الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم وهو أعظم من الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج فكيف إذا جحد الإنسان شيئا من هذه الأمور كفر، ولو عمل بكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر؟ سبحان الله، ما أعجب هذا الجهل! .
ــ
والزكاة والصيام والحج والبعث كافر بالله العظيم، ولو أقر بكل ما جاء به الرسول- صلى الله عليه وآله وسلم سوى ذلك فكيف تنكر أن يكون من جحد التوحيد، وأشرك بالله تعالى كافرا؟ إن هذا لشيء عجيب، أن تجعل من جحد التوحيد مسلما، ومن جحد وجوب هذه الأشياء كافرا، مع أن
التوحيد هو أعظم ما جاءت به الرسل
عليهم الصلاة والسلام، وهو أعم ما جاءت به الرسل، فجميع الرسل قد أرسلت به، كما قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [سورة الأنبياء، الآية: 25] وهو أصل هذه الواجبات التي يكفر من أنكر وجوبها إذ لا تصح إلا به كما قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} فإذا كان من أنكر وجوب الصلاة، أو الزكاة، أو الصوم، أو الحج، أو أنكر البعث كافرا، فمنكر التوحيد أشد كفرا وأبين وأظهر.
ويقال أيضا: هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلوا بني حنيفة، وقد أسلموا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم ويؤذنون ويصلون.
فإن قال إنهم يقولون: إن مسيلمة نبي. فقل: هذا هو المطلوب إذا كان من رفع رجلا إلى رتبة النبي صلى الله عليه وسلم كفر وحل ماله ودمه، ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة، فكيف بمن رفع شمسان، أو يوسف وصحابيا، أو نبيا إلى مرتبة جبار السماوات والأرض؟ سبحان الله، ما أعظم شأنه {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [سورة الروم، الآية: 59] .
ــ
قوله: " ويقال أيضا:هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" إلخ هذا جواب ثالث ومضمونه أن الصحابة رضي الله عنهم قاتلوا مسيلمة وأصحابه، واستحلوا دماءهم، وأموالهم مع أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، ويؤذنون، ويصلون، وهم إنما رفعوا رجلا إلى مرتبة النبي، فكيف بمن رفع مخلوقا إلى مرتبة جبار السماوات والأرض، أفلا يكون أحق بالكفر ممن رفع مخلوقا إلى منزلة مخلوق آخر؟! وهذا أمر واضح، ولكن كما قال الله تعالى:{كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [سورة الروم، الآية: 59] .
ويقال أيضا: الذين حرقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنار كلهم يدعون الإسلام، وهم من أصحاب علي رضي الله عنه وتعلموا العلم من الصحابة، ولكن اعتقدوا في علي مثل الاعتقاد في يوسف وشمسان وأمثالهما. فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم؟ أتظنون أن الصحابة يكفرون المسلمين؟ أم تظنون أن الاعتقاد في تاج وأمثاله لا يضر، والاعتقاد في علي بن أبي طالب رضي الله عنه يكفر؟ .
ويقال أيضا: بنو عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر في زمان بني العباس كلهم يشهدون أن لا إله الله وأن محمدا رسول الله، ويدعون الإسلام، ويصلون الجمعة والجماعة، فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب، وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين.
ــ
قوله: " ويقال أيضا: إن الذين حرقهم علي بن أبي طالب بالنار " إلخ، هذا جواب رابع فقد كان هؤلاء يدعون الإسلام، وتعلموا من الصحابة، ومع ذلك لم يمنعهم هذا من الحكم بكفرهم، وتحريقهم بالنار؛ لأنهم قالوا في علي بن أبي طالب: إنه إله، مثل ما يدعي هؤلاء بمن يؤلهونهم، كشمسان وغيره.
فكيف أجمع الصحابة رضي الله عنهم على قتل هؤلاء، أتظنون أن الصحابة رضي الله عنهم يجمعون على قتل من لا يحل قتله، وتكفير من ليس بكافر؟! ذلك لا يمكن أم تظنون أن الاعتقاد في تاج، وأمثاله لا يضر والاعتقاد في علي بن أبي طالب يضر.
قوله: " ويقال أيضا: بنو عبيد القداح " إلخ هذا جواب خامس، وهو إجماع العلماء على كفر بني عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر وكانوا
ويقال أيضا: إذا كان الأولون لم يكفروا، إلا أنهم جمعوا بين الشرك، وتكذيب الرسول والقرآن وإنكار البعث، وغير ذلك فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب:(باب حكم المرتد) ، وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، ثم ذكروا أنواعا كثيرة كل نوع منها يكفر، ويحل دم الرجل وماله، حتى إنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها، مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه، أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب.
