المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌من برنامج نور على الدرب - مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز - جـ ٥

[ابن باز]

فهرس الكتاب

- ‌من جوابي لفضيلة الشيخ: أبي الأعلى المودوديفيما يتعلق بالفرق بين العبادة والطاعة

- ‌عمل المسلم

- ‌أسئلة وأجوبة بعد محاضرة عمل المسلم

- ‌ الموظفون الذين لا يؤدون أعمالهم أو لا ينصحون فيها

- ‌ الأشياء التي تستطيع المرأة المسلمة كشفها أمام المرأة الكافرة

- ‌ من تجب تغطية الوجه عنه

- ‌تفسير قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}

- ‌شرح معنى قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ}

- ‌إثبات اليد والقدرة جميعا لله سبحانه وتعالى

- ‌إثبات المجيء والنزول لله سبحانه وتعالى

- ‌حكم الاحتفال بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم بمناسبة المولد النبوي

- ‌من أكثر من ذكر الله اطمأن قلبه وارتاح ضميره

- ‌وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

- ‌أسئلة مهمة وجوابها تتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

- ‌ كيفية النهي عن المنكر بالقلب

- ‌ الطريقة المثلى في إنكار المنكر

- ‌ تسجيل المقالات النافعة، والمواعظ والأحاديث المفيدة

- ‌ المؤسسات التي تستقدم العمال من الكفار

- ‌ رسالة المسجد ورسالة المنبر في الإسلام

- ‌وجوب التعاون على البر والتقوى

- ‌أسباب سعادة الأمة الإسلامية

- ‌أسباب ضعف المسلمين أمام عدوهم ووسائل العلاج لذلك

- ‌واجب الشباب

- ‌من أهداف الحج توحيد كلمة المسلمين

- ‌حكم التحاكم إلى العادات والأعراف القبلية

- ‌القبيلي والخضيري

- ‌رسالة إلى العلماء المجاهدين في أفغانستان بشأن الفتن التي يثيرها أعداء الله بين صفوف المجاهدين

