الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الرابع
الدعوة وحقيقتها
ألاعيب السياسة:
كان الشيخ محمد عبده (م سنة 1323هـ) العالم المصلح في مصر الجديدة، والرفيق الخاص للسيد جمال الدين الأفغاني يستعيذ بالله من السياسة ومفاسدها، وقوله معروف "ما دخلت السياسة في شيء إلا أفسدته".
وهذا صحيح إلى حد كبير، فإن أهل السياسة لا يفرقون بين الحلال والحرام في سبيل البلوغ إلى غاياتهم؛ ولذلك فهم ينجحون في مسخ الحقائق ولو إلى حين.
إن دعوة شيخ الإسلام التي تسمى "الوهابية" ليست شيئا جديدا، فإنه لا يقدم شيئا غير التعليم الصحيح للكتاب والسنة، إلا أن دعوته أسيئت سمعتها بين الناس باسم الوهابية للأغراض السياسية. وكأنها دعوة إلى دين غير الإسلام.
ومن سوء الحظ اشتركت ثلاث طوائف في التشنيع على أهل نجد، فنشبت حروب مباشرة مع الحكومة التركية والمصرية، واستمرت سلسلة الحرب مدة طويلة، وحدث قتال مرة أو مرتين مع حكومة الهند أيضا، وهكذا اشتركت الحكومات الثلاث واتباعها بحماس شديد في هذه المهمة.
وزيادة على هذا كله اشتد غضب أشراف مكة وأنصارهم بسبب انقطاع مواردهم من الهدايا والنذور1. وكذلك عامة سياح أوربا من الإنجليز وغيرهم ما كان بوسعهم
1 كانت جماعة كبيرة في مكة والمدينة تعيش على محاصيل القبور والقباب. وفي سنة 1218 هـ عند الفتح السعودي انقطعت أرزاقهم فنصبوا العداء للدعوة وبدأوا ينشرون الأكاذيب في كل مكان قال الجبرتي في حوادث صفر سنة 1218 هـ: "حضر في صحبة الحجاج كثير من أهل مكة هروبا من الوهابي ولغط الناس في خبر الوهابي، واختلفوا فيه فمنهم من يجعله خارجا وكافرا وهم المكيون ومن تابعهم وصدق أقوالهم، ومنهم من يقول بخلاف ذلك لخلو غرضه"(2: 558 دار الفارسي- بيروت) .
أن يلقوا نظرة رضي واطمئنان على هذه النهضة الدينية الصحيحة في جزيرة العرب.
وملخص القول أن الدول والجماعات المختلفة لم تأل جهدا في التشنيع على دعوة الشيخ وذمها لأغراض مختلفة. وكان من نتيجة ذلك أن الوهابية صارت شيئا مخيفا.
وعلى أثر ذلك سميت دعوة التجديد والإمامة التي قام بها السيد أحمد الشهيد البريلوي والشيخ إسماعيل الشهيد الدهلوي بالوهابية، وجعلت كأنها دعوة خارجة عن الإسلام.
وكان من الممكن أن نلتمس الأعذار لقبول هذه التهم المفتراة في الماضي، وذلك لأن كتب أهل نجد ما كانت توجد إلا قليلا، وإن علماء نجد أنفسهم ما كانوا يهتمون بنشر الدعوة خارج بلادهم إلا قليلا.
ولذلك كان من الممكن جدا لأي شخص أن يحمل آراء كاذبة بصدق نية وإخلاص.
ولكن اليوم إذ انتشرت كتب الشيخ وكتب تلامذته وراجت فلا يقبل عذر الجهل وعدم العلم.
مذهبه الفقهي:
بعبارة موجزة نستطيع أن نقول: إن شيخ الإسلام كان يحب أن يرى الدين في صورته الأصلية، وكان مولعا باتباع السلف الصالح في العقائد والأعمال، وكان يتبع مذهب إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (م سنة 241هـ) في الفروع الفقهية. لكنه إذا وجد حديثا يخالف مذهب الحنابلة فلا يمنعه مانع من العمل بذلك الحديث.
