الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حد السفر الذي يجب به القصر ويباح به الإفطار
قال شيخ الإسلام رحمه الله كما في (ج24 ص38) من "مجموع الفتاوى": وهذا مما اضطرب الناس فيه. قيل: ثلاثة أيام، وقيل: يومين قاصدين. وقيل: أقل من ذلك. حتى قيل: ميل. والذين حددوا ذلك بالمسافة منهم من قال: ثمانية وأربعون ميلاً. وقيل: ستة وأربعون ميلاً. وقيل: خمسة وأربعون. وقيل: أربعون، وهذه أقوال عن مالك. وقد قال أبومحمد المقدسي: لا أعلم لما ذهب إليه الأئمة وجهًا، وهو كما قال رحمه الله فإن التحديد بذلك ليس ثابتًا بنص ولا إجماع ولا قياس. وعامة هؤلاء يفرقون بين السفر الطويل والقصير، ويجعلون ذلك حدًا للسفر الطويل، ومنهم من لا يسمي سفرًا إلا ما بلغ هذا الحد وما دون ذلك لا يسميه سفرًا.
فالذين قالوا: ثلاثة أيام، احتجوا بقوله:((يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن)). وقد ثبت عنه في "الصحيحين" أنه قال: ((لا تسافر امرأة مسيرة ثلاثة أيّام إلا ومعها ذو محرم)). وقد ثبت عنه في "الصحيحين" أنه قال:
((مسيرة يومين)). وثبت في "الصحيح": ((مسيرة يوم))، وفي "السنن":((بريدًا)) فدل على أن ذلك كله سفر، وإذنه له في المسح ثلاثة أيام إنما هو تجويز لمن سافر ذلك، وهو لا يقتضي أن ذلك أقل السفر، كما أذن للمقيم أن يمسح يومًا وليلة وهو لا يقتضي أن ذلك أقل الإقامة.
والذين قالوا: يومين، اعتمدوا على قول ابن عمر، وابن عباس. والخلاف في ذلك مشهور عن الصحابة حتى عن ابن عمر، وابن عباس. وما روي:((ياأهل مكّة لا تقصروا في أقلّ من أربعة برد من مكة إلى عسفان)). إنما هو من قول ابن عباس. ورواية ابن خزيمة وغيره له مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم باطل بلا شك عند أئمة أهل الحديث. وكيف يخاطب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أهل مكة بالتحديد، وإنما أقام بعد الهجرة زمنًا يسيرًا، وهو بالمدينة لا يحد لأهلها حدًا كما حده لأهل مكة، وما بال التحديد يكون لأهل مكة دون غيرهم من المسلمين.
وأيضًا فالتحديد بالأميال والفراسخ يحتاج إلى معرفة مقدار مساحة الأرض، وهذا أمر لا يعلمه إلا خاصة الناس، ومن ذكره فإنما يخبر به عن غيره تقليدًا وليس هو مما يقطع به، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يقدر الأرض بمساحة أصلاً فكيف يقدر الشارع لأمته حدًا لم يجر له ذكر في كلامه وهو مبعوث إلى جميع الناس، فلا بد أن يكون مقدار السفر معلومًا علمًا عامًا، وذرع الأرض مما لا يمكن، بل هو إما متعذر وإما متعسر، لأنه إذا أمكن الملوك ونحوهم مسح طريق فإنما يمسحونه على خط مستو أو خطوط منحنية انحناءً مضبوطًا، ومعلوم أن المسافرين قد يعرفون غير تلك الطريق، وقد يسلكون غيرها وقد يكون في المسافة صعود، وقد يطول سفر بعضهم لبطء حركته، ويقصر سفر بعضهم لسرعة حركته، والسبب الموجب هو نفس السفر لا نفس مساحة الأرض.
