الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الداعية: حياته وخدماته
الجزيرة العربية أيام ازدهاد المسلين
…
الجزيرة العربية أيام ازدهار المسلمين
"لقد شاهدت الصحراء العربية آلافا من تقلبات الليل والنهار، ولكن لم تكن هناك حادثة أهم من هذه الحادثة، حيث بهرت هذه الرمال المظلمة عيون العالم بأجمعه بعدما استنارت بنور شمس ساطعة (أي البعثة النبوية) ، وأقامت معالم النور في جميع أنحاء الدنيا، ولكن بمجرد ما فرغت من تنوير الجبال والصحاري، وإضاءة البر والبحر، اختفت من عيون الناس وذهب وارءها، لماذا؟
لأن الأمم التي اقتبست من هذه الأنوار زعمت أن بريقها ولألاءها لا يمكن أن يبهر عيون العالم أمام لمع هذه الرمال الصحراوية، فخير لها أن تبقى مظلمة خامدة"1 كان الحجاز قد فقد مكانته القيادية في عصر بني أمية، فقد جعله ساسة دمشق زاوية للسدنة، وأبناء المشايخ، وعلى أثر ذلك قضى سيف أبي مسلم الخراساني على نصيب العرب السياسي (132 هـ) والحكومة العباسية التي قامت على هذا الأساس تحولت إلى ملكية عجمية درجة بعد درجة.
ظهرت قوة الأتراك في عصر المعتصم (218-227 هـ/ 833- 882 م) حتى اعتلوا على العرش وامتلكوا الدولة. سادت عشرات من الدويلات بعيدا وقريبا ثم بادت. ولكن الرجل العربي المسكين لم يكن له أي نصيب في هذه التقلبات. وفي عصر ازدهار المسلمين هذا أسست مدارس العلم في بغداد وقرطبة، نبعت ينابيع الرشد والهدى في جوامع الأزهر والزيتونة والقرويين، فتح الأتراك قسطنطينية، وزلزل سليمان الأعظم (926- 974 هـ/ 1520- 1566 م) أسوازفينا، دوخ المغول أرض الهند، ولكن الجمال العربي مازال يتنعم بنوم لذيذ في صحرائه.
1 السيد سليمان الندوي، مجلة معارف عدد نوفمبر سنة 1924 م.
حكم. الأتراك العثمانيون قرونا على الحجاز، وقدموا قرابين تبلغ الآلاف والملايين، وخصص القسم الأكبر من محاصيل مصر لخدمة الحرمين، عينت رواتب كبيرة للسدنة، ولكن لم يفض أي نبع للعلم في وادي العرب الذي هو غير ذي زرع، وراجت اللغة التركية في المكاتب.
الله أكبر! حكومة خليفة المسلمين، وتسيطر في مهبط الوحي لغة لا تمت إلى لغة القرآن بصلة، إن في ذلك لعبرة.
وما أكثر أعاجيب هذه الدنيا، وما أكثر ألاعيب الملك والسيادة، نعم! بقيت اللغة التركية هي اللغة الرسمية والضباط هم أتراك. أما العرب فلم يبق لهم شغل إلا سدانة القبور والاستجداء، أو قطع الطرق على غرار أيام الجاهلية الأولى.
محمد بن عبد الوهاب:
وأخيرا لما غشي الظلام العالم مرة أخرى، ترك المسلمون كتاب الله وسنة رسوله، واتخذوا مئات من الآلهة دون الله الواحد، وصاروا ينادون ويدعون البدوي والرفاعي في مصر، وعبد القادر الجيلاني في العراق والهند، وابن عباس في مكة والطائف، وابن علوان في اليمن1، وأصبحوا يخضعون ويتذللون أمام الأشجار والأحجار.
عندما وصل الأمر إلى هذا الحد طلعت شمس الهدى والرشد من واد غير ذي زرع، ورمال الأرض العربية التي كانت قد اشتهرت بطيب العرار والخزامي2، قد فاح فيها طيب التوحيد، وكلمة الحق حتى عطرت العالم بأسره. وأريد بهذا شيخ الإسلام محمد ابن عبد الوهاب- رحمه الله ونور ضريحه- الذي أعاد إلى الأذهان دروس التوحيد- التي
1 تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد للصنعاني ص: 2- 5.
2 ورد ذكر العرار والخزامي، بكثرة في الكلام العربي. وقد ذكر محمود شكري الألوسي (م 1342 هـ) عدة أبيات من هذا القبيل في تاريخ نجد ص: 8- 9.
كانت قد نسيت- بجهده المتواصل وعمله الدائم، وبلغ رسالة الحق والصدق إلى حيث وصل صوت هذا الرجل المجاهد.
العالم الإسلامي عند ولادة ابن عبد الوهاب
بلغ العالم الإسلامي إلى دركه الأخير في الانحطاط الفكري عند نهاية القرن الثامن الهجري، فقد كانت أبواب الاجتهاد والفكر قد أغلقت منذ زمان، وكان العلماء يتدارسون متون المتأخرين وحواشيهم وكانت الحالة في الناحية العملية أسوأ وأسوأ، ولكن بلغ هذا الانحطاط في بداية القرن الثاني عشر الهجري إلى حد يتأسف منه الكفار، ويتحيرون حينما يقارنون بين حالتهم وحالة المسلمين في عصر الصحابة. قال الكاتب الأمريكي استودارد (lothrop Stoddard) :-
"أما الدين فقد غشيته غاشية سوداء. فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة سجفا من الخرافات وقشورا من الصوفية، وخلت المساجد من أرباب الصلوات، وكثر عدد الأدعياء الجهلاء، وطوائف الفقراء والمساكين يخرجون من مكان إلى مكان يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات، ويوهمون الناس بالباطل والشبهات، ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور، وغابت عن الناس فضائل القرآن، فصار يشرب الخمر والأفيون في كل مكان، وانتشرت الرذائل، وهتك ستر المحرمات على غير خشية ولا استحياء.
ونال مكة المكرمة والمدينة المنورة ما نال غيرهما من سائر مدن الإسلام، فصار الحج المقدس الذي فرضه الله على من استطاعه ضربا من المستهزءات.
وعلى الجملة، فقد بدل المسلمون غير المسلمين، وهبطوا مهبطا بعيد القرار، فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر، ورأى ما كان يدهى الإسلام لغضب، وأطلق اللعنة على من استحقها من المسلمين كما يلعن المرتدون وعبدة الأوثان1.
1 حاضر العالم الإسلامي (ترجمة عجاج نويهض) ص: 34.
هذه صورة صورها معلق كافر، ولكن الخطوط والآثار التي تظهر في هذه الصورة للمسلمين أليست صحيحة اليوم إلى حد كبير؟ وكما يرى الأمير شكيب أرسلان "لو أن فيلسوفا نقريسيا من فلاسفة الإسلام، أو مؤرخا عبقريا بصيرا بجميع أمراضه الاجتماعية، أراد تشخيص حالته في هذه القرون الأخيرة ما أمكنه أن يصيب المحز، وأن يطبق المفصل تطبيق هذا الكاتب الأمريكي استودارد"1.
وإن لم يثقل عليك طول الكلام فاسمع حكاية أخرى لشقاءك بلسان معلق غربي آخر: "قد بردت عواطف المسلمين في القرن الثامن عشر، وما يسمى بالخليفة كان قد فقد قوته، حتى إن أهل النواحي الجنوبية ما كانوا يعترفون بسيادته، وأهل اليمن كانوا قد خلعوا نيره منذ قرون. وأشراف مكة كانوا متحمسين لمخالفة رئيسهم أكثر من النصارى. أما وحدة الاتجاه التي ترى الآن ما كانت يشعر بها في تلك الأيام إلا قليلا. المركز الروحي في مكة كان واقعا في حبل التنعم والتلذذ المادي، وتستطيع أن تجد عطفا وشفقة على كل شيء إلا على الزهد والورع، مع أنهم كانوا يشاهدون فتح النصارى للهند بأعينهم، وكانت الجيوش الكافرة تطوي فراش الأتراك، ولكن العرب قليلا ما يشعرون بهذه الحوادث. أما الغضب والنقمة الموجودان اليوم على فرنسا وبريطانية وروسيا، فقد كانا مفقودين بتاتا في تلك الأيام، وإذا عدم الغضب انعدم الحماس فكيف بالدعوة إلى الإسلام.
وخلاصة القول أن الإسلام كان متجها إلى الانحطاط. أما النهضة التي وصلت تياراتها إلى أفريقيا والصين في القرن التاسع عشر المسيحي، فقد كان من المستحيل أن يتوقعها أحد في ذلك الوقت2.
نَجْد قبل ابن عبد الوهاب:
لقد رأيت لمحة قصيرة لحالة العالم الإسلامي، والديار المقدسة بالحكايات التي
1 أيضا.
2 هوغارث penetration of arabia وقد ألف الكتاب في سنة 1904 م.
سبقت، ولكن حالة نجد- قلب الجزيرة العربية- كانت أسوأ وأسوأ. وأقل ما يمكن أن يقال إن أهل نجد كانوا قد جاوزوا الحد في الانحطاط الخلقي، فلم يكن عندهم أي اعتبار للخير والشر في مجتمعهم، وكانت العقائد الوثنية قد تمكنت في القلوب بمر القرون، حتى أن كثيرا من الناس كانوا يظنون هذه الخرافات نموذجا صحيحا للدين، وما كان عندهم أي استعداد للتزحزح عما وجدوا عليه آباءهم خطأ أو صوابا.
وفي الجبيلة (وادي حنيفة) ، كان يعبد قبر زيد بن الخطاب، وفي الدرعية كانت توجد بعض القبور والقباب، وتنسب إلى بعض الصحابة، وكانت مراكز للتعبد الجاهلي من الدهماء، وفي وادي غبيرة كانت قبة ضرار بن الأزور سوقا للبدع والأوهام. والقلم قاصر عن بيان ما كان يعمل الشباب والفتيات مع شجرة قديمة في بليدة الفداء، فقد كانت النساء العاقرات يباشرن هذه الشجرة لطلب الأولاد، وكان غار على مقربة من الدرعية ترتكب عنده أكبر الفواحش المخزية وهلم جرا1.
كل هذا كان باسم الدين، والأشخاص المعدودون الذين كانوا يملكون بعض النصيب من الفقه والحديث، ما كانوا يجدون في أنفسهم قوة تحدوهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهل كانت أغلبية علماء نجد خارجة عن عداد علماء العالم الآخرين-!!
أما الحالة السياسية فقد كانت أفسد وأسوأ. كانت نار الحرب الأهلية متأججة في جميع أنحاء نجد. كان بنو خالد مسيطرين على شمالي نجد (جبل شمر) في قبيلة طي
1 ورد ذكر البدع السائدة في نجد في جميع الكتب التي ألفت في تاريخه، ومن أراد التوسع فليراجع الكتب التالية:- 1- روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعدد غزوات ذوي الإسلام تأليف الشيخ حسين بن غنام (م 1225 هـ) ص: 7-16. 2- عنوان المجد في تاريخ نجد تأليف عثمان بن بشر النجدي (م 1288 هـ) ص: 6 وهذان الكتابان هما الأم والأصل في تاريخ نجد. 3- الهدية السنية والتحفة الوهابية النجدية لسليمان بن سحمان ص: 9- 47 وأيضا تبرئه الشيخين الإمامين له ص 161- 163. 4- arabia لفلبي ص: 4- 5. ومرجع فلبي وابن سحمان هو كتاب ابن غنام.
والحسا والذي يظهر أن إمارة العيينة كانت تعترف بسلطان بني خالد. وفي الدرعية كانت قبيلة عنزة ترسخ أقدامها، وفي منفوحة على قرب من الدرعية قامت أمارة دواس. ونجد مع صغره وضيق أطرافه كان مفرقا بين دويلات وإمارات صغيرة عديدة1.
ولادة محمد بن عبد الوهاب:
في هذه الأيام المظلمة والأحوال السيئة فتح محمد بن عبد الوهاب عينيه، وولد في بيت معروف بالعلم في مدينة العيينة2. وذلك في سنة 1115 هـ (1703 م) 3 فكان جده سليمان بن على بن مشرف من أشهر العلماء في عصره، وكان مركزا ومرجعا للعلماء
1 فلبي ص: 4- 6. وليس من السهل فهم جغرافية العرب، وخاصة نجد؛ لأنه لا يوجد هناك تقسيم بالولايات والمديريات كما يوجد في بلادنا، وحتى قبل هذا العصر ما كانت توجد هناك وحدة سياسية تذكر، وبالإجمال فإن بلاد نجد منقسمة إلى ثلاث نواح كبيرة. 1- الناحية الشمالية الغربية وتسمى شمر ومن مدنها الشهيرة حائل والقصر. 2- الناحية الشمالية الشرقية وتسمى القصيم، ومن مدنها الشهيرة عنيزة وبريدة. 3- الناحية الجنوبية وتسمى العارض، ومن أشهر بلادها الرياض. وهي الآن عاصمة المملكة العربية السعودية، وتسمى ناحية العارض "بجبل اليمامة" أيضا. وهذا في الأصل اسم الجبل والناحية التي تقع حولها تسمى "وادي حنيفة" أو "اليمامة"، وتقع مدينة العيينة مسقط رأس شيخ الإسلام "والدرعية" مركز دعوته في هذا الوادي، وهما كالقلب في نجد. وللتوسع براجع دائرة المعارف الإسلامية كلمة "arabia" (المجلد الأول ص: 371) أو "نجد nejd"(المجلد الثالث ص: 893- 896) . (*) لا تعرف مدينة تسمى "القصر" وأما القصيم فيقع في الناحية الشمالية الغربية (المترجم) .
2 العيينة بضم العين وهو تصغير للعين ويقال لها الآن أيضا "بار الشيخ".
3 ابن غنام 1 / 30 وابن بشر 1 / 138 ، ومن الكتاب المتأخرين ذكر أحمد زيني دحلان تاريخ الولادة سنة 1111 هـ (الدرر السنية ص: 138) خلاصة الكلام ص: 229) وذكر الأمير شكيب أرسلان (حاضر العالم الإسلامي 4 / 161) 1116 هـ وكلاهما خطأ وهكذا هيوجس (huges في كتابه "dictionary of islam" (ص: 659) وولفر ولفرد في "a piligrimage to najd"(ملحق ص: 125) وزويمر في كتابه "thecradlo of islam arabia" وغيرهم قد ذكروا ولادته في سنة 1691 م وهو غلط فاحش. وقد أخطأ هوغارث أيضا إذ ذكرها في سنة 1696 م. وإتباعا لهذه المراجع قد يخطئ أصحابنا أيضا.
وله كتاب مشهور في المناسك، وذكر صاحب السحب الوابلة أن الحنابلة في الغالب يعتمدون على هذا الكتاب في باب المناسك1.