"وأما مذهبنا فمذهب الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة في الفروع، ولا ندعي الاجتهاد. وإذا بانت لنا سنة صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عملنا بها، ولا نقدم عليها قول أحد كائنا من كان "1.
وإنه يستدل في بعض الأحيان بأقوال الإمام ابن تيمية والإمام ابن القيم إلا أنه لم
1 الهدية السنية: 99.
يعلق ربقة تقليدهما في عنقه. فإنه يقتدي بابن تيمية وابن القيم حيث وافقا الكتاب والسنة حسب علمه، ولكنه يحب ذلك الإمام أو العالم، لأنه يسعى إلى العمل بالكتاب والسنة على وجه تام.
"الإمام ابن القيم وشيخه إماما حق من أهل السنة، وكتبهم عندنا من أعز الكتب إلا أنا غير مقلدين لهم في كل مسألة "1.
والحقيقة أنه في الفروع الفقهية يتبع المذهب الحنبلي إلا أنه لا يجبر الآخرين على اتباعه، فهو يطلب من الشافعي أن يكون شافعيا، ومن الحنفي أن يكون حنفيا.
أن البدع والتقاليد الواهية لم يجزها أي إمام، ومن هو أشد من فقهاء الحنفية في تحريم الأغاني والمزامير؟ ولكن الذين ينتسبون إلى المذهب الحنفي أمام أعيننا هل تركوا شيئا؟ وما الذي لم يرتكبوه؟ ولتوضيح مذهب الشيخ الفقهي نذكر نصا آخر: "ونحن أيضا في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ولا ننكر على من قلد أحد الأربعة دون الغير لعدم ضبط مذاهب الغير كالرافضة.. الخ.
ولا نستحق الاجتهاد المطلق ولا أحد لدينا يدعيه، إلا أننا في بعض المسائل إذا صح لنا نص جلي من كتاب أو سنة غير منسوخ ولا معارض بأقوى منه، وقال به أحد الأئمة الأربعة أخذناه وتركنا المذهب كارث الجد والأخوة فإنا نقدم الجد وإن خالف مذهب الحنابلة2.
1 الهدية السنية: 53.
2 تاريخ نجد للألوسي: 46 ، 54 وصيانة الإنسان:471. وقد ذكر مرغليوث فهرسا للخلاف بين الإمام أحمد بن حنبل والشيخ محمد بن عبد الوهاب وهو مملوء بالجهل. فعلى سبيل المثال يقول: إن الصلاة مع الجماعة فرض عند الشيخ وليس كذلك عند الإمام. وهل هناك دليل أوضح من هذا على الجهل؟.
العقائد:
إنه في باب العقائد على مذهب السلف وهو إقرار ما ورد من الصفات الإلهية في القرآن والأحاديث الصحيحة كما ورد والتسليم به، والإيمان بظاهره مع نفي الكيفية.
وهذا هو مذهب السلف، فقد كانت مسألة الصفات من المسائل التي اختلف فيها علماء الإسلام، فقد نفت جماعة الصفات كلها حذرا من التشبيه والتجسيم، وهو تعطيل الباري، وجماعة أخرى أثبتت الصفات فوصلت إلى التشبيه والتكييف، وهذا أيضا تعد وتجاوز عن الحد؛ فإن ذات الله سبحانه وتعالى منزهة عن الجسمية.
وأما الأشاعرة المتكلمون فبدءوا يؤولون الآيات والأحاديث خوفا من التعطيل والتشبيه، فقالوا إن المراد من الاستواء هو الاستيلاء، وفسروا "يد الله" بالنعمة والقدرة ويزعمون أن المراد بقوله تعالى "فإنك بأعيننا" الحفظ والرعاية.. الخ، ولكن السلف ومن تبعهم لا يرضون بهذه التأويلات. فمن أين علمتم أن ما أردتم من هذه الكلمات هو ما أراده الله تعالى.
