الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرد على الملاحدة الذين يسندون الحوادث إلى الطبيعة
وقال سبحانه وتعالى: {إنّ في خلق السّموات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار لآيات لأولي الألباب} (2).
وقال تعالى: {وهو الّذي أنشأ جنّات معروشات وغير معروشات
(1) سورة البقرة، الآية:164.
(2)
سورة آل عمران، الآية:90.
(3)
سورة المائدة، الآية:110.
والنّخل والزّرع مختلفًا أكله والزّيتون والرّمّان متشابهًا وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقّه يوم حصاده ولا تسرفوا إنّه لا يحبّ المسرفين (1)}.
وقال تعالى: {الله الّذي رفع السّموات بغير عمد ترونها ثمّ استوى على العرش وسخّر الشّمس والقمر كلّ يجري لأجل مسمًّى يدبر الأمر يفصّل الآيات لعلّكم بلقاء ربكم توقنون * وهو الّذي مدّ الأرض وجعل فيها
(1) سورة الأنعام، الآية:141.
(2)
سورة الأعراف، الآية:154.
(3)
سورة الأنعام، الآية:99.
(4)
سورة الأعراف، الآية: 57 - 58.
رواسي وأنْهارًا ومن كلّ الثّمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي اللّيل النّهار إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون * وفي الأرض قطع متجاورات وجنّات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضّل بعضها على بعض في الأكل إنّ في ذلك لآيات لقوم يعقلون} (1).
وقال تعالى: {وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون * قل أرأيتم إن جعل الله عليكم اللّيل سرمدًا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النّهار سرمدًا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون * ومن رحمته جعل لكم اللّيل والنّهار لتسكنوا فيه
(1) سورة الرعد، آية: 2 - 4.
(2)
هذا قبل تحريم الخمر.
(3)
سورة النحل، آية: 65 - 69.
ولتبتغوا من فضله ولعلّكم تشكرون (1)}.
وقال تعالى: {والله خلقكم من تراب ثمّ من نطفة ثمّ جعلكم أزواجًا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمّر من معمّر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إنّ ذلك على الله يسير * وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كلّ تأكلون لحمًا طريًّا
(1) سورة القصص، آية:70 - 73.
(2)
سورة الروم، آية:20 - 24.
(3)
سورة السجدة، آية: 26 - 27.
وتستخرجون حليةً تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلّكم تشكرون} (1).
وقال تعالى: {ومن آياته أنّك ترى الأرض خاشعةً فإذا أنزلنا عليها الماء
(1) سورة فاطر، آية: 11 - 12.
(2)
سورة يس، آية: 33 - 44.
(3)
سورة غافر، الآية:67.
اهتزّت وربتْ إنّ الّذي أحياها لمحيي الموتى إنّه على كلّ شيء قدير} (1).
وقال تعالى: {إنّ الله يمْسك السّموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنّه كان حليمًا غفورًا (4)} .
وقال تعالى: {أولم يروا إلى الطّير فوقهم صافّات ويقْبضن ما يمسكهنّ إلا الرّحمن إنّه بكلّ شيء بصير (5)} .
وقال سبحانه وتعالى: {فلينظر الإنسان إلى طعامه * أنّا صببنا الماء صبًّا * ثمّ شققنا الأرض شقًّا * فأنبتنا فيها حبًّا * وعنبًا وقضبًا *
(1) سورة فصلت، الآية:39.
(2)
سورة الجاثية، آية: 3 - 5.
(3)
سورة الملك، الآية: 3 - 5.
(4)
سورة فاطر، الآية:41.
(5)
سورة الملك، الآية:9.
وزيتونًا ونخلاً * وحدائق غلبًا * وفاكهةً وأبًّا * متاعًا لكم ولأنعامكم (1)} (2).
إنك إذا تدبّرت هذه الآيات علمت أن الملاحدة ليسوا بعقلاء ولا بذوي سمع وبصر وفكر، ويقال للملاحدة الذين يسندون الأشياء إلى الطبيعة: هل هذه الطبيعة خالقة أم مخلوقه؟ قال الله سبحانه وتعالى: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون (3)} .
لما كان العرب الذين نزل القرآن في عصرهم يفهمون الألفاظ العربية، قال جبير بن مطعم -وكان آنذاك مشركًا-: لما سمعت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقرأ: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} . قال: كاد قلبي أن يطير، وفي رواية: فوقع الإيمان في قلبي.
أما هؤلاء فذاك أعجميّ، وذاك مخمور العقل، وذاك مخدّر بآلات الّلهو والطّرب، وذاك مخدّر بالفتيات الفاتنات، وذاك بليد، وذاك مشغول ببطنه، وصدق الله إذ يقول في وصفهم بأنّهم لا يعقلون ولا يسمعون ولا يهتدون ولا يتفكرون.
إنه يقال لهم: مال هذه الطبيعة لا تخلق الآن جبالاً، ولا تخلق للناس زرعًا عند حاجتهم إليه؟ {كبرت كلمةً تخرج من أفواههم إن يقولون إلاّ
(1) في الآيات القرآنية دليل أن هذا الكون صنع خالقٍ عليمٍ حكيمٍ خبير يصرَّفه كيف يشاء تعالى الله عما يقول الملاحدة علوًا كبيرًا.
(2)
سورة عبس، آية: 24 - 32.
(3)
سورة الطور، الآية:35.
كذبًا (1)}.