ــ
يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويصلون الجمعة والجماعات ويدعون أنهم مسلمون، ولكن ذلك لم يمنعهم من حكم المسلمين عليهم بالردة حين أظهروا مخالفة المسلمين في أشياء دون التوحيد حتى قاتلوهم واستنقذوا ما بأيديهم.
قوله: " ويقال أيضا: إذا كان الأولون لم يكفروا إلا أنهم " إلخ هذا جواب سادس مضمونه أنه إذا كان الأولون لم يكفروا إلا حين جمعوا جميع أنواع الكفر من الشرك والتكذيب والاستكبار، فما معنى ذكر أنواع من الكفر في (باب حكم المرتد) كل نوع منها يكفر حتى ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه، أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب، فلولا أن الكفر يحصل بفعل نوع منه، وإن كان الفاعل مستقيما في جانب آخر لم يكن لذكر الأنواع فائدة.
يقول -رحمه الله تعالى-: ومما يدفع شبه هؤلاء، هم الفقهاء في كل مذهب، ذكروا في كتبهم (باب حكم المرتد) ، وذكروا أنواعا كثيرة، حتى ذكروا الكلمة يذكرها الإنسان بلسانه، ولا يعتقدها بقلبه، أو يذكرها على سبيل المزح، ومع ذلك كفروهم، وأخرجوهم من الإسلام بها، وسيأتي لذلك مزيد بيان وإيضاح.
ويقال أيضا: الذين قال الله فيهم: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ} أما سمعت الله كفرهم بكلمة مع كونهم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجاهدون معه ويصلون، ويزكون، ويحجون، ويوحدون، وكذلك الذين قال الله فيهم:{قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} فهؤلاء الذين صرح الله فيهم أنهم كفروا بعد إيمانهم، وهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح، فتأمل هذه الشبهة وهي قولهم: تكفرون من المسلمين أناسا يشهدون أن لا إله إلا الله ويصلون، ويصومون، ثم تأمل جوابها فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق.
ــ
قوله: " ويقال أيضا: الذين قال الله فيهم: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا} "إلخ هذا جواب سابع مضمونه واقعتان: الأولى: أن الله تعالى حكم بكفر المنافقين الذين قالوا كلمة الكفر مع أنهم كانوا مع النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم -يصلون ويزكون ويحجون ويجاهدون ويوحدون.
الثانية: أنه حكم بكفر المنافقين الذين استهزؤوا بالله وآياته ورسوله وقالوا: " ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء " يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه القراء فأنزل الله فيهم {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} . فحكم بكفرهم بعد إيمانهم مع أنهم ذكروا أنهم كانوا
ومن الدليل على ذلك أيضا ما حكى الله عن بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم أنهم قالوا لموسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} وقول أناس من الصحابة: «اجعل لنا ذات أنواط» فحلف النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا نظير قول بني إسرائيل: اجعل لنا إلها.
ولكن للمشركين شبهة يدلون بها عند هذه القصة، وهي أنهم يقولون: إن بني إسرائيل لم يكفروا بذلك، وكذلك الذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم:«اجعل لنا ذات أنواط» لم يكفروا.
فالجواب: أن نقول: إن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك، وكذلك الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعلوا ذلك؟ ولا خلاف أن بني إسرائيل لو فعلوا ذلك، لكفروا، وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب.
ــ
يستهزئون ولم يقولوا ذلك على سبيل الجد، وكانوا يصلون ويتصدقون، ثم ذكر المؤلف رحمه الله أن الجواب على هذه الشبهة من أنفع ما في هذه الأوراق.
قوله: " ومن الدليل على ذلك " أي على أن الإنسان قد يقول، أو يفعل ما هو كفر من حيث لا يشعر قول بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم لموسى عليه الصلاة والسلام:{اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} «وقول أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:»
ولكن هذه القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري عنها فتفيد التعلم، والتحرز ومعرفة أن قول الجاهل:(التوحيد فهمناه) أن هذا من أكبر الجهل ومكايد الشيطان.
ــ
«" الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} لتركبن سنن من كان قبلكم» وهذا يدل على أن موسى ومحمدا عليهما الصلاة والسلام قد أنكرا ذلك غاية الإنكار، وهذا هو المطلوب، فإن هذين النبيين الكريمين لم يقرا أقوامهما على هذا الطلب الذي طلبوه بل أنكراه.
