشكله قراء كتب التفسير والحديث والفقه منها وغير ذلك، والغرض الأهم من
هذا الباب مقاومة تيار الإلحاد الذي انتشر وباؤه في البلاد، فكاد يعمها الفساد.
(الباب الرابع) باب البدع والخرافات، وانتقاد المنار من العادات ويجوز
التعبير عنه بباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وينبغي لمحرري هذا الباب أن لا يكتفوا بما سبقهم إليه العلماء الذين عنوا
بالتصنيف فيه ككتب الملل والنِّحَل، ومثل الاعتصام والمدخل، بل يجب أن
يستقرءوا ما ابتُدِعَ بعدهم وما لا يزال يُسْتَحْدَث في كل عصر ولا سيما عصرنا هذا.
(الباب الخامس) باب التربية والتعليم، وأعني بالتربية ما يشمل جميع
موضوعاتها ومواضعها، فمن الأولى التربية الدينية والجسمية والعقلية والنفسية،
ومن أقسام العقلية تربية ملكة الاستقلال في الفهم، وحرية البحث، ومن أقسام
النفسية تهذيب الأخلاق بتربية ملكات الفضائل، وتربية الإرادة التي عليها المدار
الأعظم في النهوض بالأعمال الجليلة والنجاح فيها، وتربية الخيال بالأساليب
المصورة للمعاني الخطابية والشعرية.
وأما الثانية (وهي مواضع التربية) فأولها البيوت، وتليها المدارس على
اختلاف درجاتها، فالجمعيات على تعدد أنواعها من دينية وخيرية وعلمية وفنية،
ومنها ما حدث في هذا العصر من التربية البدنية المعروفة بالكشافة وكذا التربية
العسكرية - فينبغي أن يدخل كل هذا وما قبله في مباحث باب التربية من هذه
المجلة.
(الباب السادس) باب آداب اللغة العربية وتاريخها، ولا حاجة إلى التذكير
بشيء من مباحثه إلا اقتباس بعض أساليب اللغات الغربية الراقية المؤثرة.
(الباب السابع) باب الاقتباس والانتقاد، وتقريظ الكتب والصحف - نرى
كل يوم في الجرائد والمجلات من عربية وغربية وفي الكتب التي تنشر بالطبع مباحث
نافعة للقراء مما يؤيد هداية الدين، ومصالح الأمة، فيحسن اقتباس المهم منها في
المجلة، فإن من الناس من تؤثر في نفسه هذه المباحث ما لا يؤثر غيرها ولا سيما
إذا كانت مسندة إلى كبار العلماء والكتاب من رجال الغرب. ونرى فيها مباحث
أخرى باطلة ومضلة فيجب على المجلة انتقاد ما يُخْشَى ضررُهُ منها في الدين
والدنيا بعبارات نزيهة حكيمة يهتدي كاتبوها بما أمر به الكتاب الحكيم من الحكمة
والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، فتجُبُّ بذلك ألسنة السفهاء، وتتحامى
ما لا يليق بها من الجدل والمراء. اهـ
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
التجديد والتجدد والمجددون
(تابع لما سبق من محاضرتنا في الجمعية الجغرافية الملكية)
القضية الثالثة
في بيان الحاجة إلى التجديد الديني والدنيوي
لا يسعنا في بيان وجه الحاجة إلى التجديد الديني والدنيوي وحكم الإسلام فيهما
وحثه عليهما إلا أن نبدأه بمقدمة وجيزة في جمود العلماء، وما كان له من سوء
التأثير في الحكام وطلاب التجديد الدنيوي من سياسي واجتماعي، وقد ذكرت بعض
الشواهد على جمود علماء مصر في الكلام على القضية الأولى [1] وإن لي في
المنار مقالات كثيرة في هذا الموضوع ومباحث أخرى في تفسير القرآن الحكيم
وباب الفتاوى وغيره من أبواب المنار، وإنني أستغني عن ذلك هنا بكلام لغيري،
فأنقل لكم جملة من كتاب لبعض نابغي شبان المسلمين في الهند كتبه في السابع من
هذا الشهر (رمضان) في السنة الماضية سنة 1348، وهو من الذين طلبوا العلم
بمصر، ويقرأ الآن بعض جرائدها ويراسلها، ويتبع كل حركة عامة فيها، وهذا
نص ما أريده منه:
جمود علماء المسلمين في الهند
قال الكاتب الهندي المصلح في زعمائهم المسلمين:
نحن معشر الدعاة إلى الإصلاح والانقلاب السياسي قد وقعنا في الأيام الأخيرة
في مشكلة عويصة، وهي أننا نجد أمامنا حزبين يتنازعان الزعامة في المسلمين:
حزب الماديين وحزب الروحيين أو الدينيين، ونجد الأول يدعو إلى الانقلاب
الاجتماعي والسياسي معًا، ونجد الثاني يدعو إلى الخرافات ويعارض كل تغيير في
الحالة الحاضرة حتى إنه يخالف الانقلاب السياسي [2] .
هذه الحالة في بلادنا: إننا لا نرضى بحال أن نبقى مستعبدين للإنكليز، بل
نضحي بأرواحنا في سبيل الانقلاب السياسي، أي قلب الحكومة وطرد أعدائنا من
بلادنا، وإننا نعادي ونقاوم كل من يكون عقبة في سبيل هذا الانقلاب السياسي،
وكذلك نحن نريد تغيير الهيئة الاجتماعية الحاضرة بعض التغيير، ونريد بث
الأخلاق الفاضلة والعقائد السلفية في المسلمين؛ ولكننا نرى الحزب المادي يماشينا
إلى حد بعيد، ونرى الحزب الديني يعاركنا في أول خطوة؛ ولذلك ترون أننا قد
وقعنا في مشكلة.
