المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه - مجموع فتاوى ورسائل العثيمين - جـ ٧

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌نوح أول الرسل بالكتاب، والسنة، والإجماع

- ‌ الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه

- ‌ توحيد الألوهية

- ‌ قولهم: " إننا لا نعبد الأصنام إنما نعبد الأولياء

- ‌ الشفاعة كلها لله

- ‌ الالتجاء إلى الصالحين

- ‌ أشرك في عبادة الله أحدا من الصالحين

- ‌ التوحيد هو أعظم ما جاءت به الرسل

- ‌ الاستغاثة بغير الله ليست شركًا

- ‌شرح الأصول الستة

- ‌إخلاص الدين لله تعالى وحده لا شريك ل

- ‌ السمع والطاعة لمن تأمر علينا

- ‌بيان الله سبحانه لأولياء الله وتفريقه بينهم وبين المتشبهين بهم من أعداء الله

- ‌رد الشبهة التي وضعها الشيطان في ترك القرآن والسنة

- ‌مختارات من اقتضاء الصراط المستقيم

- ‌الإخلاص

- ‌فوائد في العقيدة

- ‌أفعال العباد:

- ‌مراتب القضاء والقدر

- ‌الرضا بالقضاء

- ‌ قص إهلاك الأمم علينا

- ‌ جواز قول لعمري

- ‌الوصايا العشر

- ‌الوصية الرابعة:{وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [

- ‌الوصية الخامسة:{وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [

- ‌الوصية السابعة:{وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} [

- ‌الوصية العاشرة:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ

- ‌العقيدة وأثرها في انتصار المسلمين

- ‌المتابعة وقبول العمل

- ‌العبادات ليست تكليفا

الفصل: ‌ الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه

فإنك إذا عرفت أن‌

‌ الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه

وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل.

ــ

تعليقنا على هذه الجملة من كلام المؤلف رحمه الله: أولا: لا أظن الشيخ رحمه الله لا يرى العذر بالجهل اللهم إلا أن يكون منه تفريط بترك التعلم مثل أن يسمع بالحق، فلا يلتفت إليه ولا يتعلم، فهذا لا يعذر بالجهل وإنما لا أظن ذلك من الشيخ؛ لأن له كلاما آخر يدل على العذر بالجهل فقد سئل - رحمه الله تعالى - عما يقاتل عليه؟ وعما يكفر الرجل به؟ فأجاب: أركان الإسلام الخمسة، أولها الشهادتان، ثم الأركان الأربعة، فالأربعة إذا أقر بها، وتركها تهاونا، فنحن وإن قاتلناه على فعلها، فلا نكفره بتركها، والعلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلا من غير جحود، ولا نكفر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو: الشهادتان. وأيضا: نكفره بعد التعريف إذا عرف وأنكر، فنقول: أعداؤنا معنا على أنواع.

النوع الأول: من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله، الذي أظهرناه للناس، وأقر أيضا أن هذه الاعتقادات في الحجر، والشجر، والبشر، الذي هو دين غالب الناس: أنه الشرك بالله، الذي بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم ينهى عنه، ويقاتل أهله، ليكون الدين كله لله، ومع ذلك لم يلتفت إلى التوحيد، ولا تعلمه، ولا دخل فيه، ولا ترك الشرك، فهو كافر، نقاتله بكفره؛ لأنه عرف دين الرسول، فلم يتبعه، وعرف الشرك فلم يتركه، مع أنه لا يبغض دين الرسول، ولا من دخل فيه، ولا يمدح الشرك، ولا يزينه للناس.

ص: 35

النوع الثاني: من عرف ذلك، ولكنه تبين في سب دين الرسول، مع ادعائه أنه عامل به، وتبين في مدح من عبد يوسف، والأشقر، ومن عبد أبا علي، والخضر من أهل الكويت، وفضلهم على من وحد الله، وترك الشرك، فهذا أعظم من الأول، وفيه قوله تعالى:{فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [سورة البقرة، الآية: 89] وهو ممن قال الله فيه: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ} [سورة التوبة: الآية: 12] . النوع الثالث: من عرف التوحيد، وأحبه، واتبعه، وعرف الشرك، وتركه، ولكن يكره من دخل في التوحيد، ويحب من بقي على الشرك، فهذا أيضا كافر، فيه قوله تعالى:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [سورة محمد، الآية: 9] . النوع الرابع: من سلم من هذا كله، ولكن أهل بلده يصرحون بعداوة أهل التوحيد، واتباع أهل الشرك، ويسعون في قتالهم، ويتعذر بأن ترك وطنه يشق عليه، فيقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده، ويجاهد بماله، ونفسه، فهذا أيضا كافر، فإنهم لو يأمرونه بترك صوم رمضان، ولا يمكنه الصيام إلا بفراقهم فعل، ولو يأمرونه بتزوج امرأة أبيه ولا يمكنه ذلك إلا بفراقهم فعل، وموافقتهم على الجهاد معهم بنفسه وماله، مع أنهم يريدون بذلك قطع دين الله ورسوله أكبر من ذلك بكثير، كثير، فهذا أيضا كافر، وهو ممن قال الله فيهم:{سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ}

