الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الخامس
افتراءات وأكاذيب
الوهابية:
إن من أبرز الأكاذيب على دعوة شيخ الإسلام تسميتها "بالوهابية"، ولكن أصحاب المطامع حاولوا من هذه التسمية أن يثبتوا أنها دين خارج عن الإسلام.
واتحد الإنجليز والأتراك والمصريون فجعلوها "شبحا مخيفا" بحيث كلما قامت أي حركة إسلامية في العالم الإسلامي في القرنين الماضيين، ورأى الأوربيون فيها خطرا على مصالحهم ربطوا حبالها بالوهابية النجدية، فالحركة السنوسية في المغرب تناقض الدعوة النجدية في الفروع الفقهية، ولكن مع ذلك يقال إنها نتيجة لدعوة شيخ الإسلام.
وهذا بسبب أن الحركة السنوسية ما زالت خطرا على الطليان بسبب أعمالها في سبيل الجهاد مدة طويلة. وكذلك حركة التجديد والإمامة في الهند، قد ألحقت بنجد إلحاقا تاما حتى زعم أهلها فضلا عن الآخرين أنهما واحدة. ولا شك أن المأخذ الأصلي (الكتاب والسنة) واحد، ولكن توجد فروق واضحة في أساليب الدعوة وطرقها مع توافقهما في الأصول.
ولكن الحقيقة التي لا تجحد أن حركة تجديد الجهاد التي قام بها السيد أحمد الشهيد (سنة 1246هـ / 1831م) ، والشيخ إسماعيل الشهيد (1246) لم تتأثر أبدا بالدعوة النجدية1.
وعلى كل حال فنظرا إلى تلك المحاولات التي بذلت لإظهار الوهابية في صورة مذهب مستقل وطائفة ضالة هذا الاسم منتقد أشد الانتقاد، ولكن بغض النظر عن هذه الأكذوبة والافتراء فلا أرى حرجا في هذه التسمية.
فلو كانت النسبة إلى داعي حركة الإصلاح والتجديد محمد بن عبد الوهاب فكان ينبغي أن يقال لأصحابه "محمديون"، ولكن من البديهي أن الأعداء ما كانت تتحقق غاياتهم في تسميتهم بالمحمدي، ولذلك نسبوا هذه الجماعة إلى والده وهو الشيخ عبد الوهاب، وهكذا اشتهر هذا الاسم "الوهابي أو الوهابية"، ثم راجت هذه النسبة حتى إن كثيرا من
1 يوجد تفصيل هذه المسألة في كتابي "الحركة الإسلامية الأولى في الهند" ونظرة على أفكار الشيخ السندي"
المؤرخين والمترجمين نسبوا راية التجديد والإصلاح إلى عبد الوهاب. وعلى سبيل المثال يراجع كتاب برائجس (2: 134) .
ولقد بالغ برائجس1 (Rrydges) في زعمه الباطل حتى كتب "إن ولد صاحب الدعوة "محمد" كان ضريرا (ص: 134) وهذا باطل في باطل، مع أن الصواب أن الشيخ حسين2 بن محمد بن عبد الوهاب وهو النجل الأكبر لشيخ الإسلام كان ضريرا. وان "هنتر" أكبر خصوم المجاهدين في الهند أيضا مبتلى بهذا الوهم، فإنه حينما يترجم إحدى رسائل الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب يصف المصنف بأنه حفيد مؤسس الجماعة3.
ولم ينفرد هذان بهذا الزعم بل هناك طائفة ابتليت بالوهم نفسه. فقد ذكر "ني بور" أول السياح الأوربيين الذين تجولوا في بادية العرب - أن مؤسس الجماعة هو عبد الوهاب، ويقول: إن ولده "يخلفه الآن4 " ومن الجدير بالذكر أن "ني بور" كان موجودا في البلاد العربية سنة 1764م أي قبل وفاة الشيخ بثمان وعشرين سنة.
ومن أغرب الأوهام ما وقع فيه رئيس المبشرين المسيحيين الراهب "زويمر" فقد ظن الوهابية أو الوهابي دينا أو مذهبا مستقلا كما يشاع. ثم رأى أن الإمام ابن القيم (م سنة 751هـ) تشبه أفكاره وآراؤه الوهابيين فقال بدون تردد "إنه وهابي"، ولكن يسمي نفسه حنبليا5. ولكن المسكين لم يعرف أن اصطلاح الوهابية ما راج إلا بعد ابن القيم بأربعة قرون أو أكثر.
1 مرجع برائجس هوبرك هارت وهو أيضا يصف عبد الوهاب بأنه مؤسس الجماعة (2: 96) بل لقد تجاوز إلى حد أنه اخترع فرعا خاصا في قبيلة بني تميم باسم "الوهابي" wahhabia ص: 97.
2 توفي سنة 1224 هـ.
3 1874 p. 68 (bengal) general asiatie saeity.
4 رحلة ني بور: 131 ، 133.
5 المقتطف: 27: 295.
ولم نجد حجة قاطعة تدلنا على أول من نادى بهذا الاسم، ولكن الظاهران المخالفين اتهموهم بهذه التسمية في حياة شيخ الإسلام نفسه. وهذا هو رأي مرغليوث1. ومع أنه ليس حجة في هذا الباب إلا أن هناك قرائن أخرى تؤيد هذا2.
وقد ورد هذا اللفظ في قصيدة للملا عمران بن رضوان والغالب أنه أحد معاصري شيخ الإسلام3 فقد قال:
إن كان تابع أحمد متوهبا
…
فأنا المقر بأنني وهابي4
ومعاصر مصري آخر قد ذهب إلى هذا الرأي، وأن الأعداء كانوا قد بدءوا في استعمال هذا اللقب في أيام الحروب الأولى5.
ولكن "ني بور" المعاصر الأوروبي لشيخ الإسلام لم يستعمل اصطلاح الوهابية أصلا6. فيظهر من هذا أن اصطلاح الوهابية لم يكن معروفا إلى ذلك الوقت (1764م) . ولكنه يسمي دعوة الشيخ بدين جديد (New Religion) مع أنه في النهاية يعبر عن "مذهب عبد الوهاب الجديد" بالمحمدية7، وبعد مدة قصيرة من وفاة شيخ الإسلام نجد سائحين آخرين يتكلمان في الحركة النجدية ودعوتها وهما: "علي بيك
1 مقالة "الوهابية".