- ‌سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز في لقاء مع " المجاهد

- ‌دعم المجاهدين والمهاجرين الأفغان من أفضل القربات وأعظم الصدقات

- ‌شكر النعمة حقيقته وعلاماته

- ‌من برنامج نور على الدرب

- ‌حكم الإسلام في عيد الأم والأسرة

- ‌الإسلام والمسلمون في جنوب شرق آسيا

- ‌واجب العلماء تجاه الأزمات الكثيرة والنكبات التي حلت بالعالم الإسلامي

- ‌بيان جملة من المسائل المهمة التي يخفى حكمها على الكثير من الناس

- ‌مشروعية الحجاب

- ‌الاختلاط في الدراسة

- ‌الاختلاط بين الرجال والنساء

- ‌التحذير من القمار وهو الميسر

- ‌لقاء طلاب متوسطة الفارابي بالرياض مع سماحته بمكتبهوإجابته على أسئلتهم

- ‌حادث التفجير بمكة المكرمة إجرام عظيم

- ‌أجوبة أسئلة صحيفة الدعوة حول الجامعة الإسلامية

- ‌حوار عكاظ مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز

- ‌ينبغي للشباب ألا يتركوا مجالات الإعلام للجهلةوالمنحرفين عن الحق

- ‌حكم سؤال السحرة والمشعوذين

- ‌ذبح الأبقار لغرض الاستسقاء

- ‌تعليم الأصم والأبكم

- ‌الإحساس بالمعاصي

- ‌طاسة السم

- ‌حكم الإقامة على القبر

- ‌الدعاء عند الخوف والخجل

- ‌حكم حلق العارضين والذقن

- ‌مضايقة دعاة الباطل لأهل العلم والخير

- ‌التحرج من التصوير في وسائل الإعلام

- ‌توضيح عن العقيدة الصحيحة

- ‌أسئلة وأجوبة تتعلق بالعقيدة

- ‌حكم المصارحة بعدم قبول الدعاء

- ‌أسئلة وأجوبتها " في العقيدة

- ‌حكم من يعتقد أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس ببشر

- ‌ما يشرع في التوسل بالنبي وما لا يشرع

- ‌حكم الذبح عند الأضرحة ودعاء أهلها

- ‌حكم الذبح لله وللخضر بالحلم

- ‌حكم زيارة النساء للقبور

- ‌هل الذنوب تسبب محق البركة

- ‌الكبائر تؤثر في إسلام العبد

- ‌وجوب التصديق مع الشهادتين

- ‌لا يجوز بدء الكفار بالسلام

- ‌طريقة النصيحة لمن يجاهر بالمعاصي

- ‌حكم إقامة مراسم العزاء

- ‌حكم قيام الطالبات للمدرسة

- ‌أجوبة مفيدة تتعلق بالرؤيا والصوم عن الميت

- ‌لا حرج من الرحلة للتفقه في القرآن واستماعه من حسن الصوت به

- ‌حكم أخذ الكتب من المكتبات المدرسية

- ‌طاعة الوالد بالمعروف

- ‌أسئلة متفرقة وأجوبتها

- ‌ إهداء تلاوة القرآن الكريم للوالدين

- ‌ شرح قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ}

- ‌ متى يكون الأعجمي أفضل من العربي

- ‌ أخذ الأجرة على تحفيظ القرآن الكريم

- ‌ العبارات التي تطلق في حق الأموات

- ‌ معنى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ

- ‌ تفسير قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ}

- ‌ حكم التأويل في الصفات

- ‌ تصوير المحاضرات بجهاز الفيديو

- ‌ فضائل الأعمال وأجرها

- ‌حكم بيع واقتناء الحيوانات المحنطة

- ‌هل الوصية واجبة وما نصها الشرعي

- ‌حكم الإسبال إذا كان عادة وليس خيلاء

- ‌سؤالان في العطور

- ‌لا يجوز للإنسان أن يأخذ بثأره من قاتله بغير الطرق الشرعية

- ‌لا يجوز الكف عن تدريس القرآن خشية الثناء أو المدح

- ‌الذبح عند انتصاف البناء أو اكتماله

- ‌حكم الصلاة في مسجد فيه قبر

- ‌السفر إلى بلاد الكفر

- ‌المرأة والطبيب

- ‌قراءة القرآن سرا

- ‌هواية رسم الأشياء

- ‌وجوب رضا الأولاد بقسمة أبيهم العادلة

- ‌الحساب عن لبس الثوب

- ‌حكم أكل ذبائح النصارى

- ‌تعدد القراءات في القرآن

- ‌هجر أصحاب الكبائر

- ‌هجر المغتاب

- ‌هل يجوز قول المرأة في الدعاء: " أنا عبدك

- ‌حكم مس ترجمة معاني القرآن

- ‌السلام على الكافر

- ‌لا يشرع غرس الشجر على القبر

- ‌ذكر الله في القلب مشروع في كل زمان ومكان

- ‌آية منسوخة

- ‌حكم من ارتكب جريمة بنية التوبة

- ‌الطاعة في المعروف

- ‌سبب تقديم المال على الأولاد في القرآن

- ‌هذا الكلام من الكفر البواح

- ‌الفرق بين كلمة نصراني ومسيحي

- ‌رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام

- ‌العلاج عند طبيب شعبي يستخدم الجن

- ‌الغيبة من أسباب الشحناء والعداوة

- ‌العلاج الشرعي لمن ابتلي بالمعاصي

- ‌حكم التفكير في الحرام دون عمل

- ‌هل هناك حرف غير شريفة مع الدليل

- ‌حكم إمامة المخالف لأهل السنة كالأشعري ونحوه

- ‌كتابة البسملة على البطاقات مشروعة

- ‌التوبة كافية

- ‌الأصم الأبكم هل هو مكلف

- ‌ليس لأحد الاعتراض على الأحكام التي شرعها الله لعباده

- ‌من أصر على المعصية لا يجالس

الفصل: ‌من برنامج نور على الدرب

في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (1) » ، وقال عليه الصلاة والسلام:«إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (2) » . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

فالواجب على أهل الإسلام أن يسلكوا طريق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم وأتباعهم من السلف الصالح وأن يتركوا البدع المحدثة بعدهم.