ص: 36

إلى قوله: {سُلْطَانًا مُبِينًا} [سورة النساء، الآية: 91] فهذا الذي نقول. وأما الكذب والبهتان فمثل قولهم: إنا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وإنا نكفر من لم يكفر، ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، فكل هذا من الكذب والبهتان، الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله.

وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم، الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما؛ لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا، أو لم يكفر ويقاتل؟! {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [سورة النور، الآية: 16] . بل نكفر تلك الأنواع الأربعة؛ لأجل محادتهم لله ورسوله، فرحم الله امرأ نظر نفسه، وعرف أنه ملاق الله، الذي عنده الجنة والنار، وصلى الله على محمد وآله، وصحبه، وسلم. (*) تتمة: الاختلاف في مسألة العذر بالجهل كغيره من الاختلافات الفقهية الاجتهادية، وربما يكون اختلافا لفظيا في بعض الأحيان من أجل تطبيق الحكم على الشخص المعين، أي أن الجميع يتفقون على أن هذا القول كفر، أو هذا الفعل كفر، أو هذا الترك كفر، ولكن هل يصدق الحكم على هذا الشخص المعين لقيام المقتضي في حقه وانتفاء المانع أو لا ينطبق لفوات بعض المتقضيات، أو وجود بعض الموانع. وذلك أن الجهل بالمكفر على نوعين:

ص: 37

الأول: أن يكون من شخص يدين بغير الإسلام أو لا يدين بشيء ولم يكن يخطر بباله أن دينا يخالف ما هو عليه فهذا تجري عليه أحكام الظاهر في الدنيا، وأما في الآخرة فأمره إلى الله تعالى، والقول الراجح أنه يمتحن في الآخرة بما يشاء الله- عز وجل -والله أعلم بما كانوا عاملين، لكننا نعلم أنه لن يدخل النار إلا بذنب؛ لقوله تعالى:{وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} . وإنما قلنا: تجري عليه أحكام الظاهر في الدنيا وهي أحكام الكفر؛ لأنه لا يدين بالإسلام فلا يمكن أن يعطى حكمه، وإنما قلنا بأن الراجح أنه يمتحن في الآخرة؛ لأنه جاء في ذلك آثار كثيرة ذكرها ابن القيم - رحمه الله تعالى - في كتابه:" طريق الهجرتين " عند كلامه على المذهب الثامن في أطفال المشركين تحت الكلام على الطبقة الرابعة عشرة.

النوع الثاني: أن يكون من شخص يدين بالإسلام ولكنه عاش على هذا المكفر ولم يكن يخطر بباله أنه مخالف للإسلام، ولا نبهه أحد على ذلك فهذا تجري عليه أحكام الإسلام ظاهرا، أما في الآخرة فأمره إلى الله عز وجل.

وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، وأقوال أهل العلم: فمن أدلة الكتاب: قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} . وقوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} . وقوله:

ص: 38

{رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} ، وقوله:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} . وقوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} . وقوله: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الحجة لا تقوم إلا بعد العلم والبيان.

وأما السنة: ففي صحيح مسلم 1 \134 عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة - يعني أمة الدعوة - يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» .

وأما كلام أهل العلم: فقال في المغني 8 /131: " فإن كان ممن لا يعرف الوجوب كحديث الإسلام، والناشئ بغير دار الإسلام، أو بادية بعيدة عن الأمصار وأهل العلم لم يحكم بكفره". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى 3 229 مجموع ابن قاسم: " إني دائما ومن جالسني يعلم ذلك مني من أعظم الناس نهيا عن أن ينسب معين إلى تكفير، وتفسيق ومعصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة، وفاسقا أخرى، وعاصيا أخرى، وإني أقرر أن الله تعالى قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية، والمسائل العملية، وما زال