وقد شبه بعض المشركين في هذا الدليل فقال: إن الصحابة، وبني إسرائيل لم يكفروا بذلك.
وجواب هذه الشبهة: أن الصحابة، وبني إسرائيل لم يفعلوا ذلك حين لقوا من الرسولين الكريمين إنكار ذلك.
هذا شروع في بيان ما تفيده هذه القصة، أعني قصة الأنواط وبني إسرائيل من الفوائد: الفائدة الأولى: أن الإنسان، وإن كان عالما قد يخفى عليه بعض أنواع الشرك، وهذا يوجب على الإنسان أن يتعلم ويعرف حتى لا يقع في الشرك، وهو لا يدري، وأنه إذا قال: أنا أعرف الشرك، وهو لا يعرفه كان ذلك من أخطر ما يكون على العبد؛ لأن هذا جهل مركب، والجهل المركب شر من الجهل البسيط؛ لأن الجاهل جهلا بسيطا يتعلم وينتفع بعلمه، وأما الجاهل جهلا مركبا، فإنه يظن نفسه عالما، وهو جاهل فيستمر فيما هو عليه من العمل المخالف للشريعة.
وتفيد أيضا أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر، وهو لا يدري فنبه على ذلك فتاب من ساعته أنه لا يكفر كما فعل بنو إسرائيل، والذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم. وتفيد أنه لو لم يكفر، فإنه يغلظ عليه الكلام تغليظا شديدا كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وللمشركين شبهة أخرى يقولون: «إن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على أسامة قتل من قال: " لا إله إلا الله» "، وكذلك قوله:«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» وأحاديث أخرى في الكف عمن قالها، ومراد هؤلاء الجهلة أن من قالها لا يكفر، ولا يقتل، ولو فعل ما فعل.
ــ
قوله: " وتفيد أيضا أن المسلم المجتهد " إلخ هذه هي الفائدة الثانية أن المسلم إذا قال ما يقتضي الكفر جاهلا بذلك، ثم نبه فانتبه، وتاب في الحال فإن ذلك لا يضره؛ لأنه معذور بجهله، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، أما لو استمر على ما علمه من الكفر، فإنه يحكم بما تقتضيه حاله.
قوله: " وتفيد أيضا أنه لو لم يكفر" إلخ هذه هي الفائدة الثالثة، أن الإنسان، وإن كان لا يدري عن الشيء إذا طلب ما يكون به الكفر، فإنه يغلظ عليه تغليظا شديدا؛ لأن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم قال لأصحابه:«الله أكبر إنها السنن لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة» وهذا إنكار ظاهر.
قوله: " وللمشركين شبهة أخرى" إلخ يعني للمشركين المشبهين شبهة أخرى مع ما سبق من الشبهات وهي: «أن النبي صلى الله عليه وآله»
فيقال لهؤلاء المشركين الجهال: معلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل اليهود، وسباهم وهم يقولون: لا إله إلا الله، وأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلوا بني حنيفة، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويصلون، ويدعون الإسلام، وكذلك الذين حرقهم علي بن أبي طلب بالنار.
ــ
«وسلم أنكر على أسامة بن زيد رضي الله عنه قتل الرجل بعد أن قال: لا إله إلا الله فقال: "أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله " وما زال يكررها عليه الصلاة والسلام على أسامة حتى قال أسامة: "تمنيت أني لم أكن أسلمت بعد» وكذلك قوله- صلى الله عليه وآله وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» وأمثال ذلك من الأحاديث التي يستدلون بها على أن من قال: " لا إله إلا الله " لا يكفر ولا يقتل، وإن كان على الشرك من جهة أخرى، وهذا من الجهل العظيم، فليس قول:" لا إله إلا الله" منجيا من عذاب النار ومخلصا للإنسان من الشرك إذا كان يشرك من جهة أخرى.
قوله:" فيقال لهؤلاء المشركين الجهال " إلخ هذا جواب الشبهة التي أوردها هؤلاء الجهال فيما سبق وجوابها بما يلي: أولا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل اليهود وسباهم وهم يقولون: لا إله إلا الله.
ثانيا: أن الصحابة قاتلوا بني حنيفة، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويصلون، ويدعون أنهم مسلمون.
ثالثا: أن الذين حرقهم علي بن أبي طالب كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله.