2 وهو الذي استظهره داؤد البغدادي (م سنة 1299 هـ / 1882 م) في كتابه صلح الإخوان. ينظر (ص: 219 notes on mahammedanism) .
3 مع الأسف لم نتمكن من معرفة عصره بالتحديد مع محاولة تامة وبعض القرائن الأخرى تدل أنه لم يكن معاصرا لشيخ الإسلام.
4 الهدية السنية: 110.
5 محمد حامد الفقي: 5 ، 6.
6 وهو السائح الأوربي الأول الذي ورد البلاد العربية. يراجع باب المراجع.
7 المجلد الثاني: 133- 135.
عباسي باديا" (سنة 1807م) و "برك هارت" (سنة 1814م) .
أما (باديا) فقد وصل إلى الحجاز قبل احتلال المصريين، ومع الأسف لم توجد رحلته الأصلية حتى نعرف هل استعمل هذا الاصطلاح أم لا؟ والمقتطفات التي أتى بها (هوغارث) لا تسفر عن رأي صحيح1.
وأما برك هارت فقد جاء إلى الحجاز بعد استيلاء محمد علي المصري في سنة 1229هـ / 1814م، وألف مذكرة في أخبار الوهابيين في سنة 1816م، وقد نشرت هذه المذكرة فيما بعد في مجلدين باسم (مذكرات في البدو والوهابيين) Wahhabys) and The Bedouins on The Notes ((سنة 1831م) وقد أكثر من استعمال كلمة (الوهابي فقلما تجد صفحة من المجلد الثاني تخلو عن هذا اللفظ. وفي أيام قريبة منه رتب عبد الرحمن الجبرتي (م سنة 1238هـ) تاريخه، وهو أيضا يكثر من استعمال هذا الاصطلاح2.
فيقول في حوادث سنة 1218هـ: "وحضر صحبة الحاج كثير من أهل مكة هروبا من الوهابي، ولغط الناس في خبر الوهابي واختلفوا فيه3.
ويظهر من هذا أن هذا الاصطلاح كان شائعا أيام الغارة المصرية، والكتاب فيما بعد يذكرون هذه الجماعة باسم "الوهابي" دائما. وقد قلنا آنفا: إن مجرد التسمية لا حرج فيه ولكن هذا الاسم قد أشيع وكأنه مذهب خارج عن الإسلام. وهذا ما نشكو منه ولهذا أوليته عناية خاصة في صدد ذكر الافتراءات.
أول المفترين:
وأول من بدأ نسبة الأكاذيب والافتراءات إلى شيخ الإسلام في حياته هو سليمان
1 ص: 78- 81.
2 يلاحظ: المجلد الثالث: ص: 232: 235: 252.
3 عجائب الآثار 3: 225.
بن محمد بن سحيم1 (م سنة 1181هـ) ، وقد اتهمه بعدة أمور في رسالة متجولة في العالم الإسلامي 2.
1.
هدم قبة زيد بن الخطاب في الجبيلة.
2.
هدم مسجد عند القبر.
3.
إحراق دلائل الخيرات وروض الرياحين.
4.
تكفير ابن الفارض وابن عربي.
فقبور زيد وأصحابه غير معروفة أصلا.
وأما قصة إحراق دلائل الخيرات وروض الرياحين فمن الافتراءات، نعم لقد نهى الشيخ عن قراءة هذه الكتب. أما تكفير ابن عربي وابن الفارض وأمثالهم من المتصوفة فمنقول عن الشيخ، فقد قال ابن غنام: "وقد كفر الشيخ ابن عربي وابن الفارض وأمثالهما 3.
1 اسمه الكامل هو: سليمان بن محمد بن أحمد بن علي بن سحيم، وكان أبوه محمد بن أحمد أيضا من أعداء الدعوة. روضة الأفكار 1: 38 السحب الوابلة ص: 313.
2 وقد ذكرت هذه الرسالة بكاملها في روضة الأفكار 1: 42 ، 43 ، و 1:37.
3 روضة الأفكار 1: ، 158 ، 167 ، 198. وليس الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو المنفرد في هذا الباب، فقد سبقه جهابذة العلماء ونبغاء الأئمة. ويقول البقاعي في ابن عربي: وقد صرح بكفر هذا الرجل ومن نحا نحوه في مثل هذه الأقوال الظاهرة من الضلال جماعة من العلماء والأعلام ومشايخ الإسلام. ويقول في ابن الفارض: فقد رماه بالزندقة بشهادة الكتب الموثوق بها نحو من أربعين عالما هم دعائم الدين من عصره إلى عصرنا
…
إلخ وقد ذكر البقاعي أسماء عشرات منهم، ومن هؤلاء: عز الدين بن عبد السلام، وتقي الدين ابن الصلاح، والقسطلاني، وابن دقيق العيد، وابن جماعة والسبكي، والذهبي وابن حجر، والعيني، وولي الدين العراقي، وعلاء الدين، البخاري وغيرهم. وإذا أراد القارئ الكريم التوسع في معرفة مفاسد هذه الطائفة ومكائدها فليرجع إلى كتاب: مصرع التصوف للبقاعي بتعليق للعلامة الأستاذ عبد الرحمن الوكيل رحمه الله وكتاب التصوف بين الخلق والحق للأستاذ محمد فهر شقفة، وكتاب هذه هي الصوفية" للشيخ عبد الرحمن الوكيل. (المترجم) .
معاصرون آخرون وشتائمهم:
وهناك معاصرون آخرون لشيخ الإسلام قد شاركوا ابن سحيم وأيدوه. إلا أن كتبهم ليس فيها إلا الشتائم والافتراءات، وقد اشتهر منهم أحمد بن علي البصري (سنة 1150هـ / 1744م1 ومحمد بن عبد الرحمن بن عفالق الإحسائي الحنبلي (سنة 1170? / 1756م) 2 عبد الله بن عيسى مويس (م سنة 1175هـ) ، وابن فيروز (م سنة 1216هـ) .