ص: 39

السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر، ولا بفسق، ولا بمعصية - إلى أن قال -: وكنت أبين أن ما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضا حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين - إلى أن قال -: والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم لكن الرجل قد يكون حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئا " ا. هـ. وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب 1 / 56 من الدرر السنية:" وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول، ثم بعدما عرفه سبه، ونهى الناس عنه، وعادى من فعله فهذا هو الذي أكفره ". وفي ص 66: " وأما الكذب والبهتان فقولهم: إنا نكفر بالعموم ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله، وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر، والصنم الذي على أحمد البدوي، وأمثالهما؛ لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا أو لم يكفر ويقاتل " ا. هـ. وإذا كان هذا مقتضى نصوص الكتاب، والسنة، وكلام أهل العلم فهو مقتضى حكمة الله تعالى ولطفه، ورأفته، فلن يعذب

ص: 40

أحدا حتى يعذر إليه، والعقول لا تستقل بمعرفة ما يجب لله تعالى من الحقوق، ولو كانت تستقل بذلك لم تتوقف الحجة على إرسال الرسل.

فالأصل فيمن ينتسب للإسلام بقاء إسلامه حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي، ولا يجوز التساهل في تكفيره؛ لأن في ذلك محذورين عظيمين: أحدهما: افتراء الكذب على الله تعالى في الحكم وعلى المحكوم عليه في الوصف الذي نبزه به.

أما الأول فواضح حيث حكم بالكفر على من لم يكفره الله تعالى فهو كمن حرم ما أحل الله؛ لأن الحكم بالتكفير أو عدمه إلى الله وحده كالحكم بالتحريم أو عدمه.

وأما الثاني: فلأنه وصف المسلم بوصف مضاد، فقال: إنه كافر، مع أنه بريء من ذلك، وحري به أن يعود وصف الكفر عليه لما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما» . وفي رواية: «إن كان كما قال وإلا رجعت عليه» . وله من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ومن دعا رجلا بالكفر، أو قال: عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه» . يعني رجع عليه. وقوله في حديث ابن عمر: «إن كان كما قال» يعني في حكم الله تعالى وكذلك قوله في حديث أبي ذر: «وليس كذلك» يعني في حكم الله تعالى.

ص: 41

وهذا هو المحذور الثاني أعني عود وصف الكفر عليه إن كان أخوه بريئا منه، وهو محذور عظيم يوشك أن يقع به؛ لأن الغالب أن من تسرع بوصف المسلم بالكفر كان معجبا بعمله محتقرا لغيره فيكون جامعا بين الإعجاب بعمله الذي قد يؤدي إلى حبوطه، وبين الكبر الموجب لعذاب الله تعالى في النار كما جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد، وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«قال الله- عز وجل: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما قذفته في النار» .

فالواجب قبل الحكم بالتكفير أن ينظر في أمرين: الأمر الأول: دلالة الكتاب والسنة على أن هذا مكفر لئلا يفتري على الله الكذب.

الثاني: انطباق الحكم على الشخص المعين بحيث تتم شروط التكفير في حقه، وتنتفي الموانع.

ومن أهم الشروط أن يكون عالما بمخالفته التي أوجبت كفره؛ لقوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [سورة النساء، الآية: 115] . فاشترط للعقوبة بالنار أن تكون المشاقة للرسول من بعد أن يتبين الهدى له.

ولكن هل يشترط أن يكون عالما بما يترتب على مخالفته من كفر أو غيره أو يكفي أن يكون عالما بالمخالفة وإن كان جاهلا بما يترتب عليها؟ الجواب: الثاني، أي أن مجرد علمه بالمخالفة كاف في الحكم بما

ص: 42

تقتضيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب الكفارة على المجامع في نهار رمضان لعلمه بالمخالفة مع جهله بالكفارة؛ ولأن الزاني المحصن العالم بتحريم الزنى يرجم وإن كان جاهلا بما يترتب على زناه، وربما لو كان عالما ما زنى.

ومن الموانع من التكفير أن يكره على المكفر؛ لقوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [سورة النحل، الآية: 106] .

ومن الموانع أن يغلق عليه فكره وقصده بحيث لا يدري ما يقول لشدة فرح، أو حزن، أو غضب، أو خوف، ونحو ذلك؛ لقوله تعالى:{وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [سورة الأحزاب، الآية: 5] . وفي صحيح مسلم 2104 عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح» .