وكان عمه إبراهيم بن سليمان عالما جليلا أيضا، وابنه عبد الرحمن (م 1256 هـ) كان فقيها وأديبا، ووالد الشيخ وهو عبد الوهاب بن سليمان (م 1153 هـ) ، كان ذا باع طويل في الفقه، وبقي قاضيا مدة طويلة في العيينة وحريملاء.
وسليمان بن عبد الوهاب (م 1208 هـ) ، كان صاحب علم عظيم وكذلك كان ولده عبد العزيز (م 1263 هـ) وكان موجودا في حريملاء عند الغارة المصرية في سنة 1236 هـ، وحبس وذاق أنواعا من المصائب، وأحرقت مكتبته ونهبت أمواله2.
نشأته:
كان محمد بن عبد الوهاب منذ نعومة أظفاره بارزا متفوقا في الذكاء وقوة الحفظ، وقد حفظ القرآن الكريم وعمره أقل من عشر سنين. ثم درس كتب الفقه الحنبلي على والده، وطالع كتب الحديث والتفسير بكثرة في صغره.
وقد أعجب والده عبد الوهاب بذكاء هذا الولد الطامح ومواهبه، ويقول: إنه قد استفاد من ذكاء ابنه البارع، وسعة اطلاعه أيام تدريسه. وكان الشيخ عبد الوهاب متأثرا جدا بولده حتى أنه كان يقدمه
1 ونسبه الكامل هكذا: محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن مشرف إلخ وتوجد تراجم عدة أشخاص من هذا البيت في كتاب "السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة "مخطوط في المكتبة الشرقية ببتنه" وهم: 1- سليمان بن علي بن مشرف ص: 103. 2- إبراهيم بن سليمان بن علي ص: 8 ، 9. 3- عبد الوهاب بن سليمان بن علي وسليمان بن عبد الوهاب وعبد العزيز بن سليمان (م 1263 هـ) ص: 171 ، 172. 4- عبد الوهاب بن عبد الله بن عبد الوهاب بن مشرف (م 1125 هـ) ص:172.
2 عنوان المجد 1 / 236.
للإمامة مع صغره. تزوج وهو صغير السن، ثم أدى فريضة الحج، وأقام شهرين في المدينة المنورة، ثم رجع إلى العيينة، واشتغل في طلب العلم من والده، ونسخ المذكرات والكتب العلمية حتى إنه كان يكتب عشرين صفحة في جلسة واحدة1.
في سبيل العلم:
كانت القدرة الإلهية قد وهبت ابن عبد الوهاب قلبا مرهف الحس شديد التأثر، وكان يتألم أشد الألم لما يرى حوله من الحالة البائسة للقرى والمدن في نجد، وكان العلماء في حالة سيئة فضلا عن العوام. وقد أخذ محمد عن والده عبد الوهاب كل ما كان يستطيع، وكان والده من كبار علماء نجد، ولم يأل جهدا في تعليم ولده، ولكن كيف يمكن لمجدد المستقبل ومصلحه أن يرتوي غرفتين من الماء.
وكان قد تشرف بحج بيت الله الحرام، وكانت مركزية الحجاز قد أثرت في نفسه، وحينما فكر في طلب العلم قصد الحجاز، وحينما كان الشاب الطامح في العشرين من عمره خرج يجول ويصول في الفيافي طلبا لليلى العلم وتوجه إلى الحجاز2.
حج بيت الله وزار المسجد النبوي مرة ثانية، ثم حضر مجالس العلماء، وانقطع لطلب العلم واستفاد بالخصوص بصحبة الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف، أحد العلماء المشهورين من المجمعة في بلاد نجد، وكان قد سكن في جوار الرسول عليه الصلاة والسلام3.
وتستطيع أن تعرف جلالة قدر الشيخ عبد الله بن إبراهيم النجدي ثم المدني وإخلاصه من هذه الرواية التي رواها الشيخ محمد بن عبد الوهاب. قال:
1 ابن غنام: 1 / 30.
2 هذه قصة سنة 1135 هـ تقريبا.
3 كان الشيخ عبد الله بن إبراهيم من الفقهاء المشهورين في زمانه. سافر إلى الشام واستفاد بعالمه الحنبلي الشهير الشيخ أبو المواهب الحنبلي (م 1126 هـ) ، وكان ابنه إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم (م 1185 هـ) من العلماء المعروفين أيضا وكتابه "العذب الفائض في شرح ألفية الفرائض" من الكتب المشهورة. (السحب الوابلة- ص 11 ، 12) .
"كنت عنده يوما فقال لي: تريد أن أريك سلاحا أعددته للمجمعة؟ قلت: نعم.
فأدخلني منزلا عنده فيه كتب كثيرة وقال: هذا الذي أعددنا لها1. وتعرف بالشيخ محمد حياة السندي (م 1165 هـ) بوساطة الشيخ عبد الله بن إبراهيم نفسه، وكان من أساتذة الحديث المعتمدين في المدينة، وصار ابن عبد الوهاب من تلامذته الخواص، ومكث عنده زمنا طويلا2.
ويذكر في هذا الصدد تتلمذ ابن عبد الوهاب على العالم الشامي الشهير الشيخ علي الداغستاني (م 1199 هـ) ولكن العقل يستبعده3 وكذلك ورد في بعض الكتب ذكر استفادته من المحدث الكبير محمد بن سليمان الكردي المدني (م 1194 هـ) إلا أن السنين والأحوال تشهد بعكس هذا بالإضافة إلى سكوت التواريخ المعتمدة المعاصرة4.
وقد ذكر الأستاذ المحترم السيد سليمان الندوي أن الشاه ولي الله الدهلوي (م 1176 هـ) وشيخ الإسلام - رحمهما الله - قد استفادا من منبع واحد أي: المسجد النبوي5.
1 عنوان المجد 1 / 7.
2 عنوان المجد 1 / 25 وسلك الدرر 4 / 34.
3 كان الشيخ علي الداغستاني يحتل مكانا عاليا في علماء دمشق. أقام مدة في المدينة وروى عن الشيخ محمد حياة السندي، واستفاد منه عشرات من الناس. ولد في سنة 1125 هـ، ورحل إلى المدينة النبوية، وطلب العلم ومكث مدة ثم رجع سنة 1150 هـ (سلك الدرر 3 / 215) ، وعلى هذا فيكون صغيرا جدا أثناء إقامة الشيخ في المدينة، ولذلك استبعد استفادة الشيخ منه. وقد ذكر هذا من المعاصرين محب الدين الخطيب (الزهراء رجب 45 هـ) ومحمد حامد الفقي (أثر الدعوة الوهابية في الإصلاح الديني ص: 47) .
4 لم يذكر ابن غنام ولا ابن بشر تتلمذه على الشيخ سليمان الكردي، وتفرد بذكره أحمد زيني دحلان فقط. (الدرر السنية ص: 35- 42) وبكل قوة. ولكن كتابه هذا -وكذلك كتابه خلاصة الكلام في أمراء البلد الحرام- مليء بالأخطاء، بل الافتراءات حتى أن القلب لا يرضى أن يقبل هذه الرواية التي لا تضر شيئا، ثم إن السنين تشهد بخلافه. فمحمد بن سليمان الكردي توفي سنة 1194 هـ عن عمر سبع وستين سنة (سلك الدرر 4 / 111 ، 112) ، وهكذا تكون ولادته في سنة 1127 هـ تقريبا، ويكون صغير السن أيام طلب الشيخ وتتلمذه عليه بعيد.
5 مذهب سلاطين نجد معارف نوفمبر سنة 24.
ولا شك في وحدة المدرسة (المسجد النبوي) مع وحدة المصدر الحقيق أي: الكتاب والسنة إلا أننا لا نعلم وحدة الأساتذة.
ذكر لبيب البتنوني طلبه العلم في مكة المكرمة لكن لا تؤيده أي رواية صحيحة معتمدة. توجه الشيخ من المدينة النبوية إلى البصرة، ودرس على الشيخ محمد المجموعي الحديث واللغة ولازم صحبته. ويروي ابن بشر عن أستاذه عثمان بن منصور الناصري أن أولاد الشيخ محمد المجموعي أيضا كانوا ذوي باع طويل في العلم1.
وكان يريد الشام أيضا2، لكن قلة الزاد حالت دون همه هذا فرجع إلى حريملاء (نجد) بطريق الأحساء حيث انتقل والده في سنة 1139 هـ/ 1726 م من العيينة.
في ميدان الدعوة:
كان ابن عبد الوهاب مولعا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منذ صغر سنه، وصارت البدع تقلق باله منذ دراسته الابتدائية في الفقه والحديث في العيينة. وكلما وجد عملا يخالف أصول الدين حاول أداء فريضة النهي عن المنكر.
توجه إلى الحديث بعد ما استفاد في المدينة النبوية من محمد حياة السندي، وعبد الله بن إبراهيم بن سيف النجدي، ثم رفع بصره ونظر حواليه، فرأى العالم مغطى في رداء أسود من الضلال، وحسبما عرفنا أن الشيخ أول ما رفع صوته بإنكار الاستغاثة كان في تلك الأيام وعيل صبره حينما رأى أعمال الجهلة عند قبر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. وذات
1 عنوان المجد ص 1 / 8.
2 أما مرغليوث فقد تجاوز الحد (دائرة المعارف الإسلامية 4: 1086 ، 1089) في الافتراءات والأكاذيب، حيث يقول: تزوج في بغداد وقد ماتت وتركت ألفين.. زار كردستان وهمذان، وقم، وأصفهان وأقام هناك. كذلك برائجس abrief history of wahhaby p.7) وهيوجز (ص: 659) وزويمر (ص: 192) وبالغريف (4: 363) ذكر بعضهم أنه سافر إلى بغداد، وبعضهم ذكر سفره إلى دمشق، وبعضهم جمع بينهما. ولكن الحقيقة أن شيخ الإسلام لم يجد فرصة التجاوز عن البصرة، ولا نجد دليلا على سفره إلى بغداد أو الشام أو مصر.
مرة كان واقفا عند الحجرة النبوية، وكانت سوق البدع نافقة أمامه إذ مر عليه أستاذه الشيخ محمد حياة السندي، فسأله الشيخ: ماذا تقول في هؤلاء؟
فأجاب الأستاذ: ((إنّ هؤلاء متبّر مّا هم فيه وباطلٌ ما كانوا يعملون)) 1. وازداد هذا الشعور في البصرة فصار ينهى عن المنكر بلا خوف، ونتيجة لذلك عانى أنواعا من المشقات، وفي الأخير اضطر إلى أن يترك البصرة. وزيادة على ذلك عذب الشيخ محمد المجموعي أيضا لأجل صلته به وعطفه عليه.
طرده الأشقياء في وقت الظهيرة، وكان يتقدم في هذه الحالة النكدة إلى الزبير2 حتى جف حلقه من شدة العطش إلى أن جاءه رجل صالح (وكان يملك حميرا يكريها) يسمى أبا حميدان، فساعده وسقاه وأركبه على حماره حتى أوصله إلى الزبير3. وكانت هذه مراحل أولية وأعمالا تمهيدية للدعوة الأساسية. فلما رجع إلى حريملاء صمم على استئصال البدع، ونشر التوحيد والأخلاق، وأسس دعوته على تحقيق التوحيد، وركز على إخلاص العبودية لله تعالى فقط أيا كان نوعها. وكان شعاره إعلاء كلمة الله.
وليس من لعب الأطفال التصدي لإصلاح أخلاق فسدت من القرون الطويلة، وكان يريد أن يوجد عواطف الصلاح والشفقة في البدو بدلا من عادات السرقة وقطع الطرق والخداع والنهب.. كانت غايته إصلاح عقيدة الجهال، وإقامتهم بباب الإله الحقيقي بدلا من الآلهة الباطلة والقبور والقباب. ولا يتجرأ على هذا كل من هب ودب. هذا عمل يقتضي الإيمان الخالص والعزيمة الصادقة، ويظهر من خلال تلك المصائب الشديدة التي عاناها الشيخ في هذا السبيل، والمشقات التي استقبلها صابرا ضاحكا مبتسما إنه كان متحليا بهذه الأوصاف حق التحلي.
1 عنوان المجد 1: 7.
2 الزبير: قرية كبيرة قرب البصرة عمرت باسم الزبير بن العوام رضي الله عنه. وأهل هذه القرية معروفون باتباع السنه حتي الآن.
3 عنوان المجد 1: 8.
دعا إلى التوحيد وحاول النهي عن الخضوع لغير الله والاستغاثة بالقبور والأولياء، واتخاذ عباد الله الصالحين آلهة يعبدون. واتخذ خطوات عملية للقضاء على البدع التي دخلت في الطريقة المسنونة في زيارة القبور- ولا تسأل بعد هذا-، فقد تدفقت سيول المخالفات وبدأ الأعزاء والأقرباء يؤذونه حتى إن الوالد نفسه ما أعجبه هذا الصنيع. وكان الشيخ يراعي كل المراعاة أدب الوالد واحترام الأستاذ ولكن الخطوات المتقدمة لم تتراجع. تجاوز الإيذاء كل الحدود ولكن جبل الصبر والعزيمة لم يتزحزح عن مكانه. ومع كل العقبات والموانع مازال يستمر في دعوته، واشتهر أمره في جميع مدن العارض وحريملاء والعيينة والدرعية والرياض وغيرها، وبدأت تعاليمه تنتشر.
كانت الدعوة مستمرة- ولكن سيرها كان بطيئا - بسبب برودة الوالد1 وتوفي الوالد في سنة 1153 هـ/ 1740 م فاشتدت الدعوة. وبدأ يدعو الناس إلى اتباع السنة ونبذ البدع جهرا على رؤوس الأشهاد، وتأثر به بعض أهل حريملاء، فصاروا من أشد مناصريه ومساعديه، وبدءوا يحضرون دروس الشيخ ويستفيدون من مواعظه، وألف الشيخ "كتاب التوحيد" في هذه المدة2.
في العيينة سنة 1157 هـ/ 1744 م
خطت الدعوة خطواتها الأولى وحينذاك أحس الشيخ أنه من الصعب نجاح الدعوة في حالة الفوضى هذه. ففي كل ناحية أمير3 حتى في حريملاء نفسها قبيلتان تتناحران للرئاسة4، وفي مثل هذه الأحوال كان من الصعب اتخاذ أي خطوة مؤثرة.
1 ذكر محمد حامد الفقي (ص: 51) أن الشيخ عبد الوهاب كان محايدا.
2 روضة الأفكار: 1 / 36.
3 نظرا للسهولة في الأمور الإدارية كانت البلاد تقسم في أربعة أقسام في العصر العثماني ولاية ولواء وقضاء وناحية. وكانت العارض من النواحي ذكرها الآلوسي باسم "ناحية العارض".
4 ذكرت في عنوان المجد (1: 9) فتنة بعض العبيد الذين كانوا يريدون قتل الشيخ. والكتب الأخرى التي ذكرت هذه القصة مأخذها في الغالب هو هذا.