ويأتي بعد هؤلاء في الدرجة الثانية: عفيف الدين عبد الله بن داود الزبيري الحنبلي (م سنة 1225هـ / 1810م) ، وأحمد عبد الله الحداد باعلوى التريمي الشافعي3، وسنذكر كتبهم في باب المراجع. وقد ذكر أكثرهم ابن غنام أيضا4 ورد على قصيدة لابن فيروز أيضا.
أما شتائم هؤلاء فلا أجد في نفسي جرأة لذكرها، ولكن مع ذلك أرجو من القارئ الكريم أن يسامحني إن ذكرت مثالا واحدا فقط لإظهار مروءتهم وأخلاقهم كما آمل من أهل العلم أن يعفوني.
يوجد تقريظان في كتاب "الصواعق والرعود"5 لعبد الله بن داود الزبيري (م سنة 1225هـ / 1810م) أولهما هو لمحمد بن فيروز الحنبلي (م سنة 1216هـ / 1801م) وقد كتب في 18 صفر سنة 1210هـ.
وفي بداية هذا التقريظ يبصر القارئ العبارة التالية ولعله يذوب حياء لمجرد رؤيتها ولكن نقل الكفر ليس بكفر فاضغط على قلبك واقرأ:
1 لم يعرف تاريخ وفاته بالتحديد والسنة المذكورة هي سنة تأليف كتابه وأن وجوده ثابت في هذا الوقت.
".. بل لعل الشيخ (يعني عبد الوهاب) غفل عن مواقعة أمه (يعني محمد بن عبد الوهاب) فسبقه الشيطان إليها فكان أبا هذا المارد.. الخ".
إنا لله وإنا إليه راجعون - وهل يستطيع كبار المقذعين أن ينحطوا إلى هذا المستوى من الإقذاع.
هذا مكتوب سنة 1210هـ وفي حوادث سنة 1211هـ أيضا ذكر ابن غنام منظومة لابن فيروز هذا فيقول: "وقد وصل إلينا من هاتيك الديار منظومة لابن فيروز متضمنة لأقبح العار.. الخ1 " ويتبين لنا من هذا أن التفحش كان من سجية هذا الرجل.
نماذج من الأكاذيب:
1-
ادعاء النبوة:
إن أعداء دعوة الشيخ إذا لم يجدوا مجالا للطعن فيه يقولون: "لقد كان الرجل في الحقيقة يريد أن يدعي النبوة إلا أنه تستر2 ".
ويردد أحمد زيني دحلان هذا الاتهام نفسه بهذه الكلمات: "والظاهر من حال محمد بن عبد الوهاب أنه يدعي النبوة، إلا أنه ما قدر على إظهار التصريح بذلك3 ".
1 روضة الأفكار 2 ص: 214.
2 مصباح الأنام "مخطوط" الورقة: 5 ، 6.
3 الدرر السنية 46.
والغريب أن "ني بور" أيضا اعتمد على هذه الشائعات وكتب: "إن محمد بن عبد الوهاب كان يعظم الرسول إلا أنه ما كان يؤمن بالوحي، أو الإلهام بواسطة الملائكة1 ".
ونموذج قبيح من هذا القبيل نجده في مذكرات رافنشا (Rawensha) التي كتبها2 أثناء محاكمة الشيخ أحمد الله الصادقبوري3 حينما كان حاكما لمديرية بتنة:
"ولقد كان هذا المصلح يرى أنه لم يوجد إلهام لأي إنسان على طريق مباشر من عند الله، ولم يوجد أي كتاب يمكن أن يوصف بأنه إلهامي (Divine) ، ويظهر من هذا أن عبد الوهاب (؟) لم يكن يرى أن ثمة دينا إلهيا. فإنه إذ يسمي الدين المحمدي دينا إلهيا فليس ذلك لأنه منزل من عند الله بل لمجرد كماله وشموله".
ويضيف إلى ذلك: "إن المسلمين المثقفين (المحمديين) قد استقبلوا بحرارة في البدو الذين لم يسلموا أبدا بأن محمدا رجل مصطفى (Divine) ولم يؤمنوا بالقرآن بأنه كتاب إلهي".
ومذكرة هذا الرجل الذي كان يحكم مديريتنا في سنة 1865م مليئة من مثل هذه الجهالات، وكذلك لقد تفضل "المحسن المعروف" على مجاهدي الهند "سير وليام
1 رحلة ني بور 2: 134.
2 كلكته كزت عدد 20 سبتمبر سنة 1865 ملحق 437 ، 445.
3 كان الشيخ أحمد الله الصادقبوري أحد الأفراد البارزين في بيت "صادقبور" وكان هذا البيت ذا صلة وثيقة بجماعة السيد أحمد الشهيد رحمه الله. ولقد حوكم بتهمة مؤامرة سنة 1865 م / 1218 هـ، وعوقب بالنفي والسجن المؤبد من المحكمة العليا، فبقي منفيا في جزر أنديمان سبع عشرة سنة وتوفي هناك في ذي الحجة سنة 1298 هـ. نوفمبر سنة 1881 م". وللتفصيل يراجع كتابي: الحركة الإسلامية الأولى في الهند.
ولسون هنتر" Hunter) W.W.) بمثل هذه الكلمات حيث قال في موضع آخر من كتابه1:
"لم يؤمن البدو في يوم من الأيام بأن محمدا رجل إلهي ولا أن القرآن كتاب إلهي"
…
الخ2.
ولعله استقى هذه الأفكار من مذكرات رافنشا نفسه، ومن الممكن أن يكون كل منهما قد أخذ من رحلة (ني بور) ؛ لأن أوربا أول ما عرفت هذه الجماعة عرفت عن طريقها.
2-
إنكار الحديث:
إن الزمان لغريب وإن نوادره لعجيبة، فالرجل الذي يقوم ويقعد وينام تحت ظل ظليل من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكأنها هي غطاءه وفراشه يتهم بإنكار الحديث، والفضل في هذا الافتراء يرجع إلى مصنف مصباح الأنام أحمد عبد الله الحداد باعلوي3.
وأعجب من ذلك أن هذا الاتهام الذي لا أصل له قد ردده كاتب معروف في بلادنا (وهو عبد الله يوسف علي) في هذا القرن العشرين.
1 the indian muosalmans ص: 55: 56.
2 مصباح الأنام ورقة: 5 ، 6.