ومن الموانع أيضا أن يكون له شبهة تأويل في الكفر بحيث يظن أنه على حق؛ لأن هذا لم يتعمد الإثم والمخالفة فيكون داخلا في

ص: 43

قوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [سورة الأحزاب، الآية: 5] . ولأن هذا غاية جهده فيكون داخلا في قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [سورة البقرة، الآية: 286] قال في المغني 8 /131: " وإن استحل قتل المعصومين وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل فكذلك - يعني يكون كافرا - وإن كان بتأويل كالخوارج فقد ذكرنا أن أكثر الفقهاء لم يحكموا بكفرهم مع استحلالهم دماء المسلمين وأموالهم، وفعلهم ذلك متقربين به إلى الله تعالى إلى أن قال: وقد عرف من مذهب الخوارج تكفير كثير من الصحابة ومن بعدهم واستحلال دمائهم، وأموالهم، واعتقادهم التقرب بقتلهم إلى ربهم، ومع هذا لم يحكم الفقهاء بكفرهم لتأويلهم، وكذلك يخرج في كل محرم استحل بتأويل مثل هذا ". وفي فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 13 \30 مجموع ابن القاسم: " وبدعة الخوارج إنما هي من سوء فهمهم للقرآن، لم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه ما لم يدل عليه، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب" وفي ص 210 منه: " فإن الخوارج خالفوا السنة التي أمر القرآن باتباعها، وكفروا المؤمنين الذين أمر القرآن بموالاتهم.. وصاروا يتبعون المتشابه من القرآن فيتأولونه على غير تأويله من غير معرفة منهم بمعناه ولا رسوخ في العلم، ولا اتباع للسنة، ولا مراجعة لجماعة المسلمين الذين يفهمون القرآن ". وقال أيضا 28 \ 518 من المجموع المذكور: " فإن الأئمة متفقون على ذم الخوارج وتضليلهم، وإنما تنازعوا في تكفيرهم على قولين مشهورين " لكنه ذكر في 7\217 " أنه لم يكن في الصحابة

ص: 44

ــ

من يكفرهم لا علي بن أبي طالب ولا غيره، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع". وفي 28 \ 518 " أن هذا هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره". وفي 3\282 قال:" والخوارج المارقون الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين، واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، ولم يكفرهم علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على أموال المسلمين فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم، لا لأنهم كفار. ولهذا لم يسب حريمهم، ولم يغنم أموالهم، وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص، والإجماع، لم يكفروا مع أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بقتالهم فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم، فلا يحل لأحد من هذه الطوائف أن يكفر الأخرى، ولا تستحل دمها ومالها، وإن كانت فيها بدعة محققة، فكيف إذا كانت المكفرة لها مبتدعة أيضا، وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ، والغالب أنهم جميعا جهال بحقائق ما يختلفون فيه". إلى أن قال: " وإذا كان المسلم متأولا في القتال، أو التكفير لم يكفر بذلك" إلى أن قال في ص288: " وقد اختلف العلماء في خطاب الله ورسوله هل يثبت حكمه في حق العبيد قبل البلاغ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره.. والصحيح ما دل عليه القرآن في

ص: 45

وقد يقولها، وهو يظن أنها تقربه إلى الله كما كان يظن المشركون خصوصا إن ألهمك الله تعالى ما قص عن قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم أنهم أتوه قائلين:{اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} فحينئذ يعظم خوفك وحرصك على ما يخلصك من هذا وأمثاله.

ــ

قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} . وقوله: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} . وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين» . والحاصل أن الجاهل معذور بما يقوله أو يفعله مما يكون كفرا، كما يكون معذورا بما يقوله أو يفعله مما يكون فسقا، وذلك بالأدلة من الكتاب والسنة، والاعتبار، وأقوال أهل العلم.

حينما حذر الشيخ رحمه الله من أمرين أحدهما: خوف الإنسان على نفسه من أن يظن ما ظن هؤلاء في معنى التوحيد أنه هو إفراد الله تعالى بالخلق والرزق والتدبير بين رحمه الله أن الواجب على الإنسان أن يكون على خوف دائما، ثم يذكر حال القوم الذين قالوا لموسى:{اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فبين لهم أن سؤالهم أن يجعل لهم آلهة كما كان هؤلاء لهم آلهة من الجهل فهذا يؤدي إلى خوف الإنسان على نفسه من أن يتيه في الضلالات والجهالات حيث يظن أن معنى " لا إله إلا الله " أي لا خالق ولا رازق ولا مدبر إلا الله- عز وجل -وهذا الذي قال الشيخ رحمه الله وحذر منه وقع فيه عامة المتكلمين الذي تكلموا

ص: 46

واعلم أنه سبحانه من حكمته لم يبعث نبيا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء كما قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} .

ــ

في التوحيد حيث قالوا: إن معنى " لا إله إلا الله " أي لا مخترع ولا قادر على الاختراع إلا الله ففسروا هذه الكلمة العظيمة بتفسير باطل لم يفهمه أحد من المسلمين، بل ولا غير المسلمين حتى المشركون الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يعرفون معنى هذه الكلمة أكثر مما يعرفها هؤلاء المتكلمون.