أليس البعرة تدل على البعير؟ والأثر يدل على المسير؟ فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج لا تدل على اللطيف الخبير؟! ونسألهم: هل تستطيع الطبيعة أن تعلم ما في صدر المخلوق؟ وهل تستجيب للدعاء؟ أما الله سبحانه وتعالى فإنه يخبر نبيّه ببعض ما في صدور عباده، كما في دلائل النبوة.
والمسلم يدعو الله فيستجيب له ويرى الإجابة أمامه. فهل تستطيع الطبيعة أن تجيب الدعاء؟ وهل تستطيع الطبيعة أن تكثّر الماء القليل الذي هو قدر صاع حتى يروي ويتوضأ منه الخلق الكثير؟ وهل تستطيع الطبيعة أن تكثّر الطعام القليل الذي لا يكفي ثلاثة فيكفي الخلق الكثير، وقد أجْري هذا الخير الكثير وغيره على يدي نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما ذكرناه في "الصحيح المسند من دلائل النبوة.
هل تستطيع الطبيعة أن تخالف سنة الله أو أن تخلق إنسانًا لا ينام؟ هؤلاء الطبائعيون أشبه بالحمر.
ورب العزة يقول في كتابه الكريم: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون (2)} .
فهم لو نظروا في تصرف الله فيهم، وفي قلوبهم وإرادتهم لما كابروا، فليأمروا الطبيعة أن تخلق لنا إنسانًا لا يبول ولا يتغوط!! أولست تريد أمرًا وتصمم عليه ويريد الله أمرًا غيره فتنصرف إلى ما يريده الله؟ وهذا أمر يحس
(1) سورة الكهف، الآية:5.
(2)
سورة الذاريات، الآية:21.
به كل أحد منا، ولكن صدق الله إذ يقول:{فإنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب الّتي في الصّدور} (1).
العاقل تتوارد على قلبه الدلائل الإلهية حتى إنه لا يدري بأيّها يبدأ كما قيل:
فيا عجبًا كيف يعصى الإله وفي كلّ شيء
…
له آية
…
أم كيف يجحده الجاحد تدلّ
…
على أنه
…
الواحد
نحن نأسف لبعض الملاحدة المخذولين الذين منّ الله عليهم وجعلهم من ذوي اللسان العربي ثم لا يشكرون الله على هذه النعمة، ويتّبعون أناسًا كالأنعام بل هم أضل، ذاك كوبي، وذاك روسي، أعاجم لا يفهمون الإسلام على حقيقته ولا يفهمون قول الله ولا قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولعل بعضهم لم يبلغه الإسلام على حقيقته.
جدير بأبناء اليمن أن لا يودّعوا عقولهم لماركس ولينين ومن جرى مجراهم من أئمة الضلال، فأنتم أيها اليمنيون لكم مواقف طيّبة في الدفاع عن الإسلام في عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وفي الفتوحات الإسلامية، ثم بعد هذا تلحقون بأنفسكم الخزي وتحرمون نعيم الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
أي خير تحرمونه أيها الملاحدة؟ وأي خطر تعرّضون له أنفسكم؟ إنّها النار التي وقودها الناس والحجارة، وهناك لا تنفع المكابرة ولا ينفعك
(1) سورة الحج، الآية:46.
ماركس ولينين، بل يكونان أمامك في النار أعاذنا الله وإياكم من عمى البصيرة، وثبّتنا بالقول الثابت في الدنيا والآخرة وهو حسبنا ونعم الوكيل.
والملاحدة الذين يقولون: حوادث طبيعية. ينكرون القيامة، كبرت كلمةً تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا.
قال الله سبحانه وتعالى: {ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفًا * فيذرها قاعًا صفصفًا * لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا (1)} .
وقال سبحانه وتعالى: {ياأيّها النّاس إن كنتم في ريب من البعث فإنّا خلقناكم من تراب ثمّ من نطفة ثمّ من علقة ثمّ من مضغة مخلّقة وغير مخلّقة لنبيّن لكم ونقرّ في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمًّى ثمّ نخرجكم طفلاً ثمّ لتبلغوا أشدّكم ومنكم من يتوفّى ومنكم من يردّ إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئًا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزّت وربتْ وأنبتت من كلّ زوج بهيج * ذلك بأنّ الله هو الحقّ وأنّه يحي الموتى وأنّه على كلّ شيء قدير * وأنّ السّاعة آتية لا ريب فيها وأنّ الله يبعث من في القبور * ومن النّاس من يجادل في الله بغير علم ولا
(1) سورة طه، آية: 105 - 107.
هدًى ولا كتاب منير * ثاني عطفه ليضلّ عن سبيل الله له في الدّنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق (1)}.
وقال سبحانه وتعالى: {بسم الله الرحمن الرحيم * ق * والقرآن المجيد * بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافر ون هذا شيء عجيب * أئذا متنا وكنّا ترابًا ذلك رجع بعيد * قد علمنا ما تنقص الأرض منهم
(1) سورة الحج، آية:5 - 9.
(2)
سورة المؤمنون، آية: 12 - 16.
(3)
سورة يس، آية: 77 - 83.
وعندنا كتاب حفيظ * بل كذّبوا بالحقّ لمّا جاءهم فهم في أمر مريج * أفلم ينظروا إلى السّماء فوقهم كيف بنيناها وزيّنّاها وما لها من فروج * والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كلّ زوج بهيج * تبصرة وذكرى لكلّ عبد منيب * ونزّلنا من السّماء ماءً مباركًا فأنبتنا به جنّات وحبّ الحصيد * والنّخل باسقات لها طلع نضيد * رزقًا للعباد وأحيينا به بلدةً ميتًا كذلك الخروج (1)}.