والموجود في كلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والصحابة في تقدير الأرض بالأزمنة كقوله في الحوض: ((طوله شهر وعرضه شهر)) وقوله: ((بين السّماء والأرض
خسمائة سنة (1)) وفى حديث آخر: ((إحدى أو اثنتان أو ثلاث وسبعون
سنة))، فقيل: الأول: بالسير المعتاد سير الإبل والأقدام، والثاني: سير البريد، فإنه في العادة يقطع بقدر المعتاد سبع مرات. وكذلك الصحابة يقولون: يوم تام، ويومان. ولهذا قال من حده بثمانية وأربعين ميلاً: مسيرة يومين قاصدين بسير الإبل والأقدام، لكن هذا لا دليل عليه.
وإذا كان كذلك فنقول: كل اسم ليس له حدّ في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى العرف. فما كان سفرًا في عرف الناس فهو السفر الذى علق به الشارع الحكم، وذلك مثل سفر أهل مكة إلى عرفة، فإن هذه المسافة بريد وهذا سفر ثبت فيه جواز القصر والجمع بالسنة والبريد هو نصف يوم بسير الإبل والأقدام وهو ربع مسافة يومين وليلتين، وهو الذي قد يسمى مسافة القصر، وهو الذي يمكن الذاهب إليها أن يرجع من يومه.
وأما ما دون هذه المسافة إن كانت مسافة القصر محدودة بالمساحة فقد قيل: يقصر في ميل، وروي عن ابن عمر أنه قال: لو سافرت ميلاً لقصرت. قال ابن حزم: لم نجد أحدًا يقصر في أقل من ميل، ووجد ابن عمر وغيره يقصرون في هذا القدر، ولم يحد الشارع في السفر حدًا. فقلنا بذلك اتباعًا للسنة المطلقة، ولم نجد أحدًا يقصر بما دون الميل، ولكن هو على أصله، وليس هذا إجماعًا فإذا كان ظاهر النص يتناول ما دون ذلك. لم يضره أن يعرف أحدًا ذهب إليه كعادته في أمثاله.
(1) هو حديثٌ ضعيفٌ، ولم يثبت شيءٌٌ عن النبي في تقدير ما بين السماء والأرض، ولا في تقدير ما بين كل سماءين.
وأيضًا فليس في قول ابن عمر أنه لا يقصر في أقل من ذلك. وأيضًا فقد ثبت عن ابن عمر أنه كان لا يقصر في يوم أو يومين، فإما أن تتعارض أقواله أو تحمل على اختلاف الأحوال، والكلام في مقامين:
المقام الأول: أن من سافر مثل سفر أهل مكة إلى عرفات يقصر، وأما إذا قيل: ليست محدودة بالمسافة، بل الاعتبار بما هو سفر، فمن سافر ما يسمى سفرًا، قصر، وإلا فلا.
وقد يركب الرجل فرسخًا يخرج به لكشف أمر وتكون المسافة أميالاً، ويرجع في ساعة أو ساعتين، ولا يسمى مسافرًا، وقد يكون غيره في مثل تلك المسافة مسافرًا بأن يسير على الإبل والأقدام سيرًا، لا يرجع فيه ذلك اليوم إلى مكانه، والدليل على ذلك من وجوه:
أحدها: أنه قد ثبت بالنقل الصحيح المتفق عليه بين علماء أهل الحديث أنّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حجة الوداع كان يقصر الصلاة بعرفة ومزدلفة، وفي أيام منى، وكذلك أبوبكر وعمر بعده، وكان يصلي خلفهم أهل مكة ولم يأمروهم بإتمام الصلاة، ولا نقل أحد لا بإسناد صحيح ولا ضعيف أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لأهل مكة لما صلى بالمسلمين ببطن عرنة الظهر ركعتين قصرًا وجمعًا ثم العصر ركعتين: ياأهل مكة أتموا صلاتكم. ولا أمرهم بتأخير صلاة العصر، ولا نقل أحد أن أحدًا من الحجيج لا أهل مكة ولا غيرهم صلى خلف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خلاف ما صلى بجمهور المسلمين، أو نقل أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو عمر قال في هذا اليوم: ياأهل مكة أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر. فقد
غلط وإنما نقل أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال هذا في جوف مكة (1) لأهل مكة عام الفتح.