وهذا كله من شكر الله قولا وعملا وعقيدة. وأسأل الله أن يوفقنا جميعا للعلم النافع والعمل الصالح وأن يرزقنا العمل بالسنة والاستقامة عليها وأن يوفقنا لشكر نعمه قولا وعملا وعقيدة مع الثبات على الحق. كما نسأله سبحانه أن يصلح جميع ولاة أمور المسلمين وأن يوفقهم لكل خير وأن يرزقهم البطانة الصالحة وأن يعينهم على إقامة أمر الله في أرض الله وعلى إقامة حدود الله على عباد الله وأن يولي على جميع أمور المسلمين خيارهم وأن يعيذهم من مضلات الفتن إنه سميع قريب. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

(1) صحيح البخاري الصلح (2697) ، صحيح مسلم الأقضية (1718) ، سنن أبو داود السنة (4606) ، سنن ابن ماجه المقدمة (14) ، مسند أحمد بن حنبل (6/270) .

(2)

سنن أبو داود السنة (4607) .

ص: 177

‌من برنامج نور على الدرب

ص: 177

س1: سؤال من السودان: - يقول مرسله: قسم الشيخ النووي رحمه الله في شرحه موضوع البدعة إلى خمسة أقسام:

(1)

بدعة واجبة. ومثالها: نظم أدلة المتكلمين على الملاحدة.

(2)

المندوبة. ومثالها: تصنيف كتب العلم.

(3)

المباحة. مثالها: التبسط في ألوان الطعام.

(4)

(5) الحرام والمكروه. وهما واضحان.

والسؤال: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «كل بدعة ضلالة (1) » أرجو توضيح ذلك مع ما يقصده الشيخ النووي رحمه الله. بارك الله فيكم.

ج1: هذا الذي نقلته عن النووي في تقسيمه البدعة إلى خمسة أقسام قد ذكره جماعة من أهل العلم، وقالوا: إن البدعة تنقسم إلى أقسام خمسة: واجبة ومستحبة، ومباحة، محرمة، مكروهة. وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن البدعة كلها ضلالة وليس فيها تقسيم بل كلها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ضلالة، قال عليه الصلاه والسلام «كل بدعة ضلالة (2) » هكذا جاءت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ومنها ما رواه مسلم في الصحيح عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة ويقول في خطبته: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة (3) » وجاء في هذا المعنى عدة أحاديث من حديث عائشة ومن حديث العرباض بن سارية وأحاديث أخرى.

(1) سنن أبو داود السنة (4607) ، سنن ابن ماجه المقدمة (42) .

(2)

سنن أبو داود السنة (4607) ، سنن ابن ماجه المقدمة (42) .

(3)

صحيح مسلم الجمعة (867) ، سنن النسائي صلاة العيدين (1578) ، سنن أبو داود الخراج والإمارة والفيء (2954) ، سنن ابن ماجه المقدمة (45) ، مسند أحمد بن حنبل (3/311) ، سنن الدارمي المقدمة (206) .

ص: 178

وهذا هو الصواب، أنها لا تنقسم إلى هذه الأقسام التي ذكر النووي وغيره بل كلها ضلالة، والبدعة تكون في الدين لا في الأمور المباحة، كالتنوع في الطعام على وجه جديد لا يعرف في الزمن الأول، فهذا لا يسمى بدعة من حيث الشرع المطهر وإن كان بدعة من حيث اللغة، فالبدعة في اللغة هي الشيء المحدث على غير مثال سبق، كما قال عز وجل {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (1) يعني مبتدعها وموجدها على غير مثال سابق، لكن لا يقال في شيء أنه في الشرع المطهر بدعة إلا إذا كان محدثا لم يأت في الكتاب والسنة ما يدل على شرعيته، وهذا هو الحق الذي ارتضاه جماعة من أهل العلم وقرروه وردوا على من خالف ذلك.