وقال سبحانه وتعالى: {وكانوا يقولون أئذا متنا وكنّا ترابًا وعظامًا أئنّا لمبعوثون * أو آباؤنا الأوّلون * قل إنّ الأوّلين والآخرين * لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم * ثمّ إنّكم أيّها الضّالّون المكذّبون * لآكلون من شجر من زقّوم * فمالئون منها البطون * فشاربون عليه من الحميم * فشاربون شرب الهيم * هذا نزلهم يوم الدّين * نحن خلقناكم فلولا تصدّقون * أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون * نحن قدّرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين * على أن نبدّل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون * ولقد علمتم النّشأة الأولى فلولا تذكّرون * أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزّارعون * لو نشاء لجعلناه حطامًا فظلتم تفكّهون * إنّا لمغرمون * بل نحن محرومون * أفرأيتم الماء الّذي تشربون * أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون * لو نشاء جعلناه أجاجًا فلولا تشكرون * أفرأيتم النّار الّتي تورون * أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون * نحن جعلناها تذكرة ومتاعًا للمقوين *
(1) سورة ق، آية: 1 - 11.
فسبّح باسم ربّك العظيم (1)}.
وقال سبحانه وتعالى: {فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ تنظرون * ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون * فلولا إن كنتم غير مدينين * ترجعونها إن كنتم صادقين (2)} .
وقد سمّى الله القيامة بالحاقة، والواقعة، والطامة، والصاخة، والنبأ العظيم. ولو حصرتْ آيات البعث لكانت كتابًا مستقلاً، وما أحوج القارئ إلى تدبّرها من كتاب الله، وأما السّنة فقد ألّف الحافظ البيهقي كتابًا في البعث.
فالمؤمن إذا آمن بالبعث وبالميزان والصراط والجنة والنار، وعلم أنه مسئول عن عمله؟ انكفّ عن المعاصي وأقبل على الطاعات، وأيضًا يصبر على المظالم إذا ظلم ويعلم أن تلك المظالم ستلقاه عند الله.
أما الملاحدة فإنّهم ينكرون البعث لإشباع رغباتهم البهيمية، وأيضًا
(1) سورة الواقعة، آية: 47 - 74.
(2)
سورة الواقعة، آية: 83 - 87.
(3)
سورة القيامة، آية: 1 - 13.
البعث يدعو إلى الإيمان بالله وهم لا يريدون أن يؤمنوا إلا بالإلحاد.
قتلوا الأنفس البريئة المسلمة، وأخذوا أموال المسلمين ظلمًا وقهرًا، وهتكوا الأعراض، وأفسدوا البلاد والعباد، وهم أيضًا يزيّنون ذلك، وإذا عجزوا عن مقاومة قبيلة أرسلوا من يسمّم لهم المياه، فتنوا بحب السلطة الجائرة الظالمة، وغطّى الخمر على عقولهم عن تدبر الآيات التي فيها البعث والجزاء والحساب، ثم يشكّكون الناس بشبه داحضة من تلبيس إبليس، فإبليس في هذا الموضع أقل منهم مكابرة:{قال ربّ فأنظرني إلى يوم يبعثون * قال فإنّك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم} (1).
ويقول الشيطان يوم القيامة ما حكاه الله عنه بقوله: {وقال الشّيطان لمّا قضي الأمر إنّ الله وعدكم وعد الحقّ ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيّ إنّي كفرت بما أشركتموني من قبل إنّ الظّالمين لهم عذاب أليم} (2).
والملاحدة الذين لا يؤمنون بالبعث أقل من القليل، وغالب أتباعهم إمّا أن يتّبعوهم خوفًا منهم، وإمّا عدم مبالاة بالدّين، إني أذكّر الجميع بقوله تعالى: {وبرزوا لله جميعًا فقال الضّعفاء للّذين استكبروا إنّا كنّا لكم تبعًا فهل أنتم مغنون عنّا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم
(1) سورة الحجر، آية: 36 - 38.
(2)
سورة إبراهيم، الآية:22.
سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص} (1).
هؤلاء الملاحدة رءوس الكفر والضلال سيتبرّءون من أتباعهم يوم القيامة.
والآيات التي ذكرناها في البعث والنشور كافية لمن أراد الله هدايته، ومن يضلل فما له من هاد.
(1) سورة إبراهيم، الآية:21.
(2)
سورة سبأ، آية: 31 - 33.
(3)
سورة البقرة، آية:165 - 167.
ثم وجدت للحافظ ابن القيم رحمه الله كلامًا قيمًا حول الطبيعة في "مفتاح دار السعادة (ج2 ص 194) بتحقيق أخينا الفاضل: علي بن حسن بن علي بن عبد الحميد حفظه الله، قال رحمه الله:
كرر النظر في نفسك فارجع الآن إلى نفسك، وكرر النظر فيك، فهو يكفيك.