وقد ثبت أن عمر بن الخطاب قاله لأهل مكة لما صلى في جوف مكة، ومن المعلوم أنه لو كان أهل مكة قاموا فأتموا وصلوا أربعًا، وفعلوا ذلك بعرفة ومزدلفة وبمنى أيام منى لكان مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله بالضرورة، بل لو أخروا صلاة العصر ثم قاموا دون سائر الحجاج فصلوها قصرًا لنقل ذلك، فكيف إذا أتموا الظهر أربعًا من دون المسلمين.
وأيضًا فإنّهم إذا أخذوا في إتمام الظهر والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد شرع في العصر لكان إما أن ينتظرهم فيطيل القيام، وإما أن يفوتهم معه بعض العصر، بل أكثرها، فكيف إذا كانوا يتمّون الصلوات، وهذا حجة على كل أحد وهو على من يقول: إن أهل مكة جمعوا معه أظهر، وذلك أن العلماء تنازعوا في أهل مكة يقصرون ويجمعون بعرفة على ثلاثة أقوال:
فقيل لا يقصرون ولا يجمعون، وهذا هو المشهور عند أصحاب الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد كالقاضي في "المجرد" وابن عقيل في "الفصول" لاعتقادهم أن ذلك معلق بالسفر الطويل وهذا قصير.
والثاني: أنّهم يجمعون ولا يقصرون. هذا مذهب أبي حنيفة وطائفة من أصحاب أحمد، ومن أصحاب الشافعي والمنقولات عن أحمد توافق هذا، فإنه أجاب في غير موضع بأنّهم لا يقصرون، ولم يقل: لا يجمعون. وهذا هو الذي رجّحه أبومحمد المقدسي في الجمع، وأحسن في ذلك.
(1) لم يثبت هذا، وثبت عن عمر، كما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله.
والثالث: أنّهم يجمعون ويقصرون، وهذا مذهب مالك. وإسحاق بن راهويه، وهو قول طاووس وابن عيينة وغيرهما من السلف، وقول طائفة من أصحاب أحمد والشافعي كأبي الخطاب في "العبادات الخمس" وهو الذي رجّحه أبومحمد المقدسي وغيره من أصحاب أحمد، فإن أبا محمد وموافقيه رجّحوا الجمع للمكي بعرفة.
وأما القصر فقال أبومحمد: الحجة مع من أباح القصر لكل مسافر إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه، والمعلوم أن الإجماع لم ينعقد على خلافه. وهو اختيار طائفة من علماء أصحاب أحمد، كان بعضهم يقصر الصلاة في مسيرة بريد وهذا هو الصواب الذي لا يجوز القول بخلافه لمن تبين السنة وتدبّرها، فإن من تأمّل الأحاديث في حجة الوداع وسياقها، علم علمًا يقينًا أن الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أهل مكة وغيرهم صلوا بصلاته قصرًا وجمعًا، ولم يفعلوا خلاف ذلك، ولم ينقل أحد قط عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال بعرفة ولا مزدلفة ولا منًى:((يا أهل مكّة أتمّوا صلاتكم، فإنّا قوم سفر)). وإنما نقل أنه قال ذلك في نفس مكة كما رواه أهل السنن عنه (1). وقوله في ذلك في داخل مكة دون عرفة ومزدلفة ومنى، دليل على الفرق، وقد روي من جهة أهل العراق عن عمر أنه كان يقول بمنى: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر. وليس له إسناد.
وإذا ثبت ذلك فالجمع بين الصلاتين قد يقال إنه لأجل النسك، كما
(1) تقدم أنه لا يثبت عن النبي لأنه من طريق علي بن زيد بن جدعان. مختلفٌ فيه والراجح ضعفه، وقد ثبت عن عمر رضي الله عنه أنه قال لأهل مكة بمكة كما تقدم.
تقوله الحنفية وطائفة من أصحاب أحمد، وهو مقتضى نصه فإنه يمنع المكي من القصر بعرفة، ولم يمنعه من الجمع. وقال في جمع المسافر: إنه يجمع في الطويل كالقصر عنده، وإذا قيل: الجمع لأجل النسك، ففيه قولان:
أحدهما: لا يجمع إلا بعرفة ومزدلفة، كما تقوله الحنفية.