أما تأليف الكتب وتنظيم الأدلة في الرد على الملحدين وخصوم الإسلام فلا يسمى بدعة؛ لأن ذلك مما أمر به الله ورسوله وليست ذلك بدعة، فالقرآن الكريم جاء بالرد على أعداء الله وكشف شبههم بالآيات الواضحات، وجاءت السنة بذلك أيضا بالرد على خصوم الإسلام، وهكذا المسلمون من عهد الصحابة إلى عهدنا هذا. فهذا كله لا يسمى بدعة بل هو قيام بالواجب وجهاد في سبيل الله وليس ببدعة، وهكذا بناء المدارس والقناطر وغير هذا مما ينفع المسلمين لا يسمى بدعة من حيث الشرع؛ لأن الشرع أمر بالتعليم، فالمدارس تعين على التعليم، وكذلك الربط للفقراء؛ لأن الله أمر بالإحسان إلى الفقراء والمساكن، فإذا بني لهم مساكن وسميت ربطا فهذا مما أمر الله به، وهكذا القناطر على الأنهار، كل هذا مما ينفع الناس وليس ببدعة، بل هو أمر مشروع، وتسميته بدعة إنما يكون من حيث اللغة؛ كما قال عمر رضي الله عنه في التراويح لما جمع الناس على إمام واحد وقال:(نعمت البدعة هذه) ، مع أن التراويح سنة مؤكدة فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وحث عليها ورغب فيها، فليست بدعة بل هي سنة

(1) سورة البقرة الآية 117

ص: 179

ولكن سماها عمر بدعة من حيث اللغة؛ لأنها فعلت على غير مثال سابق؛ لأنهم كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده يصلون أوزاعا في المسجد ليسوا على إمام واحد، هذا يصلي مع اثنين وهذا يصلي مع ثلاثة، «وصلى بهم النبي عليه السلام ثلاث ليال ثم ترك وقال: إني أخشى أن تفرض عليكم صلاة الليل (1) » فتركها خوفا على أمته أن تفرض عليهم، فلما توفي صلى الله عليه وسلم أمن ذلك، ولذا أمر بها عمر رضي الله عنه.

فالحاصل أن قيام رمضان سنة مؤكدة وليست بدعة من حيث الشرع. وبذلك يعلم أن كل ما أحدثه الناس في الدين مما لم يشرعه الله فإنه يسمى بدعة وهي بدعة ضلالة، ولا يجوز فعلها، ولا يجوز تقسيم البدع إلى واجب وإلى سنة وإلى مباح. إلخ؛ لأن ذلك خلاف الأدلة الشرعية الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم كما سبق إيضاح ذلك. والله ولي التوفيق.

س2: سؤال من السودان أيضا: يقول السائل: قال الله تعالى في كتابه الكريم {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (2) وقد ورد في بعض الأحاديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأن والديه في النار. السؤال: ألم يكونا من أهل الفترة وأن القرآن صريح بأنهم ناجون؟ أفيدونا أفادكم الله.

ج2: أهل الفترة ليس في القرآن ما يدل على أنهم ناجون أو هالكون، إنما قال الله جل وعلا {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (3) فالله جل وعلا من كمال عدله لا يعذب أحدا إلا بعد أن يبعث إليه رسولا، فمن لم تبلغه الدعوة فليس بمعذب حتى تقام عليه الحجة، وقد أخبر سبحانه أنه لا يعذبهم إلا بعد إقامة الحجة، والحجة قد تقوم عليهم يوم القيامة، كما جاءت السنة بأن أهل الفترات يمتحنون ذلك اليوم، فمن أجاب وامتثل نجا

(1) صحيح البخاري الجمعة (924) ، صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (761) ، سنن أبو داود الصلاة (1373) ، موطأ مالك النداء للصلاة (250) .

(2)

سورة الإسراء الآية 15

(3)

سورة الإسراء الآية 15

ص: 180

ومن عصى دخل النار، والنبي صلى الله عليه وسلم قال «إن أبي وأباك في النار لما سأله رجل عن أبيه قال: إن أباك في النار فلما رأى ما في وجهه من التغير قال: إن أبي وأباك في النار (1) » خرجه مسلم في صحيحه.

وإنما قال له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ليتسلى به ويعلم أن الحكم ليس خاصا بأبيه، ولعل هذين بلغتهما الحجة؛ أعني أبا الرجل وأبا النبي صلى الله عليه وسلم، فلهذا قال النبي عليه السلام:«إن أبي وأباك في النار (2) » قالهما عن علم عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، قال الله سبحانه وتعالى:{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} (3){مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} (4){وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} (5){إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (6) فلعل عبد الله بن عبد المطلب والد النبي صلى الله عليه وسلم قد قامت عليه الحجة لما قال في حقه النبي ما قال، عليه الصلاة والسلام، وكان علم ذلك مما عرفته قريش من دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام فإنها كانت على ملة إبراهيم حتى أحدث ما أحدث عمرو بن لحي الخزاعي حين تولى مكة وسرى في الناس ما أحدثه عمرو المذكور من بث الأصنام والدعوة إلى عبادتها من دون الله، فلعل عبد الله قد بلغه ما يدل على أن هذا باطل وهو ما سارت عليه قريش من عبادة الأصنام فتابعهم في باطله، فلهذا قامت عليه الحجة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار لأنه أول من سيب السوائب وغير دين إبراهيم (7) » ومن هذا ما جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم «استأذن أن يستغفر لأمه فلم يؤذن له فاستأذن أن يزورها فأذن له (8) » . أخرجه مسلم في صحيحه.