وتأمل أعضاءك وتقدير كل عضو منها للأرب والمنفعة المهيأ لها: فاليدان للعلاج والبطش والأخذ والإعطاء والمحاربة والدفع، والرجلان لحمل البدن والسعي والركوب وانتصاب القامة، والعينان للاهتداء والجمال والزينة والملاحة ورؤية ما في السموات والأرض وآياتهما وعجائبهما، والفم للغذاء والكلام والجمال وغير ذلك، والأنف للنّفس وإخراج فضلات الدماغ وزينةً للوجه، واللسان للبيان والترجمة عنك، والأذنان صاحبتا الأخبار تؤدّيانها إليك، واللسان يبلّغ عنك، والمعدة خزانة يستقر فيها الغذاء فتنضجه وتطبخه، وتصلحه إصلاحًا آخر وطبخًا آخر غير الإصلاح والطبخ الذي توليته من خارج، فأنت تعاني إنضاجه وطبخه وإصلاحه حتى تظن أنه قد كمل، وأنه قد استغنى عن طبخ آخر وإنضاج آخر، وطبّاخه الداخل ومنضجه يعاني من نضجه وطبخه ما لا تهتدي إليه ولا تقدر عليه، فهو يوقد عليه نيرانًا تذيب الحصى وتذيب ما لا تذيبه النار، وهي في ألطف موضع منك لا تحرقك ولا تلتهب عليك، وهي أشد حرارةً من النار، وإلا فما يذيب هذه الأطعمة الغليظة الشديدة جدًّا حتى يجعله ماءً ذائبًا! وجعل الكبد للتّخليص وأخذ صفو الغذاء وألطفه، ثم رتّب منها مجاري وطرق يسوق بها الغذاء إلى كل عضو وعظم وعصب ولحم وشعر وظفر، وجعل
المنافذ والأبواب لإدخال ما ينفعك وإخراج ما يضرك. وجعل الأوعية المختلفة خزائن تحفظ مادة حياتك: فهذه خزانة للطعام، وهذه خزانة للحرارة، وهذه خزائن للدم، وجعل منها خزائن مؤديات لئلا تختلط بالخزائن الأخر، فجعل خزائن للمرة السوداء، وأخرى للمرة الصفراء، وأخرى للبول، وأخرى للمني.
فتأمل حال الطعام في وصوله إلى المعدة، وكيف يسري منها في البدن، فإنه إذا استقر فيها اشتملت عليه وانضمت، فتطبخه وتجيد صنعتة، ثم تبعثه إلى الكبد في مجار دقاق، وقد جعل بين الكبد وبين تلك المجاري غشاء كالمصفاة الضيّقة الأبخاش تصفّيه، فلا يصل إلى الكبد منة شيء غليظ خشن، فينكؤها لأن الكبد رقيقة لا تحمل الغليظ، فإذا قبلته الكبد أنفذته إلى البدن كله في مجار مهيأة له بمنْزلة المجاري المعدة للماء ليسلك في الأرض فيعمها بالسقي، ثم يبعث ما بقي من الخبث والفضول إلى مغايض ومصارف قد أعدّت لها، فما كان من مرّة صفراء بعثت به إلى المرارة، وما كان من مرّة سوداء بعثت به إلى الطحال، وما كان من الرطوبة المائية بعثت به إلى المثانة.
فمن ذا الذي تولى ذلك كله وأحكمه ودبّره وقدّره فأحسن تقديره؟.
وكأني بك أيها المسكين تقول: هذا كله من فعل الطبيعة، وفي الطبيعة عجائب وأسرار فلو أراد الله أن يهديك لسألت نفسك بنفسك، وقلت: أخبريني عن هذه الطبيعة، أهي ذات قائمة بنفسها لها علم وقدرة على هذه الأفعال العجيبة؟ أم ليست كذلك؟ بل عرض وصفة قائمة بالمطبوع تابعة له محمولة فيه.
فإن قالت لك: بل من ذات قائمة بنفسها، لها العلم التام والقدرة والإرادة والحكمة.
فقل لها: هذا هو الخالق البارئ المصوّر، فلم تسمّيه طبيعةً!؟ ويالله من (1) ذكر الطبائع ومن يرغب فيها! فهلاّ سميته بما سمّى به نفسه على ألسن رسله ودخلت في جملة العقلاء والسعداء، فإن هذا الذي وصفت به الطبيعة صفته تعالى.
وإن قالت لك: بل الطبيعة عرض محمول مفتقر إلى حامل، وهذا كله فعلها بغير علم منها ولا إرادة ولا قدرة ولا شعور أصلاً، وقد شوهد من آثارها ما شوهد!
فقل لها: هذا ما لا يصدقه ذو عقل سليم، كيف تصدر هذه الأفعال العجيبة والحكم الدقيقة التي تعجز عقول العقلاء عن معرفتها وعن القدرة عليها ممن لا عقل (2) له ولا قدرة ولا حكمة ولا شعور؟ وهل التصديق بمثل هذا إلا دخول في سلك المجانين والمبرسمين (3).
ثم قل لها بعد: ولو ثبت لك ما ادّعيت، فمعلوم أن مثل هذه الصفة ليست بخالقة لنفسها ولا مبدعة لذاتها، فمن ربها ومبدعها وخالقها؟ ومن طبعها وجعلها تفعل ذلك؟ فهي إذاً من أدلّ الدلائل على بارئها وفاطرها
(1) في الأصل: (يالله عن ذكر الطبائع يرغب فيها)، والمثبت من نسخة أخرى.
(2)
في الأصل: فعل، والمثبت من نسخة أخرى.
(3)
من البرسام، وهو التهاب في الغشاء المحيط بالرئة. المعجم الوجيز ص (45)، يريد: من به مرض.
وكمال قدرته وعلمه وحكمته، فلم يجد بك تعطيلك رب العالم وجحْدك لصفاته وأفعاله إلا مخالفتك العقل والفطرة.