نحن لا نحب الماديين؛ ولكننا نريد الاستفادة من حركتهم، ونحب الدينيين
لأننا منهم؛ ولكننا لا نستطيع تأييدهم لأنهم أعداء لكل ما يرجى منه الخير حتى أنهم
أعداء الإسلام الصحيح.
إني أتمنى لو ترشدوني إلى الخطة الرشيدة في هذه المسألة. أنا أواظب على
قراءة الجرائد المصرية وأعرف أن الماديين في مصر أناس قوالون، لا يعملون ولا
يريدون أن يعملوا، ولا يعرفون كيف يعملون؛ وإنما هم يريدون الظهور بالكلام
الفارغ وبمخالفة أحكام الشريعة الغراء، ولكن حالة الهند تختلف عن مصر اختلافًا
كليًّا (إلى أن قال بعد وصف حالة الهند ووجه الحاجة إلى جعل حركة الانقلاب
مادية ما نصه) :
فالرجاء أن تبينوا لي أفكاركم العالية وتشرحوا لي ما ينبغي أن يفعله الناس
مثلي وهم الذين يريدون الإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي معًا [3] هذا ولا
تؤاخذوني في بسط أعذاري وأفكاري؛ لأني إن لم أصرح بها لكم فمن الذي ألجأ
إليه غيركم في هذه المسائل؟ اهـ المراد منه.
جمود علماء المسلمين في الترك
وإنني أقفي على هذا الشرح المؤثر لحالة المسلمين في الهند بكلمتين لرجلين
من رجال الترك في جمود علمائهم ونفوذهم المانع من الترقي: رجل من أكبر
علماء الإسلام المستنيرين، ورجل من أشهر رجال الإلحاد المجاهرين، ثم أذكر
كلمة حكيم الشرق فيهم.
(الرجل الأول) شيخ الإسلام موسى الكاظم رحمه الله تعالى كان يشرح لي
في داره بضواحي الآستانة ما يريد وضعه من الإصلاح لحكومة اليمن، وهو جعل
أحكامها كلها شرعية، وإنشاء محكمة تجارية واحدة في الحديدة تختص برؤية
القضايا المتعلقة بالأجانب واليهود، فقلت له: إذا كنتم تتركون التزام مذهب الحنفية
فأنا أضمن لكم أن أُخرج لكم من الشريعة الإسلامية الواسعة ما تحتاج إليه جميع
السلطنة من الأحكام الموافقة لحال هذا الزمان
…
إلخ، قال: أنا أعلم أن هذا ممكن
ولكن ماذا تفعل بمشايخ (الفتوى خانه) ؟
يعني أن كبار الشيوخ المنوط بهم الإفتاء الرسمي للدولة عنده في باب المشيخة
الإسلامية هم الذين يعارضون في ذلك، ومما علمته عنهم وعن شيخ الإسلام المقيد
بهم في الفتوى أنهم لا يفتون بأحكام المجلة العدلية وهي كلها شرعية؛ لأن فيها ما
يخالف القول المعتمد في مذهب الحنفية الذي عليه الفتوى في كتبها المتداولة.
(الثاني) الدكتور عبد الله بك جودت صاحب مجلة اجتهاد التي كان ينشرها
في مصر قبل الدستور لأنه كان مضطهدًا لا يمكنه دخول البلاد العثمانية وهو أحد
المؤسسين لجمعية الاتحاد والترقي.
هذا الرجل المجاهر بالإلحاد كان يساعدني في الآستانة في مشروع الدعوة
والإرشاد، وقال لي: إذا نجحتم في هذا العمل وأسستم المدرسة الكلية الإسلامية، فأنا
أتبرع بالتدريس فيها وأجعل دروسي الصحية والعلمية على منهجكم في الإصلاح
الديني، قلت: كيف وأنت تحارب الدين؟ قال: إنما أحارب دين مشايخ الفاتح
والسليمانية؛ لأنه لا يمكننا أن نرتقي مع أتباع أفكار هؤلاء، وأما الدين الإسلامي
الذي يفهمه رشيد أفندي رضا والشيخ محمد عبده فهو يساعد على الترقي وتنتفع به
الدولة، فأنا أول من يتمنى خدمته تحت رياستكم.
(وقد بلغني بعد عودتي من الآستانة إلى مصر أنه قال لطلعت باشا وزير
الداخلية وركن جمعيتهم في الحكومة: إنكم أخطأتم أن تركتم رشيد أفندي يسافر ولم
تنفذوا تشبثه، أي مشروع الدعوة والإرشاد) .