فلعله بلغها ما تقوم به الحجة عليها من بطلان دين قريش كما بلغ زوجها عبد الله، فلهذا نهي صلى الله عليه وسلم عن الاستغفار لها، ويمكن أن يقال: إن أهل الجاهلية يعاملون معاملة الكفرة في الدنيا فلا يدعى لهم ولا يستغفر لهم؛ لأنهم يعملون أعمال الكفرة فيعاملون معاملتهم وأمرهم

(1) صحيح مسلم الإيمان (203) ، سنن أبو داود السنة (4718) ، مسند أحمد بن حنبل (3/119) .

(2)

صحيح مسلم الإيمان (203) ، سنن أبو داود السنة (4718) ، مسند أحمد بن حنبل (3/119) .

(3)

سورة النجم الآية 1

(4)

سورة النجم الآية 2

(5)

سورة النجم الآية 3

(6)

سورة النجم الآية 4

(7)

صحيح البخاري المناقب (3521) ، صحيح مسلم الجنة وصفة نعيمها وأهلها (2856) .

(8)

صحيح مسلم الجنائز (976) ، سنن النسائي الجنائز (2034) ، سنن أبو داود الجنائز (3234) ، سنن ابن ماجه ما جاء في الجنائز (1572) ، مسند أحمد بن حنبل (2/441) .

ص: 181

إلى الله في الآخرة.

فالذي لم تقم عليه الحجة في الدنيا لا يعذب حتى يمتحن يوم القيامة؛ لأن الله سبحانه قال: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (1) فكل من كان في فترة لم تبلغهم دعوة نبي فإنهم يمتحنون يوم القيامة، فإن أجابوا صاروا إلى الجنة وإن عصوا صاروا إلى النار، وهكذا الشيخ الهرم الذي ما بلغته الدعوة، والمجانين الذين ما بلغتهم الدعوة وأشباههم كأطفال الكفار؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما سئل عنهم قال:«الله أعلم بما كانوا عاملين (2) » فأولاد الكفار يمتحنون يوم القيامة كأهل الفترة، فإن أجابوا جوابا صحيحا نجوا وإلا صاروا مع الهالكين. وقال جمع من أهل العلم: إن أطفال الكفار من الناجين؛ لكونهم ماتوا على الفطرة؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رآهم حين دخل الجنة في روضة مع إبراهيم عليه السلام هم وأطفال المسلمين.

وهذا قول قوي لوضوح دليله. أما أطفال المسلمين فهم من أهل الجنة بإجماع أهل السنة والجماعة. والله أعلم وأحكم.

(1) سورة الإسراء الآية 15

(2)

صحيح البخاري الجنائز (1383) ، صحيح مسلم القدر (2660) ، سنن النسائي الجنائز (1951) ، سنن أبو داود السنة (4711) ، مسند أحمد بن حنبل (1/358) .

ص: 182

س3: له سؤال: وردت الأدلة على حصول الأجر من الله سبحانه في قراءة القرآن الكريم، فهل يحصل الأجر من الله على قراءة الأحاديث النبوية؟

ج3: قراءة القرآن تقربا إلى الله سبحانه فيها أجر عظيم، وهكذا قراءة أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحفظها فيها أجر عظيم؛ لأن ذلك عبادة لله سبحانه وتعالى وطريق لطلب العلم والتفقه في الدين، وقد دلت الأدلة الشرعية على وجوب التعلم والتفقه في الدين حتى يعبد المسلم ربه على بصيرة، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:«خيركم من تعلم القرآن وعلمه (1) » وقوله

(1) صحيح البخاري فضائل القرآن (5027) ، سنن الترمذي فضائل القرآن (2907) ، سنن أبو داود الصلاة (1452) ، سنن ابن ماجه المقدمة (211) ، مسند أحمد بن حنبل (1/69) ، سنن الدارمي فضائل القرآن (3338) .