ثم إن المتأولين قد يضطرون إلى تأويلات بعيدة في بعض الآيات والأحاديث حتى أن القارئ لا يتمالك من الضحك. وإذا راجعت كتاب مشكل الحديث لابن فورك (م سنة 406هـ) تجد أمثلة كثيرة من هذا النوع الذي يتمخض فيه الجبل ثم لا يلد إلا فأرا.
وإن مسلك السلف بعيد كل البعد من هذا التكييف والتعطيل والتأويل، ومن الممكن أن يعبر عن مذهب السلف بلسان ابن تيمية رحمه الله هكذا: "ومذهب سلف الأمة وأئمتها أن نصف الله تعالى بما وصف به نفسه وبما وصفه رسوله - صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم - من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، فلا يجوز نفي صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه ولا يجوز تمثيلها بصفات المخلوقين، بل هو سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
ومذهب السلف مذهب بين مذهبين وهدى بين ضلالتين إثبات الصفات ونفي مماثلة المخلوقات1.
1 الانتقاد الرجيح على حاشية جلاء العينين: 403 (لصديق حسن خان رحمه الله .
وهكذا فمذهب السلف بين الإثبات والنفي، فهم لا يؤولون اليد والعين وغيرهما من الصفات، بل يؤمنون بظاهرها مع نفي التمثيل. أي أنهم لا يريدون بهذه الصفات ما يراد بها إذا أضيفت إلى الإنسان؛ لأن الله منزه عن الكيفية والجسمية.
فالله هو الذي يعلم الكيف والحقيقة، وواجبنا هو الإيمان بدون أخذ ولا رد، وخير ما يعبر به عن مسلك السلف الصالح هو قول الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة:"الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"1.
ومذهب السلف هذا ليست مذهب الحنابلة فقط، أو الإمام ابن تيمية أو الشيخ محمد ابن عبد الوهاب، بل هو مذهب أئمة الإسلام قاطبة. الإمساك عن التأويل مطلقا مع نفي التشبيه والتجسيم.
فالأئمة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ومحمد بن حسن وسعد بن معاذ المروزي وعبد الله بن المبارك وسفيان الثوري والبخاري والترمذي وأبو داود السجستاني وغيرهم كلهم كانوا على هذا المسلك2.
والإمام أبو الحسن الأشعري نفسه قد ثبت عنه الرجوع، ونقل تأييده عن إمام الحرمين، وكان هذا هو مذهب جميع الصحابة والتابعين، ولقد انفتح باب التأويل بعد أن راجت سوق العقليات.
الأشاعرة المتأخرون وعامة علماء المسلمين المتأخرين كان مذهبهم التأويل.
وكل ما يدرس الآن باسم العقائد في المدارس هو مذهب أهل التأويل هذا، لكن هذه المعاني هي أحد احتمالات تلك الألفاظ، ويمكن أن تذكر عشرات من التأويلات غير هذه، فمن أين ثبت أن تأويلكم هو نفس المراد الإلهي، فإن كنا لا نجزم -وحقا لا نجزم
1 جلاء العينين: 212.
2 جلاء العينين: 229.
فلماذا نورط أنفسنا في هذا الخطر.
فالأسلم أن نعتقد ونؤمن بكل ما ورد في الشرع بلا تعطيل ولا تكييف كطريقة السلف.
هذا هو رأي الصالحين الأوائل وهو نفسه طريقة أهل التوحيد والسنة المخلصين وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه أيضا يعتقدون هذا.
"
…
وبالجملة فعقيدتنا في جميع الصفات الثابتة في الكتاب والسنة عقيدة أهل السنة والجماعة، نؤمن بها ونقرها كما جاءت مع إثبات حقائقها، وما دلت عليه من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تعطيل ولا تبديل ولا تأويل "1.
ومذهب السلف في باب الصفات مشهور ومعروف، فحسبنا أن نقول: إن شيخ الإسلام كان يعتقد عقيدة السلف.