وقد كان لعلماء الآستانة نفوذ عظيم في الأمة والحكومة ليس لعلماء مصر منه
أدنى نصيب فيحارَبوا باتهامهم بمقاومة الترقي المدني، وأين هو؟ ومتى قاوموه
مقاومة عملية تخشاها الحكومة؟ وإنني لما عرضت مشروع الدعوة والإرشاد على
الصدر الأعظم حسين حلمي باشا رحمه الله تعالى قال لي: هذا مشروع عظيم
ضروري للدولة؛ ولكن تنفيذه عندنا يتوقف على قبول العلماء له وعلى موافقة
جمعية الاتحاد والترقي، وسأكلم شيخ الإسلام ليقنع العلماء، وأكلم صادق بك ليقنع
الهيئة المركزية للجمعية، وأجتهد في إقناعهما ببذل نفوذهما في ذلك، وقال لي
محمود شوكت باشا رحمه الله تعالى مثل هذا القول في نفوذ علماء الترك ثم قال:
إن العلماء في بلادنا (أي العراق) ليس لهم مثل هذا النفوذ ولا أدري كيف حالهم
عندكم في مصر؟
كلمة السيد جمال الدين في علماء الترك
وأما كلمة السيد جمال الدين التي أعنيها هنا ولها أمثال من كلامه في غيرهم
من علماء المسلمين فهي ما قاله في النازلة الآتي بيانها:
كان ميكادو اليابان أرسل في عهد وجوده في الآستانة كتابًا إلى السلطان عبد
الحميد يخطب فيه مودته ويقول: إن كلاًّ منا ملك شرقي، ومن مصلحتنا ومصلحة
شعوبنا أن نتعارف ونتواد، وتكون الصلات بيننا قوية تجاه الدول والشعوب
الغربية التي تنظر إلينا بعين واحدة، وإنني أرى شعوب الإفرنج يرسلون إلى بلادنا
دعاة إلى دينهم لحرية الدين عندنا، ولا أراكم تفعلون ذلك، فأنا أحب أن ترسلوا
إلينا دعاة يدعون إلى دينكم (الإسلام) ويمكن أن يكون هؤلاء صلة معنوية خفية
بيننا وبينكم.
اهتم السلطان لهذا الكتاب وأمر بتأليف لجنة من أكبر أهل الرأي عنده في
قصر يلدز للتشاور فيه، وهم شيخ الإسلام وناظر المعارف، وهما الوزيران
المختصان بهذا الموضوع من الجهة الرسمية، والسيد جمال الدين الأفغاني الأخص
به من كل جهة، وآخرون، فاجتمعوا لدى السلطان في قصر يلدز ودارت المذاكرة
فاستحسن شيخ الإسلام ووزير المعارف تأليف بعثة من علماء مدارس الآستانة
لإرسالها إلى اليابان، والسيد جمال الدين ساكت فوجه إليه السلطان النظر وسأله عن
رأيه فقال ما حاصله:
يا مولاي إن هؤلاء العلماء ينفرون المسلمين أنفسهم من الإسلام فكيف يُناط بهم
إقناع أمثال اليابانيين بالدخول فيه؟ إنما الرأي أن يُربى طائفة من الأذكياء ويُعلَّموا
تعليمًا خاصًّا يؤهلهم للقيام بهذا الواجب في هذا العصر، ويكتفي جلالة السلطان
الآن بإرسال كتاب ودي إلى الميكادو مع هدية لائقة به، ويذكر له في الكتاب أن ما
اقترحه قد وقع في أعلى مواقع الاستحسان، وسننظر في تنفيذه بالصفة المرضية،
فكان أن عمل السلطان بهذا الرأي؛ ولكن دون تنفيذ اقتراح التعليم الخاص بالدعاة
إلى الإسلام.
المقصد من موضوع التجديدين:
أما بعد، فقد تقدم في التجديد الديني حديث (إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة
على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) وهو نص في الموضوع بلفظه وقد بينا
معناه في أول المحاضرة، وينحصر المراد بالرجوع بالدين إلى سهولته وهدايته كما
كان في الصدر الأول وجمع كلمة المسلمين على ما أجمعوا عليه قبل التفرق
والاختلاف، وجعل ما عدا القطعي منه مما يعذر فيه كل فرد باجتهاده، وكل مقلد
باتباع المذهب أو العالم الذي وثق بعلمه، من غير تعصب يفرق الأمة الواحدة إلى
شيع وفرق يعادي بعضها بعضًا، ولنا في تفصيل هذا الإجمال وبيانه مقالات كثيرة
جمعنا أهمها في كتاب خاص باسم (الوحدة الإسلامية) ومن وسائل هذا التجديد
إحياء اللغة العربية بالكلام والكتابة والخطابة وتأليف الكتب بالأساليب العصرية
السهلة وتعميم التعليم والتربية على القواعد الفنية، ونشر الدعاية الإسلامية في
العالم.
وإذا كانت الأمة تحتاج إلى التجديد في إقامة أمر دينها وقد أكمله الله تعالى له
وحظر عليها الابتداع فيه - فهي أحوج إلى التجديد في أمور الدنيا التي تختلف
مصالحها باختلاف الزمان والمكان وعرف الناس، والشرع يراعي ذلك كله كما هو
مقرر في كتب الفقه.
والتجديد فيها نوعان: نوع يتعلق بالمصالح العامة وما تحتاج إليه من التشريع،
وقد حث الشارع على التجديد في هذا النوع بقوله صلى الله عليه وسلم (من سن
في الإسلام سنة حسنة فعُمل بها بعده كُتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من
أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعُمل بها بعده كُتب عليه مثل وزر
من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء) رواه مسلم من حديث جرير بن عبد الله.
وإن من هذه السنن العامة وضع قواعد العلوم والفنون النافعة وإنشاء المدارس
والملاجئ والمستشفيات، ويستوي في هذا التجديد الأفراد والجماعات والحكومات،
ومنها ما هو خاص بالحكومة كالمصالح العسكرية التي يتوقف عليها حماية البلاد
وحفظ الأمة من العدوان.
وأما التشريع المتعلق به فهو موكول في الإسلام إلى أولي الأمر، والجماعة
المعبر عنها بأصحاب الحل والعقد، فهم يقررونه بالشورى بينهم، والاجتهاد فيما
ليس فيه نص قطعي من وحي ربهم، ولا سنة ماضية من سنن نبيهم، بشروطه
المعروفة في محلها؛ فإن الاجتهاد مع وجود النص ممنوع في الشرع وفي القوانين
الوضعية جميعًا.