فصمم العزم على توحيد بلاد نجد كلها تحت راية واحدة، وكان يعرف كل المعرفة أنه ليس من السهل نشر الدعوة في البلاد القاصية والدانية في مدة قصيرة إلا بحماية أمير ذي قوى ونفوذ1، وهذه هي الأفكار التي دعته إلى مكاتبة أمير العيينة عثمان بن معمر.
ولما وجد الأمير مستعدا لقبول الحق انتقل بنفسه إلى العيينة، فأكرمه الأمير كل الإكرام وعظمه كل التعظيم، وتزوج الشيخ بجوهرة بنت عبد الله بن معمر فتوطدت العلاقات أكثر في الظاهر، ولكن الشيخ كان يحمل غاية وهدفا معينا ومحددا، فالعلاقات الشخصية والقبلية قد تكون وسيلة للوصول إلى ذلك الهدف والغاية، ولكنها ليست غاية. عرض الشيخ دعوته على أمير العيينة، وفسر له معنى التوحيد وطلب منه العون والمساعدة في هذه المهمة الجليلة.
وكلمات الشيخ هذه جديرة بأن تحفظ وتذكر:
"إني لأرجو إن أنت قمت بنصر لا إله إلا الله أن يظهرك الله تعالى، وتملك نجدا وأعرابها." 2 قدم هذا العرض إلى عثمان بكل صدق وإخلاص، ولكن مع الأسف لم يستطع أن يثبت على هذا فذاق عاقبته الوخيمة، وأخيرا انتقلت هذه النعمة من العيينة إلى الدرعية.
وعلى كل حال فقد وعد عثمان بن معمر بالمساعدة والنصر، واعتمادا على نصرته بدأ
1 ولا يخفى على العاقل البصير أن القوة المادية لها أهمية عظيمة في نشر الدعوات والأفكار مع القوة المعنوية والحجج والبراهين. فإن أي دعوة إذا لم تكن لديها من القوة ما يحميها، ويذود عنها سرعان ما تتكالب عليها قوى الشر والطغيان حتى تستأصل خضراءها، وتظهر هذه الأهمية من قوله تعالى:{لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز.} سورة الحديد: 25. وكذلك قوله تعالى: {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا} . (الإسراء: 81) قال قتادة: فيها أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطانا نصيرا لكتاب الله ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله، فإن السلطان رحمة من الله جعله بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض، فأكل شديدهم ضعيفهم، قال ابن كثير: وهو الأرجح، لأنه لا بد مع الحق من قهر من عاداه وناوأه.. وفي الحديث:"إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"(تفسير ابن كثير 2: 64)"مترجم".
الشيخ يصدع بدعوته والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وآن لأهل العيينة أن تخشع قلوبهم لقبول الحق رويدا رويدا.
وفي هذه المدة تصدى الشيخ للقضاء على بعض مراكز البدع، ونجح في مهمته هذه، فقد كانت هناك بعض الأشجار تعظم في هذه الناحية فقلعها من أساسها1. وكان يوجد قبر باسم زيد بن الخطاب رضي الله عنه2 كان استشهد يوم اليمامة كان هذا القبر في الجبيلة، وعليه قبة فهدمها ولم يكن هذا أمرا هينا حينذاك. ويذكر ابن بشر قصة هدم القبة فيقول:
"فقال لعثمان: دعنا نهدم هذه القبة التي وضعت على الباطل، وضل بها الناس عن الهدى. فقال: دونكها فاهدمها.
فقال الشيخ: أخاف من أهل الجبيلة أن يوقعوا بنا، ولا أستطيع هدمها إلا وأنت معي.
1 كانت في بلاد نجد عدة أشجار تعبد من دون الله. وذكر الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار نقلا عن ابن غنام: كان في بليدة القداء ذكر النخل المعروف بالفحال يقصده الرجال والنساء، ويفعلون عنده من المنكر ما يأباه الدين والذوق والعقل، ويعملون بين يديه من أعمال العبادة ما لا يصلح عمله إلا لله وحده. فالرجل المضيق عليه في الرزق والمكروب والمريض يطلبون إلى الفحال أن يوسع الرزق ويفرج الكرب ويشفي المرض. والمرأة التي لم يتقدم إليها خاطب تتوسل إليه في خضوع وتقول له:"يا فحل الفحول ارزقني زوجا قبل الحول" فإذا أتمت ابتهالها إليه انصرفت إلى الشبان تغريهم، فإذا تزوجت أحدهم خيل إليها أن ذلك من عمل فحل الفحول. وكذلك قدسوا "شجرة الطرفية" تقديسا كبيرا، فإذا ولدت المرأة ذكرا علقت عليها حبلا أو قطعة من نسيج رجاء أن تطيل الطرفية عمره، فكان الرائي إذا أبصرها لا يكاد يبصر الأغصان والأوراق والساق، بل يظن الرائي أول وهلة أن ما يرى ليس إلا كومة من الحبال وقطع النسيج لكثرتها. (محمد بن عبد الوهاب لأحمد عبد الغفور عطار ص: 20- 21 الطبعة الثانية) "المترجم".
2 زيد بن الخطاب هذا هو أخو عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وكان من جملة الشهداء الذين استشهدوا في معركة اليمامة في قتال مسيلمة الكذاب سنة 12 هـ. وكانت هذه القبة إحدى مراكز البدع والوثنية تشد إليها الرحال للاستغاثة والنذر والذبح وغير ذلك "المترجم".
فساعده عثمان بنحو ستمائة رجل، فلما قربوا منها ظهر عليهم أهل الجبيلة يريدون أن يمنعوهم، فلما رآهم عثمان علم ما هموا به فتأهب لحربهم، وأمر جموعه أن تتعزل للحرب، فلما رأوا ذلك كفوا عن الحرب وخلوا بينهم وبينها.
ذكر لي أن عثمان لما أتاها قال للشيخ: نحن لا نتعرضها. فقال: أعطوني الفأس فهدمها الشيخ بيده حتى ساواها، ثم رجعوا فانتظر تلك الليلة جهال البدو وسفهاءهم ما يحدث بسبب هدمها فأصبح في أحسن حال1.
هذا بيان حادثة واحدة، ولكن كانت هناك عقبات على كل خطوة فالجهال والعلماء والمشايخ كلهم كانوا منغمسين في ظلمات البدع. كان صوت محمد بن عبد الوهاب وجهده هو الذي رفع لواء الحق بعد ظلمات وضلالات دامت قرونا طويلة، وعرفت البشرية تعاليم الإسلام الصحيحة.
أمر الشيخ عثمان بن معمر بإحياء الصلوات مع الجماعة، وعينت عقوبات للمتخلفين، وكان الأمراء يأخذون أنواعا من الضرائب والرسوم، فرفعها الشيخ ونفذ الزكاة فقط، وكان هذان عملين جيدين عملهما عثمان بن معمر وتسبب فيهما الشيخ، إلا أن الأعداء يطعنون فيهما أيضا ويبغونهما عوجا. وفي العيينة بدأ الشيخ يؤلف رسائل الدعوة المتسلسلة التي استمرت إلى وفاته، وصار له بعض الأنصار في الدرعية، فكان يرشدهم ويوجههم من العيينة2.
الدعوة تنفى من العيينة:
كادت الدعوة أن تتكلل بالنجاح في العيينة وكادت مهمة الإصلاح أن تكتمل، ولكن ظهرت بادرة شر- وما قدر كان- إلا أن آلافا من الخيرات كانت مختفية وراءها. "أتت امرأة إلى الشيخ واعترفت عنده بالزنا والإحصان، وتكرر منها الإقرار فسأل عن عقلها فإذا هي صحيحة العقل وقال: لعلك مغصوبة. فأقرت واعترفت بما
1 عنوان المجد 1: 9 ، 10.
2 روضة الأفكار 1: 200.
يوجب الرجم فأمر بها فرجمت-، وأول من تقدمت يده إلى الحجر كان عثمان1 ".أثارت هذه الحادثة المفاجئة بلبلة في الأطراف والنواحي، وخاصة في محافل المتعودين بالجرائم، فامتعضوا أشد الامتعاض، وبلغ الوشاة والنمامون ذلك إلى سليمان بن عريعر الحميدي أمير الأحساء والقطيف، وحرضوه على معاداة الشيخ، وكان هذا الرجل منحرف المزاج خليعا متهتكا، وكان من المتوقع تماما عن أمثال هؤلاء أن يغضبوا ويثوروا على حادثة الرجم، وقال له القائلون: إن هذا الرجل ابن عبد الوهاب يريد أن يسلب عنك حريتك، وكان الكلام مؤثرا فوقع في قلبه، فكتب إلى أمير العيينة عثمان بن معمر مهددا:
"إن هذا المطوع2 الذي عندك قد فعل وفعل
…
وقال اقتله، فإن لم تفعل قطعنا خراجك الذي عندنا في الأحساء3 ".
وكان المبلغ كبيرا أي ألفا ومائتي دينار سنويا عدا الأمتعة والأموال، فوقع عثمان في حيرة وغلب طمع الدنيا على حماية دعوة التوحيد، ولعل الدعوة لم تكن قد رسخت في قلبه بعد، ولعله ما كان يعرف تلك النعم التي تنزل على من يقوم بنصرة الحق. وفي هذه الحيرة والاضطراب أخبر الشيخ برسالة أمير الأحساء.
فأراد الشيخ أن يطمئنه وحاول تفهيمه بيقين الواثق، وإليك كلمات الشيخ هذه كما أوردها ابن بشر: "إن هذا الذي أنا قمت به، ودعوت إليه كلمة لا اله إلا الله، وأركان الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن أنت تمسكت به ونصرته، فإن الله سبحانه يظهرك على أعدائك، فلا يزعجك سليمان ولا يفزعك4.بذل الشيخ كل جهوده في إقناعه، ولكن إذا سيطر على القلوب خوف زوال الدنيا فلا تؤثر حينذاك أي موعظة ولا تنجح أي نصيحة، خجل عثمان أول الأمر بنصيحة
1 روضة الأفكار 2: 23. عنوان المجد 1: 10.
2 المطوع: هو الفقيه أو العالم في لغة أهل نجد وجمعه مطاوعة وفي جماعة الإخوان الجديدة أيضا تسمى جماعة الدعاة بالمطاوعة.
3 عنوان المجد 1: 10.
4 عنوان المجد 1: 10.
الشيخ الموقرة المبشرة فأحجم، ولكنه لم يستطع أن يصبر فأرسل إلى الشيخ مرة أخرى قائلا:
"إن سليمان أمرنا بقتلك، ولا نقدر على غضبه ولا مخالفة أمره؛ لأنه لا طاقة لنا بحربه، وليس من الشيم والمروءة أن نقتلك في بلادنا، فشأنك ونفسك وخل بلادنا1.
أرسل إليه هذه الرسالة وأخرجه من العيينة مع جندي يسمى فريدا الظفيري، وقصة هذا النفي محزنة مليئة بالعبر. حر صحراء العرب والشيخ يمشي أمامه راجلا ليس في يده إلا مروحة، ووراءه فريد راكبا على الفرس، وحسبما يروي ابن بشر كان ابن معمر أوعز إليه أن يقتله.
الشيخ يمشي ويردد قول الله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} ولم يخاطب الجندي طول الطريق، ولما بسط يده ليقتله أمسكته قوة غيبية كما حدث هو بنفسه، وغلب عليه الفزع والهلع، وفر راجعا على أعقابه إلى العيينة. لقد أدهشته قوة الصدق ورأى حياته في خطر فعلا2.
في الدرعية سنة 58- 1157 هـ
توجه الشيخ إلى الدرعية بعد ما جاوز حدود ابن معمر، ووصل هناك وقت العصر، فنزل أولا في بيت عبد الله بن عبد الرحمن بن سويلم العريني، ثم انتقل إلى بيت أحد
1 عنوان المجد 1: 10.
2 يظهر من هذه الرواية أن عثمان بن معمر قد تنكر للشيخ ودعوته، أو أنه لم يكن مخلصا في نصرة الدعوة، بل كان يرجو عرض الدنيا، ولكن هذه رواية تفرد بها ابن بشر، وسكت عنها الآخرون، ويقول الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار: إن ابن بشر أيضا قد رجع عن روايتها في المبيضة وأبطلها. "ففي كتاب (عنوان المجد) لابن بشرج 1 ص: 15 طبعة مطبعة الشبندر ببغداد سنة 1328 هـ التي أشرف على تصحيحها العلامة الشيخ محمد بن مانع ما نصه: (واعلم - رحمك الله - إني قد ذكرت في المبيضة الأولى أشياء نقلت لي عن عثمان بن معمر وفرسانه، وأنه أمر بقتل الشيخ في الطريق وغير ذلك، ثم تحقق عندي أن ليس لها أصل بالكلية فطرحتها من المبيضة) "محمد بن عبد الوهاب لأحمد عبد الغفور عطار- الطبعة الرابعة سنة 1392 هـ / 1972 م ص: 58" وبعد ما ثبت أن ابن بشر رجع عن رواية هذه القصة، فالظاهر أن ابن معمر لم ير في نفسه قدوة على الدفاع عن الشيخ ودعوته، فأحب أن ينتقل الشيخ إلى بلد آمن، ولما كانت القدرة الإلهية قد سجلت هذه المناقب للأمير محمد بن سعود وأولاده، اختار الشيخ الدرعية ونزل فيها. والله أعلم (المترجم) .
تلامذته أحمد بن سويلم، ولما بلغ الخبر إلى أمير الدرعية محمد بن سعود حضر إليه مع إخوته مشاري وثنيان، وكلهم عاهد الشيخ على الطاعة والنصر1.
هذه الرواية الموجزة مأخوذة من ابن غنام، أما ابن بشر فقد فصل هذه الحادثة التي لها أهمية خاصة في سيرة الشيخ التبليغية، وبعد رواية ابن غنام نذكر رواية ابن بشر أيضا:
"وأما الشيخ فإنه سافر إلى الدرعية، فوصل إلى أعلاها وقت العصر، فقصد إلى بيت محمد بن سويلم العريني، فلما دخل عليه ضاقت عليه داره، وخاف على نفسه من محمد بن سعود، فوعظه الشيخ وأسكن جأشه وقال: سيجعل الله لنا ولك فرجا ومخرجا2.
مساعدة الأمير محمد بن سعود:
نزل الشيخ في بيت ابن سويلم، فصار مركزا لدعوة التوحيد، وبدأ الناس يؤمونه متسترين، واستفاد أهل العلم بالخصوص ولكن هذه الحالة ما كانت مرضية فأراد الشيخ أن يتصل بالأمير فكلم إخوته مشاري وثنيان، فكلما أولا زوجة الأمير موضى بنت أبي وهطان، وكانت امرأة ذكية متدينة، فأثنوا على الشيخ وذكروا علمه وفضله، وحثوها على الاتصال بالأمير، وشاء الله أن يتأثر قلب موضى بعلم الشيخ وفضله فقالت للأمير:
"إن هذا الرجل أتى إليك وهو غنيمة ساقها الله لك فأكرمه وعظمه، واغتنم نصرته3 ".