والثاني: أنه يجمع لغير ذلك من الأسباب المقتضية للجمع، وإن لم يكن سفرًا وهو مذهب الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد. وقد يقال: لأن ذلك سفر قصير، وهو يجوز الجمع في السفر القصير، كما قال هذا بعض الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، فإن الجمع لا يختص بالسفر، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يجمع في حجته إلا بعرفة ومزدلفة، ولم يجمع بمنى، ولا في ذهابه وإيابه، ولكن جمع قبل ذلك في غزوة تبوك، والصحيح أنه لم يجمع بعرفة لمجرد السفر، كما قصر للسفر بل لاشتغاله باتصال الوقوف عن النْزول، ولاشتغاله بالمسير إلى مزدلفة، وكان جمع عرفة لأجل العبادة، وجمع مزدلفة لأجل السير الذي جد فيه، وهو سيره إلى مزدلفة، وكذلك كان يصنع في سفره، كان إذا جدّ به السير أخّر الأولى إلى وقت الثانية، ثم ينْزل فيصليهما جميعا، كما فعل بمزدلفة، وليس في شريعته ما هو خارج عن القياس، بل الجمع الذي جمعه هناك يشرع أن يفعل نظيره، كما يقول الأكثرون. ولكن أبوحنيفة يقول: هو خارج عن القياس، وقد علم أن تخصيص العلة إذا لم تكن لفوات شرط، أو وجود مانع دل على فسادها، وليس فيما جاء من عند الله اختلاف ولا تناقض، بل حكم الشيء حكم مثله، والحكم إذا ثبت بعلة ثبت بنظيرها.
وأما القصر فلا ريب أنه من خصائص السفر، ولا تعلق له بالنسك، ولا
مسوغ لقصر أهل مكة بعرفة وغيرها إلا أنّهم بسفر، وعرفة عن المسجد بريد، كما ذكره الذين مسحوا ذلك. وذكره الأزرقي في "أخبار مكة". فهذا قصر في سفر قدره بريد، وهم لما رجعوا إلى منى كانوا في الرجوع من السفر، وإنما كان غاية قصدهم بريدًا، وأي فرق بين سفر أهل مكة إلى عرفة وبين سفر سائر المسلمين إلى قدر ذلك من بلادهم. والله لم يرخص في الصلاة ركعتين إلا لمسافر، فعلم أنّهم كانوا مسافرين، والمقيم إذا اقتدى بمسافر فإنه يصلي أربعًا. كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأهل مكة في مكة:((أتمّوا صلاتكم فأنّا قوم سفر (1)). وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم من العلماء، ولكن في مذهب مالك نزاع.
الدليل الثاني: أنه قد نهى أن تسافر المرأة إلا مع ذي محرم أو زوج: تارةً يقدر وتارةً يطلق. وأقل ماروي في التقدير بريد، فدل ذلك على أن البريد يكون سفرًا، كما أن الثلاثة الأيام تكون سفرًا، واليومين تكون سفرًا: واليوم يكون سفرًا. هذه الأحاديث ليس لها مفهوم بل نهى عن هذا وهذا وهذا.
الدليل الثالث: أن السفر لم يحده الشارع، وليس له حد في اللغة، فرجع فيه إلى ما يعرفه الناس ويعتادونه، فما كان عندهم سفرًا فهو سفر. والمسافر يريد أن يذهب إلى مقصده ويعود إلى وطنه، وأقل ذلك مرحلة يذهب في نصفها، ويرجع في نصفها، وهذا هو البريد وقد حدوا بهذه المسافة الشهادة على الشهادة، وكتاب القاضي إلى القاضي، والعدو على الخصم، والحضانة،
(1) تقدم أنه لا يثبت مرفوعًا.