3 وهذأ أمر لا ينحصر في هذا الرجل فقط، بل عامة المثقفين والعلماء في بلادنا مبتلون بهذا، فلا يزالون يكتبون أمثال هذه الكلمات المكذوبة على هذه الجماعة، وقد سبقهم المولوى فضل رسول بدايوني (م سنة 1298 / 1812) فقد كتب كتابا يسمي "تصحيح المسائل درتردبد فرقة نجدية أراذل""أي تصحيح المسائل في الرد على الفرقة النجدية الأراذل" ولكنه مجموعة خرافات ليس إلا. وكذلك معاصر آخر في كتابه "آثار جمال الدين" يذكر في حق هذه الجماعة أمورا لا أصل لها. "236 ، 337" فبيانه المشتمل على صفحتين مجموعة مؤلمة من الأخطاء والفهم السيء، حتى إنه لا يفرق بين عقيدة السنوسي والوهابية النجديين ص 239.
"
…
وكان -كرامت علي- يؤمن بالأحاديث، وقد رفضها الوهابيون، وأنه مؤيد للعقائد الصوفية القديمة1 ". وهذا مبلغ معرفة مترجمنا للقرآن الكريم عن جماعة إسلامية.
ولكن تعالوا معنا نقص عليكم بيانا لراهب متعصب للمقارنة والعبرة، فيقول هيوجز (Thomas petric Huges) مقارنا بين الوهابية والبروتستانت:"إن الوهابية قد توصف في بعض الأحيان بأنها فرقة بروتستنتية في الإسلام.. ولكن البون بينهما شاسع، فالبروتستنتية المسيحية ترى من الواجب رفض التعليمات التقليدية مع اعترافها بمرتبة الكتب الإلهامية المقدسة، وعلى عكس من ذلك فإن الوهابية تتمسك بالأحاديث أيضا مع القرآن2 ".
تكفير المسلمين وقتالهم
ومن الاتهامات التي يتهم بها شيخ الإسلام وأتباعه أنهم يكفرون جميع أهل القبلة، ويستبيحون قتل المسلمين، وقد ردد هذا الاتهام في أوقات مختلفة مرات وكرات حتى أشيع في حياة الشيخ نفسه، وقد أنكر ذلك إنكارا واضحا صريحا: "وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبة عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم من ينبهم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله أو لم يهاجر إلينا ولم يكفر
…
سبحانك هذا بهتان عظيم3 ".
ولكن مع هذا النفي الواضح الصريح، فلا يزال يردد هذا الافتراء بين حين وآن مع زيادات أخرى وإليك بعض الأمثلة:
1 انكريزي عهد مين هندوستان كي تمدن كي تاريخ "تاريخ الحضارة الهندية في عهد الإنجليز" ص: 192.
2 dictienary of islam ص: 661.
3 روضة الأفكار "ص 479 بتحقيق الدكتور ناصر الدين الأسد. "المترجم".
قال ابن عابدين الشامي (م سنة 1258هـ / 1842م) في حاشيته المشهورة رد المحتار:- "كما وقع في زماننا في اتباع عبد الوهاب (؟) الذين خرجوا من نجد، وتغلبوا على الحرمين وكانوا ينتحلون مذهب الحنابلة، لكنهم اعتقدوا أنهم المسلمون وأن من خالف اعتقادهم مشركون استباحوا قتل أهل السنة وقتل علمائهم
…
الخ1 ".
أما أحمد زيني دحلان (م سنة 1204هـ / 1886م) فكأنه يتقرب إلى الله بعداء هذه الجماعة، وقد ردد هذا الاتهام مرات عديدة2.
والعالم السلفي المشهور في بلادنا النواب صديق حسن خان (م سنة 1307هـ / 1890م) أيضا لم يصل إلى حكم قاطع في هذه الجماعة، ولذلك توجد بيانات معقدة في كتبه المختلفة3 إلا أن كلامه طيب وأقرب إلى الحقيقة في "اتحاف النبلاء" ولكن مع ذلك فتهمة التكفير4 غير المشروط لم تزل باقية فيه5.
1 رد المختار 3: 309.
2 الدرر السنية ص: 45 ، 46، وخلاصة الكلام ص: 229 ، 230 ، 232.
3 ترجمان وهابية، هداية السائل، موائد العوائد، التاج المكلل وغيرها.
4 إتحاف النبلاء ص: 413.
5 لم يفصل المؤلف رحمه الله الكلام في موقف صديق حسن خان رحمه الله في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وإذا أردنا أن نفهم ذلك يجب أن تكون المقدمات التالية على بالنا. 1- عاش صديق حسن خان في مدة بين 1248- 1307 هـ. وفي هذه المدة كانت الدول المحاربة قد استولت على نجد وجميع ملحقاتها، وكانت الدعاية والافتراءات قائمة على قدم وساق في جميع العالم الإسلامي على أهل نجد، حتى كان من الصعب جدا أن يتصدى المرء للدفاع عنها جهارا وعيانا، حتى إن كتاب "صيانة الإنسان لما طبع لأول مرة لم ينشر باسم مؤلفه. 2- كانت القوة الحربية للمجاهدين في الهند قد تشتت في سنة 1246 هـ في معركة بالأكوت أي قبل ولادة صديق حسن خان بسنتين، ولكن سلسلة التعذيب والتشريد والنفي والقتل كانت مستمرة وبكل شدة في المدة التي عاشها صديق حسن رحمه الله. حتى إن كل من رفع يديه في الصلاة أو جهر بآمين كان معرضا لأشد أنواع الأذى لأنه وهابي. 