كان الأمير محمد بن سعود معروفا بأخلاقه النبيلة من قبل دعوة الشيخ، فقد تأثر بكلام زوجته، واستقر في قلبه حب الشيخ وسارع إلى لقائه بعد ما ذكر له، فاستقبله بكل محبة وتعظيم، فعرض عليه الشيخ أهم أصول دعوته (معنى لا إله إلا الله، الأمر
1 روضة الأفكار 2: 4.
2 عنوان المجد 1: 11.
3 عنوان المجد 1: 11.
بالمعروف والنهى عن المنكر، والجهاد) ، وألقى خطبة موجزة ذكر فيها المساوئ الموجودة في أهل نجد، ولفت نظره إلى إصلاحها فتأثر الأمير ونطق قائلا:
"يا شيخ! إن هذا دين الله ورسوله، الذي لا شك فيه، وأبشر بالنصرة لك، ولما أمرت به، والجهاد ممن خالف التوحيد، ولكن أريد أن اشترط عليك اثنين:
1.
نحن إذا قمنا في نصرتك والجهاد في سبيل الله، وفتح الله لنا ولك البلدان أخاف أن ترتحل عنا وتستبدل بنا غيرنا.
2.
إن لي على الدرعية قانونا آخذه منهم في وقت الثمار أخاف أن تقول لا تأخذ منهم شيئا. قال الشيخ: أما الأولى: فأبسط يدك. الدم بالدم والهدم بالهدم. وأما الثانية: فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات، فيعوضك الله من الغنائم ما هو خير منها.
فبايع الأمير على يد الشيخ، وعهد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأظهر الاستعداد للعمل بالكتاب والسنة، وجرى هذا في سنة 1157 هـ أو سنة 1158?1. وما أن بايعه الأمير حتى بدأ الناس يأتون إليه زرافات ووحدانا، يستفيدون من علمه ويجددون إيمانهم، وانتقل من العيينة إلى الدرعية أصحابه وتلاميذه الأقدمون، وكان منهم بعض أقرباء الأمير عثمان بن معمر نفسه.
الجيل الأول:
كان الناس ينجذبون إلى الشيخ من أيام قيامه في العيينة، إلا أنهم كانوا قد قضوا مدة طويلة تحت ظلمات البدع، فكانوا يتلكئون في الإذعان للحق، ولكن إقامته في
1 يذكر ابن غنام موجز هذه الأمور في حدود سنة 1157 هـ حيث يقول: "كانت هذه الأمور في حدود سنة سبع وخمسين بعد المائة والألف من الهجرة (2: 4)، وأما ابن بشر فيذكر تاريخ انتقاله إلى الدرعية سنة 1158 هـ (1: 15) وبقية التفاصيل مأخوذة من عنوان المجد (1: 11 ، 12) .
الدرعية وسمعة الأمير محمد بن سعود الطيبة قد هيأتا للدعوة أرضا صالحة، وقد وصلت إلينا بفضل ابن غنام بعض أسماء أولئك السعداء الذين لبوا هذه الدعوة بكل حماسة في بدايتها، وابتلوا في سبيل ذلك بالمحن والبلايا. وأول من يذكر من الوجهاء والأعيان هم أخوة محمد بن سعود الثلاثة: مشاري، وثنيان، وفرحان1.وامتاز من أهل العلم أحمد بن سويلم وعيسى بن قاسم.
ومن ناحية الوجاهة والتأثير العام يذكر محمد الحزيمي، وعبد الله بن دغيثر وسليمان الوشيقيري، ومحمد بن حسين. وكما يقول فلبي:
"هؤلاء هم فرسان الوهابية البواسل، وتذكر أسماءهم باحترام حتى الآن وأولادهم يعتبرون جديرين بكل تكريم واحترام في القصر الملكي"(ص: 12، 13)
ابن معمر وندامته علي صنيعه
لقد اضطرب ابن معمر حينما بلغت إليه أخبار انتشار الدعوة، وقبولها المتزايد يوما بعد يوم، فندم على فعلته الأولى، وحضر إلى الشيخ واعتذر إليه، وطلب منه العودة إلى العيينة فأجابه الشيخ بصراحة.
"ليس هذا إليّ. إنما هو إلى محمد بن سعود، فإن أراد أن اذهب معك ذهبت، وإن أراد أن أقيم عنده أقمت. ولا استبدل برجل تلقاني بالقبول غيره إلا أن يأذن لي"2.
1 إن بيت الأمير محمد بن سعود وأهله كلهم قد أبلوا بلاء حسنا في سبيل الدعوة والجهاد فيما بعد، ولكننا نتكلم الآن في الدعوة في حياة الشيخ. وقد امتاز في هذا الصدد ثنيان بن سعود (م سنة 1186 هـ) ومشارى بن سعود "م سنة 1189 هـ" أما مشارى فقد قدم مساعدات ضخمة لأخيه، وقد أظهر ابنه حسن بن مشارى براعة سيفه في الحروب. وأما ثنيان بن سعود فكان زاهدا عفيف النفس، وهو وإن كان قد حرم من بصره، ولكن بصيرته كانت نافذة. والحقيقة أن محمد بن سعود قد استعد لمساعدة الشيخ بإشارة منه. "روضة الأفكار 1: 94 ، 105 ، وعنوان المجد 2: 10".
2 عنوان المجد 1: 13.
ولما سمع منه هذا الجواب الصريح ذهب إلى مضيفه محمد بن سعود واستأذنه، ولكنه لم يكن راضيا بأن يبعد عن بيته هذه النعمة بأي ثمن.
في ميدان العمل:
كانت الدرعية قرية صغيرة قبل أن يأتي إليها الشيخ، وكانت سوق الجهل نافقة فيها، فأقام الشيخ حلقات للوعظ والدرس وبدأ يعلم القادمين إليه علم الكتاب والسنة من الصباح إلى المساء، وكان يجعل جل اهتمامه الأمور اللازمة المهمة في دعوته- دعوة التوحيد وإخلاص العبادة لله- ويرسخها في قرارة النفوس. وقد أظهر شخصه الجذاب ودعوته الصادقة أثرهما العاجل، وكان من فوائد مجالس الوعظ والتذكير أن تقشعت سحائب "ما ألفوا عليه آباءهم". وصار الناس ينظرون إلى خرافات التقاليد والعادات بمنظار الكتاب والسنة فقط.
وإن جاذبية هذه المجالس بدأت تجذب العطاش إلى العلم من البلدان النائية إلى الدرعية، وكانت الأرزاق قليلة، ولذلك كان هؤلاء الطلبة يعملون أو يحترفون بحرفة في الليل لكي يحصلوا على قوتهم الذي يقيم أودهم، أما النهار فقد كانوا وقفوه لسماع آيات الله وأحاديث رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم، وبسبب كثرة التلاميذ وضيافتهم كان الشيخ مدينا دائما، ولكن الدعوة كانت تزداد توسعا وانتشارا يوما بعد يوم، وأن سلسلة القادمين ما كانت تكاد تنقطع1.
اتساع الدعوة:
كان أهل الدرعية من أنصار الدعوة منذ أن دخلها الشيخ، ولكنهم ما كانوا ليكتفوا بهذا فقط، بل كانوا يدعون أمراء نجد وأهل نواحيه إليها، ويخبرونهم بدعوتهم ويرغبونهم فيها، وقد واجهوا مخالفات واتهموا باتهامات وافتريت عليهم افتراءات، ولكن الحق
1 عنوان المجد 1: 13 ، 15.
مازال يرتفع ويدوي، وبدأت ثمراته تظهر بعد حي، ن فقد بايع أمير العيينة في السنة الثانية من قيام الشيخ (سنة 1158 هـ أو 1159 هـ) وعاهد على إقامة الحدود الشرعية، وجاء أهل حريملاء أيضا بعد أيام قلائل وبايعوا أيضا.
ومن ناحية أخرى كانت مساعدات الأمير محمد بن سعود تنهال عليه انهيالا، فقد كان يأتي بجميع أموال الزكاة والخمس ويلقيها بين يدي الشيخ، يتصرف فيها كيفما يشاء، وكان الشيخ ينفقها في سبيل الله بلا تردد ولا إقتار، والأمير محمد بن سعود، وكذلك وفي عهده عبد العزيز بن محمد بن سعود (م سنة 1179 هـ/ 1865 م الذي تولى الإمارة بعد وفاة والده في سنة 1179 هـ) ما كانا يحركان ساكنا إلا بعد استشارة من الشيخ وإذن منه، ولكن الشيخ كان ورعا زاهدا، فلم يكن يدخر حبة واحدة من هذه الأموال، بل كل ما يجئ إليه ينفقه في سبيل الله. قال ابن بشر: "وكان الشيخ رحمه الله لما هاجر إليه المهاجرون تحمل الدين الكثير في ذمته لمؤنتهم وما يحتاجون إليه، وفي حوائج الناس، وجوائز الوفد إليه من أهل البلدان والبوادي، وذكر له أنه حين فتح الرياض كان في ذمته أربعون ألف نجدية فقضاها من غنائمها1.
واستمرت سلسلة الديون والإنفاق في سبيل الله إلى فتح الرياض، وأما بعد فتح الرياض2 فقد اطمأن الشيخ بنجاح دعوته إلى حد ما، ففوض الأمور كلها إلى الأمير عبد العزيز، وتخلى من أمور بيت المال ووجه كل عنايته وجهوده إلى التعليم والتدريس، ولكن عبد العزيز ما كان يتصرف إلا بإذن من الشيخ وإشارة منه.
الدعوة خارج حدود نجد:
كانت دعوة الشيخ محصورة في نواحي نجد حتى الآن، ولكنها كانت دعوة عامة، فما كان نجد وحده يحتاج إلى إصلاح، بل العالم الإسلامي كله كان في غاية الانحطاط، ولكن بداية الإصلاح تكون من البيت، فلذلك كان من الطبيعي أن تكون العيينة
1 عنوان المجد 1: 15.
2 فتح الرياض في ربيع الآخر سنة 1187 هـ أو بعده (يونيو سنة 1773 م) عنوان المجد.
وحريملاء والدرعية والعارض المراكز الأولية لدعوة الشيخ.
ولكن من حين أن ظهرت بوادر الحياة في هذه النواحي، وسع الشيخ نطاق دعوته، وكتب رسائل تبليغية إلى علماء البلاد النائية وأمرائها وقضاتها، وحرضهم على قبول دعوته، ولكن قليل من لبى هذه الدعوة في بدايتها، وأما الأكثرون فقد استهزءوا وسخروا فمنهم من رماه بالجهل، ومنهم من زعم أنه ساحر واتهموه باتهامات وافتروا عليه افتراءات، كان الشيخ منزها عنها. ومن أبرز الملبين للدعوة والمؤيدين لها عالم صنعاء المجتهد الأمير محمد بن إسماعيل (م سنة 1182 هـ)، ولما بلغته دعوة الشيخ أنشأ قصيدة بليغة تلقاها العلماء بالقبول ومطلعها:
سلامي على نجد ومن حل في نجد
…
وإن كان تسليمي من البعد لا يجدي
وفي هذه القصيدة مدح للشيخ وثناء عليه، وذم للبدع ورد شديد على عقيدة وحدة الوجود، وأمور أخرى نافعة جدا1
1 لقد نالت هذه القصيدة رواجا عظيما بين دعاة التوحيد من العلماء والطلاب وضاق بها ذرعا أعداء التوحيد في كل مكان وزمان حتى إن أحدهم تصدى للرد عليها فقال قصيدة مطلعها:
سلام بكسر السين لا فتحها نهدي
…
لمن حل في صنعا ومن حل في نجد
ولما سمع بها أستاذنا العلامة الدكتور محمد تقي الدين الهلالي- ولم يسمع إلا مطلعها- رد عليها بقصيدة رائعة تحتوي على تسعة وأربعين بيتا. وهذه بعض أبياتها:
سلام بكسر السين في قصفة الرعد
…
إلى عابد الأوثان في السهل والنجد
تعمهم طرا وتختص مارقا
…
تصدى بلا علم لهجو أولى المجد
وأعني بذا "البيتي" من حل طيبة
…
كما درج الشيطان في جنة الخلد
إلى أن وصل إلى ذكر الشيخ محمد عبد الوهاب فقال:
وثانيهما الشيخ الإمام محمد
…
بدا في ربى نجد ضياء لمستهد
فجدد دين الله بعد دثوره
…
فزال ظلام الشرك والفتنة المردي
بدعوته عادت شريعة أحمد
…
إلى عهدها الماضي فيا لك من عهد
وحطم أوثانا وأوجد دولة
…
من العرب بعد الضيم والأسر والجهد
فأكرم بها من دعوة أحمدية
…
فضائلها جلت من الحصر والعد
قلاها عداة الحق من كل أمة
…
وكادوا لها كيدا عظيما بلا حد
وحاربها منهم جيوش كثيرة
…
وأبدت من العدوان ما لم تكن تبدي
فأكرم رب الناس بالنصر حزبه
…
فولت جيوش البغي بالخزي والطرد
وذى سنة الجبار في كل من بغوا
…
على حزبه يمنون بالقصم والرد
(المترجم)
وكان من أعظم أسباب فرح الأمير محمد بن إسماعيل1 أنه كان يظن نفسه منفردا في هذا الميدان. كما يظهر من شعره هذا:
لقد سرني ما جاءني من طريقه
…
وكنت أرى هذي الطريقة لي وحدي
وقد فرح الشيخ بقصيدة الأمير اليمني وتشجع بها، وأشار إليها في بعض رسائله2.
وقد خالف الشيخ أخوه سليمان بن عبد الوهاب (م سنة 1258 هـ) ، وكان قاضيا في حريملاء وخلفا عن أبيه، فألف رسائل في الرد عليه مملوءة بالأكاذيب وكما يقول
1 كان الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني مجتهدا مطلقا إماما في عصره، ولد في ليلة الجمعة 15 جمادى الآخرة سنة 1099 هـ / 1687 م في كحلان، وتوفي في ليلة الثلاثاء 3 من شعبان سنة 1182 هـ / 1769 م. وقد تقدم ذكر رسالته الموجزة في التوحيد "تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد" وسنذكرها فيما بعد أيضا. ولمؤلفاته يراجع بروكلمان، ملحق 2: 556 ولترجمته يراجع البدر الطالع 2: 133- 139 وعنوان المجد 1: 53- 56.