والنوع الثاني ما هو من أمور المعايش كالزراعة والصناعة والتجارة وأمور
العادات التي ليس فيها مفسدة، وقد وكله الشارع إلى تجارب الناس، وفي هذا قال
صلى الله عليه وسلم (أنتم أعلم بأمر دنياكم) رواه مسلم من حديث أنس وعائشة
رضي الله عنهم وقال في معناه (ما كان من أمر دينكم فإلي، وما كان من أمر
دنياكم فأنتم أعلم به) رواه أحمد.
وجملة القول أن التجديد المشروع يشمل كل ما تعتز به الأمة والدولة من العلوم
والفنون والصناعات والنظم المالية والإدارية والعسكرية والمنشآت البرية والبحرية
والجوية، فكل ذلك يُعد في الإسلام من فروض الكفايات التي تأثم الأمة كلها بتركها
والشرع لا يقيدها فيها إلا باجتناب الضرر والضرار والظلم (ومنه استغلال حاجة
المعسر بأخذ الربا منه) مع قواعد إباحة الضرورات للمحظورات وتقديرها بقدرها،
ومراعاة الحق والعدل.
(لها بقية)
_________
(1)
لم أنشره في المنار هنا لأنني نشرته في مقالات المساواة بين الرجل والمرأة.
(2)
قد تغير موقف علماء الهند الشرعيين في هذا العام 1350، ورفعوا أصواتهم بطلب الانقلاب السياسي.
(3)
كتبت إليه أنه يجب عليه هو ومن على رأيه من إخواننا طلاب الإصلاح المزدوج أن يكونوا وسطًا بين الحزب المادي والحزب الديني حتى يجمعوا بينهما، ويوحدوا وجهة المسلمين على منهاجنا الذي فصلناه في المنار.
الكاتب: محمد رشيد رضا
السنة والشيعة
الاتفاق بينهما والوسيلة إليه
ورأينا ورأي علامة الشيعة فيه
قد علم قراء المنار ما سبق لي من السعي الحثيث منذ ثلث قرن ونيف للاتفاق
والوحدة بين المسلمين بالقول والعمل والكتابة والتصنيف، وإنني أُلجئت في هذه
الآونة الأخيرة إلى الرد على عالمين من علماء الشيعة لكتابين لهما كانا من أكبر
أسباب التفريق والتعادي، وإن أحدهما طعن في كتابه على ديني وعقيدتي وأخلاقي
…
إلخ، والثاني طلب مناظرتي مدعيًا استحالة الاتفاق والتعاون بين أهل السنة
والشيعة إلا أن ترجع إحدى الفرقتين إلى مذهب الأخرى في مسائل الخلاف
الأساسية.
ويعلمون أنني لم أقبل الدخول في المناظرة على هذه القاعدة التي وضعها
الأستاذ السيد عبد الحسين نور الدين إلا أن يقره عليها جمهور علماء الشيعة،
وطالبتهم ببيان رأيهم في زعمه هذا، فلم يرد عليه أحد منهم، وإنني افترصت لقاء
مجتهد علمائهم الأشهر في هذا العصر الأستاذ الكبير الشيخ محمد آل كاشف الغطاء
في القدس أثناء عقد المؤتمر الإسلامي العام، فأطلعته على ما كتبه الأستاذ السيد
عبد الحسين نور الدين وسألته رأيه فيه فأنكره أشد الإنكار، ووعد بإجابتي إلى
استنكاره والرد عليه كتابة كما اقترحت، ليعلم ذلك من قرءوا تلك الدعوى في المنار
ويقنعوا بأن أكبر علماء الشيعة يخالفونه فيه، واشترط هو أن أسأله ذلك كتابة
ففعلت.
وذكرت في الجزء الماضي أن الجواب قد جاء من حضرته، وأنني سأنشره
في هذا الجزء؛ إذ كان ردي على الأستاذ السيد عبد الحسين نور الدين في الجزء
الماضي في موضوع طعنه في علم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه
قد طال حتى انتهى بي إلى آخر الجزء، وكان له بقية استغنيت عنها، وقد قلت: إن
هذا الرد ليس ردًّا على الشيعة؛ وإنما هو رد على منكر علم عمر، ولم يكن لي بد
منه بعد نشر تلك النظريات الباطلة، والروايات التي لا يعرف ناقلها درجتها من
الضعف، وقد حمَّلها ما تتبرأ من حمله من سوء الفهم، وإنني أنشر الآن جواب
الأستاذ كاشف الغطاء، وأقفي عليه بما يزيد الحقيقة كشفًا.
جواب العلامة آل كاشف الغطاء
عقيدة الشيعة في الاتفاق
بسم الله الرحمن الرحيم
وله الحمد في السموات والأرض
لما جمعني المؤتمر الإسلامي العام المنعقد ليلة الإسراء في القدس الشريف
بالعلامة الشهير، إمام السنة والحديث، الأستاذ الهمام، صاحب منار الإسلام،
السيد محمد رشيد رضا نفع الله المسلمين بمنار علومه - دفع إليَّ كتابًا بخطه
يتضمن السؤال عن عقيدة الشيعة في إخوانهم من أهل السنة، وأنه هل صحيح ما
ربما يقال من أنه لا يمكن اتفاق الشيعة الإمامية معهم على شيء ولو كان لصالح
الفريقين، إلا إذا رجعوا إلى رأي الشيعة فيما يخالفونه فيه؟ إلى أن قال دام تأييده:
فأنت أيها الأستاذ أكبر مجتهدي الإمامية فيما قد اشتهر في بلادنا، وعلى قولك
نعتمد
…
إلخ ما كتب.