3- كان صديق حسن خان رحمه الله قد بلغ رتبة عالية في أمور الدنيا مع منزلته العليا في العلم والتقى، وهذا لم يرق الأعداء المخالفين فكانوا يتربصون به الدوائر يتملقون لدى المستعمرين البريطانيين يتمنون إقصاءه من منصبه، وكانت جريمته التي وشوا بها لدى المستعمرين بأنه ينشر المذهب الوهاب، ي وأنه يريد أن ينظم حركة الجهاد الإسلامي. وما أحسنها من جريمة. ومن هنا نعلم أن صديق حسن خان رحمه الله لم يكن في موقف يسطيع أن يدافع عن هذه الدعوة كما تمكن من أتى بعده، فكان الشغل الشاغل لدى صديق حسن خان كغيره من زعماء الموحدين في الهند في ذلك الوقت هو الدفاع عن أرواح الموحدين في الهند وأموالهم وأعراضهم، الذين كانوا يؤخذون بجريمة "الوهابية" يقتلون وينقون ويشردون. ولذلك فالأمر الغالب في كتاباته وكثير من علماء أهل الحديث في ذلك الوقت هو بيان أن الموحدين في الهند ليست لهم صلة مع أهل نجد، وهم كانوا على حق في ذلك، فالموحدون في الهند لم يتعلموا عقيدتهم من أهل نجد ولكنهم تعلموها من الكتاب والسنة فالتقوا مع أهل نجد ومع غيرهم على جادة الحق وصراط الهدى. ولكن مع ذلك لم ينحرف رحمه الله عن العدل والإنصاف، بل دافع عن دعوة نجد وأبرزها في كل مناسبة، فقد ألف عدة كتب في تراجم النبغاء من المحدثين والفقهاء والدعاة، وأورد ترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كل هذه الكتب وبتفصيل. وأسلوبه في كتاباته أنه يأتي بنقول المخالفين ثم يتبع بنقول من المؤيدين، وهكذا يبين الحق للناظر والبصير. وما ذكره المؤلف رحمه الله أن اتهام التكفير والتجارى على قتل النفوس ما زال باقيا في كتابه "إتحاف النبلاء" هو من هذا القبيل، فقد أتى ذلك في كلام محمد بن ناصر الحازمي من رسالته "فتح المنان"، ولكنه سرعان ما اتبع ذلك بكلام الشيخ عبد الله بن عبد الوهاب في الرد على ذلك. وهذا دفاع مجيد وأسلوب حسن في زمن لا يسمع فيه إلا التهم، وإلا فكيف يقال فيمن عين مؤلف "صيانة الإنسان" مشرفا على شئون التعليم في بلاده، وأجاز الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ بأنه لم يعرف الدعوة حق المعرفة. وللدلالة على ما قلنا نورد نماذج من كتابه "إتحاف النبلاء" نفسه مترجما بالعربية. لقد ذكر رحمه الله أولا كلاما طويلا من كتاب "فتح المنان"، ثم أتى بعد ذلك فقال: "وكثير من أهل العلم الذين لا يعرفون حاله (يعني الشيخ محمد بن عبد الوهاب)" حق المعرفة، أو يعرفون ولكن غلب عليهم التعصب والهوى يكفرونه ويضللونه بدون حجة أو برهان من كتاب ولا سنة، ويتهمون كل موحد ومتبع بأنه من أتباعه، مع أن الواقع أن دعوته لم تتجاوز حدود اليمن والحجاز، ولا أحدا من علماء الهند من ذلك الوقت إلى هذه الأيام تتلمذ عليهم ولا درس كتبهم، ولا انتشرت مؤلفاته في هذه البلاد. وبعد هذا كله فالزعم بأن الموحدين والمتبعين في هذا البلد من اتباعه أو على عقيدته ظلم واعتداء على الحق والانصاف، وهولاء لا يعرفون أن أحدا من الخلق لم يتعبد بأقواله وأفعاله ولا غيره من العلماء والفقهاء، ولكنهم كلهم متعبدون باتباع القرآن الكريم وسنن الرسول الرحيم سواء خالف أحدا أو وافق." ثم أتي بكلام ابن عابدين الذي مر قريبا في الكتاب وعلق عليه: "وفي هذا الكلام وهم حيث أن اسمه محمد بن عبد الوهاب وليس عبد الوهاب، ومن هنا كان الواجب أن يقال في النسبة إليه "محمدي" لا "وهابي"، وهكذا بين أن كلامه لم يصدر بعد تحري الحقائق وتحقيقها، ثم أورد كلاما طويلا من رسالة الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب التي ألفها لأهل مكة، ورد فيها على التهم والأكاذيب، وعقب عليه بقوله: "ومن هنا تبين ضعف تقرير ابن عابدين، حيث إنه قد اتهم في حياته بهذه التهمة فتبرأ منها وأنكرها، فليس من الإنصاف أن يتهم بأنه أحدث دينا جديدا أو مذهبا غير سديد، وكذلك لا يصح زعم أن كل من نهى عن الشرك والبدعة فهو من اتباعه." إتحاف النبلاء المتقين بإحياء مآثر الفقهاء والمحدثين ص: 413 وما بعدها. المقصد الثاني في ذكر أكابر المحدثين. فأنت ترى أيها القارئ الكريم بأن هذا كلام في غاية الصحة والإنصاف. ولا نطيل الكلام بذكر نصوص أخرى والله أعلم. (المترجم) .
وكذلك العالم اليمني المحقق المعروف القاضي محمد بن علي الشوكاني (م سنة
1250هـ)
- فضلا عن الآخرين- لم يتمكن من معرفة صحيحة لمذهب أهل نجد في هذا الباب وهو نفسه يشكو هذا: "
…
ولكنهم يرون أن من لم يكن داخلا تحت دولة صاحب نجد وممتثلا لأوامره خارج عن الإسلام، وتبلغ عنهم أشياء الله أعلم بصحتها1 ".
ثم بعد قليل خالفه في قتاله لمن يترك صلاة الجماعة إلا أنه يبيح تكفير من يترك الصلاة2.
1 البدر الطالع 2: 5.
2 المرجع السابق. لقد كتب الإمام الشوكاني كتابه البدر الطالع أيام كانت الحروب قائمة على قدم وساق بين الأمير عبد العزيز ابن سعود والشريف غالب، وليس من الغريب في هذه الأحوال أن تشتد الحرب النفسية، وتكثر الدعايات والشائعات، وخاصة على أهل نجد، فقد امتلأت الدنيا بالافتراءات والأكاذيب التي نسبت إليهم، وليس من الغريب أيضا أن تبلغ هذه الشائعات بلاد اليمن المجاورة، ويبلغ إلى الشوكاني ما لم يعلم صحته، ولكن مع ذلك نرى الإمام الشوكاني يتلمس الحقائق ويتنسم عطور العقيدة الإسلامية والتوحيد الخالص، والفضل في ذلك راجع إلى ما أعطاه الله من الحظ الوافر في علوم الكتاب والسنة النبوية.