2 ابن غنام 2: 4 ، 1: 56 ، 58. هذا وقد أجاد الإمام الصنعاني في قصيدته وأحسن في عرض العقيدة الإسلامية الصحيحة والدفاع عنها ومدح دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب مدحا عظيما. وما أجمل هذه الأبيات:
قفي واسألي عن عالم حل سوحها
…
به يهتدي من ضل عن منهج الرشد
محمد الهادي لسنة أحمد
…
فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي
لقد أنكرت كل الطوائف قوله
…
بلا صدر في الحق منهم ولا ورد
وما كل قول بالقبول مقابل
…
ولا كل قول واجب الطرد والرد
سوى ما أتى عن ربنا ورسوله
…
فذلك قول جل يا ذا عن الرد
وأما أقاويل الرجال فإنها
…
تدور على قدر الأدلة في النقد
وقد جاءت الأخبار عنه بأنه
…
يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي
وينشر جهرا ما طوى كل جاهل
…
ومبتدع منه فوافق ما عندي
لقد سرني ما جاءني عن طريقه
…
وكنت أرى هذي الطريقة لي وحدي
قد افترى بعض أعداء التوحيد قصيدة على لسان الإمام الصنعاني وأدخلها في ديوانه، وزعم أنه رجع عن هذه القصيدة. وقد احتوت هذه القصيدة المزورة وشرحها على أمور لا يتصور صدورها عن أي طالب علم فضلا عن إمام عظيم كالصنعاني. وذلك ككلامه عن أهل الردة مانعي الزكاة في عصر أبي بكر رضي الله عنه والمختار ابن أبي عبيد الثقفي والجعد بن درهم وإنكاره للإجماع. وزعم هذا المفتري أنه أكثر النقل عن الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم مع أن كلامه في النظم وشرحه مناقض تماما لما ذكره ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله. وأما كلامه عن الوثنيات المنتشرة في بعض طوائف المسلمين فهو مخالف تماما لما ذكره الصنعاني نفسه في كتابه "تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد"، وهو الذي يجعل الباحث المنصف يحكم بأن هذه القصيدة المزورة وشرحها لا تصح نسبتها إلى الإمام الصنعاني رحمه الله. فإن كان الصنعاني رجع عن القصيدة النجدية، فهل رجع عن دعوته ورسالته أيضا، وقد ناضل من أجلها طوال حياته؟.
ولو سلمنا أن الصنعاني رجع عن القصيدة النجدية وتأثر بتلك الشائعات والافتراءات التي كانت تذاع وتشاع عن دعوة التوحيد تنفيرا للناس، فهذا لا يضر شيئا الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولا دعوته، وذلك لأن دعوته مدعمة بالكتاب والسنة، وهي دعوة جميع الأنبياء والمرسلين الذين بعثوا للناس وإذا كانت الدعوة مستنبطة من الكتاب والسنة النبوية، فهي ليست في حاجة إلى تأييد العلماء، بل إن العلماء هم أنفسهم في حاجة إلى تأييدها ونصرتها، وهذا واجب يحتمه عليهم الإسلام. وللتفصيل في هذا الموضوع يرجع إلى كتاب "تبرئة الشيخين الإمامين من تزوير أهل الكذب والمين" سليمان بن سحمان رحمه الله. هذا، وقد قام الأستاذ الفاضل أبو بكر زهير الشاويش صاحب المكتب الإسلامي في بيروت بتحقيق القصيدة النجدية للإمام الصنعاني، وطبعها في صورة رسالة طبعة أنيقة جذابة فجزاه الله خير الجزاء. ولو أضيفت إليها قصيدة الدكتور الهلالي لصار النفع أعم وأتم. (المترجم)
ابن غنام إنما خالفه "حسدا وغيرة"، وألف الشيخ أيضا رسائل في الرد على ما كتبه إلا
أن الله تعالى قد هداه في آخر الأمر فرجع إلى أخيه تائبا1.
"رجع إلى أخيه بالدرعية تائبا سنة 1195 هـ فأحسن إليه الشيخ وأكرم مثواه" وتوجد رسالة سليمان بن عبد الوهاب مطبوعة باسم "الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية"، وأعداء التوحيد يتشدقون بذكر هذه الرسالة، ولكنهم يذوبون خجلا وحياء عند ذكر رجوع سليمان وتوبته. لقد بلغت مخالفة سليمان بن عبد الوهاب أشدها، وفي تلك السنة جمع الشيخ المسلمين من الأطراف والنواحي، وألقي عليهم خطبة شرح فيها دعوته بصورة واضحة صريحة.
وسنذكر مبادئ الدعوة والموافقة عليها أو المخالفة مفصلة فيما بعد، والغرض هنا ذكر عموم الدعوة وشمولها، فالمتعطشون للعلم يرحلون إلى الدرعية أفواجا، ورسائل الشيخ في الدعوة والتوجيهات كانت تنتشر في كل ناحية.
ابن دواس وأعداء آخرون:
لقد كان دهام بن دواس2 أمير الرياض يبتلي الموحدين في الرياض ومنفوحة بأنواع المصائب والمحن، وما كان لهم أي ذنب سوى أنهم انخرطوا في سلك دعوة التوحيد، واتبعوا الشيخ في دعوته. ولفتت اعتداءاته انتباه الشيخ والأمير محمد بن سعود منذ السنة الثالثة من إقامته في الدرعية (سنة 1159 هـ) ، فاضطر الشيخ إلى أن يأذن
1 ابن غنام 2: 108.
2 لقد كان دهام دنيء الطبع، قاسي القلب، متوحش الخلق غضب مرة على امرأة فأمر أن يخاط فمها، وغضب على رجل ذات مرة فأحضر بين يديه فقطع قطعة من فخذه وأمره أن يزدردها نيئة، ولما لم يستطع ضربه ضربا مبرحا حتى طلب أن تشوى له فشويت فابتلعها، وهو يكاد يلفظ نفسه الأخير وبينما كان يشرب قهوة الصباح في بيته إذ سمع رجلا يدعو إلى الله، فأرسل زبانيته ليأتوا به فقطع لسانه بيده. وكان دهام هذا عبدا لأحد عبيد أمير الرياض الأسبق، ولكنه تسلط على الإمارة بحيلة ومكر وخبث وللتوسع في معرفة هذا يرجع إلى روضة الأفكار ص: 89 ، 90 تحقيق الدكتور ناصر الدين الأسد. (المترجم) .
لاتباعه في المقاومة والدفاع، وحينذاك قام الأمير محمد بن سعود وإخوانه وأبناؤه ونكلوا بالمعاندين، واستمرت الحروب مدة طويلة. واستمرت المناوشات مع أمير الرياض دهام بن دواس إحدى وثلاثين سنة تقريبا. وما زالت القوتان تتحاربان من سنة 1159 هـ إلى 1187. وفي أواخر سنة 1187 هـ بلغ الخبر إلى ابن دواس أن عبد العزيز بن محمد بن سعود قد هجم على المدينة فترك البلد وولى هاربا واستولى الأمير عبد العزيز على الرياض قلب نجد استيلاء كاملا1.
وفي هذه المدة خرجت جيوش أخرى مجاورة إلى ميدان المبارزة، وشنت هجوما على مراكز أهل التوحيد، وغدر عثمان بن معمر حاكم العيينة مرارا2. ولما رأى الأعداء أن قوة الشيخ وأتباعه من أهل نجد لا تزال تزداد وتنموا يوما فيوما، التجئوا إلى استعمال الأساليب الدنيئة فاتهم سليمان بن محمد بن سحيم الشيخ بتهم، وافترى عليه مساوئ عديدة، وأرسل إلى مدن الخليج والأحساء وغيرها، وقد رد الشيخ على رسالة من هذه الرسائل ردا مفصلا، وسنتكلم فيما بعد في أنواع الافتراءات وأجوبتها. واشترك مع أدعياء العلم والعمل في هذه الافتراءات أصحاب العروش
1 فلبي arabia ص: 13- 25.
2 وكان من هؤلاء الهاجمين عريعر بن دجين أمير الأحساء، وكان من ألد أعداء التوحيد، فكان يقتل كل من ظفر به من الموحدين، ويغير على مدنهم وقراهم كلما سنحت الفرصة. ولكن كل هذا لم يثلج صدره ولم يقر عينه، وكانت شعلة العداوة متأججة في قلبه، فرأى أن يهجم على الدرعية نفسها، ويتخلص من هذا الخطر الذي أقضّ مضجعه. خرج عريعر بن دجين في سنة 1178 هـ، وقد جمع كيده من كل ناحية واستنفر كثيرا من أهل القرى والمدن، وتوجه نحو مركز الدرعية في جيش ضخم، وكلما مر على قرية أو قبيلة قدموا له ولاءهم، وخرج كثير من أهل القلوب المريضة عن اتباع الشيخ والأمير محمد بن سعود لما رأوا هذه الجيوش الجرارة وعدتهم وعتادهم ظنوا أن الدرعية سوف تنقلب إلى أساطير بين عشية وضحاها. وصل عريعر إلى الدرعية وحاصر المدينة حصارا كاملا. وطال الحصار، ولكن المدينة كانت محصنة ماديا ومعنويا. فالذين كانوا يدافعون عنها ما كانوا يدافعون عن مدينة واحدة، ولكنهم كانوا يدافعون عن العقيدة التي هي قوام حياتهم ومفتاح نجاحهم، وكانوا يستميتون في سبيل الله. فكانت الجنود المرابطة في أبراج السور تقضي على كل من تجرأ على التقدم نح المدينة، واستمر هذا الحصار عشرين يوما أو أكثر، وأنزل الله الرعب والفزع في قلب العدو فجزع وجبن وولى خائبا خاسرا، ونجت الدرعية ونجا أهلها من شرهم والحمد لله أولا وآخرا (المترجم) .
والقصور من الأمراء والحكام على النواحي، وذلك للحفاظ على مراكزهم وعروشهم1.
ولكن مع كل هذه العقبات والموانع مازال نطاق الدعوة يتوسع أكثر فأكثر، وخرج المطاوعة من الدرعية وانتشروا في بلاد نجد كلها، حتى تجلت سنة محمد بن عبد الله (فداه أبى وأمي صلى الله عليه وسلم في قلب الجزيرة على الأقل في صورتها الحقيقية.
الوفاة:
توفى الشيخ في شوال أو ذي القعدة سنة 1206 هـ (يونيو أو يوليو سنة 1792 م) بعد ما اشتغل في الدعوة والإرشاد مدة خمسين سنة متوالية. وكان رجلا عجيبا زاهدا
1 ابن غنام 1: 27 ، 28 ، 142 ، 167. وكان أعداء الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوة التوحيد على ثلاثة أنواع: 1- قسم من أدعياء العلم الذين نسوا عهد الله، وتركوا تلك المحجة البيضاء التي تركهم عليها رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، فرأوا الحق باطلا والباطل حقا، وغيروا عقائد الإسلام الصافية بالبدع والوثنيات، فرأى هؤلاء عارا عليهم أن يفوز محمد بن عبد الوهاب بهذا الإقبال، وتظهر للناس أباطيلهم. كيف وكان فيه قضاء على مراكزهم وأرزاقهم، وعلى أكاذيبهم التي طالما تبجحوا بها عند العامة والدهماء، وأعلنوا بغير خجل ولا حياء أنهم هم القائمون بأمر الله والمحافظون على دين الله. 2- وقسم آخر من العلماء الذين كانوا أحسن حالا من الذين تقدم ذكرهم، ولكنهم اغتروا بسيل تلك الاتهامات والافتراءات، وتأثروا بما افترى عليه أهل الأطماع والأهواء من الأكاذيب، فلم يتثبتوا في الأمر ولم يحققوا في المسألة، وردوا على الشيخ محمد بن عبد الوهاب واتهموه بكل تلك التهم التي كانت تذاع من قبل المبطلين بدون علم ولا تحقيق. 3- والقسم الثالث هم أولئك الأمراء والحكام الذين كانوا يسيطرون على قريات وبليدات في بلاد نجد وغيرها، فكانوا يتنعمون برغد العيش على حساب الأرامل واليتامى، والملهوفين والضعفاء من رعيتهم، ويعيثون في الأرض فسادا. فرأى هؤلاء أن الدعوة الإسلامية الصحيحة إن بقيت في سيرها فسيأتي يوم من الأيام حتما تطأ فيه خيل محمد بن سعود عروشهم وقصورهم. وهكذا اتفق الأعداء فاستل أدعياء العلم سيوف التكفير والتفسيق والإخراج عن الملة، وجلب أصحاب الدويلات خيلهم ورجلهم، وجرّب كل طاقته وسعى قدر استطاعته في القضاء على دعوة التوحيد، ولكن الله كان بالمرصاد فانتصر الحق وزهق الباطل- ألا إن حزب الله هم الغالبون -. (المترجم) .
في الدنيا وما فيها، وقليل من الناس من حظي بمثل هذا القبول في حياته1. وقال تلميذه ابن غنام مرثية مطلعها2
1 ابن غنام 2: 74 وابن بشر 1: 95. وقد أخطأ المؤرخون الآخرون الغربيون منهم والشرقيون في تاريخ الوفاة أيضا. وعلى سبيل المثال يراجع بروكلمان (ملحق 2: 530) ومرغليوث (دائرة المعارف الإسلامية 4: 1086) ولبيب البتنوني (الرحلة الحجازية ص: 86) .
2 روضة الأفكار: 175. ومن أبيات هذه القصيدة المبكية:
لقد كسفت شمس المعارف والهدى
…
فسالت دماء في الخدود وأدمع
إمام أصيب الناس طرا بفقده
…
وطاف بهم خطب من البين موجع
وأظلم أرجاء البلاد لموته
…
وحل بهم كرب من الحزن مفظع
شهاب هوى من أفقه وسمائه
…
ونجم ثوى في الترب واراه بلقع
وكوكب سعد مستنير سناؤه
…
وبدر له في منزل اليمن مطلع
وصبح تبدى للأنام ضياؤه
…
فداجى الدياجي بعده متقشع
إلى أن قال:
لقد وجد الإسلام يوم فراقه
…
مصابا خشينا بعده يتصدع
وطاش ذووا الإسلام والفضل والنهى
…
وكادت له الأرواح تترى وتتبع
وطارت قلوب المسلمين بموته
…
فضجوا جميعا بالبكاء تأسفا
وظنوا به أن القيامة تقرع
…
وفاضت عيون واستهلت مدامع
وكادت قلوب بعده تفجع
…
يخالطها مزج من الدم مهيع
بكته ذوو الحاجات يوم فراقه
…
وأهل الهدى والحق والدين أجمع
(المترجم) .