ولم يبتل أحد في هذا الصدد بعد القرون الأولى مثل الإمام ابن تيمية (م سنة 728هـ) ، فإن أفكار الأشاعرة والمتكلمين كانت قد استولت على الأدمغة، وتأصلت في الأذهان إلى حد أن الناس كانوا ينظرون إلى طريق الحق أنه طريقة الجهال وناقصي العقول.
وعلى كل حال فقد كان شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب متمسكا بمذهب السلف بكل قوة، كما كان الإمام ابن تيمية رحمه الله.
وللتفصيل في هذه المسألة يرجع إلى كتاب جلاء العينين في محاكمة الأحمدين للألوسي، فقد أتى المصنف الفاضل بخلاصة المسألة كلها. وقد ذكر نصوصا من مؤلفات ابن تيمية وابن الجوزي (م سنة 644هـ) والشيخ عبد القادر الجيلاني (م سنة 565هـ) والإمام أبي الحسن الأشعري (م سنة 334) .
التوحيد ومستلزماته:
لقد اهتم الشيخ اهتماما بالغا في جميع كتبه ورسائله بالتوحيد، بل الأولى أن يقال إن كتبه كلها ليس فيها إلا التوحيد2، فكانت دعوته دعوة التوحيد وكان شعاره "لا إله إلا
1 الهدية السنية: 99.
2 هذا على سبيل المبالغة، فلا شك أن الشيخ يهتم بتصحيح العقائد أكثر من أي شيء آخر، ولكن مع ذلك فله مؤلفات عظيمة في الفقه والسيرة والحديث وغيرها" (المترجم) .
الله"،
وكان يوضح معاني هذه الكلمة لكل واحد، ويسعى إلى ترسيخ حقيقتها في الأذهان، ولذلك كان متبعوه يدعون باسم الموحدين في بعض الأحيان.
فما هو التوحيد؟ التوحيد هو إخلاص العبادة لله تعالى فقط، والأمر واضح جدا ولكن حبائل الشيطان واسعة جدا أيضا، فكان يجب لإخلاص التوحيد أن يجتنب الإنسان جميع تلك الأعمال والأقوال التي يوجد فيها أدنى شبهة للشرك.
وشيخ الإسلام لم يأل جهدا في توضيح هذه الأعمال والأقوال، فقد بين مضراتها ومفاسدها، وحاول سد جميع الطرق التي تؤدي إلى هذه المفاسد.
لكن الأمة التي كانت قد ظهرت برسالة التوحيد إلى جميع أنحاء العالم قد وضعت في شراك عبادة القبور والأضرحة وغيرها حتى إن نداء التوحيد لما قرع مسامعها أنكرته واستغربته، فإذا قدمت إليها نصوص الكتاب والسنة أولتها.
حتى إن زعماء التوحيد وحاملي لوائه قد استقبلوا بشتائم "الوهابي" ومشرك وخارجي وغيرها من الشتائم الفقهية والمذهبية، فكانت جريمة شيخ الإسلام هي أنه جهر بدعوة التوحيد، وأكد على الناس اجتناب الشرك وأنجاسه وذم الأوثان من دون الله، ونهى عن الحلف بغير الله والنذر لغيره وعبادة القبور بكل تصريح ووضوح، فإن كان هذا ذنبا فيجب على كل مسلم أن يرتكب هذا الذنب بكل إخلاص.
وفيما يلي نذكر بوضوح تلك الأمور الخاصة التي تبعد عن التوحيد وتقرب إلى الشرك في رأي شيخ الإسلام وأهل السنة:
1-
دعاء غير الله في المصائب أو دعاء غيره مع الله.