ونرى هذا واضحا في تعليقاته على بعض هذه الأخبار فيقول: "ولقد رأيت كتابا من صاحب نجد الذي هو الآن صاحب تلك الجهات أجاب بعض أهل العلم، وقد كاتبه رسالة في بيان ما يعتقد فرأيت جوابه مشتملا على اعتقاد حسن موافق للكتاب والسنة فالله أعلم بحقيقة الحال" 2 / 7 ثم قال بعد ذلك:
"وفي سنة 1215 هـ وصل من صاحب نجد المذكور مجلدان أرسل بها إلى حضرة مولانا الإمام حفظه الله
…
وهي رسائل جيدة مشحونة بأدلة الكتاب والسنة". كل هذا التحفظ والتوقف كان في بداية الأمر، ولكن سرعان ما تبددت الظلمات وانقشعت سحب الشائعات والافتراءات، وأدرك الإمام الشوكاني أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله كل همه أن يعلي كلمة الإسلام ويطبقه في المسلمين عقيدة وشريعة وسياسة، ونرى أثر هذا واضحا جليا في تلك القصيدة البليغة التي قالها الشوكاني حينما بلغه خبر وفاة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وما أحسن ما قال:
لقد مات طود العلم قطب رحى العلا
…
ومركز أدوار الفحول الأفاضل
وماتت علوم الدين طرا بموته
…
وغيب وجه الحق تحت الجنادل
إمام الهدى ماحي الردى قامع العد
…
ومروي الصدى من فيض علم ونائل
إمام الورى علامة العصر قد وتى
…
وشيخ الشيوخ الجد فرد الفضائل
فإذا اتهم الأعداء أهل نجد بتكفير أهل القبلة فلهم نوع من الشبهة، ويمكن التباس الأمر على من ليس له باع طويل في العلم.
ونحن نذكر الآن مذهب أهل نجد بلسانهم وهو ليس بمذهب جديد، ولكنه المذهب المشهور للحنابلة1 والظاهرية.
كان الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان المعمر النجدي (م سنة 1225هـ) أحد تلامذة شيخ الإسلام قد عرض ثلاث مسائل على علماء الحرم الشريف في سنة 1211هـ، وإليكم ملخص المسألة الثانية منها بلسانه:
1 الشيخ رحمه الله لم يقل بتكفير من دعا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله – مثلا - على أساس أنه مذهب لأي طائفة، بل إنما قال به لدلالة النصوص القطعية من الكتاب والسنة عليه. "الناشر".
(أما من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وهو يقيم على شركه يدعو الموتى ويسألهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات، فهذا كافر مشرك حلال الدم والمال وإن قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وصلى وصام وزعم أنه مسلم) .
وفي هذه الرسالة أجاز ابن معمر النجدي قتال من ترك الصلاة كسلا ونقل الإجماع من الأئمة ما عدا الزهري وأبا حنيفة1.
ولا يتسع المجال للتفصيل في هذه المسألة إلا أنه هو المذهب المعروف للحنابلة وعليه عمل أهل نجد، فإن كفر تارك
الصلاة محقق عندهم2 ومن لا يُصَلِّ فهو لا شك كافر
…
كما قاله المعصوم أكمل سيد
وتأتي مسألة عباد القبور بعد تاركي الصلاة، وقد سبق الشيخ في تكفيرهم معاصره ومؤيده في رأيه محمد بن إسماعيل الأمير اليمني الصنعاني (م سنة 1182) فإنه لا يفرق البتة بين عباد الأصنام وعباد القبور3، وذكر الشوكاني رجوعه وخالف هذا التشديد على عباد القبور4، وقد نفى سليمان بن سحمان هذا الرجوع نفيا قاطعا وهذا هو الأقرب إلى القياس5، فشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب يوافق الأمير الصنعاني في رأيه إلا أنه يشترط إتمام الحجة ولذلك لا يكفر جميعهم.
(الإجماع على تاركي الصلاة كسلا بخلاف أبي حنيفة والزهري" وللتفصيل يراجع "الهدية السنية: 69 ، 86".
2 الهدية السنية: 105.
3 تطهير الاعتقاد: 12.
4 الدر النضيد: 34 ، 35. (أ) هذه ترجمة لما وجدته في نص الكتاب المطبوع باللغة الأردية في باكستان عام 1395 هـ، وليس لدي الآن نسخة أخرى منه، ويبدو لي أن هنا شيئا من الاختلال أو التحريف في العبارة. فالشوكاني حينما ذكر الرجوع المنسوب إلى الصنعاني في كتابه الدر النضيد أعقبه برد علمي بليغ مدعم بأدلة صريحة من الكتاب والسنة. والشوكاني أيضا يرى ما رآه شيخ الإسلام رحمه الله وهو رأي مبني على أدلة واضحة من الكتاب والسنة كما ذكره المؤلف في باب حقيقة الدعوة، إذن فلا يمكن أن يسمى ذلك تشديدا. والله أعلم (المترجم) .
5 تبرئة الشيخين الإمامين: 82 ، 83.
ومن جملة هذه الأكاذيب
…
ما ذكره أن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله يسفك الدماء وينهب الأموال ويتجارى على قتل النفوس
…
وتكفير الأمة المحمدية في جميع الأقطار. وهذا كله كذب1.
فأهل نجد ينفون اتهام التكفير العام نفيا قاطعا، وأما بعد إتمام الحجة والتبليغ فيظهر أنهم يقولون بالتكفير والقتال:- {فلم يكفر رحمه الله إلا عباد الأوثان من دعاة الأولياء والصالحين وغيرهم ممن أشرك بالله، وجعل له أندادا بعد إقامة الحجة ووضوح المحجة، وبعد أن بدءوه بالقتال فحينئذ قاتلهم وسفك دماءهم ونهب أموالهم، ومعه الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة2} وهنا عذر آخر زائد على إقامة الحجة، وهو أن الأعداء هم بدءوا القتال.
وفي موضع آخر ذكر من أقوال الشيخ:- {فجنس هؤلاء المشركين وأمثالهم ممن يعبد الأولياء والصالحين، نحكم بأنهم مشركون، ونرى كفرهم إذا قامت عليهم الحجة الرسالية3} .