إلى الله في كشف الشدائد نفزع
…
وليس إلى غير المهيمن مفزع
وذكر محمد حامد الفقي مرثية للقاضي محمد بن علي الشوكاني1 (م سنة 1250 هـ) مطلعها2:
مصاب دها قلبي فأذكى غلائلي
…
وأصمى بسهم الافتجاع مقاتلي
مزية عظيمة:
لقد حدث في التاريخ الإسلامي أكثر من مرة أن برز رجال ولكنهم سرعان ما
1 هو الإمام العلامة المجتهد القاضي محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني، ولد في نهار الاثنين الثامن والعشرين من شهر ذي القعدة سنة 1174 هـ وتوفي في ليلة الأربعاء 27 من شهر جمادى الآخرة سنة 1250 هـ. نشأ وترعرع في أحضان والده ودرس على كثيرين من جهابذة العلم في عصره، وتفقه على مذهب الإمام زيد وبرع فيه، ثم اشتغل بعلم الحديث وذاق حلاوته، وتألم بما رأى حوله من التفرق والانتشار في صفوف المسلمين مع أن كتاب ربهم واحد ونبيهم واحد، فسرعان ما خلع ربقة التعصب المذهبي، وصار يأخذ بالدليل حيثما وجد وعمل به وأفتى، فغضب عليه قصار النظر من المتعصبين وتحاملوا، ولكنه ما زال يسعى ويدعو إلى توحيد صفوف المسلمين، ونبذ التفرقات المذهبية والبدع والخرافات التي غزت المسلمين، فألهتهم عن سبيل الرشاد، وله من المؤلفات ما يقارب مائة وأربعة وستين كتابا. وقد أحصاها الأستاذ إبراهيم هلال في كتابه "ولاية الله والطريق إليها"، ومن هذه الكتب: تفسير فتح القدير، ونيل الأوطار في شرح منتقى الأخبار، والقول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد، والتحف في عقائد السلف، وشرح الصدور في تحريم رفع القبور وغيرها. "المترجم".
2 ومن أبيات هذه القصيدة:
مصاب به الدنيا قد أغبر وجهها
…
وقد شمخت أعلام قوم أسافل
لقد مات طود العلم قطب رحى العلا
…
ومركز أدراك الفعول الأفاضل
إمام الهدى ماحي الردى قامع العدى
…
ومروى الصدى من فيض علم ونائل
محمد ذو المجد الذي عز دركه
…
وجل مقامًا عن طوال المطاول
لقد أشرقت نجد بنور ضيائه
…
وقام مقامات الهدى بالدلائل
أثر الدعوة الوهابية في جزيرة العرب ص: 79 ، 80 "المترجم".
ارتدوا رداء دعاوى باطلة كالمهدوية أو المسيحية. وكانت نتيجة لازمة لهذا أنهم ألحقوا أضرارا جسيمة بالإسلام بدلا من أن يفيدوه. ولكن تعليمات شيخ الإسلام وأتباعه بعيدة كل البعد من هذه التوهمات المردية والأخطار المهلكة، وإني أعتبر هذا نجاحا باهرا لهذه الدعوة، وقد حاول بعض أدعياء العلم1 نسبة بعض التهم من هذا القبيل إليهم، ولكن أتباعه وخلفاءه كانوا معلنين ومخلصين في عقيدتهم، ولذلك لم تضرهم هذه الافتراءات شيئا.
ومع أن الأعداء بذلوا جهودا عظيمة ولكن كل جهودهم ذهبت أدراج الرياح، ولم ينجحوا في إخراج أي تهمة من مؤلفات داعية التوحيد في البلاد النجدية ورسائله. فكتبه واضحة كما أن الواحد مع الواحد يساوي اثنين، وهي تشهد على جرأة مؤلفها وصدقه.
وعلى سبيل المثال اقرأ كتاب التوحيد كاملا من أوله إلى آخره لا تجد فيه أي غموض، ولا تجد أدني شائبة من التصوف والتوهمات والأبحاث البعيدة التي لا طائل تحتها، ولا ترى فيه أي أثر للاستدلال الفلسفي ولا السفسطة اليونانية، فهو بعيد كل البعد من كل هذه الترهات.
مزية أخرى:
كان محمد بن عبد الوهاب عالما محضا، ولكن كان ذا نظر ثاقب بعيد المدى، لقد شاهد ثمرات2 دعوته في حياته ثمرات دنيوية وثمرات دينية. فقد فتحت بلاد نجد
1 تراجع "الدرر السنية" ص: 46 لأحمد زيني دحلان.
2 لقد ذكر ابن بشر أن الشيخ كان يحمد الله حمدا كثيرا، ويشكره على تلك النعم العظيمة التي أسداها إليه ربه من العلم والفضل والورع، والقيام بتصحيح عقائد المسلمين، والنجاح في هذه المهمة العظيمة، وكان كثيرا، ما كان يلهج بقوله تعالى:"رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين" ويتمثل بهذه الأبيات:
بأي لسان أشكر الله إنه
…
لذو نعمة قد أعجزت كل شاعر
حباني بالإسلام فضلا ونعمة
…
علي وبالقرآن نور البصائر
وبالنعمة العظمى اعتقاد ابن حنبل
…
عليها اعتقادي يوم كشف السرائر
وليس معنى هذا أنه كان يأخذ عقيدته من تقليد ابن حنبل رحمه الله ولكن الإمام ابن حنبل صار رمزا وعلامة لعقيدة أهل السنة والجماعة بسبب تلك المواقف العظيمة التي وقفها عند الفتن والانحرافات، حينما زلت أقدام كثير من أهل العلم والفضل، فعقيدة أحمد بن حنبل هي عقيدة جميع الأئمة والعلماء من الأولين والآخرين- والحمد لله - فإن الأئمة رحمهم الله لم يختلفوا في شيء من أمور العقيدة، فهم كلهم على عقيدة الصحابة والتابعين التي تعلموها من رسول الهدى صلى الله عليه وسلم وإنما اختلاف الأئمة في الأمور الفرعية. وكان من أهم أسباب اختلافهم أن بعضهم لم تبلغه بعض الأدلة مع أنها قد وصلت إلى غيره؛ ولذلك أكدوا كلهم أشد التأكيد على تلامذتهم على أن يكون همهم اتباع الدليل من الكتاب والسنة، ويضربوا بقولهم عرض الحائط إذا وجدوه خلافا لما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم. فقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله:"إذا صح الحديث فهو مذهبي". وقال: لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه. وقال: ((حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي؛ فإننا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غدا)) . وكذلك قال: ((إذا قلت قولا يخالف كتاب الله تعالى وخبر الرسول فاتركوا قولي)) . وقال الإمام مالك رحمه الله: "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه". وكذلك قال: "ليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم". وقال الإمام الشافعي رحمه الله: "أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل له أن يدعها لقول أحد". وقال الإمام أحمد رحمه الله: "لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا"(راجع كتاب "صفة صلاة النبي" للمحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني) . ولكن الأسف كل الأسف على المتأخرين من الاتباع والذين انحرفوا عن طريقة الأئمة، وأعرضوا عن أقوالهم هذه، وصاروا يتبعون أهواءهم ويتسترون بالأئمة، فقالوا أقوالا وعملوا أعمالا نسبوها إلى الأئمة مع أنهم برآء منها، فإلى الكتاب والسنة أيها المسلمون! - فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا. (المترجم) .
كلها في حياته، وأمير نجد وأهله كلهم كانوا مستعدين للجهاد بأرواحهم وحياتهم على إقدامه في كل لحظة. وكانت كل عظمتهم التي اكتسبوها إنما جاءت من قبل استجابتهم لدعوة الشيخ.
فالمجاهدون وعامة الناس ما كانوا يعرفون أحدا غيره، وكانوا مولعين به فلو أراد أن يأخذ لأولاده نصيبا في الحكومة لأخذ، ولو أراد أن يملك
زمام الحكم في يده لملك، ولكنه مازال متنحيا عن هذه المسئوليات كلها. والأمير محمد بن سعود وخلفه الأمير عبد العزيز ما كانا يحركان ساكنا إلا برأي من الشيخ وإشارة، ولا يريدان هذا. وكل أموال الغنائم كانت تلقى تحت أقدام الشيخ، ولكن هذا الرجل الصالح لم ينشغل بها عن مهمته الأصلية.
فلم يزل يعمل عمله، وكان يتدخل في أمور الدولة عندما كانت الحاجة تقتضي ذلك، ومن حين أحس أن الدعوة قد قويت وتأصلت أبعد نفسه عن إدارة الحكومة وأموال الغنائم، وكان من نتائج هذا الزهد أن أولاده أيضا مازالوا يشتغلون بخدمة الدين بعيدين عن الجاه الدنيوي إلى يومنا هذا. وقد مرت مائة وخمسون عاما ولكن لم يحدث أن خاصم أولاده آل سعود في التاج والعرش في يوم من الأيام.
أولاده وأحفاده:
لقد جاوز تلامذة الشيخ المستفيدون من دروسه ووعظه كل حد وحصر، حيث إنه لا يمكن لنا إحصاؤهم. وماذا ترى في كثرة وعموم تلك الأثمار اليانعة التي اجتنتها قوافل الناس المتتابعة طوال خمسين عاما أو أكثر!! وإذا حاولنا أن نقتصر على ذكر تلامذته فقط تعوقنا قلة التراجم والسير، ولذلك نكتفي من تلامذته بذكر أولاده وأحفاده فقط الذين يلقبون الآن- بحق- بآل الشيخ وهذا هو نسبهم.
لقد كان الشيخ سعيدا حظيظا حيث ترك وراءه خلفاء يتبعون سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويشتغلون في تدريسها والدعوة إليها حسب منهجه، وأروع من هذا وأسر أن هذه السلسلة لم تنقطع إلى يومنا هذا، ففي هذه الآونة أيضا يفوق أولاده في العلم والعمل في جميع بلاد نجد.
كان الشيخ كثير العيال، وتوفى بعض أولاده في حياته ولكنه ترك عند فاته أربعة أولاد: حسين، عبد الله، علي، إبراهيم1.
1 ذكر الأستاذ أمين سعيد من أولاده (ص: 182) أسماء عبد العزيز وحسن. أما حسن، فهو والد الشيخ العلامة والحبر الفهامة عبد الرحمن بن حسن صاحب كتاب "فتح المجيد في شرح كتاب التوحيد" وكتاب "قرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين" وغيرهما وقد خلف عبد الرحمن بن حسن ذرية كثيرة. ومن أولاده سماحة المغفور له مفتي المملكة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف وابنه الشيخ إبراهيم بن محمد وزير العدل حاليا. وأما عبد العزيز: فلم أجد له ترجمة، ولكني رجعت إلى سماحة الشيخ إبراهيم بن محمد رئيس إدارات البحوث العلمية والدعوة والإرشاد بالرياض فأحال إلى الشيخ إسماعيل الأنصاري وإليكم ما أفادني به الشيخ: أما الشيخ عبد العزيز بن مجدد القرن الثاني عشر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، فلم أقف من أخباره إلا على ما وجدته في جواب العلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن لجمعان بن ناصر حول روايته عن مشايخه، ونصه:(وحضرت عليه أي على شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -عدة مجالس كثيرة في البخاري وقراءة ابنه الشيخ عبد العزيز رحمه الله في سورة البقرة من كتاب ابن كثير (ج 2 من مجموعة الرسائل النجدية ص 20 طبعة المنار، وكتاب عقد الدرر فيما وقع في نجد من الحوادث في آخر القرن الثالث عشر وأول الرابع عشر للشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى النجدي الحنبلي ص: 46) ، وهذا الوصف من الشيخ عبد الرحمن لعبد العزيز بأنه شيخ دلالة واضحة على أنه من كبار العلماء.
يقول ابن بشر: "لقد رأيت لهؤلاء الأربعة العلماء الأجلاء مجالس ومحافل في التدريس في الدرعية، عندهم من طلبة العلم من أهل الدرعية وأهل الآفاق الغرباء ما يفضي لمن حكاه إلى التكذيب.
ولهؤلاء الأربعة المذكورين من المعرفة ما فاقوا به أقرانهم، وكل واحد منهم قرب بيته مدرسة فيها طلبة العلم من الغرباء ونفقتهم من بيت المال، يأخذون عنهم في العلم كل وقت1 "
1-
حسين:
وهو أكبرهم وخليفة الشيخ في الحقيقة، وكان قاضيا في الدرعية وإماما في جامع الدرعية، توفي سنة 1224 هـ2. وله عدة أولاد نبغوا في العلم والعمل والذين سماهم ابن بشر منهم هم: علي، حمد، حسن، عبد الرحمن، وعبد الملك.
1 عنوان المجد 1: 92.
2 عنوان المجد 1: 143.
كان علي أكبرهم وأعلمهم، ولذلك فوض القضاء في حياة أعمامه، ومازال يتولى القضاء في عهود عدة من الأمراء، وهم سعود بن عبد العزيز (1218 هـ - 1229 هـ/ 1803م- 1814 م) ، وعبد الله بن سعود (صلب سنة 1234 هـ/ 1818 م) ، وتركي (قتل سنة 1229هـ/ 1834 م) ، وفيصل بن تركي (م سنة 1288 هـ/ 1865 م) وأما حمد فتوفي في أيام طلبه.
والحسن كان قاضيا في الرياض أيام تركي بن عبد الله وكان حاذقا في الفقه، توفى في حداثة سنه ولم يعمر طويلا، فلبى داعي الأجل سنة 1245 هـ. وأما عبد الرحمن فتولى القضاء في عهد كل من تركي وفيصل، وكان ذا باع طويل في الفقه والتفسير والنحو.
وأما عبد الملك بن حسين فكان قاضيا في الحوطة أيام الفيصل.
وقد استفاد عبد الرحمن، وحسن، وعبد الملك أبناء حسين كلهم من الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب (سيأتي ذكره فيما بعد) .
ومن الذين تتلمذوا على الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام من أحفاد حسين بن شيخ الإسلام هم: حسين بن حمد بن حسين بن شيخ الإسلام (قاضي حريق في عهد الفيصل) ، وحسين بن علي (بن حسين) بن شيخ الإسلام (قاضي الرياض في عهد الفيصل) ، وعبد الله بن حسن بن حسين بن شيخ الإسلام.
2-
عبد الله:
أما الولد الثاني للشيخ فهو عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب كان من العلماء الأجلاء المنصفين، وكان خليفة شيخ الإسلام بعد وفاة حسين بن محمد، وكان قد اعترف بمكانته العلمية في حياة حسين بن محمد. وكان مع الأمير سعود بن عبد العزيز حينما دخل مكة في سنة 1218 هـ/ 1803 م.
والرسالة التي نشرها الأمير سعود عن عقائد جماعته كانت بقلم عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله هذا. وكان موجودا في الدرعية أثناء غارة إبراهيم باشا سنة 1232 هـ، ولما شاهد همجية الجيوش المصرية وتدميرها لم يستطع أن يصبر، فاستل السيف وبرز إلى ميدان القتال.
يقول ابن بشر: "فشهر سيفه عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وانتدب واجتمعوا عليه
…
الخ1 " ثم قاتل ببسالة نادرة وجرأة عظيمة، والغالب أنه اعتقل وأرسل إلى مصر وتوفى هناك2.