ص: 182

صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (1) » ، وقال عليه السلام:«من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده (2) » .

وجاء في قراءة القرآن أحاديث كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم:«اقرءوا القرآن فإنه يأتي شفيعا لأصحابه يوم القيامة (3) » رواه مسلم، وقال ذات يوم عليه الصلاة والسلام:«أيحب أحدكم أن يذهب إلى بطحان [وادي في المدينة] فيأتي بناقتين عظيمتين في غير إثم ولا قطيعة رحم؟ فقالوا: كلنا نحب ذلك يا رسول الله. قال: ألا يذهب أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين عظيمتين وثلاث خير من ثلاث وأربع خير من أربع ومن أعدادهن من الإبل (4) » أو كما قال عليه الصلاة والسلام، أخرجه مسلم في الصحيح. وهذا يدل على فضل قراءة القرآن وتعلمه.

ومن ذلك حديث ابن مسعود المشهور المخرج في جامع الترمذي بإسناد حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قرأ حرفا من القرآن فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها (5) » وهكذا السنة إذا تعلمها المؤمن بقراءة الأحاديث ودراستها وتحفظها ومعرفة الصحيح منها من غيره يكون له بذلك أجر عظيم؛ لأن هذا من تعلم العلم الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة (6) » كما تقدم.

وهذا يدل على أن قراءة الآيات وتدبرها ودراسة الأحاديث وحفظها والمذاكرة فيها رغبة في العلم والتفقه في الدين والعمل بذلك - من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار، وهكذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم:«من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (7) » المتفق على صحته يدل على فضل العلم وطلبه وأن ذلك من علامات الخير كما سبق. فالتفقه في الدين يكون من طريق الكتاب ويكون من طريق السنة، فالتفقه في السنة من الدلائل على أن الله أراد بالعبد خيرا، كما أن التفقه في القرآن

(1) صحيح البخاري العلم (71) ، صحيح مسلم الإمارة (1037) ، سنن ابن ماجه المقدمة (221) ، مسند أحمد بن حنبل (4/93) ، موطأ مالك كتاب الجامع (1667) ، سنن الدارمي المقدمة (226) .

(2)

صحيح مسلم الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2699) ، سنن الترمذي القراءات (2945) ، سنن ابن ماجه المقدمة (225) ، مسند أحمد بن حنبل (2/252) ، سنن الدارمي المقدمة (344) .

(3)

صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (804) ، مسند أحمد بن حنبل (5/255) .

(4)

صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (803) ، سنن أبو داود الصلاة (1456) ، مسند أحمد بن حنبل (4/154) .

(5)

سنن الترمذي فضائل القرآن (2910) .

(6)

صحيح مسلم الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2699) ، سنن الترمذي القراءات (2945) ، سنن ابن ماجه المقدمة (225) ، مسند أحمد بن حنبل (2/252) ، سنن الدارمي المقدمة (344) .

(7)

صحيح البخاري العلم (71) ، صحيح مسلم الإمارة (1037) ، سنن ابن ماجه المقدمة (221) ، مسند أحمد بن حنبل (4/93) ، موطأ مالك كتاب الجامع (1667) ، سنن الدارمي المقدمة (226) .

ص: 183

يدل على ذلك، والأدلة في هذا كثيرة والحمد لله. اهـ.

س4: عندنا من المشايخ الصوفية من يهتمون بعمل القباب على الأضرحة والناس يعتقدون فيهم الصلاح والبركة، فإن كان هذا الأمر غير مشروع فما هي نصيحتكم لهم وهم قدوة في نظر السواد الأعظم من الناس. أفيدونا بارك الله فيكم. اهـ.