نبه المؤلف - رحمه الله تعالى - في هذه الجملة على فائدة عظيمة حيث بين أن من حكمة الله- عز وجل -أنه لم يبعث نبيا إلا جعل له أعداء من الإنس والجن، وذلك أن وجود العدو يمحص الحق ويبينه فإنه كلما وجد المعارض قويت حجة الآخر، وهذا الذي جعله الله تعالى للأنبياء جعله أيضا لأتباعهم فكل أتباع الأنبياء يحصل لهم مثل ما يحصل للأنبياء قال الله تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} وقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} فإن هؤلاء المجرمين يعتدون على الرسل وأتباعهم وعلى ما جاؤوا به بأمرين: الأول: التشكيك. الثاني: العدوان. أما التشكيك فقال الله تعالى في مقابلته: {وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا} لمن أراد أن يضله أعداء الأنبياء.

ص: 47

وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج كما قال الله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ}

ــ

وأما العدوان فقال الله تعالى في مقابلته: {وَنَصِيرًا} لمن أراد أن يردعه أعداء الأنبياء.

فالله تعالى يهدي الرسل وأتباعهم وينصرهم على أعدائهم ولو كانوا من أقوى الأعداء، فعلينا أن لا نيأس لكثرة الأعداء وقوة من يقاوم الحق فإن الحق كما قال ابن القيم رحمه الله:

الحق منصور وممتحن فلا

تعجب فهذي سنة الرحمن

فلا يجوز لنا أن نيأس بل علينا أن نطيل النفس وأن ننتظر وستكون العاقبة للمتقين، فالأمل دافع قوي للمضي في الدعوة والسعي في إنجاحها، كما أن اليأس سبب للفشل والتأخر في الدعوة.

يعني أن أعداء الرسل الذين يجادلونهم ويكذبونهم قد يكون عندهم علوم كثيرة، وكتب وشبهات يسمونها " حججا " يلبسون بها على الناس فيلبسون الحق بالباطل كما قال تعالى:{فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} . وهذا الفرح مذموم؛ لأنه فرح بغير ما يرضي الله فيكون من الفرح المذموم.

وأشار المؤلف - رحمه الله تعالى - بهذه الجملة إلى أنه ينبغي أن نعرف ما عند هؤلاء من العلوم والشبهات من أجل أن نرد عليهم بسلاحهم وهذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قوما أهل كتاب» وذلك من أجل أن يستعد لهم ويعرف ما عندهم من الكتاب حتى يرد عليهم بما جاءوا به.

ص: 48

إذا عرفت ذلك، وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه، أهل فصاحة وعلم وحجج، فالواجب عليك أن تتعلم من دين الله ما يصير لك سلاحا تقاتل به هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك- عز وجل:{لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}

ــ

إذا عرفت هذا أي أن لهؤلاء الأعداء كتبا وعلوما وحججا يلبسون بها، الحق بالبطل فعليك أن تستعد لهم، والاستعداد لهم يكون بأمرين: أحدهما: ما أشار إليه المؤلف رحمه الله بأن يكون لديك من الحجج الشرعية والعقلية ما تدفع به حجج هؤلاء وباطلهم.

الثاني: أن تعرف ما عندهم من الباطل حتى ترد عليهم به، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه درء تعارض النقل والعقل، قال:" إنه ما من إنسان يأتي بحجة يحتج بها على الباطل إلا كانت حجة عليه وليست حجة له".

وهذا الأمر كما قال رحمه الله فإن الحجة الصحيحة إذا احتج بها المبطل على باطله فإنها تكون حجة عليه وليست حجة له، فعلى من أراد أن يجادل هؤلاء يتأكد أن يلاحظ هذين الأمرين: الأمر الأول: أن يفهم ما عندهم من العلم حتى يرد عليهم به.

والأمر الثاني: أن يفهم الحجج الشرعية والعقلية التي يرد بها على هؤلاء.

ص: 49

ولكن إذا أقبلت على الله وأصغيت إلى حججه وبيناته فلا تخف ولا تحزن {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} .

والعامي من الموحدين يغلب ألفا من علماء هؤلاء المشركين كما قال تعالى: {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [سورة الصافات، الآية: 173]

ــ

يريد المؤلف رحمه الله أن يشجع من أقبل على الله تعالى وعرف الحق بأن لا يخاف من حجج أهل الباطل؛ لأنها حجج واهية وهي من كيد الشيطان، وقد قال الله تعالى:{إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} .