ومن هذه المقتطفات تبين لنا أن الشيخ وأتباعه يشترطون الإبلاغ وإقامة الحجة قبل التكفير والقتال، ولذلك نجدهم ينفون اتهام التكفير العام أشد النفي، نعم إنهم لا يرون عبادة القبور والأعمال الشركية الظاهرة كفرا عمليا فقط، كما جرت عادة الناس التفريق بين الكفر العملي والكفر الاعتقادي4. فهؤلاء يرون أن توحيد الربوبية
1 تبرئة الشيخين الإمامين: 85.
2 تبرئة الشيخين الإمامين: 86.
3 الهدية السنية.
4 وذكرت مجلة إشاعة السنة (العدد الخامس من المجلد السادس سنة 1300 هـ / 1882 م)"أهل الحديث في الهند يخالفون وهابية نجد في هذا التكفير والقتال: 217". وقد أكد على هذا السيد صديق حسن خان في موائد العوائد" إلا أن أسلوبه معقد، وسبب اعتماده على كتاب الكولونيل فنديك [المرآة الوضية في الكرة الأرضية] كتب بعض الأشياء خطأ مما لا تصح نسبتها إلى أهل نجد (المؤلف) [راجع التعليق ص: 211 المترجم] .
وحده لا يكفي، بل لا بد من توحيد الألوهية أيضا وهو شرط أساسي ولازم للإسلام، ولا يمكن النجاة بمجرد الإيمان بأن الله هو الخالق والمدبر للكون، فقد كان أهل الجاهلية أيضا يؤمنون بتوحيد الربوبية ولكنهم كانوا يشركون في الألوهية، ولذلك كانوا يسمون كل ما كانوا يعبدونه من الحجر والشجر (إلها) ، أما المشركون والجاهلون في هذا الزمان فإنهم احترزوا من تسمية غير الآلهة إلها، ولكنهم أعطوهم جميع حقوق الألوهية ومستلزماتها كالنذر لهم ودعائهم والطواف حول قبورهم والذبح لهم وغيرها، وسموها باسم التوسل والاستشفاع ولكن الحقائق لا تتغير بتغيير الأسماء1.
هذا هو ملخص مذهب الشيخ وكتب الجماعة توضح هذه المسائل أكمل توضيح، فكتاب -تبرئة الشيخين الإمامين- لسليمان بن سحمان خصص لهذا "82 - 125" وسنذكر كتبا أخرى في باب المراجع وللتفصيل ينبغي الرجوع إليها.
وينبغي أن نرسخ في أذهاننا أمرا واحدا فقط، وهو أن أهل نجد لا يكفرون مسلمي العالم تكفيرا عاما، بل يكفرون فقط أولئك الذين يرتكبون أعمالا شركية ولا ينتهون عن غيهم حتى بعد
1 لقد كتب المرحوم العلامة السيد رشيد رضا كلاما طيبا في موضع من حواشيه على تبرئة الشيخين الإمامين فقال: [السبب الصحيح لتسمية عرب الجاهلية كل شيء مما ذكر إلها هو أنهم أهل اللغة، وهذا معنى الإله في لغتهم للاشتراط في مفهوم لفظ الإله في اللغة العربية أن يكون هو الخالق والمدبر للخلق، بل هذا يدخل في مفهوم اسم الله ولذلك دعاهم الرسول كما دعا سائر الرسل أقوامهم [أن لا تعبدوا إلا الله ما لكم من إله غيره] . وأما جهلة المسلمين الذين اتخذوا آلهة مع الله تعالى فلم يسموها آلهة لجهلهم باللغة كجهلهم بالشرع، فظنوا أن الإسلام إنما ينهى عن تسمية غير الله إلها، وأما عبادة غيره كدعاء الموتى والنذر لهم وتقريب القرابين والطواف بقبورهم وغير ذلك فلا ينافي التوحيد عندهم إذا سمى توسلا أو استشفاعا مثلا، وقد ينكرون كون أعمالهم هذه تسمى عبادة لجهلهم باللغة والشرع وبالتاريخ أيضا
…
ولذلك قلت منذ أكثر من ربع قرن: إن مشركي المسلمين الجغرافيين قد جنوا على الدين واللغة العربية، ومشركي الجاهلية حافظوا على لغتهم فسموا كل شيء باسمه؛ لأنهم أهل اللغة- ص: 14- الطبعة الأولى مطبعة المنار] :.
الدعوة والتبليغ ويبيحون قتال هؤلاء، وقد ردد الشيخ هذه الحقيقة أكثر من مرة في كتبه واستدل على ذلك بقتال أبي بكر رضي الله عنه مانعي الزكاة1.
فالأقوال والمقتطفات التي مرت معنا تنفي التكفير العام إذا نفت، وإذا أثبتت فهو يتعلق بالذين يصرون على الأعمال الشركية بعد إقامة الحجة والتبليغ أيضا.
فإذا وجه الاتهام وذكرت غاياته فالإنسان يستطيع أن يفكر في الأمر، ومن الممكن جدا أن تبذل جهود لإزالة سوء التفاهم، ولكن إزاء مجرد الظن السوء بدون مسوغ والافتراء بدون أساس لا نملك سوى أن نظهر أسفنا على هذا.
وقد تألمنا ألما عظيما حينما رأينا بعض العلماء المعروفين في بلادنا يحملون أراء عجيبة وغريبة حتى في هذا العصر، فقول عالم مثل الشيخ أنور شاه الكشميري (م سنة 1352هـ / 1933م في الشيخ:"أما محمد بن عبد الوهاب النجدي فإنه كان رجلا بليدا قليل العلم، فكان يتسارع إلى الحكم بالكفر "2.
مؤلم ومؤسف إلى أقصى الحد، وإني لأتحير كيف تجرأ الشيخ أنور شاه أن يقول لمؤلف كتاب التوحيد بأنه "بليد وقليل العلم"؟.
أكاذيب مختلفة:
لقد نسبت أمور لا أساس لها إلى الشيخ وأتباعه من أول يوم، وقد رد الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب على افتراءات كثيرة من هذا النوع في رسالته التي كتبها لأهل مكة في سنة 1218هـ / 1803م 3.
1 القواعد الأربعة. روضة الأفكار 1: 135 ، 137 ، 2:32.
2 فيض الباري 1 ص: 171.
3 لقد ذكر هذا الجزء بكامله الآلوسي في تاريخ نجد (45- (49) والسيد صديق حسن خان في إتحاف النبلاء (414- 416) .