ولو حاكمناك إلى الطبيعة لأريناك أنك خارج عن موجبها، فلا أنت مع موجب العقل ولا الفطرة ولا الطبيعة ولا الإنسانية أصلاً، وكفى بذلك جهلاً وضلالاً، فإن رجعت إلى العقل وقلت: لا يوجد حكمة إلا من حكيم قادر عليم، ولا تدبير متقن إلا من صانع قادر مختار مدبّر عليم بما يريد قادر عليه، لا يعجزه ولا يصعب عليه ولا يؤوده.
قيل لك: فإذا أقررت -ويحك- بالخلاّق العظيم الذي لا إله غيره، ولا رب سواه فدع تسميته طبيعة أو عقلاً فعالاً أو موجبًا بذاته، وقل: هذا هو الله الخالق البارئ المصور رب العالمين وقيّوم السموات والأرضين ورب المشارق والمغارب الذي أحسن كل شيء خلقه وأتقن ما صنع، فما لك جحدت أسماءه وصفاته بل وذاته.
وأضفت صنعه إلى غيره وخلقه إلى سواه، مع أنك مضطّر إلى الإقرار به وإضافة الإبداع والخلق والربوبية والتدبير إليه ولا بد، فالحمد لله رب العالمين.
على أنك لو تأملت قولك: (طبيعة) ومعنى هذه اللفظة، لدلك على الخالق البارئ لفظها كما دل العقول عليه معناها، لأن (طبيعة) فعيلة بمعنى مفعولة، أي: مطبوعة، ولا يحتمل غير هذا البتّة، لأنّها على بناء الغرائز التي ركّبت في الجسم ووضعت فيه كالسجيّة والغريزة والبحيرة والسليقة والطبيعة، فهي التي طبع عليها الحيوان وطبعت فيه.
ومعلوم أن طبيعةً من غير طابع لها محال، فقد دل لفظ الطبيعة على الباري تعالى كما دل معناها (1) عليه.
والمسلمون يقولون: إن الطبيعة خلق من خلق الله مسخّر مربوب، وهي سنته في خليقته التي أجراها عليه، ثم إنه يتصرف فيها كيف شاء وكما شاء، فيسلبها تأثيرها إذا أراد ويقلب تأثيرها إلى ضده إذا شاء ليري عباده أنه وحده البارئ المصور، وأنه يخلق ما يشاء كما يشاء:{إنّما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون (2)} .
وأن الطبيعة التي انتهى نظر الخفافيش إليها إنما هي خلق من خلقه بمنزلة سائر مخلوقاته.
فكيف يحسن بمن له حظ من إنسانية أو عقل أن ينسى من طبعها وخلقها ويحيل الصنع والإبداع عليها؟!
ولم يزل الله سبحانه يسلبها قوتها ويحيلها ويقلبها إلى ضد ما جعلت له حتى يري عباده أنّها خلقه وصنعه مسخرة بأمره: {ألا له الخلق والأمر تبارك الله ربّ العالمين (3)} . اهـ
وقال رحمه الله (ج2 ص213):
من أين للطبيعة هذا الاختلاف والفرق الحاصل في النوع الإنساني بين
(1) وهذه مناقشة قديمة لـ (الدهرية) القدماء، و (الملاحدة) الجدد، المسمين حينًا بـ (الشيوعيين) وآخر بـ (الإشتراكيين).
(2)
سورة يس، الآية:82.
(3)
سورة الأعراف، الآية:54.
صورهم؟ فقلّ أن يرى اثنان متشابهان من كل وجه، وذلك من أندر ما في العالم، بخلاف أصناف الحيوان كالنعم والوحوش والطير وسائر الدواب، فإنك ترى السّرب من الظّباء، والثلّة من الغنم، والذود من الإبل، والصوار من البقر، تتشابه حتى لا يفرق بين أحد منها وبين الآخر إلا بعد طول تأمّل أو بعلامة ظاهرة، والناس مختلفة صورهم وخلقتهم، فلا يكاد اثنان منهم يجتمعان في صفة واحدة وخلقة واحدة، بل ولا صوت واحد ولا حنجرة واحدة.
والحكمة البالغة في ذلك أن الناس يحتاجون إلى أن يتعارفوا بأعيانهم وحلاهم، لما يجري بينهم من المعاملات، فلولا الفرق والاختلاف في الصور لفسدت أحوالهم، وتشتت نظامهم، ولم يعرف الشاهد من المشهود عليه، ولا المدين من ربّ الدّيْن، ولا البائع من المشتري، ولا كان الرجل يعرف عرْسه (1) من غيرها للاختلاط، ولا هي تعرف بعلها من غيره، وفي ذلك أعظم الفساد والخلل، فمن الذي ميّز بين حلاهم وصورهم وأصواتهم، وفرّق بينها بفروق لا تنالها العبارة ولا يدركها الوصف؟!
فسل المعطل: أهذا فعل الطبيعة؟ وهل في الطبيعة اقتضاء هذا الاختلاف والافتراق في النوع؟
وأين قول الطبائعيين: إن فعلها متشابه لأنّها واحدة في نفسها، لا تفعل بإرادة ولا مشيئة، فلا يمكن اختلاف أفعالها!
فكيف يجمع المعطل بين هذا وهذا؟!
(1) أي: زوجه.
{فإنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب الّتي في الصّدور} (1).
وربما وقع في النوع الإنساني تشابه بين اثنين لا يكاد يميز بينهما، فتعظم عليهم المؤنة في معاملتهما، وتشتد الحاجة إلى تمييز المستحق منهما والمؤاخذ بذنبه ومن عليه الحق، وإذا كان (2) يعرض هذا في التشابه في الأسماء كثيرًا ويلقى الشاهد والحاكم من ذلك ما يلقى، فما الظن لو وضع التشابه في الخلقة والصورة؟!