وفي ذلك يقول القائل:

حجج تهافت كالزجاج تخالها

حقا وكل كاسر مكسور

قال الشيخ - رحمه الله تعالى -: والعامي من الموحدين يغلب ألفا من علماء هؤلاء المشركين واستدل بقوله تعالى: {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} العامي من الموحدين يعني من الذين يقرون بالتوحيد بأنواعه الثلاثة الألوهية، والربوبية، والأسماء والصفات يغلب ألفا من علماء المشركين؛ لأن علماء هؤلاء المشركين يوحدون الله- عز وجل -توحيدا ناقصا حيث إنهم لا يوحدونه إلا بتوحيد الربوبية فقط، وهذا توحيد ناقص ليس هو توحيدا في الحقيقة بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل المشركين الذين يوحدون الله هذا التوحيد، ولم ينفعهم هذا التوحيد ولم تعصم به دماؤهم وأموالهم، والعامي من الموحدين يقر بأنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات، فيكون خيرا من هؤلاء.

ص: 50

وجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان، كما أنهم هم الغالبون بالسيف والسنان

ــ

أشار المؤلف رحمه الله إلى أن جند الله وهم عباده المؤمنون الذين ينصرون الله ورسوله يجاهدون الناس بأمرين: الأول: الحجة والبيان وهذا بالنسبة للمنافقين الذين لا يظهرون عداوة المسلمين فهؤلاء يجاهدون بالحجة والبيان.

الثاني: من يجاهد بالسيف والسنان وهم المظهرون للعداوة وهم الكفار الخلص المعلنون بكفرهم وفي هذا والذي قبله يقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} . والجهاد بالحجة والبيان يكون للكفار الخلص المعلنين لكفرهم أولا، ثم يجاهدون بالسيف والسنان ثانيا، ولا يجاهدون بالسيف والسنان إلا بعد قيام الحجة عليهم.

والواجب على الأمة الإسلامية أن تقابل كل سلاح يصوب نحو الإسلام بما يناسبه، فالذين يحاربون الإسلام بالأفكار والأقوال يجب أن يبين بطلان ما هم عليه بالأدلة النظرية العقلية إضافة إلى الأدلة الشرعية، والذين يحاربون الإسلام من الناحية الاقتصادية يجب أن يدافعوا، بل أن يهاجموا إذا أمكن، بمثل ما يحاربون به الإسلام، والذين يحاربون الإسلام بالأسلحة يجب أن يقاوموا بما يناسب تلك الأسلحة.

ص: 51

وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح.

وقد من الله تعالى علينا بكتابه الذي جعله: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [سورة النحل، الآية: 89] .

ــ

أي أن الخوف من أعداء الأنبياء إنما هو على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح؛ لأنه ليس له علم يتسلح به فيخشى أن يجادله أحد من هؤلاء المشركين فتضيع حجته فيهلك، فلا بد أن يكون عند الإنسان علم يدفع به الشبهات ويفحم به الخصم؛ لأن المجادل يحتاج إلى أمرين: الأول: إثبات دليل قوله. الثاني: إبطال دليل خصمه. ولا سبيل إلى ذلك إلا بمعرفة ما هو عليه من الحق، وما عليه خصمه من الباطل ليتمكن من دحض حجته.

من الله علينا بكتابه العزيز الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [سورة فصلت، الآية: 42] وجعله سبحانه وتعالى تبيانا أي مبينا لكل شيء يحتاجه الناس في معاشهم ومعادهم ثم إن تبيان القرآن للأشياء ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يبين الشيء بعينه مثل قوله تبارك وتعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [سورة المائدة، الآية: 3] وقوله تعالى:

ص: 52

{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [سورة النساء، الآيتان: 23-24] . الثاني: أن يكون التبيان بالإشارة إلى موضع البيان مثل قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} فأشار الله تعالى إلى الحكمة التي هي السنة، فإنها تبين القرآن وكذلك قوله تعالى:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [سورة النحل، الآية: 43] وأيضا [سورة الأنبياء، الآية: 7] .

فهذا يبين أننا نرجع في كل شيء إلى أهله الذين هم أهل الذكر به ولهذا يذكر أن بعض أهل العلم أتاه رجل من النصارى يريد الطعن في القرآن الكريم وكان في مطعم، فقال له هذا النصراني: أين بيان كيف يصنع هذا الطعام؟ فدعا الرجل صاحب المطعم، وقال له: صف لنا كيف تصنع هذا الطعام؟ فوصفه، فقال: هكذا جاء في القرآن. فتعجب النصراني. وقال: كيف ذلك؟ فقال: إن الله- عز وجل -يقول: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} فبين لنا مفتاح العلم بالأشياء بأن نسأل أهل الذكر بها أي أهل العلم بها، وهذا من بيان القرآن بلا شك، فالإحالة على من يحصل بهم العلم هي فتح للعلم.