وهؤلاء الجهلة مقرون أن من أنكر البعث كفر وقتل ولو قال: لا إله إلا الله، وأن من جحد شيئًا من أركان الإسلام كفر وقتل ولو قالها، فكيف لا تنفعه إذا جحد فرعًا من الفروع، وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أصل دين الرسل ورأسه؟ ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث: فأما حديث أسامة فإنه قتل رجلًا ادعى الإسلام بسبب أنه ظن أنه ما ادعى الإسلام إلا خوفًا على دمه وماله، والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك، وأنزل الله تعالى في ذلك {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} [سورة النساء، الآية: 94] أي فتثبتوا، فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت، فإن تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل لقوله تعالى: فَتَبَيَّنُوا ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبيت معنى
ــ
قوله: " وهؤلاء الجهلة مقرون أن من أنكر البعث" إلخ هذا إلزام لهؤلاء الجهال واحتجاج عليهم بمثل ما قالوا به، فقد قالوا: إن من أنكر البعث فإنه يقتل كافرًا، ويقولون: من جحد وجوب شيء من أركان الإسلام، فإنه يحكم بكفره ويقتل وإن قال:لا إله إلا الله، فكيف لا يكفر ولا يقتل من يجحد التوحيد الذي هو أساس الدين وإن قال:لا إله إلا الله؟! أفلا يكون هذا أحق بالتكفير ممن جحد وجوب الصلاة، أو وجوب الزكاة؟ ! وهذا إلزام صحيح لا محيد عنه.
قوله: " ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث " إلخ. يعني الأحاديث التي شبهوا بها ثم أخذ رحمه الله يبين معناها فقال:
ــ
فأما حديث أسامة، يعني الحديث الذي قتل فيه أسامة رضي الله عنه من قال: لا إله إلا الله حين لحقه أسامة ليقتله وكان مشركًا، فقال:" لا إله إلا الله " فقتله أسامة لظنه أنه لم يكن مخلصًا في قوله وإنما قاله تخلصًا فليس فيه دليل على أن كل من قال: " لا إله إلا الله" فهو مسلم ومعصوم الدم، ولكن فيه دليل على أنه يجب الكف عمن قال:" لا إله إلا الله" ثم بعد ذلك ينظر في حاله حتى يتبين واستدل المؤلف لذلك بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} الآية، فأمر الله تبارك وتعالى بالتبين أي التثبت وهذا يدل على أنه إذا تبين أن الأمر كان خلاف ما كان عليه فإنه يجب أن يعامل بما يتبين من حاله، فإذا بان منه ما يخالف الإسلام قتل ولو كان لا يقتل مطلقًا إذا قالها لم يكن فائدة للأمر بالتثبت.
وعلى كل حال فإن حديث أسامة رضي الله عنه ليس فيه دليل على أن من قال: " لا إله إلا الله" وهو مشرك يعبد الأصنام والأموات والملائكة والجن وغير ذلك يكون مسلمًا.
وكذلك الحديث الآخر وأمثاله معناه ما ذكرناه أن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يناقض ذلك والدليل على هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:«أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله» وقال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» هو الذي قال في الخوارج: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» مع كونهم من أكثر الناس عبادة وتهليلًا وتسبيحًا، حتى أن الصحابة يحقرون أنفسهم عندهم، وهم تعلموا العلم من الصحابة فلم تنفعهم لا إله إلا الله، ولا كثرة العبادة، ولا ادعاء الإسلام لما ظهر منهم مخالفة الشريعة
ــ
قوله: " وكذلك الحديث الآخر وأمثاله" يريد بالحديث الآخر قوله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس» إلخ، فبين رحمه الله تعالى أن معنى الحديث أن من أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين أمره، لقوله تعالى: فَتَبَيَّنُوا لأن الأمر بالتبين يحتاج إليه إذا كنا في شك من ذلك، أما لو كان قوله:" لا إله إلا الله " بمجرده عاصمًا من القتل فإنه لا حاجة إلى التبين، ثم استدل المؤلف رحمه الله لما ذهب إليه بأن الذي قال لأسامة:«أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله» وقال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»
…
" هو الذي أمر بقتال الخوارج وقال: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم» مع أن الخوارج يصلون ويذكرون الله ويقرؤون القرآن، وهم قد تعلموا من الصحابة رضي الله عنهم ومع ذلك لم ينفعهم ذلك شيئًا؛ لأن الإيمان لم يصل إلى قلوبهم كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:«إنه لا يجاوز حناجرهم» .