ولما كان الحيوان البهيم والطير والوحوش لا يضرها هذا التشابه شيئًا لم تدع الحكمة إلى الفرق بين كل زوجين منها، فتبارك الله أحسن الخالقين الذي وسعت حكمته كل شيء. اهـ
(1) سورة الحج، الآية:46.
(2)
لا يوجد في الأصل: (كان)، وأثبتناها من نسخة أخرى.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلّم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وسلّم تسليمًا كثيرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فإن في قصص المتقدمين، وما أنزل الله بهم من غضبه وعقابه بسبب إعراضهم عن ما جاءت به رسلهم عبرةً وعضة.
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {وكأيّن من قرية عتت عن أمْر ربّها ورسله فحاسبناها حسابًا شديدًا وعذّبناها عذابًا نكرًا} (1).
ويقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {فأمّا ثمود فأهلكوا بالطّاغية * وأمّا عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية * سخّرها عليهم سبع ليال وثمانية أيّام حسومًا فترى القوم فيها صرعى كأنّهم أعجاز نخل خاوية * فهل ترى لهم من باقية (2)} .
وقال تعالى حاكيًا عن موسى: {وقال موسى ربّنا إنّك آتيت فرعون وملأه زينةً وأموالاً في الحياة الدّنيا ربّنا ليضلّوا عن سبيلك ربّنا اطمس على أموالهم واشْدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتّى يروا العذاب الأليم (3)} .
(1) سورة الطلاق، الآية:8.
(2)
سورة الحاقة، الآية: 5 - 8.
(3)
سورة يونس، الآية:88.
وقال تعالى حاكيًا عن قوم يونس: {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لمّا آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدّنيا ومتّعناهم إلى حين (1)} .
وقال تعالى: {ونخوّفهم فما يزيدهم إلا طغيانًا كبيرًا (2)} .
فقصص الأولين تعتبر عبرة لنا وزاجرًا لنا، أن نرد شيئًا مما جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فعلينا أن نتوب إلى الله.
وقصة الثلاثة النفر الذين انطبقت عليهم الصخرة ثم فرجت عنهم بسبب أن تضرعوا إلى الله سبحانه وتعالى بصالح أعمالهم.
ففي "الصحيحين" عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((بينما ثلاثة نفر ممّن كان قبلكم، إذ أصابهم مطر، فأووا إلى غار فانطبق عليهم. فقال بعضهم لبعض: إنّه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصّدق، فليدْع كلّ رجل منكم بما يعلم أنّه قد صدق فيه. فقال واحد منهم: اللهمّ إن كنت تعلم أنّه كان لي أجير عمل لي على فرق من أرزّ فذهب وتركه، وأنّي عمدّت إلى ذلك الفرق فزرعته فصار من أمره أنّي اشتريت منه بقرًا، وأنّه أتاني يطلب أجره، فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فسقها، فقال لي: إنّما لي عندك فرق من أرزّ. فقلت له: اعمد إلى تلك البقر، فإنّها من ذلك الفرق، فساقها. فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنّا. فانساخت عنهم الصّخرة. فقال الآخر: اللهمّ إن
(1) سورة يونس، الآية:98.
(2)
سورة الإسراء، الآية:60.
كنت تعلم أنّه كان لي أبوان شيخان كبيران، فكنت آتيهما كلّ ليلة بلبن غنم لي، فأبطأت عليهما ليلةً فجئت وقد رقدا، وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع، فكنت لا أسقيهم حتّى يشرب أبواي، فكرهت أن أوقظهما، وكرهت أن أدعهما فيستكنّا لشربتهما، فلم أزل أنتظر حتّى طلع الفجر. فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنّا. فانساخت عنهم الصّخرة حتّى نظروا إلى السّماء. فقال الآخر: اللهمّ إن كنت تعلم أنّه كان لي ابنة عمّ من أحبّ النّاس إليّ، وأنّي راودّتها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار، فطلبتها حتّى قدرْت فأتيتها بها، فدفعتها إليها، فأمكنتني من نفسها، فلمّا قعدت بين رجليها فقالت: اتّق الله ولا تفضّ الخاتم إلا بحقّه، فقمت وتركت المائة الدينار. فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنّا. ففرّج الله عنهم فخرجوا)).
فعلينا أن نتضرّع إلى الله أن يحفظ بلدنا، وعلينا أن نتضرّع إلى الله أن ينتقم ممن يريد نشر الفساد والفتن في بلدنا.
فبلاد المسلمين كلها على خطر، والفساد فيها منتشر.
أما أولئك الذين قدّر الله عليهم في هذا الزّلزال بالهدم فإنّهم إذا كانوا صالحين ولم يكونوا شيوعيّين، ولا بعثيّين، ولا ناصريّين، ولا حداثيّين، ولا علمانيّين، فإنّهم شهداء، ففي "الصحيحين" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((الشّهداء خمسة -وذكر منهم:- صاحب الهدم)).
لكن من كان متعلقًا بحزبيّة خبيثة كالشيوعيّين وغيرهم، أو كانت له نيّة
سوء، فإنه يبعث على نيّته الخبيثة.
فعلينا أن نتوب وأن نرجع إلى الله سبحانه وتعالى، فإن الله يقبل التوبة من عبده، وأن نعلن الكفر بما أتانا من قبل أعداء الإسلام مما يخالف دين الإسلام.