ونحن نرغب إليه أن ينشر عنا في الجواب على صفحات مناره الأغر ما يلي:
إن إجماع الشيعة الإمامية من سلف إلى خلف - ولعله من ضروريات مذهبهم
لا يخالف فيه أحد من فضلائهم فضلاً عن علمائهم - أن من دان بشهادة أن لا إله
إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولم ينصب العداوة والبغضاء لأهل بيت النبوة سلام
الله عليهم - فهو مسلم وسبيله سبيل المؤمنين، يحرم دمه وماله وعرضه، وتحل
مسادرته [*] ، ومصاهرته، ولا تحل غيبته ولا أذيته، وتلزم أخوته ومودته، أخوة
جعلها الله في محكم كتابه، وعقدها في أعناق المسلمة من عباده، فأصبحتم بنعمته
إخوانًا والمؤمنون بعضهم أولياء بعض، وقد استفاض في السنة النبوية من طرق
الفريقين أن المسلم أخو المسلم شاء أو أبى، والمسلم من المسلم كالعضو من الجسد
إلى كثير من أمثال هذا.
وما سُعد الإسلام وصعد إلى أعلى ذروات العز والمجد إلا يوم كان محافظًا
على تلك الأخوة، وما انحط إلى أسفل دركات السقوط والذلة إلا بعد أن أضاع تلك
القوة، ويشهد الله سبحانه أن ما ذكرته من عقيدة الشيعة الإمامية في إخوانهم
المسلمين هو الحقيقة الراهنة التي لا محاباة فيها ولا تقية، وإن ظهر من كلام بعض
العلماء خلافها فلعله من قصور التعبير وعدم وفاء البيان، ومن شاء الزيادة في
اليقين فدونه الصحيفة السجادية للإمام زين العابدين سلام الله عليه وهي زبور آل
محمد صلى الله عليه وسلم، فلينظر في دعائه لأهل الثغور الذي يقول في أوله:
اللهم صل على محمد وآل محمد، وحَصّن ثغور المسلمين بعزتك، وأيد حماتها
بقوتك، وأسبغ عطاياهم من جدتك
…
إلخ الدعاء على طوله، وهل يشك أحد أن
حماة الثغور في عصر الإمام زين العابدين عليه السلام أعني عصر بني أمية -
كانوا من جمهور المسلمين وأكثرهم بل كلهم من السنة، والصحيفة السجادية تالية
القرآن عند الإمامية في الاعتبار وصحة السند.
والقصارى أني أعلن عني وعن جميع مجتهدي الشيعة الإمامية في النجف
الأشرف وغيرها، أن اتفاق المسلمين واشتراكهم في السعي لصالح الإسلام
والمحافظة عليه من كيد الأغيار، لم يزل ولا يزال من أهم أركان الإسلام وأعظم
فرائضه وأهم وظائفه، أما النزاعات المذهبية، والنزعات الجدلية فهي عقيمة
الفائدة في الدين، عظيمة الضرر على الإسلام والمسلمين، وهي أكبر آلات
المستعمرين.
فرجائي إلى الأستاذ صاحب المنار أن لا يعود إلى ما فرط منه كثيرًا من
التحريش بالشيعة، ونشر الأبحاث والمجادلات مع بعض علماء الإمامية، والطعن
المر على مذهبهم الذي لا يثمر سوى تأجيج نار الشحناء والبغضاء بين الأخوين،
ولا يعود إلا ببلاء الضعف والتفرقة بين الفريقين، ونحن في أمس الحاجة اليوم إلى
جمع الكلمة، وتوحيد إرادة الأمة، وإصلاح ذات البين.
والأستاذ الرشيد - أرشد الله أمره - ممن يعد في طليعة المصلحين، وكبار
رجال الدين، فبالحري أن يقصر (مناره الإسلامي) على الدعوة إلى الوفاق
والوئام، وجمع كلمة الإسلام، ويتجافى في كل مؤلفاته - سيما في تفسيره الخطير-
عن كل ما يمس كرامة، أو يثير عصبية أو حمية، أو يهيج عاطفة، وأن يدعو
إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة؛ فإن ذلك أنجع وأنفع، وأعلى درجة عند الله
وأرفع، وعلى هذه خطاي وخطتي، وهي ديني وديدني، عليه أحيا وعليه أموت
إن شاء الله.
وإليه تعالى أرغب وأبتهل في أن يجمع كلمتنا على الحق والهدى حتى نكون
يدًا واحدة في نصرة هذا الدين الحنيف، إنه أرحم الراحمين.
حرره في زاوية النجف الأشرف المقدسة يوم النصف من شهر رمضان
المبارك سنة 1350
…
...
…
...