ج4: النصيحة للعلماء الصوفية ولغيرهم من أهل العلم أن يأخذوا بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وأن يعلموا الناس ذلك وأن يحذروا اتباع من قبلهم فيما يخالف ذلك فليس الدين بتقليد المشايخ ولا غيرهم وإنما الدين ما يؤخذ من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما أجمع عليه أهل العلم وعن الصحابة رضي الله عنهم، هكذا يؤخذ الدين لا عن تقليد زيد أو عمرو ولا عن مشايخ الصوفية ولا غيرهم. وقد دلت السنة الصحيحة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام على أنه لا يجوز البناء على القبور، ولا اتخاذ المساجد عليها، ولا اتخاذ القباب، ولا أي بناء؛ كل ذلك محرم بنص الرسول عليه الصلاة والسلام ومن ذلك ما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (1) » قالت: رضي الله عنها يحذر ما صنعوا.

وفي الصحيحين عن أم سلمة وأم حبيبة رضي الله تعالى عنهما أنهما «ذكرتا للنبي صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتاها في أرض الحبشة وما فيها من الصور فقال صلى الله عليه وسلم: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله (2) »

(1) صحيح البخاري الصلاة (436) ، صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (529) ، سنن النسائي المساجد (703) ، مسند أحمد بن حنبل (6/146) ، سنن الدارمي الصلاة (1403) .

(2)

صحيح البخاري الصلاة (427) ، صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (528) ، سنن النسائي المساجد (704) ، مسند أحمد بن حنبل (6/51) .

ص: 184

فأخبر عليه الصلاة والسلام أن الذين يتخذون المساجد على القبور هم شرار الخلق.

وهكذا من يتخذ عليها الصور؛ لأنها دعاية إلى الشرك ووسيلة له؛ لأن العامة إذا رأوا هذا عظموا المدفونين واستغاثوا بهم ودعوهم من دون الله وطلبوهم المدد والعون، وهذا هو الشرك الأكبر وفي حديث جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه المخرج في صحيح مسلم رحمه الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«إن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا؛ ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك (1) » هكذا رواه مسلم في الصحيح.

فدل ذلك على فضل الصديق رضي الله عنه وأنه أفضل الصحابة وخيرهم وأنه لو اتخذ النبي خليلا لاتخذه خليلا رضي الله عنه، ولكن الله جل وعلا منعه من ذلك حتى تتمخض محبته لربه سبحانه وتعالى، وفي الحديث دلالة على تحريم البناء على القبور واتخاذ مساجد عليها وعلى ذم من فعل ذلك من ثلاث جهات: إحداها: ذمه من فعل ذلك، والثانية: قوله: «فلا تتخذوا القبور مساجد (2) » ، والثالثة: قوله: «فإني أنهاكم عن ذلك (3) » . فحذر من البناء على القبور بهذه الجهات الثلاث فوجب على أمته أن يحذروا ما حذرهم منه وأن يبتعدوا عما ذم الله به من قبلهم من اليهود والنصارى ومن تشبه بهم من اتخاذ المساجد على القبور والبناء عليها، وهذه الأحاديث التي ذكرنا صريحة في ذلك.

والحكمة في ذلك كما قال أهل العلم: الذريعة الموصلة إلى الشرك الأكبر. فعبادة أهل القبور بدعائهم والاستغاثة والنذور والذبائح لهم وطلب المدد والعون منهم كما هو واقع الآن في بلدان كثيرة في السودان ومصر وفي الشام وفي العراق وفي بلدان أخرى - كل ذلك من الشرك الأكبر، يأتي الرجل العامي الجاهل فيقف على صاحب القبر المعروف عندهم فيطلبه المدد والعون كما يقع عند قبر البدوي والحسين وزينب

(1) صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (532) .

(2)

صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (532) .

(3)

صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (532) .

ص: 185

والست نفيسة، وكما يقع في السودان عند قبور كثيرة وكما يقع في بلدان أخرى، وكما يقع في بعض الحجاج الجهال عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وعند قبور أهل البقيع وقبور أخرى يقع هذا من الجهال، فهم يحتاجون إلى التعليم والبيان والعناية من أهل العلم حتى يعرفوا دينهم على بصيرة.