فيجب ألا نكون إمّعة، فقد أصبح المسلمون إمّعة، أصبحوا تبعًا: إما لحكامهم، وإما لعلماء السوء:{اتبعوا ما أنزل إليكم من ربّكم ولا تتّبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكّرون (1)} .
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.
(1) سورة الأعراف، الآية:13.
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
{ياأيّها الّذين آمنوا اتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون}
أما بعد: فيقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسّنين ونقص من الثّمرات لعلّهم يذكّرون * فإذا جاءتْهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيّئة يطّيّروا بموسى ومن معه ألا إنّما طائرهم عند الله ولكنّ أكثرهم لا يعلمون * وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين * فأرسلنا عليهم الطّوفان والجراد والقمّل والضّفادع
والدّم آيات مفصّلات فاستكبروا وكانوا قومًا مجرمين (1)}.
في هؤلاء الآيات المباركات بيان انتقام الله سبحانه وتعالى من الظالمين، إنّها سنة الله في خلقه وإن لله جنودًا:{وما يعلم جنود ربّك إلا هو (2)} .
فجميع ما خلقه الله سبحانه وتعالى هو مسخر لإرادة الله وتحت أمره، فقد يبتلي الله سبحانه وتعالى الناس بالجوع، وأنت إذا قرأت في "المدهش" ص (64 - 70) لابن الجوزي رحمه الله وجدت أممًا تموت من الجوع.
وفي "مسند الإمام أحمد" عن صهيب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا صلّى همس شيئًا لا نفهمه، ولا يحدّثنا به. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((فطنتم لي))؟ قال قائل: نعم. قال: ((فإنّي قد ذكرت نبيًّا من الأنبياء أعطي جنودًا من قومه فقال: من يكافئ هؤلاء، أو من يقوم لهؤلاء، قال: فأوحى الله إليه: اختر لقومك بين إحدى ثلاث: إمّا أن أسلّط عليهم عدوًّا من غيرهم أو الجوع أو الموت. قال: فاستشار قومه في ذلك. فقالوا: أنت نبيّ الله نكل ذلك إليك فخر لنا. قال: فقام إلى صلاته. قال: وكانوا يفزعون إذا فزعوا إلى الصّلاة. قال: فصلّى. قال: أمّا عدوّ من غيرهم فلا، أو الجوع فلا، ولكن الموت. قال: فسلّط عليهم الموت ثلاثة أيّام فمات منهم سبعون ألفًا. فهمسي الّذي ترون أنّي أقول: اللهمّ يا ربّ بك أقاتل وبك أصاول ولا حول ولا قوّة إلا بالله)).
فإذا قرأت في التاريخ تجد أممًا قد ماتت من الجوع، وربما ينتهي بهم
(1) سورة الأعراف، الآية: 130 - 133.
(2)
سورة المدثر، الآية:31.
الحال إلى أن يأكل بعضهم بعضًا، ومن الذي يستطيع أن يقاوم الله؟ وأن يفرض إرادته على الله سبحانه وتعالى؟!
ومن الأمم أيضًا: من مات بسبب المرض، أو بسبب من الأسباب، بل ربما تنْزل حجارةً من السماء، وكل هذا بسبب الذنوب.
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {وضرب الله مثلاً قريةً كانت آمنةً مطمئنّةً يأتيها رزقها رغدًا من كلّ مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون (1)} .
إن هذه الأمة قد ارتكبت الجرائم التي ارتكبتها الأم المتقدمة.
فعلينا أن نرجع إلى الله سبحانه وتعالى لعله يرحمنا.
ويقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنّتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربّكم واشكروا له بلدة طيّبة وربّ غفور * فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدّلناهم بجنّتيهم جنّتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل (2)} .
نذكر هذا حتى لا يغتر أحد بما آتاه الله سبحانه وتعالى: {قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورًا فمن يأتيكم بماء معين (3)} .
{وأحيط بثمره فأصبح يقلّب كفّيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على
(1) سورة النحل، الآية:112.
(2)
سورة سبأ: 15، الآية-16.
(3)
سورة الملك، الآية:30.
عروشها (1)}.
وهكذا أيضًا جنة أصحاب (ن) وما حدث لها.
فعلينا أن نرجع إلى الله سبحانه وتعالى، فإن عذاب الله شديد، وانتقام الله شديد، فهو وإن كان غفورًا رحيمًا فإنّه شديد العقاب.
علينا أن نرجع إلى الله تعالى قبل أن يحلّ بنا ما حلّ بغيرنا.
فإخواننا (بالعدين) أصبحوا مصرفًا للزكاة، وأصبحوا محتاجين إلى مد يد العون، ولكن أن ترسل مع يد أمينة، أو تذهب بما أعطاك الله من المال إلى أولئك المنكوبين الذين قد حلّت لهم المسألة. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول:((إن المسألة لا تحلّ إلاّ لثلاثة -وذكر-: رجلاً أصابته جائحة)).
فقد أصابتهم جائحة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
وهذا أمر يعتبر موعظة وذكرى، وهو أن ترى البيوت المهدمة والمشققة إلى غير ذلك، فإن الله سبحانه وتعالى ينتقم لنفسه، فقد أصبح الناس لا ينتقمون لدين الله، ولكن ينتقمون لأنفسهم فالحدود معطلّة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معطّل في كثير من البلاد الإسلامية الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في "سنن أبي داود" من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه:((ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي، ثمّ يقدرون على أن يغيّروا، ثمّ لا يغيّروا، إلا يوشك أن يعمّهم الله منه بعقاب)).
وقد أخبرت أن في بعض البلاد المجاورة إذا كان الشخص عنده حملة
(1) سورة الكهف، الآية:42.