…
... محمد الحسين آل كاشف الغطاء
(المنار)
هذا نص الجواب الموعود من سماحة العلامة الواسع الصدر، الجليل القدر،
وهو على حسنه ولطفه دون ما سمعت منه بالمشافهة، ودون ما كنت أتوقع من
الصراحة، جاء مجملاً ليس حزًّا في المفاصل، لم يذكر فيه كلمة الخصم الشنعاء؛
وإنما أشار إليها (بربما يقال) وحصر كلامه في رأي الشيعة الإمامية في (إخوانهم
المسلمين) وقال إنها مجمع عليها بالشرط الذي ذكره، وإنه إن ظهر من كلام بعض
العلماء خلافها فلعله من قصور التعبير وعدم وفاء البيان، فتضمن قوله هذا الاعتذار
عن الأستاذ السيد عبد الحسين نور الدين بأنه ليس فيه إلا قصور التعبير عن
مذهبهم وعدم وفاء البيان به، وهذا السيد ليس ضعيف البيان بل هو فصيح العبارة
قلما يوجد في معاصريه مثله في حسن بيانه وصراحته، وهو يرى أن أكثر
الصحابة والسواد الأعظم من المسلمين من بعدهم قد نصبوا العداوة والبغضاء
لأهل بيت النبوة سلام الله عليهم، من عهد أبيهم علي كرم الله وجهه إلى الآن،
وكذلك الأمة العربية في جملتها كما يُعلم من كلمته الأولى من كلماته الثلاث، وحجته
الكبرى على ذلك تقديم غيره عليه بالخلافة ويليها من الحجج مخالفة أهل السنة لما
يفهمه هو بوجدانه من الروايات الصحيحة في مناقبه ولما يذكره من الروايات
الباطلة فيها، ويطعن في حفاظ السنة حتى البخاري ومسلم لعدم روايتها، فهو يعدهم
كلهم من النواصب المتبعين لغير سبيل المؤمنين - فهو يسلم ما قاله العلامة
كاشف الغطاء من أن عدم نصب العداء لأهل البيت شرط لصحة الإسلام وولاية
أهله - ولا يراه ردًّا عليه أو تخطئة له، وكذلك السيد محسن العاملي لا يعده ردًّا على
كتابه الذي يعدني فيه مع الوهابية غير متبعين لسبيل المؤمنين؛ لأننا ننكر الحج إلى
المشاهد وعبادة قبور أهل البيت أو عبادتهم بالدعاء والطواف بقبورهم؛ ولكننا نعبد
الله تعالى بالصلاة على نبيه وعلى آل بيته في الصلاة وغيرها، ونتقرب إليهم
بحبهم وولايتهم، وبالحكم على من ينصب لهم العداوة والبغضاء بأنه عدو الله
ورسوله، وبهذا القول يقول جميع أهل السنة من الوهابية وغيرهم، ولا يرون
القول بصحة خلافة الراشدين كما وقعت ووجوب حبهم وحب سائر الصحابة منافيًا
لذلك، فما قاله الأستاذ في ناحية الشيعة مجمل غير كافٍ ولا شافٍ.
بيد أنه عندما توجه إلى ناحية السنة وأهلها تفضل على صاحب المنار
بالنصيحة إلى (ما فرط منه كثيرًا من التحريش بالشيعة)
…
إلخ إلخ، وهو يعلم
أن صاحب المنار كان مبدوءًا لا بادئًا، ومدافعًا لا مهاجمًا، ولم يكن محرشًا ولا
متحرشًا.
ولم يكن يخفى على ذكاء الأستاذ ما يكون لهذا الجواب عندنا من كلتي ناحيتيه،
وما ضمه بين قطريه، وهو ما رأينا من حسن الذوق الاكتفاء بالإشارة إليه،
فشفعه بكتاب شخصي، يتضمن الاعتذار عما توقعه من تأثير الجواب السلبي، قال
فيه بعد الاعتذار عن تأخيره بما هو مقبول:
ما قاله العلامة في كتابه الشخصي:
نأمل من ألطافه تعالى أنكم لا تزالون متمتعين بالصحة والعافية، والعز
والكرامة، مستمرين على منهاجكم الدائب في خدمة العلم والدين، وكونوا على ثقة
من أننا لا نزال ندعو لكم بالتأييد والتسديد، وأن يجعل الحق مناركم عاليًا، ونور
معارفكم لظلمات الجهل ماحيًا، ولا تزال ذكرى أخلاقكم الطيبة وعوارفكم الذكية
ماثلة في نفوسنا، شاخصة أمامنا.
وتجدون مع هذا الكتاب جواب الرقيم الذي تفضلتم به وأرجو أن تجدوه كافيًا
شافيًا، وتنشروه على صفحات مناركم الزاهر ليعم النفع به، ويكون إحدى همزات
الوصل بين المسلمين وتمزيق ما نسجته عناكب الأوهام على ذلك الصرح المشيد،
وهي الغاية التي نتوخاها في جميع جهودنا ومساعينا، ولعلكم أحرص عليها منا،
وما التوفيق إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
وقد تجافيت عن ذكر القائل بتلك المقالة الغريبة والتي لا يوافقه عليها أحد
نظرًا لبعد الملاحظات التي لا تخفى عليكم (إن تجد عيبًا فسد الخللا) اهـ المراد
منه.
(المنار)
إن عبارة هذا الكتاب، تكشف لنا الغطاء عما خفي في ذلك الجواب، مما
تنطوي عليه جوانح كاتبهما من أريحية إسلامية، تأتلف بها معارفه العقلية وعوارفه
القلبية، وعما رأى أنه مضطر إليه في مقامه من الرياسة في علماء المذهب من
مداراة المدارك المتفاوتة، والوجدانات الموروثة، واكتفائه من صدق لقبه (كاشف
الغطاء) أن يبلغ غاياته في الدروس الفقهية، والفنون العقلية واللغوية، ويقف دونها
من مهاب الأهواء الطائفية والمذهبية، التي تختلف فيها الأفهام وتتزاحم الأوهام،
موقف مراعاة الجامدين ومداراة المتعصبين، اهتداء بما روي في الصحيح عن أمير
المؤمنين علي عليه السلام: (حدِّثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يُكذَّب الله
ورسوله) وروي عنه أنه كان يقول: (إن هنا لعلمًا جمًّا لا أجد له حملة) وأشار
إلى صدره، نقله صاحب نهج البلاغة، فهذا ما أشرحه من عذر صديقي في
إجماله في الجواب على ما فيه من موضع النظر، ووصفه إياي بالتحريش والطعن
المر بالشيعة، ومطالبتي بالكف عن العودة إلى ذلك معبرًا عنه بلفظ الرجاء واجتنابه
الإنكار على هؤلاء المهاجمين، وما هو بالعذر الذي يرضاه منه جميع القارئين.