وغير ذلك مما هو معروف في موضعه، وهو أحد القولين في مذهب أحمد. فلو كانت المسافة محدودة لكان حدها بالبريد أجود، لكن الصواب أن السفر ليس محددًا بمسافة بل يختلف، فيكون مسافرًا في مسافة بريد، وقد يقطع أكثر من ذلك ولا يكون مسافرًا.
الدليل الرابع: أن المسافر رخص الله له أن يفطر في رمضان، وأقل الفطر يوم، ومسافة البريد يذهب إليها ويرجع في يوم، فيحتاج إلى الفطر فى شهر رمضان، ويحتاج أن يقصر الصلاة بخلاف ما دون ذلك، فإنه قد لا يحتاج فيه إلى قصر ولا فطر إذا سافر أول النهار ورجع قبل الزوال، وإذا كان غدوه يومًا، ورواحه يومًا، فإنه يحتاج إلى القصر والفطر، وهذا قد يقتضي أنه قد يرخص له أن يقصر ويفطر في بريد، وإن كان قد لا يرخص له في أكثر منه إذا لم يعد مسافرًا.
الدليل الخامس: أنه ليس تحديد من حدّ المسافة بثلاثة أيام بأولى ممن حدها بيومين، ولا اليومان بأولى من يوم، فوجب أن لا يكون لها حد بل كل ما يسمى سفرًا يشرع. وقد ثبت بالسنة القصر في مسافة بريد، فعلم أن في الأسفار ما قد يكون بريدًا، وأدنى ما يسمى سفرًا في كلام الشارع البريد، وأما ما دون البريد كالميل فقد ثبت في "الصحيحين" من حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يأتي قباء كل سبت وكان يأتيه راكبًا وماشيًا، ولا ريب أن أهل قباء وغيرهم من أهل العوالي كانوا يأتون إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يقصروا الصلاة هو ولا هم.
وقد كانوا يأتون الجمعة من نحو ميل وفرسخ ولا يقصرون الصلاة، والجمعة على من سمع النداء، والنداء قد يسمع من فرسخ، وليس كل من
وجبت عليه الجمعة أبيح له القصر، والعوالي بعضها من المدينة وإن كان اسم المدينة يتناول جميع المساكن كما قال تعالى:{وممّن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النّفاق} (1) وقال: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أنْ يتخلّفوا عن رسول الله} (2).
وأما ما نقل عن ابن عمر، فينظر فيه هل هو ثابت أم لا؟ فإن ثبت فالرواية عنه مختلفة وقد خالفه غيره من الصحابة، ولعله أراد إذا قطعت من المسافة ميلاً ولاريب أن قباء من المدينة أكثر من ميل، وما كان ابن عمر ولا غيره يقصرون الصلاة إذا ذهبوا إلى قباء.
فقصر أهل مكة الصلاة بعرفة، وعدم قصر أهل المدينة الصلاة إلى قباء ونحوها مما حول المدينة دليل على الفرق. والله أعلم.
وقال رحمه الله تعالى في ص (131): وفي "صحيح مسلم" حدثنا ابن أبي شيبة وابن بشار كلاهما عن غندر، عن شعبة، عن يحيى بن يزيد الهنائي: سألت أنس بن مالك عن قصر الصّلاة؟ فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ -شعْبة الشّاكّ- صلّى ركعتين. ولم ير أنس أن يقطع من المسافة الطويلة هذا؟ لأن السائل سأله عن قصر الصلاة، وهو سؤال عما يقصر فيه ليس سؤالاً عن أول صلاة يقصرها، ثم إنه لم يقل أحد إن أول صلاة لا يقصرها إلا في ثلاثة أميال أو أكثر من ذلك، فليس في هذا جواب لو كان المراد ذلك، ولم يقل ذلك أحد، فدل
(1) سورة التوبة، الآية:101.
(2)
سورة التوبة، الآية:120.