ص: 53

فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها، كما قال تعالى:{وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [سورة الفرقان، الآية: 33] . قال بعض المفسرين: هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة، وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله في كتابه جوابا لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا.

ــ

لا يأتي مبطل بحجة على باطله إلا وفي القرآن ما يبين هذه الحجة الباطلة، بل إن كل صاحب باطل استدل لباطله بدليل صحيح من الكتاب والسنة فهذا الدليل يكون دليلا عليه كما ذكر شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - في مقدمة كتابه درء تعارض النقل والعقل أنه ما من صاحب بدعة وباطل يحتج لباطله بشيء من الكتاب أو من السنة الصحيحة إلا كان ذلك الدليل دليلا عليه وليس دليلا له.

قال المؤلف رحمه الله مستدلا على أن الرجل الموحد ستكون له حجة أبلغ وأبين من حجة غير الموحد مهما بلغ من الفصاحة والبيان كما قال تعالى: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} أي لا يأتونك بمثل يجادلونك به، ويلبسون الحق بالباطل، إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا، ولهذا تجد في القرآن كثيرا ما يجيب الله تعالى عن أسئلة هؤلاء المشركين وغيرهم ليبين- عز وجل -للناس الحق، وسيكون الحق بينا لكل أحد.

ولكن هاهنا أمر يجب التفطن له وهو: أنه لا ينبغي للإنسان أن

ص: 54

فنقول: جواب أهل الباطل من طريقين: مجمل، ومفصل، أما المجمل: فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن عقلها وذلك قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [سورة آل عمران، الآية: 7] .

ــ

يدخل في مجادلة أحد إلا بعد أن يعرف حجته، ويكون مستعدا لدحرها، والجواب عنها؛ لأنه إذا دخل في غير معرفة صارت العاقبة عليه، إلا أن يشاء الله كما أن الإنسان لا يدخل في ميدان المعركة مع العدو إلا بسلاح وشجاعة، ثم ذكر المؤلف رحمه الله أنه سيذكر في كتابه هذا كل حجة أتى بها المشركون ليحتجوا بها على شيخ الإسلام رحمه الله ويكشف هذه الشبهات؛ لأنها في الحقيقة ليست حججا، ولكنها تشبيه وتلبيس.

بين - رحمه الله تعالى - أنه سيجيب على هذه الشبهات بجوابين:

أحدهما: مجمل عام صالح لكل شبهة.

الثاني: مفصل، وهكذا ينبغي لأهل العلم في باب المناظرة والمجادلة أن يأتوا بجواب مجمل حتى يشمل ما يحتمل أن يورده الملبسون المشبهون، ويأتي بجواب مفصل لكل مسألة بعينها قال الله تعالى:{كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [سورة هود، آية: 1] فذكر في الجواب المجمل رحمه الله: أن هؤلاء الذين يتبعون المتشابه هم الذين في قلوبهم زيغ كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ}

ص: 55

وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» .

مثال ذلك: إذا قال لك بعض المشركين: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} وأن الشفاعة حق، وأن الأنبياء لهم جاه عند الله، أو ذكر كلاما للنبي صلى الله عليه وسلم يستدل به على شيء من باطله، وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره، فجاوبه بقولك: إن الله ذكر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه.

ــ

[سورة آل عمران، آية:7] .

ولهذا تجد أهل الزيغ والعياذ بالله يأتون بالآيات المتشابهات ليلبسوا بها على باطلهم، فيقولون مثلا: قال الله تعالى كذا، وقال في موضع آخر كذا؟ فكيف يكون، وهذا مثل ما حصل لنافع بن الأزرق مع ابن عباس رضي الله عنهما في مناظرته التي ذكرها السيوطي في الإتقان، وربما يكون غيره ذكرها وهي مفيدة ننقلها لتعرف كيف لبس أهل الباطل الحق. قال الشيخ رحمه الله: وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه. فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» استدل المؤلف رحمه الله بهذا الحديث على أن الرجل الذي يتبع المتشابه من القرآن أو من السنة وصار يلبس به على باطله فهؤلاء هم الذين سماهم الله ووصفهم بقوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} الآية ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالحذر منهم

ص: 56

وما ذكرته لك من أن الله تعالى ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية، وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء مع قولهم:{هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [سورة يونس، الآية: 18] هذا أمر محكم بين لا يقدر أحد أن يغير معناه.