سيجدني صديقي العلامة المصلح عند رجائه إن شاء الله تعالى، بيد أنني أرى
أن ما نسعى إليه من جمع الكلمة، ووحدة الأمة، لا يرجى نجاحه من طريق الدين
إلا بسعي علماء الطائفتين له على القاعدتين اللتين رفعنا بنيانهما في المنار (الأولى)
(نتعاون على ما نتفق عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما نختلف فيه)(والثانية) من
اقترف سيئة من التفريق والعداء أو غير ذلك من إحدى الطائفتين بقول أو كتابة
فالواجب أن يتولى الرد عليه العلماء والكتاب من طائفته، وإذا لم يكن صديقنا
الأستاذ الكبير آل كاشف الغطاء هو الإمام القدوة لمن ينهضون بهذا الإصلاح وهو
هو في رياسته العلمية وثقة الطائفة بإخلاصه ونصحه، فمن ذا الذي يتصدى له من
دونه؟ إن المبالغة في مداراة القاصرين، تقف بصاحبها دون ما هو أهل له من
زعامة المصلحين، كان أستاذنا العلامة الشيخ حسين الجسر نسيج وحده في علماء
سورية الجامعين بين علوم الشرع والوقوف على حالة هذا العصر، ولولا مبالغته
في مداراة الجامدين من المعممين وكذا العوام أيضًا لكان ثالث السيد جمال الدين
الأفغاني والشيخ محمد عبده في زعامة الإصلاح، وإنني قد صارحته باستنكار هذه
المبالغة في المداراة مشافهة له وهو ما انتقدته على كتاب الرسالة الحميدية له من
إيراد المسائل العلمية التي لا شك فيها بعبارات تدل على الشك فيها واحتمال صحتها
بالفرض والتسليم الجدلي، ثم قلت له وقد اعتذر بمداراة الجامدين: إذا لم يكن مثل
مولاي الأستاذ في مكانته من سعة العلم والصلاح يجرئ المسلمين على الجزم
بالمسائل العلمية التي يستنكرها أو يجهلها الجمهور، فمن ذا الذي يجرئهم على هذا
ولا يخشى اعتراض الجاهلين؟
فأرجو من الأستاذ الكبير كاشف الغطاء أن يتأمل ما ذكرته من توقف التوفيق
والتأليف على بنائه على القاعدتين المناريتين عسى أن يجد عنده قبولاً، ولا يخفى
عليه أن علماء الدين إذا لم يجمعوا كلمة المسلمين بهدايته على القيام بمصالحهم
المشتركة فقد يغلبهم الملاحدة المتفرنجون على أكثرهم، ويقنعونهم بأن الدين أكبر
المصائب عليهم!
_________
الكاتب: محمد رشيد رضا
السيد محمد بن عقيل بن يحيى
ذكرنا في آخر الجزء الأول من هذا المجلد (32) خبر وفاة هذا السيد النبيل،
وإننا شرعنا في كتابة ما نرى فيه الفائدة والعبرة من سيرته، واضطررنا إلى
تقديم سيرة والدتنا بالنشر عليها، وقد سافرنا بعد ذلك إلى القدس لحضور المؤتمر
الإسلامي العام، وبعد العودة إلى مصر والشروع في طبع الجزء الثاني أردنا أن
ننشر فيه ما كتبنا من سيرته ونزيد عليها فَضَلَّتْ عنَّا فلم نجدها، فلا ندري أسقطت
في الورق المهمل الذي يخرجه الخادم من مكتبنا أم ضلت بين أوراق أخرى، وقد
نُشرت ترجمته رحمه الله في كثير من جرائد الأقطار الإسلامية وعقدت له
حفلات تأبين في مصر وجاوة، وإنني أفي بوعدي بنشر شيء من سيرته أستأنف
كتابته، فأقول:
كان - رحمه الله تعالى - قوي الجسم والعقل ذكي الذهن، زكي النفس، عالي
الهمة، واسع الاطلاع على الكتب الإسلامية من شرعية وأدبية وتاريخية، مختبرًا
لأهل هذا الزمان، عارفًا بشؤون السياسة الدولية، وأحوال الشعوب الشرقية
والغربية، فإن له عدة رحلات من بلاده حضرموت إلى جاوة والحجاز ومصر
والهند والصين واليابان وأوربة الشرقية والغربية.
وكان قوي الذاكرة، حسن المذاكرة، ذا بديهة حاضرة، وعارضة ماضية،
وعبارة سلسة في الكتابة لا ركاكة فيها ولا براعة، ولا أعلم شيئًا عن حظه من
الخطابة، وكنت أول عهدي بطلب العلم بطرابلس الشام أقرأ في المؤيد مقالات
معزوة إلى الرحالة سيف الدين اليمني ثم علمت أنها له.
وأما أخلاقه فصف ما شئت من عزة نفس، وسخاء كف، وشجاعة وإقدام،
وعفة وورع، ووفاء ومروءة، واهتمام بالمصالح القومية والملية، ولولا أنه شغل
بالتجارة لكان من أكبر زعماء الأمة العربية ودعاة الإصلاح الإسلامي فيها.
وكان كثير الزواج يجمع ما طاب له من النساء مثنى وثلاث ورباع، وكثير
النسل والإنتاج، أخبرني سنة 1330 أن أولاده وأحفاده يزيدون على خمسين نسمة
وهم متفرقون في بلاد مختلفة، وأنه لا يعرفهم كلهم بأشخاصهم، وأنه لا يعلم عدد
من مات منهم، ولم يكن هذا بشاغل له عن أعماله التجارية، ولا عن أبحاثه العلمية
والسياسية.