وقتل اثنان من أولاده عند الاستيلاء على الدرعية، وهما: سليمان بن عبد الله، وعلي بن عبد الله. وكان سليمان عالما جليلا، وكان قاضيا في الدرعية في حياة والده وكذلك تولى إمارة مكة أيضا في عصر الأمير سعود مدة. وكان قد عهد إليه تدريس البخاري في مجلس الأمير سعود بن عبد العزيز، وكان هذا منزلة علمية عظيمة. وعبد الله بن شيخ الإسلام نفسه كان يلقي الدروس من تفسير الطبري وابن كثير، وقد حضر ابن بشر هذه الدروس3. وتظهر من وصفه أهمية هذه الدروس والمجالس العلمية، فقد ذكر طريقته في التعليم والتحديث بكلمات طيبة جدا. كان آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر الأمر الذي جعل دحلان يصفه بأنه كان أشد تعصبا من والده4.
1 عنوان المجد 1: 206. وتمام هذه القصة البطولية كالتالي بلسان ابن بشر:- "واجتمعوا عليه أهل البجيري، ونهضوا على الترك من كل جانب كأنهم الأسود، وقاتلوا قتالا يشيب من هوله المولود، فأظلمت البجيرة كأنها الليل. وصريخ السيوف في الرءوس كأنه صهيل الخيل، فأخرجوهم منها صاغرين وقتلوا من الترك عدة مئات، حتى قال لي بعض من حضر ذلك: لو حلفت بالطلاق أني من الموضع الفلاني إلى الموضع الفلاني لم أطأ إلا على رجل مقتول لم أحنث، فدخل الترك بعد هذا الفشل، وصار في قلوبهم منهم وجل، ثم أرسلوا إلى الباشا وطلبوا الصلح فأجابهم إليه بعد ما كان آبيا- ولان لهم بعد ما كان قاسيا. (المترجم) .
2 يذكر ابن بشر جرأة الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (ص: 229) إلا أنه ساكت عن عبد الله. وقول آخر لابن بشر يدل على أنه لم يستشهد يقول: "وكان من أولاد عبد الله المذكور ابن يسمى عبد الرحمن، ونفي إلى مصر معه في صغره، وقد بلغني أنه يقيم الآن في رواق الحنابلة في الأزهر، والطلبة يترددون إليه وفيه فوق علمي" 1: 93.
3 عنوان المجد 1: 170 ، 176 ، 209 ، 210.
4 خلاصة الكلام ص: 229. التعبير بالتعصب عما عليه الإمام عبد الله ووالده شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب مجانب للصواب؛ فإنهما بريئان من التعصب، وإنما هما متبعان للكتاب والسنة داعيان إليهما، يشهد بذلك كل من وفقه الله، وإيراد المؤلف لكلام دحلان من باب بيان الأشياء بأضدادها، فحقد الأعداء على رجل من أجل دعوته وجهاده يدل على منزلته وفضله "الناشر"
وكان قد ألف شرحا لكتاب التوحيد إلا أنه لم يتمه كما ذكر ابن بشر1. وقد تتلمذ على والده وعلى الشيخ أحمد بن ناصر بن معمر (م سنة 1325 هـ) ، والشيخ حسين بن غنام (م سنة 1225 هـ) ، وقد قتل في أواخر سنة 1233 هـ بطريقة مؤلمة وحشية وسنفصل الكلام في ذلك فيما بعد.
وله كتاب غير هذا وهو"كتاب التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق"، وهو مطبوع طبع في سنة 1319 هـ، وهو الآن بين يدي، وخير شاهد على سعة علم مؤلفه وطول باعه. وذكر بروكلمان كتابين آخرين له (ملحق 2: 532) . وهما:
1.
أوثق عرى الإيمان
2.
المسائل.
ولم أطلع عليهما، ولكن توجد رسالة في مجموعة التوحيد المكية (ط سنة 1243) بقلم الشيخ سليمان بن عبد الله في جواب مسائل مهمة، ولعلها هي ما ذكره بروكلمان من رسالة "المسائل".
واستشهد علي بن عبد الله بن شيخ الإسلام في سنة 1234 هـ في مكان قرب الدرعية، وكانت له يد طولى في الحديث والتفسير، وقد ألف أيضا شرحا لكتاب التوحيد2.
والولد الثالث لعبد الله بن شيخ الإسلام هو عبد الرحمن بن عبد الله، وكان عالما معروفا.
وتوجد بعض الرسائل الصغيرة لحسين بن شيخ الإسلام، وكذلك بعض الفتاوى في المكتبة الشرقية في بتنة3.
1 وقد أكمله الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام كما صرح بذلك في مقدمة فتح المجيد (مؤلف) ، وطبع شرحه هذا عدة طبعات بعد ما أكمل الناقص منه وهو قريب جدا من كتاب فتح المجيد المذكور، ويسمى "تيسير العزيز الحميد". أما فتح المجيد فهو تهذيب له واختصار مع زيادات أخرى هامة، وإكمال لما فاته، وهكذا صار فتح المجيد كتابا مستقلا بذاته. (المترجم) .
2 عنوان المجد 1: 93 ، 205.
3 يراجع handlist رقم: 2625 (مؤلف) . وكان الأولى أن يذكر هذا في ترجمة الشيخ حسين بن شيخ الإسلام ولكن هكذا وجدت الأصل (المترجم) .
3-
علي ابن شيخ الإسلام:
كان عالما جيدا نابغة يضرب به المثل في الزهد والورع، وكان ذا ملكة عظيمة في الفقه والتفسير. عرض عليه القضاء لكنه أبى من شدة زهده وورعه، وتوفى أولاده كلهم في صغرهم إلا محمد بن علي بن شيخ الإسلام، فقد نشا وترعرع وصار عالما نحريرا.
4-
إبراهيم ابن شيخ الإسلام:
والولد الرابع لشيخ الإسلام هو إبراهيم اشتهر في التدريس، ودرس عليه ابن بشر كتاب التوحيد في صغره (سنة 1224 هـ) ، ولم يتول القضاء.
ومن أجل تلامذة الشيخ حفيده عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام، وهو من علماء نجد الفائقين، توفى والده في حياة الشيخ تتلمذ على جده في صغره ودرس على أجل تلامذة الشيخ أمثال أحمد بن ناصر بن عثمان بن معمر (سنة 1225 هـ) ، وعبد العزيز بن عبد الله الحصين الناصري (م سنة 1237 هـ) ، والشيخ عبد الرحمن بن حسن هو مجدد علمي لآل الشيخ، وقد اعترف بمكانته في العلم منذ البداية. كان قاضيا في الدرعية أيام الأمير سعود بن عبد العزيز (م سنة 1229 هـ) والأمير عبد الله بن سعود (صلب سنة 1234 هـ) ، وهو من أولئك العلماء الأربعة الذين كان يحتج بعلمهم في آل الشيخ بعد وفاة الشيخ حسين بن شيخ الإسلام في سنة 1225 هـ، وكانوا يتولون القضاء في العاصمة الدرعية1.
كان قد سافر بل نفي إلى مصر (سنة 1233 هـ) عند الاستيلاء على الدرعية، ولما استقرت الأحوال وعادت الأمور إلى نصابها رجع إلى نجد سنة 1241 هـ، وبذلك نفقت سوق العلم مرة أخرى، لقد فاز واستفاد من دروسه مئات من الناس منهم عشرات من بيت شيخ الإسلام نفسه2.
تولى القضاء في عهد تركي بن عبد الله
(م
1 عنوان المجد 1: 93. والأساطين الأربعة الذين سبق ذكرهم يعتبرون مستحقين للتعظيم والاحترام بالترتيب التالي: عبد الله ابن الشيخ، علي بن حسين ابن الشيخ، عبد الرحمن بن حسن ابن الشيخ، سليمان بن عبد الله ابن الشيخ.
2 عنوان المجد 2: 20 ، 25 ، 26.
سنة 1249 هـ/ 1834 م) وفيصل بن تركي (م سنة 1283 هـ/ 1865 م) . وكان مرجعا للخاصة والعامة عهدت إليه مسئولية التدريس في المجالس الخاصة للأمير تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود (م سنة 1249 هـ) ، وكان يدرس في الغالب من تفسير ابن جرير. وتولى التدريس والإرشاد في عهد فيصل بن تركي أيضا، ولقد كان صيت الأساطين الأربعة ذائعا قبل الاستيلاء على الدرعية، ولكن بعد استقرار الأحوال من جديد لم يبق إلا عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ، وعلي بن حسين بن الشيخ، وذلك في عهد الأمير تركي بن عبد الله. ونرى أسماء عبد الرحمن بن حسين بن الشيخ، وعبد الملك بن حسين تردد كثيرا مع عبد الرحمن بن حسن، وعلي بن حسين في عهد الأمير تركى وفيصل1. إلا أننا نرى ذكر عبد الرحمن بن حسن بالخصوص فقط في أواخر أيام فيصل بن تركي (بعد سنة 1256 هـ) . وفي نهاية أيام فيصل نجد ابنه عبد اللطيف بن عبد الرحمن يتولى القضاء والتدريس، وقد عمر علي بن حسين بن الشيخ طويلا، والغالب أنه توفي في أواسط عهد فيصل سنة 1260 هـ.
وعلى كل حال فقد كان الشيخ عبد الرحمن بن حسن من أحق الناس احتراما وتعظيما في أواخر أيام فيصل بن تركي، فقد ألف ابن بشر كتابه في سنة 1270 هـ، وأنهاه بذكر حوادث سنة 1267 هـ، وكان حيا إذ ذاك. وقد لقيه2 بالجريف (W. GIFFORD PALGRAVE) أثناء رحلته في سنة 1279 هـ/ 1862 م في الرياض مع ابنه عبد اللطيف، لكنه وهم إذ ظن أنه عبد الله بن الشيخ. توفي (الشيخ عبد الرحمن بن حسن) سنة 1285 هـ بعد ما عمر طويلا.
لقد ذكر ابن بشر عدة من مصنفاته ورسائله، وقد أكمل شرح كتاب التوحيد الذي تركه سليمان بن عبد الله بن الشيخ (م سنة 1232 هـ) ناقصا، وقد طبع مرارا باسم "فتح المجيد في شرح كتاب التوحيد"3.
وله كتاب آخر غير فتح المجيد، وهو باسم "قرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين" وهو مطبوع، وهو حواش على كتاب التوحيد، ولقد أكثر الأستاذ محمد حامد الفقي الذي أشرف على الطبعة الجديدة لفتح المجيد من النقل في حواشي
1 عنوان المجد 2: 65 ، 73 ، 88.
2 narrative of a years journey through central and eastern arabia 1- 379.
3 وعندي الآن طبعته الجديدة وقد طبعت في مصر بدقة في التصحيح واهتمام بالغ.
فتح المجيد من قرة عيون الموحدين. له رسالة مختصرة منقولة في عنوان المجد1 وكذلك نقل ابن بشر عدة من مكاتيبه.
وتوجد له ثلاث رسائل في مجموعة التوحيد المكية:
1.
رسالة في جواب الجهميه "من ص: 32 إلى 169 "
2.
رسالة في حكم موالاة أهل الإشراك "من 157 إلى 169"
3.
بيان الحجة في الرد على صاحب اللجة "من 205 إلى 252" وقد قتل من أبنائه محمد بن عبد الرحمن بن حسن عند الاستيلاء على الدرعية مثل بقية أهل بيته2.
وخلفه عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، وكان قد سافر إلى مصر في صغره عند الاستيلاء على الدرعية. تتلمذ على والده وغيره من أهل العلم، ورجع إلى نجد سنة 1264هـ، وجاء بعدد كبير من الكتب، وصار يساعد والده منذ قدومه فشاركه في الأمور العلمية وفي أعمال الدعوة.
ونرى عبد الرحمن بن حسن مدرسا وواعظا في مجالس فيصل بن تركي (م سنة 1280 هـ) إلى سنة 1262 هـ، ثم برز ابنه عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، فهو المقدم في كل ناحية من قضاء وتدريس وإمامة. وابن بشر معجب بدروس تفسيره ويمدحها أشد المدح3، وقابله بالجريف سنة 1279 هـ/ 1862 م، وسنه إذ ذاك كان حوالي أربعين. وكان قاضيا في العاصمة الرياض4. وله رسالة سماها "منهاج التقديس والتأسيس في الرد على المبطل داؤد بن سليمان بن جرجيس"، وسيأتي الكلام على هذه الرسالة فيما بعد. ورسالة أخرى موجزة مطبوعة في مجموعة الهدية السنية "28- 40" ذكر فيها ترجمة موجزة لشيخ الإسلام. لم نعرف سنة وفاته بالتحقيق ولكن روى عالم سائح نجدي أنه توفي سنة 1304 هـ5.
والولد الآخر للشيخ عبد الرحمن بن حسن هو إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن ولم
1 عنوان المجد 2: 23 ، 26.
2 عنوان المجد 2: 208.
3 عنوان المجد 2: 121- 122.
4 بالجريف 1: 279.
5 وهو الشيخ عمران بن محمد بن عمران من سكان الرياض بنجد.
أجد له ذكرا في كتب التراجم ولكنني عرفته بطريقة عجيبة، وهي أنني ذهبت إلى وطني في شوال سنة 59 "اوجاوان- بتنة" وبدأت أستعرض بعض الكتب البالية في مكتبة بيتي، فعثرت على نسخة من كتاب "صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان"، وكان مكتوبا في الصفحة الأولى من الكتاب بخط عربي خالص:
"في ملك الحقير الفقير إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد النجدي الحنبلي عفا الله عنهم".
ولا تسأل عن فرحي واغتباطي حينذاك-! وبعد تصفح بعض الأوراق وجدت ملاحظة طويلة مكتوبة بنفس الخط تدل على غزارة علمه وتوجد ملاحظة أخري موجزة في وسط الكتاب أيضا، ويوجد ختم في بداية الكتاب تحت الاسم وتقرأ منه فقط كلمة "إسحاق " بوضوح.
ولا أدري كيف وصل هذا الكتاب إلى بيتي؟ والغالب أن جدي "من الأم" الشيخ عبد الصمد (م سنة 1318 هـ) كانت له علاقة به، لأن الشيخ عبد الصمد كان من علماء أهل الحديث الأفاضل، وكانت له علاقات وطيدة أخوية مع أشهر علماء أهل الحديث في زمانه، وبعد البحث والتنقيب تبين لي أن الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن كان قد سكن في الهند، واستفاد من الشيخ السيد نذير حسين الدهلوي1 (م سنة 1320 هـ) .