فالواجب على أهل العلم جميعا الذين من الله عليهم بمعرفة دينهم على بصيرة سواء كانوا من الصوفية أو غيرهم، أن يتقوا الله وأن ينصحوا عباد الله وأن يعلموهم دينهم وأن يحذروهم من البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها والقباب أو غير ذلك من أنواع البناء، وأن يحذروهم من الاستغاثة بالموتى ودعائهم فالدعاء عبادة يجب صرفها لله وحده، كما قال الله سبحانه {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} (1) وقال سبحانه:{وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} (2) يعني من المشركين، وقال عليه الصلاة والسلام:«الدعاء هو العبادة (3) » وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله (4) » فالميت قد انقطع عمله وعلمه بالناس وهو في حاجة أن يدعى له ويستغفر له ويترحم عليه لا أن يدعى من دون الله، يقول النبي عليه السلام:«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له (5) » فكيف يدعى من دون الله؟ وهكذا الأصنام وهكذا الأشجار والأحجار والقمر والشمس والكواكب كلها لا تدعى من دون الله ولا يستغاث بها وهكذا أصحاب القبور وإن كانوا أنبياء أو صالحين وهكذا الملائكة والجن لا يدعون مع الله فالله سبحانه يقول: {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (6) فالله لا يأمر باتخاذ

(1) سورة الجن الآية 18

(2)

سورة يونس الآية 106

(3)

سنن الترمذي تفسير القرآن (2969) ، سنن ابن ماجه الدعاء (3828) .

(4)

سنن الترمذي صفة القيامة والرقائق والورع (2516) ، مسند أحمد بن حنبل (1/303) .

(5)

صحيح مسلم الوصية (1631) ، سنن الترمذي الأحكام (1376) ، سنن النسائي الوصايا (3651) ، سنن أبو داود الوصايا (2880) ، مسند أحمد بن حنبل (2/372) ، سنن الدارمي المقدمة (559) .

(6)

سورة آل عمران الآية 80

ص: 186

الملائكة والنبيين أربابا من دونه؛ لأن ذلك كفر بنص الآية.

وفي حديث جابر عند مسلم في صحيحه يقول رضي الله عنه: «نهى رسول الله عن تجصيص القبور وعن القعود عليها وعن البناء عليها (1) » وما ذاك إلا لأن تجصيصها والبناء عليها وسيلة إلى الشرك بأهلها والغلو فيهم.

أما القعود عليها فهو امتهان لها، فلا يجوز ذلك، كما لا يجوز البول عليها والتغوط عليها، ونحو ذلك من أنواع الإهانة؛ لأن المسلم محترم حيا وميتا لا يجوز أن يداس قبره ولا أن تكسر عظامه ولا أن يقعد على قبره ولا أن يبال عليه ولا أن توضع عليه القمائم. كل هذا ممنوع، فالميت لا يمتهن ولا يعظم بالغلو فيه ودعائه مع الله والطواف بقبره ونحو ذلك من أنواع الغلو، وبذلك يعلم أن الشريعة الإسلامية الكاملة جاءت بالأمر الوسط بشأن الأموات فلا يغلى فيهم ويعبدون مع الله ولا يمتهنون بالقعود على قبورهم ونحو ذلك وهي وسط في كل الأمور والحمد لله؛ لأنها تشريع من حكيم عليم يضع الأمور في مواضعها كما قال عز وجل:{إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} (2)

ومن هذا ما جاء في الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها (3) » فجمعت الشريعة الكاملة العظيمة بين الأمرين؛ بين تحريم الغلو بدعاء أهل القبور والاستغاثة بهم والصلاة إلى قبورهم وبين النهي عن إيذائهم وامتهانهم والجلوس على قبورهم أو الوطء عليها والاتكاء عليها، كل هذا ممنوع فلا هذا ولا هذه.

وبهذا يعلم المؤمن ويعلم طالب الحق أن الشريعة جاءت بالوسط لا بالشرك ولا بالإيذاء. فالميت المسلم يدعى له ويستغفر له ويسلم عليه عند زيارته، أما أن يدعى من دون الله أو يطاف بقبره أو يصلى إليه فلا، أما الحي الحاضر فلا بأس بالتعاون معه فيما أباح الله؛ لأن له قدرة

(1) صحيح مسلم الجنائز (970) ، سنن الترمذي الجنائز (1052) ، سنن النسائي الجنائز (2028) ، سنن أبو داود الجنائز (3225) ، مسند أحمد بن حنبل (3/339) .

(2)

سورة الأنعام الآية 83

(3)

صحيح مسلم الجنائز (972) ، سنن الترمذي الجنائز (1050) ، سنن النسائي القبلة (760) ، سنن أبو داود الجنائز (3229) ، مسند أحمد بن حنبل (4/135) .

ص: 187