ــ

فقال: احذروهم من أن يضلوكم عن سبيل الله باتباع هذا المتشابه واحذروا طريقهم أيضا فالتحذير هنا يشمل التحذير عن طريقهم والتحذير منهم أيضا، ثم ضرب المؤلف لهم مثلا، بأن يقول لك المشرك: أليس الله يقول: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} أوليس للأولياء جاه عند الله سبحانه وتعالى؟ أوليس الشفاعة ثابتة بالقرآن والسنة؟ وما أشبه ذلك من هذه الأشياء فقل: نعم كل هذا حق، ولكنه ليس فيه دليل على أن تشرك بهؤلاء الأولياء، أو بهؤلاء الرسل، أو لهؤلاء الذين عندهم شفاعة عند الله- عز وجل -ودعواك أن هذا يدل على ذلك دعوى باطلة لا يحتج بها إلا مبطل وما أنت إلا من الذين قال الله فيهم:{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} ولو أنك رددت هذا المتشابه إلى المحكم لعلمت أن هذا لا دليل لك فيه.

ذكر المؤلف رحمه الله كيف نرد المتشابه إلى المحكم أن المشركين كانوا مقرين بتوحيد الربوبية ويؤمنون بذلك إيمانا لا شك فيه عندهم، ولكنهم يعبدون الملائكة وغيرهم ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ومع هذا كانوا مشركين استباح النبي صلى الله عليه وسلم دماءهم وأموالهم، وهذا نص محكم لا اشتباه فيه دال على أن الله لا شريك له في ألوهيته وفي عبادته كما أنه لا شريك له في ربوبيته وملكه، وأن من

ص: 57

وما ذكرت لي أيها المشرك من القرآن وكلام النبي، صلى الله عليه وسلم، لا أعرف معناه، ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي، صلى الله عليه وسلم لا يخالف كلام الله (1) .

ــ

أشرك بالله في ألوهيته، فهو مشرك وإن وحده في الربوبية.

قوله رحمه الله: ما ذكرت أيها المشرك من كلام الله تعالى وكلام رسوله لا أعرف معناه، ولكني أعلم أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا يخالف كلام الله، يريد بقوله:" لا أعرف معناه" أي لا أعرف معناه الذي أنت تدعيه، وإنني أنكره ولا أقر به؛ لأنني أعلم أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا يخالف كلام الله، قال تعالى:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [سورة النساء، الآية: 82]، وقال تعالى:{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [سورة النحل، الآية: 89] وقال تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة النحل، الآية: 44] ، وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم لا يخالف كلام الله، وكذلك كلام الله لا يناقض بعضه بعضا، وقد أخبر سبحانه وتعالى أنه لا شريك له، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» إلى آخر الحديث، وهذا كله يؤيد بعضه بعضا، ويدل على أن الله تعالى ليس له شريك في الألوهية كما أنه ليس له شريك في الربوبية.

ص: 58

وهذا جواب جيد سديد ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله فلا تستهن به، فإنه كما قال تعالى:{وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [سورة فصلت، آية:35] .

وأما الجواب المفصل فإن أعداء الله لهم اعتراضات كثيرة على دين الرسل يصدون بها الناس عنه، منها: قولهم: نحن لا نشرك بالله، بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق، ولا ينفع، ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فضلا عن عبد القادر أو غيره.

ــ

قوله رحمه الله: (وهذا جواب جيد سديد) يعني قول الإنسان لخصمه: أن كلام الله تعالى لا يتناقض، وأن كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يخالف كلام الله، وأن الواجب رد المتشابه إلى المحكم، فهذا أجاب بجواب سديد أي ساد لمحله لا يمكن لأحد أن يناقضه، أو يرد عليه ما ينقضه؛ لأنه كلام محكم مبني على الدليلين: السمعي، والعقلي، وما كان كذلك فإنه جواب لا يمكن لأي مبطل أن ينقضه. قوله:(ولكن لا يفهمه) إلى آخره يعني أن هذا الجواب لا يفهمه إلا من وفقه الله فكشف عنه فتنة الشبهات وفتنة الشهوات ثم استدل لذلك بقوله تعالى: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا} أي ما يوفق للدفع بالتي هي أحسن. قوله - رحمه الله تعالى -: أما الجواب المفصل

إلخ الجواب الأول كان مجملا يرد به الإنسان على كل شبهة، ثم هناك جواب مفصل أي مميز بعضه عن بعض بحيث تدفع به شبهة كل واحد بعينها.

ص: 59