وقد نشأ على مذهب الشافعية تربية وتعليمًا وعملاً، ولكنه كان مع ذلك مستقل
الفكر في المسائل العلمية والدينية، إلا فيما ملك وجدانه من شعور السيادة ولوازم
عصبيته.
ولما ظهر المنار في أواخر سنة 1315 بدعوته الإصلاحية في الدين والاجتماع
واللغة كان من السابقين إلى الاشتراك فيه ثم عني بنشره في سنغافورة وجاوة وسائر
الجزائر الإندونسية، واتصلت المودة والمكاتبة بيننا بقوة وحرارة، ثم فترت في
السنوات الأخيرة لما سأذكره، وقد أنشأ في جاوة مع بعض الإخوان مطبعة ومجلة
إسلامية سماها (الإمام) وكتب إليَّ أن الغرض منها نشر مقاصد المنار الإصلاحية
بلغة البلاد الملاوية، وأن جل اعتماده فيها على ما يترجمه عنه.
وأول خلاف في الآراء وقع بيننا مسألة لعن معاوية وأن دعاة التشيع من
العلويين قد أثاروها في جاوة أو أندوسية كلها واستُفتيتُ فيها، فأفتيت بعدم الجواز
وبينت ما في هذا الشقاق من الضرر والتفرق بين المسلمين بدون مصلحة راجحة
تقابله، وفيها ألَّف كتابه المشهور (النصائح الكافية) وعذر كل منا أخاه في اجتهاده.
ثم تفاقمت دعاية الرفض والغلو في آل البيت وسلائلهم في تلك الجزائر فكان
من زعمائها بالتبع لأستاذه السيد ابن شهاب كما بيَّنت ذلك في ترجمة هذا عقب
وفاته؛ ولكنه لم يكن داعية لما وراء ذلك من الخرافات كعبادة الموتى من السادة
وغيرهم من الصالحين بدعائهم والطواف بقبورهم، ولما كان الغلو والإفراط في
طرفي كل أمر يثير الغلو في الطرف الآخر، ظهر في تلك الجزائر خصوم كثيرون
للسادة العلويين وتفاقم الخلاف، واستشرى به الشقاق، وهو ما كنا نخشاه ونتوقعه،
وظهرت في أثناء ذلك جمعية عربية باسم (جمعية الإرشاد) غرضها إنشاء
المدارس ونشر التعليم الديني والمدني الذي تقتضيه حالة العصر من الاستقلال
وإحياء هداية الكتاب والسنة ومقاومة الخرافات الفاشية من طرق الابتداع في الدين،
وجرَّ ذلك إلى إنكارهم على العلويين ترفعهم بأنسابهم على الناس بما يعد احتقارًا
لعلمائهم وأهل الوجاهة منهم، وأفرط بعضهم في ذلك.
وقد طلبت مني جمعية الإرشاد مرة أن أختار لها بعض المعلمين لمدارسها من
مصر فأجبتها إلى ذلك بما أمرنا الله تعالى به من التعاون على البر والتقوى، وإنما
يقومان على أساس العلم. فكتب إليّ السيد محمد بن عقيل - عفا الله عنا وعنه - كتابًا
ينكر علي فيه مساعدة هذه الجمعية الضالة المضلة، في زعمه، بل وصفها بما هو
أقبح من ذلك، ثم أذاع بعض العلويين أنني أنصر الإرشاديين عليهم، وهم
مخطئون، فأنا لا أنصر إلا ما أعتقد أنه الحق ولو كنت أتبع الهوى لكان هواي مع
العلويين؛ لأنني منهم وأهل العلم الصحيح منهم يعلمون ذلك.
وقد علمت منه أنه ترك مذهب الشافعي لا إلى اتباع الدليل، بل إلى تقليد
مذهب العترة أو آل البيت - أي مذهب الزيدية - وأخبرني أنه حاول إقناع الملك
حسين بنشر هذا المذهب في الحجاز والحكم به دون مذهب أبي حنيفة الذي أجبرت
دولة الترك شرفاء مكة على تقليده، فلم يقبل فغضب عليه، ولعل هذا سبب ما
أرسله إليّ من مكة وقتئذ في الطعن على الملك حسين، ووصف ظلمه واستبداده
وقسوته في سجنه وغيره مما نشرته وقتئذ، واعتمدت عليه في الخطاب العام الذي
وجهته إلى العالم الإسلامي في القيام عليه.
ثم سعى لدى شيخ الأزهر في مصر لتقرير تدريس هذا المذهب في الأزهر فلم
يقبل، وأنا لم أنكر عليه هذا السعي؛ لأن مذهب الزيدية في الفقه كغيره من
المذاهب الأربعة التي تدرس في الأزهر، وقلما يخالف بعضها في حكم إلا ويكون
موافقًا للآخر منها؛ وإنما كنت أعارضه قولاً وكتابة هذا الغلو في العلويين الذي
تأباه حالة البشر الاجتماعية في هذا العصر الذي فشت فيه فكرة المساواة وما
يسمونه (الديمقراطية) وهم مهما يكن من غلوهم في تعظيم آل البيت النبوي، فلن
يصل إلى غلو من قبلهم من الشيعة الظاهرية والباطنية، وكله عرضة للضعف
فالزوال.
وقد عرضت عليه وعلى غيره في تلك الأثناء رأيًا لن يجد العلويون من
الحضارمة ولا من غيرهم أمثل منه لإحياء مجد آل البيت النبوي وحمل جميع
المسلمين على حفظ كرامتهم وإعلاء شأنهم وتفضيلهم على غيرهم بالطوع والاختيار،
وهو ما سأذكره في النبذة التالية إن شاء الله تعالى.
((يتبع بمقال تالٍ))
_________