"وأما ما يكذب علينا سترا للحق بأنا نفسر القرآن برأينا ونأخذ من الحديث ما وافق فهمنا..... وأنا نضع من رتبة نبينا صلى الله عليه وسلم بقولنا: النبي رمة في قبره، وعصا أحدنا أنفع منه، وليس له شفاعة، وأن زيارته غير مندوبة.... وأنا مجسمة وأنا نكفر الناس على الإطلاق.... فجميع هذه الخرافات وأشباهها.... كان جوابنا في كل مسألة من ذلك سبحانك هذا بهتان عظيم1.
هدم القبة المبنية على قبر الرسول صلى الله عليه وسلم:
ومما افتراه الأعداء من التهم المكذوبة أن سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود (سنة 1218هـ / سنة 1229هـ / 1814م) كان هدم القبة المبنية على القبر النبوي.
والغريب أن المؤرخين الأوربيين يتلذذون بذكر هذه الأسطورة الباطلة. فنرى ستودارد "حاضر 1: 64" وهيوجز "ذكشنري أوف إسلام: 660" وزويمر "ص: 195" وبلنت "مستقبل الإسلام ص: 45" ومرغليوث "دائرة معارف الأديان والأخلاق 2: 661" وجماعة أخرى غيرهم يرددون هذه التهمة المكذوبة بكل مناسبة وبدون مناسبة مع أنها باطلة أصلا ومفتراة قطعا.
فأهل نجد مهما كانت آراؤهم في بنائها2 إلا أنهم لم يلقوا نظرة سوء على قبر الرسول في يوم من الأيام، فنجدهم يفرحون بذكر هدم القباب الأخرى وتوزيع الأموال المخصصة لها وهم يعترفون بكل ما ينسب إليهم في هذا.
ولكن تهمة هدم القبة المبنية على قبر الرسول صلى الله عليه وسلم فرية محضة وأسطورة لا أساس لها، ولم يستطع برائجس الذي كان قد سكن بغداد والبصرة أيام ازدهار أهل نجد أن يصدق هذه الافتراءات إلا أنه لم يمتنع من اتهام أهل نجد في نيتهم فقال: "لقد أراد -يعني سعود بن عبد العزيز- أن يهدم القبة إلا أنه لم يتمكن من ذلك؛
1 الهدية السنية ص: 46.
2 لقد اكتفى برك هارت شيخ برائجس وأستاذه "وأحيانا يأخذ منه برائجس حرفيا" بقوله: "إنه حاول هدم القبة العليا في المقبرة أيضا"(destroy) ج 2 ص: 199، ولعل برائجس أراد التحشية عليه، ولكن هذا الخبر من برك هارت غلط يقينا؛ فإنه بنفسه يقول بعد قليل:"إن القبر لم يصبه سوء" 2/ ص: 109 ، 110.
لأن القبة كانت محكمة، أو أن آلات الهدم ما كانت ميسرة له وهكذا بقيت محفوظة".
وصاحبنا برائجس هذا سنعرفه وقيمة أقواله في الباب الآتي، ويكفى أن أذكر هنا أنه كان قد وصل إلى البصرة 1784م وقامت له صلات بالعالم العربي في حياة شيخ الإسلام، وبقيت مدة طويلة في صور مختلفة.
شهادة إنجليزي خبير:
هناك أكوام من الافتراءات والأكاذيب ولا يمكن إزالتها، فلذلك نأتي إلى نهاية هذا الكلام بتقرير من برائجس وقد نفى فيه هذه التهم كلها.
"لقد أشاع الباب العالي أنه -أي سعود بن عبد العزيز- نهى الناس عن زيارة المدينة، إلا أن هذا ليس بصحيح فإنه نهي فقط عن ارتكاب الأعمال الشركية عند الروضة المطهرة، كما نهى عنها عند قبور الأولياء الآخرين.
بعض الجهال يرونهم كفارا، وقد اعتمد الأتراك على الشائعات وروجها الأشراف إلا أن الحقيقة أنهم متبعون تماما للقرآن والسنة، وكانت حركتهم حركة تطهيرية خالصة (puritanism) في الإسلام 1.
لقد كتب فرنسي أحمق في سنة 1808 م بأنه أنشأ مذهبا جديدا ونسخ الحج، ويدعي أنه سمعه من رجل مقرب إلى سعود. وكل هذا كذب؛ فإن الوهابيين يعتقدون أن السنة أمر أساسي مع القرآن (fundameeter) ، ولكنهم يرون الأنبياء والأولياء بشرا.
وما أعلنه سعود بعد فتح مكة يسلم الآن بأنه موافق الكتاب والسنة، والتدخين ممنوع عند المالكية وهم أيضا نهوا عنه!.
1 المرجع السابق.
أما خبر تحريم القهوة فغلط محض.
والأتراك أشاعوها دعاية، ويجب على هذا الفرنسي الأحمق1 الذي ذكر نسخ الحج أن يعرف أن سعودا نهى عن التقاليد القبيحة في الحج، وأن أول عمل عمله هو بعد دخوله مكة هو الطواف والعمرة2 ".
افتراء عجيب:
لقد ذكرت قصة خيالية بلسان شيخ بدوي في كتاب الأئمة والسادة في عمان (Emams and Sayads Of Oman) لسليل بن رازق وهي "أن الوهابيين يملكون ذلك الجزء الذي كان عثمان رضي الله عنه حذفه عن مصحفه3 والعجيب أن المترجم نفسه يضعف هذه الرواية4، ولعل هذا هو السبب في أن أحدا لم يرددها. ولكني ذكرت هنا لكشف الستار عن الأعمال التافهة والافتراءات الجنونية من الأعداء.
والذين يستطيعون أن ينحطوا إلى هذا المستوى من الكذب والافتراء لا يرجى منهم أي خير) .
1 ألف roussau في سنة 1808 م الكتابين التاليين، وقد اتهم فيهما الوهابيين بأنهم يمنعون من الحج.
p asbalike baghded 1-
ta memoris in the min de، lorion 2-
2 برائجس س: 106 ، 114 وبرك هارت 2 ص 200 ، 215.
3 الكتاب المذكور ص: 251 ، 253.
4 الكتاب المذكور "حاشية" ص 252 ، 253.