على أن أنسًا أراد أنه من سافر هذه المسافة قصر، ثم ما أخبر به عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فعل من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يبين هل كان ذلك الخروج هو السفر، أو كان ذلك هو الذي قطعه من السفر، فإن كان أراد به أن ذلك كان سفره فهو نص، وإن كان ذلك الذي قطعه من السفر فأنس بن مالك استدل بذلك على أنه يقصر إليه إذا كان هو السفر، يقول: إنه لا يقصر إلا في السفر، فلولا أن قطع هذه المسافة سفر لما قصر.
وهذا يوافق قول من يقول: لا يقصر حتى يقطع مسافة تكون سفرًا، لا يكفي مجرد قصده المسافة التي هي سفر، وهذا قول ابن حزم وداود وأصحابه. وابن حزم يحد مسافة القصر بميل، ولكن داود وأصحابه يقولون: لا يقصر إلا فى حج أو عمرة أو غزو. وابن حزم يقول: إنه يقصر في كل سفر. وابن حزم عنده أنه لا يفطر إلا في هذه المسافة، وأصحابه يقولون: إنه يفطر في كل سفر بخلاف القصر، لأن القصر ليس عندهم فيه نص عام عن الشارع، وإنما فيه فعله أنه قصر في السفر، ولم يجدوا أحدًا قصر فيما دون ميل، ووجدوا الميل منقولاً عن ابن عمر. وابن حزم يقول: السفر هو البروز من محلة الإقامة، لكن قد علم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج إلى البقيع لدفن الموتى، وخرج إلى الفضاء للغائط والناس معه فلم يقصروا، ولم يفطروا. فخرج هذا عن أن يكون سفرًا، ولم يجدوا أقل من ميل يسمى سفرًا، فإن ابن عمر قال: لو خرجت ميلاً لقصرت الصلاة. فلما ثبت أن هذه المسافة جعلها سفرًا، ولم نجد أعلى منها يسمى سفرًا جعلنا هذا هو الحد. قال: وما دون الميل من آخر بيوت قريته له حكم الحضر، فلا يقصر فيه ولا يفطر، وإذا بلغ الميل فحينئذ صار له سفر يقصر فيه الصلاة ويفطر فيه، فمن حينئذ
يقصر ويفطر، وكذلك إذا رجع فكان على أقل من ميل فإنه يتم ليس في سفر يقصر فيه.
قلت: جعل هؤلاء السفر محدودًا في اللغة. قالوا: وأقل ما سمعنا أنه يسمى سفرًا هو الميل، وأولئك جعلوه محدودًا بالشرع، وكلا القولين ضعيف. أما الشارع فلم يحده. وكذلك أهل اللغة لم ينقل أحد عنهم أنّهم قالوا: الفرق بين ما يسمى سفرًا، وما لا يسمى سفرًا هو مسافة محدودة، بل نفس تحديد السفر بالمسافة باطل في الشرع واللغة، ثم لو كان محدودًا بمسافة ميل فإن أريد أن الميل يكون من حدود القرية المختصة به فقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخرج أكثر من ميل من محله في الحجاز ولا يقصر ولا يفطر، وإن أراد من المكان المجتمع الذي يشمله اسم مدينة ميلاً فقيل له: فلا حجة لك في خروجه إلى المقابر والغائط، لأن تلك لم تكن خارجًا عن آخر المدينة. ففي الجملة كان يخرج إلى العوالي وإلى أحد، كما كان يخرج إلى المقابر والغائط، وفي ذلك ما هو أبعد من ميل، وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه يخرجون من المدينة إلى أكثر من ميل، ويأتون إليها أبعد من ميل، ولا يقصرون، كخروجهم إلى قباء، والعوالي وأحد، ودخولهم للجمعة وغيرهما من هذه الأماكن.
وكان كثير من مساكن المدينة عن مسجده أبعد من ميل، فإن حرم المدينة بريد في بريد، حتى كان الرجلان من أصحابه لبعد المكان يتناوبان الدخول يدخل هذا يومًا، وهذا يومًا، كما كان عمر بن الخطاب وصاحبه الأنصاري يدخل هذا يومًا وهذا يومًا. وقول ابن عمر: لو خرجت ميلاً قصرت الصلاة. هو كقوله: إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر. وهذا إما
أن يريد به ما يقطعه من المسافة التى يقصدها، فيكون قصده إني لا أوخر القصر إلى أن أقطع مسافةً طويلة. وهذا قول جماهير العلماء إلا من يقول: إذا سافر نهارًا لم يقصر إلى الليل.