1 هو العلم الشامخ والحبر الكامل مجدد السنة النبوية في القارة الهندية السيد نذير حسين بن جواد علي بن السيد أحمد شاه الدهلوي، ويصل نسبه إلى علي ابن أبي طالب رضي الله عنه بعد أربعة وثلاثين جيلا، ولد في قرية "بلتهوا" من ولاية بيهار في الهند سنة 1220 هـ، ونشأ في صغره على حب الفروسية والسباحة، ثم تعلم شيئا من الأمور الابتدائية على والده، ثم انتقل إلى "بتنة" عاصمة العلم في ولاية بيهار، والتقى هناك بزعماء حركة التجديد والإصلاح الإمامين الشهيدين أحمد بن عرفان، والعلامة محمد إسماعيل - رحمهما الله -، فازداد شوفا إلى العلم وحماسا للدفاع عن الإسلام، فأراد أن يسافر إلى دلهي عاصمة الحكومة والعلم في ذلك الزمان، فخرج من بتنة سنة 1337 هـ، وسنه إذ ذاك سبع عشرة سنة مع رفيق له، فكانوا يمشون على أرجلهم بسبب قلة الزاد وعدم المركب، فاضطروا على الوقوف والمكوث في المدن في الطريق عدة مرات، فمكث مدة في بناس وكذلك في الله آباد وغيرهما، حتى وردوا مدينة دهلي بعد ست سنوات، وذلك في سنة 1243 هـ، فدرس أولا على عدة أساتذة، ثم انتقل إلى حلقة الشيخ إسحاق الدهلوي خليفة الشيخ عبد العزيز بن ولي الله الدهلوي، ولازمه مدة ثلاثة عشر عاما. وكان مع ملازمته لأستاذه كثير المطالعة واسع المعلومات، ولما سافر شيخه إلى مكة سنة 1258 هـ خلفه في التدريس، ودرس العلوم المختلفة إلى سنة 1270? ثم تخصص لتدريس علوم القرآن والسنة فقط، فلم يزل يدرس العلوم الشرعية قرابة خمسين عاما ولقب بشيخ الكل. درس عليه آلاف من جهابذة العلم وزعماء الدعوة الإسلامية، أمثال العلامة المحدث عبد الرحمن المباركفوري صاحب تحفة الأحوذي، والشيخ شمس الحق العظيم آبادي صاحب عون المعبود، والشيخ محمد بشير السهسواني صاحب صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان، والشيخ ثناء الله الأمر تسري فاتح قاديان، وغيرهم خلق كثير. ولقد انتشرت أنواره العلمية فعمت بلاد الشرق كلها، ودرس عليه من نجد الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن، والشيخ علي بن القاضي، والشيخ عبد الله بن سعد بن عبد العزيز مد يهش، والشيخ سعد بن عتيق وغيرهم. ومن السودان الشيخ عبد الله بن إدريس الحسيني، وعدد كبير من أبناء كابل وياغستان وبخارى وسمرقند وغزنة وقندهار وخوقند والحبشة وغيرها. ولا شك أن الشيخ نذير حسين الدهلوي رحمه الله هو مجدد السنة النبوية في القارة الهندية وغيرها، فانتشر تلامذته في جميع البقاع حاملين لواء التوحيد والسنة، وعددهم لا يحصى، وعدد مؤلفاتهم لا يحصر، وفتحوا مئات المدارس، وقاموا بحركة إسلامية صحيحة لا يوجد لها نظير إلا نادرا، وإن آثار التوحيد واتباع السنة النبوية التي نراها في القارة الهندية في هذه الأيام في كل ذلك يرجع الفضل إلى هذا الإمام العظيم. وقد عذب كثيرا في سبيل نشر التوحيد والدعوة إلى السنة النبوية، فسجن في راولبندي سنة 1864 م بتهمة الوهابية وبقي في السجن مدة سنة كاملة، وسافر إلى الحج سنة 1300 هـ، فسعى النمامون إلى الباشا في مكة المكرمة، فاتهمه أعداء التوحيد بأنه وهابي ومعتزلي، ويبيح شحم الخنزير ونكاح العمة والخالة، وقدموا إليه رسالة باسم "جامع الشواهد في إخراج الوهابيين من المساجد"، ولكن الباشا لما علم بحقيقة الحال أكرمه أيما تكريم ورجع الأعداء خائبين. توفي الشيخ نذير حسين الدهلوي رحمه الله في يوم الاثنين شهر رجب سنة 1320 ـ / أكتوبر 1902 م بعد ما عمر مائة سنة. لم يشتغل الشيخ في تأليف الكتب؛ لأنه كان مهتما بتأليف الرجال، فخرج الفطاحل الذين لا تعد ولا تحصى مؤلفاتهم، وقد ألف كتابا واحدا وهو "معيار الحق" بين فيه أهمية السنة النبوية، ودعا إلى اتباع القرآن والسنة، وترك الخلافات والتعصبات التى أنهكت المسلمين، وله بعض الفتاوى في ثلاثة مجلدات وهي مطبوعة متداولة "يرجع إلى تراجم علماء حديث هند ص: 136 ، وهندوستان مين أهل حديث كي علمي خدمات ص: 21 للنوشهروي، وتاريخ أهل حديث ص: 417 للشيخ محمد إبراهيم مير سيالكوتي" (المترجم) .
والنواب صديق حسن خان (م سنة 1307 هـ) 1 والشيخ محمد بشير السهسواني (م
1 هو ملك العلماء وعالم الملوك الحجة المحقق، والعلامة النحرير محيي السنة النبوية وناشرها في بلاد العرب والعجم، السيد صديق حسن القنوجي البخاري. ويصل نسبه أيضا إلى حسين السبط ابن فاطمة الزهراء رضي الله عنها بعد اثنين وثلاثين جيلا كما ذكر في كتابه "إبقاء المنن بإلقاء المحن". وكان والده تلميذا للشيخ عبد العزيز المحدث الدهلوي - "رحمه الله" - ومن اتباع السيد أحمد بن عرفان الشهيد - "رحمه الله" - زعيم حركة التجديد والإصلاح في القارة الهندية. ولد في سنة 1248 هـ في مدينة "قنوج"، ولما بلغ الخامسة من عمره توفي والده، فرباه عدة من أصدقاء والده. تعلم العلم من المدن، وعلى عدة من الأساتذة في بلده، وفي كانفور وفرخ آباد، وفي الأخير ورد دهلي ودرس على المفتي صدر الدين الدهلوي، وأخذ إجازة في علم الحديث من عدة من فطاحل العلماء منهم: الشيخ زين العابدين بن محسن بن محمد السبعي الأنصاري، والشيخ عبد الحق البنارسي تلميذ الإمام الشوكاني، والشيخ يحيى بن أحمد بن حسن الحازمي، والشيخ حسين عرب وغيرهم. لقد جال في عدة من المدن، وعمل عدة أعمال، ثم استقر في الأخير في مدينة "بوفال" سنة 1276 هـ، وتزوج بملكة بوفال "شاهجهان بيكم"، وهكذا فتح الله عليه سبيل الخير، فخدم العلم وخاصة السنة النبوية خدمة لا يكاد يوجد لما نظير، فاشترى عددا كبيرا من الكتب النادرة بأثمان باهظة جدا، وطبعها ووزعها في العالم الإسلامي كله، وأنفق على ها مئات الآلاف من الروبيات، ومن هذه الكتب: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، وتفسير ابن كثير ونيل الأوطار وغيرها، وطبعت لأول مرة في الهند. وكان له مندوبون في بلدان العالم الإسلامي لتوزيع ما يقوم بطبعه من الكتب من مؤلفاته ومطبوعاته، ففي مصر كان مندوبه أحمد أفندي العشي، والشيخ أحمد البابي الحلبي، وفي الإسكندرية حبيب أفندي عزروزي. وفي بيروت "بشارت أفندي الشداق"، وفي جدة "طاهر أفندي مشاط"، وفي القسطنطينية "سيد أحمد بن ناصر"، وفي عدن "عبد الله حسن علي رجب بك"، وفي البصرة "عيسى بن قرطاس"، وفي بغداد "عبد القادر بك حشمت"، وفي تونس "سيد محمد العربي" وغيرهم. وهكذا نشر أنوار العلوم وأهمها في القارة الهندية وفي سائر العالم الإسلامي، وبقي في الحكومة أربع عشرة سنة ملأها عدلا ونورا وعلما، ثم عزل عنها بسبب الوشاة والنمامين من أعداء السنة والتوحيد، واتهم لدى الحكومة الإنجليزية المستعمرة بأنه يحرض الناس على الجهاد، وينشر المذهب الوهابي. وتوفي رحمه الله في 29 جمادى الآخرة سنة 1307 هـ وترك وراءه عددا حافلا من المؤلفات يتجاوز عددها على مائتين وعشرين كتابا، وفي سائر العلوم الإسلامية وأكثرها في علم التفسير والحديث والتوحيد والفقه، ومن أهمها:"فتح البيان في مقاصد القرآن، عون الباري في حل أدلة البخاري، والسراج الوهاج في شرح مختصر مسلم بن الحجاج للمنذري، ونيل المرام في شرح آيات الأحكام، والروضة الندية، والتاج المكلل، وأبجد العلوم، والدين الخالص وغيرها. "يرجع إلى تراجم علماء حديث هند ص: 240 ، وهندوستان مين أهلحديث كي علمي خدمات ص 26 لأبي يحيى إمام خان نوشهروي" (المزجم) .
سنة 1336 هـ) 1.
1 هو العلامة الكبير المحدث الفقيه النحرير الشيخ محمد بشير الفاروقي- نسبته إلى الفاروق عمر رضي الله عنه. ولد في حوالي سنة 1250 هـ، وتعلم على عدة أساتذة أفضلهم شيخ الكل الإمام نذير حسين الدهلوي رحمه الله، ثم عين مدرسا للغة العربية والفارسية في كلية "سينت جونس" بأكره. وفي سنة 1295 هـ استدعاه الملك العلامة النواب صديق حسن خان رحمه الله وفوض إليه برئاسة المدارس الدينية في إمارة بوفال، فبقي هناك مدة طويلة، ولما توفي النواب صديق حسن رحمه الله أراد مغادرة الإمارة ولكن الملكة أبت عليه إلا أن يبقى هناك، فكان يلقى درسا كل أسبوع في قصر الملكة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بكل جرأة وصراحة، ولما توفيت الملكة في سنة 1319 هـ رجع إلى دهلي فأحله شيخه الإمام نذير حسين محله ليكون خلفا له، توفي رحمه الله في دهلي، سنة 1326 هـ. كان رحمه الله آية في العلم والورع، وكثرة المطالعة وسعة المعلومات، وكان محققا متبعا للكتاب والسنة، يفتي ويعمل بما يراه حقا وصوابا حسب الأدلة. وله عدة مؤلفات، منها: القول المحقق المحكم في حكم زيارة الحبيب الأكرم، وكذلك "القول المنصور"، و (إتمام الحجة على من أوجب الزيارة كالحجة) ، وهي مناقشات جرت بينه وبين الشيخ أبي الحسنات عبد الحي اللكنوي. ولما جاء للحج ناقش المفتي أحمد زيني دحلان في آرائه البدعية، ووساوسه نحو دعوة التوحيد، وتصحيح العقيدة الإسلامية التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، ولما رجع من الحج ألف كتابه الشهير (صيانة الإسان عن وسوسة الشيخ دحلان)، وله كتب أخرى مطبوعة وغير مطبوعة. (المترجم) (يراجع: تراجم علماء حديث هند للنوشهروي ص: 219 ومقدمة صيانة الإنسان ص 13) .
وفي هذه الأيام امتاز من علماء هذا السليل المبارك الشيخ محمد1 بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن. وله رسالة ألفها في سنة 1339 هـ توجد في مجموعة الدرر السنية، وسنه الآن يقارب الثمانين حسب رواية الشيخ عمران بن محمد.
وقد ذكر محمد حامد الفقي أسماء عالمين معاصرين من هذا البيت في ومقدمته على كتاب فتح المجيد، وهما عبد الله بن حسن آل الشيخ رئيس القضاة في المملكة العربية
1 هو العالم الجليل الشيخ محمد ابن الشيخ عبد اللطيف ابن الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ولد بمدينة الرياض سنة 1282 هـ ونشأ بها، قرأ القرآن في حياة والده، ثم درس على أخيه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، والشيخ محمد بن محمد وغيرهما من علماء وقته، ولقد فوضت إليه عدة مناصب دينية، فتولى قضاء مدينة شقرا، وبعثه الملك عبد العزيز سنة 1339 هـ إلى عسير وغامد وزهران للدعوة إلى الله في هذه البلاد، وتولى القضاء في الرياض، توفي رحمه الله يوم الأحد ثاني جمادى الآخرة سنة 1367 هـ، في الرياض. (المترجم) (مشاهير علماء نجد ص: 117 للشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله آل الشيخ) .
السعودية والشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف1.
1 هما عالمان جليلان من ذرية الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله. أما الأول فكما يقول صاحب كتاب "مشاهير علماء نجد وغيرهم ص: 121- 131 هو صاحب السماحة العلامة الفاضل الجليل الشيخ عبد الله ابن الشيخ حسن ابن الشيخ حسين ابن الشيخ علي بن حسين ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، ولد هذا العالم الشهير ببلدة الرياض في اليوم الثاني عشر من شهر محرم الحرام سنة 1287 هـ. فنشأ وترعرع في أحضان والده، وحفظ القرآن وعمره عشر سنوات، وأخذ العلم عن جهابذة عصره، ولما طال باعه في العلم وبلغ المنزلة العليا من المعرفة عين إماما لمسجد الإمام عبد الرحمن الفيصل، ثم أرسل للتعليم إلى هجرة الأرطاوية، ورافق جلالة الملك فيصل رحمه الله في حرب عسير وكان قاضيا للجيش مع الملك عبد العزيز رحمه الله حينما دخل مكة المكرمة وعين إماما وخطيبا بالمسجد الحرام، ثم رئيسا للقضاة بالحجاز، توفي رحمه الله يوم السبت 7 رجب 1378 هـ، ورثاه عدد كبير من العلماء والفضلاء. وأما الثاني فهو العلامة الجليل المحدث الأصولي الفقيه الشيخ محمد ابن الشيخ إبراهيم ابن الشيخ عبد اللطيف ابن الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب مفتي الديار السعودية، ورئيس قضاتها في حياته رحمه الله، ولد في مدينة الرياض 17 محرم سنة 1311 هـ، ودرس على كبار العلماء أمثال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، والشيخ سعد بن حمد بن عتيق، والشيخ حمد بن فارس وغيرهم، وتخرج على يديه أفواج من العلماء وعلى رأسهم الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد رحمه الله، والشيخ عبد العزيز بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد. انتقل رحمه الله إلى دار الآخرة وهو يتحمل مسئوليات تنوء بها العصبة من أولي القوة ومن أهمها رئاسة الإفتاء والإشراف على الشئون الدينية، ورئاسة الجامعة الإسلامية، ورئاسة رابطة العالم الاسلامي وغيرها. توفي يوم الأربعاء 24 رمضان 1389 هـ. (مشاهير علماء نجد ص: 134- 146) "المترجم"