حطب، قد وضعها عند الباب، أو عنده كبش من الغنم، أو عنده سيارة إلى غير ذلك، فإنه يحتاج إلى أن يحرس هذا، فقلت للأخ: لعلها عصابة؟ قال: لا، ولكن عصابة الجوع.
فعلينا أن نحمد الله سبحانه وتعالى، وأن نؤدي الزكاة، وأن نصل الرحم، ونساعد المنكوب، علينا أن نتقي الله، حتى يحفظنا الله سبحانه وتعالى في أنفسنا وأموالنا، وأولادنا وديننا، لا تقل: أنا ارتكبت ذنبًا صغيرًا ففي الناس من يرتكب الكبائر، لا، ولكن عليك نفسك وإصلاح نفسك، ثم أن تحاول إصلاح الآخرين:{ولولا دفع الله النّاس بعضهم ببعض لهدّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرنّ الله من ينصره إنّ الله لقويّ عزيز * الّذين إن مكّنّاهم في الأرض أقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور (1)} .
فهل هذه الخصال متوفرة فينا؟ وهل هي متوفرة في مسئولينا؟ وهل هي متوفرة في مجتمعاتنا؟: {الّذين إن مكّنّاهم في الأرض أقاموا الصّلاة} فربما تقوم تصلي، وولدك نائم بين الفراش، {وآتوا الزّكاة} ، صرفوها في مصارفها الثمانية:{وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر (2)} الأمر بالمعروف الذي يعتبر قطب رحى الإسلام، والرحى دائرة عليه، فقد أصبح ميّتا ومعدومًا في يمننا، ولو أنك أمرت بمعروف أو نهيت عن منكر، فأول من يعارضك الشيعة هداهم الله، أو قطع دابرهم.
(1) سورة الحج، الآية: 40 - 41.
(2)
سورة الحج، الآية:41.
وسأذكر قصة لا بد من ذكرها، فقد كان الأخ (محمد القعيصي) يدعو يهوديًّا إلى الإسلام، فجاء شاب شيعيّ يدخل بينه وبين اليهودي، والناس مجتمعون، والعساكر محيطون، وإذا هو يريد أن يعارض (القعيصي) فأخذ يده ولطمه حتى خرّ على قفاه، وانتقده الحاضرون كلهم، وقالوا: هذا اللئيم يسوؤه أن يسلم اليهودي.
اللهم عليك بالشيعة فإنّهم وقفوا في وجه الدعوة، وأخّروا الدعوة إلى الله، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعتبر أمانًا لمجتمعاتنا أصبح ميّتًا، وأصبحت الشيعة يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف. فهم يأمرون بمحاربة أهل السنة وهو منكر، فماذا عمل بهم أهل السنة؟ وهم ينهون عن المعروف الذي هو دعوة أهل السنة إلى كتاب الله، وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولسنا ننافسهم على كراسيهم، ولسنا نستحل دماءهم، ولا أعراضهم، ولا أموالهم. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وسلّم تسليمًا كثيرًا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فيقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضّرّاء لعلّهم يتضرّعون * فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرّعوا ولكن قست قلوبهم وزيّن لهم الشّيطان ما كانوا يعملون * فلمّا نسوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء حتّى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتةً فإذا هم مبلسون * فقطع دابر القوم الّذين ظلموا والحمد لله ربّ العالمين (1)} .
إننا نخشى معشر المسلمين أن يكون ما فتحه الله سبحانه وتعالى على كثير من البلاد استدراجًا من الله سبحانه وتعالى، هل نشكر نعمته أم نكفرها؟
إن المسلمين الآن أصبحوا يهرولون بعد أعداء الإسلام، ويظنون أن أعداء الإسلام تقدّموا بسبب الكفر والإلحاد، وبسبب المعاصي، والواقع أن أعداء الإسلام تقدّموا بسبب جدّهم واجتهادهم.
(1) سورة الأنعام، الآية: 42 - 45.
والمسلمون وخصوصا في الشعب اليمني، الثلثان من الوقت يضيّعونهما، لأن الطيّب منهم يشتغل إلى الظهر، ومن بعد الظهر على الشجرة الأثيمة (القات) إلى الساعة الرابعة من بعد العشاء وقد وجدت بعينيّ من يصلي المغرب والعشاء الساعة الرابعة بعد ما انتهى من مجلس القات ألستم مسئولين عن هذه الأوقات؟!
إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتّى يسْأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن جسده فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم وضعه، وعن علمه ماذا عمل فيه)).
ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((احْرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزْ)).
فينبغي أن تحرص على ما ينفعك في أمر دينك ودنياك، وألاّ تكون كسولاً، وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالله من العجز والكسل.
شباب في خيرة أعمارهم يضيّعون أوقاتهم في هذه الشجرة الأثيمة. علينا أن نتقي الله، وأن نحرص على تعلّم العلم النافع، ونحرص على صلة الرحم، ونحرص على الإحسان إلى الجار، وقبل هذا كله على تعلم العقيدة الصحيحة.
إذا أردتم أن يرفعكم الله فلا تكونوا إمّعة، فإن الذي يكون إمّعة لا يزال منهزمًا.
انظروا إلى الذين صفّقوا (لصدام) أصبحوا منهزمين نفسيًا.
إن تلك الشجرة الأثيمة أخذت عقول كثير من اليمنيين، وأنتم تعرفون، فبعضهم يذْهب به إلى (تعز) قد اختلّ عقله، وبعضهم يصبح مجنونًا، ينتظر