وقد احتج العلماء على هؤلاء بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين. وقد يحمل حديث أنس بن مالك على هذا، لكن فعله يدل على المعنى الأول أو يكون مراد ابن عمر: من سافر قصر ولو كانت قصده هذه المسافة، إذا كان في صحراء بحيث يكون مسافرًا لا يكون متنقلاً بين المساكن، فإن هذا ليس بمسافر باتفاق الناس، وإذا قدر أن هذا مسافر، فلو قدر أنه مسافر أقل من الميل بعشرة أذرع فهو أيضًا مسافر، فالتحديد بالمسافة لا أصل له في شرع، ولا لغة، ولا عرف، ولا عقل، ولا يعرف عموم الناس مساحة الأرض، فلا يجعل ما يحتاج إليه عموم المسلمين معلقًا بشيء لا يعرفونه، ولم يمسح أحد الأرض على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا قدّر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الأرض بالأميال ولا فراسخ، والرجل قد يخرج من القرية إلى صحراء لحطب يأتي به فيغيب اليومين والثلاثة فيكون مسافرًا، وإن كانت المسافة أقل (1) من ميل بخلاف من يذهب ويرجع من يومه، فإنه لا يكون في ذلك مسافرًا، فإن الأول يأخذ الزاد والمزاد، بخلاف الثاني فالمسافة
(1) الظاهر أنه لا يسمى مسافرًا لا لغةً ولا شرعًا، وأعدل الأقوال ما تقدم لشيخ الإسلام رحمه الله أنه إذا خرج مسافة نصف يومٍ يسمى مسافرًا، وكما تقدم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يأمر أهل مكة أن يتموا بعرفة، وهكذا في مزدلفة ومنى، ولكن مزدلفة ومنى عند الذهاب إلى عرفة لأنَّهم متوجهون إلى سفرٍ، وعند الرجوع لأنَّهم راجعون من سفرٍ كما تقدم عن شيخ الإسلام رحمه الله.
القريبة في المدة الطويلة تكون سفرًا، والمسافة البعيدة في المدة القليلة لا تكون سفرًا.
فالسفر يكون بالعمل الذى سمي سفرًا لأجله، والعمل لا يكون إلا في زمان، فإذا طال العمل وزمانه فاحتاج إلى ما يحتاج إليه المسافر من الزاد والمزاد سمي مسافرًا، وإن لم تكن المسافة بعيدة، وإذا قصر العمل والزمان بحيث لا يحتاج إلى زاد ومزاد، لم يسم سفرًا، وإن بعدت المسافة فالأصل هو العمل الذى يسمى سفرًا، ولا يكون العمل إلا في زمان فيعتبر العمل الذي هو سفر، ولا يكون ذلك إلا في مكان يسفر عن الأماكن، وهذا مما يعرفه الناس بعاداتهم، ليس له حد في الشرع، ولا اللغة، بل ماسمّوه سفرًا فهو سفر.
مسألة:
لا يثبت حديث في الجمع في المطر، وقد جاء حديث مرسل، والمرسل من قسم الضعيف. وأما حديث ابن عباس أنّ النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم جمع في المدينة من غير خوف ولا مطر. فليس بصريح في الجمع في المطر.
وقد شرع لنا أن نصلي في رحالنا في المطر كما في حديث ابن عباس وابن عمر وغيرهما: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر أن يقول المؤذن في الأذان بدل حي على الصلاة حي على الصلاة: صلوا في رحالكم، صلوا في رحالكم. وفي حديث ابن عمر أنّها تقال بعد الأذان، وحديث ابن عباس متفق عليه، وحديث ابن عمر متفق عليه.
وبهذا ينتهي ما يسر الله جمعه، فله الحمد والمنة. ونسأله المزيد من فضله، إنه جواد كريم.