فأدعياء "العقيدة" الجهال أو ناقصو الثقافة إذا دعوا غير الله في المصائب مثل: يا رفاعي، يا بدوي، يا عبد القادر، أو كما يقولون عندنا: يا رانا بير بهور، يا مخدوم، يا
"مخدوم منهجن" وغير ذلك. فهذا كله ليس منزها عن شوائب الشرك1.فإن جانب العبادة ظاهر في هذا النداء، وإن كنا لا نبحث عن نية الداعي أو منزلة المدعو، فمن الممكن جدا أن لا يقصد الداعي العبادة أو الإشراك، ولكن العبد إذا نادى مخلوقا آخر في المصيبة، وطلب منه دفعها أو جلب منفعة فهذا يخالف التوحيد تمام المخالفة.
وإن دينا كاملا كدين الإسلام لا يوجد فيه أي مجال لمثل هذا.
فالذي يذكر غير الله في المصائب لا يخلو من حالتين:
1.
إما أنه جاهل لا يعرف التعاليم الصحيحة من الكتاب والسنة، فأتباع شيخ الإسلام يحاولون أن يوضحوا له الطريق الصحيح ويأمرونه بأن يجتنب هذه الأمور في المستقبل.
2.
فإن كان أحد يدعو غير الله لدفع الضرر أو جلب الخير بعد ما عرف الأحكام الشرعية، فإنهم يعتبرونه مشركا ولا يرضون بأي مجاملة أو مجاراة مع هؤلاء. ويحتجون بقول الله تعالى:{وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} 2.
2-
الاستغاثة:
أي طلب الغوث من غير الله فحكمه حكم دعاء غير الله.
يقول أبو يزيد البسطامي": استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون3.،" وروى
1 ليس قصده أن هذا ليس من الشرك الذي وقع فيه من وقع، وإنما مقصوده أن يتنزل مع هؤلاء في اعتقادهم ويدل على هذا آخر كلامه "فهذا يخالف التوحيد تمام المخالفة"، فإذا كان يخالف التوحيد تمام المخالفة فهو شرك صراحة". (المترجم) .
2 سورة فاطر آية: 13-14.
3 جلاء العينين ص: 212.
الطبراني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله تعالى "1. وملخص القول أن الاستغاثة بغير الله سواء كان حيا2 أو ميتا حرام قطعا، وينافي عقيدة التوحيد الإسلامي كل المنافاة.
3-
التوسل:
وكلمة التوسل تستعمل لثلاثة معان:
1.
التوسل بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا فرض ولا يكمل الإيمان إلا به.
2.
التوسل بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم وشفاعته، وهذا كان في حياته صلى الله عليه وسلم، وسيكون يوم القيامة حينما يتوجه الخلق يتوسل بشفاعة الرسول عليه الصلاة والسلام.
3.
التوسل الذي يتوسل فيه إلى الله تعالى بذوات الأنبياء والصالحين فهذا لم يعمل به الصحابة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولا بعد وفاته، لا عند الاستسقاء ولا غيره، لا عند القبر ولا بعيدا عن القبر. لم ينقل عن الصحابة أي توسل غير مشروع في أي مناسبة، توسل كأنه يحلف فيه على الله تعالى بذات رسول أو ولي، وإن الأدعية المأثورة لا يوجد فيها أي أثر لهذا التوسل.
هذه هي الصور الثلاثة للتوسل فالصورة الأولى منها
(أي التوسل بالإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعته) مشروعة دائما.
والصورة الثانية أي التوسل بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وشفاعته (لا ذاته) فهذا كان نافعا ومطلوبا بلا شك في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ومن أنكر
1 جلاء العينين ص: 303.
2 الاستغاثة في الشيء المقدور عليه من الحي الحاضر لا مانع فيها، ولكن مقصوده الاستغاثة الواقعة في عباد القبور الذين يستغيثون بالأموات والغائبين. (المترجم) .
التوسل بأحد هاتين الصورتين فهو كافر مرتد كما صرح به الإمام ابن تيمية رحمه الله ولكن قد تعذرت الصورة الثانية بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد نقل السلام على القبور وقول "السلام عليكم" لمخاطبة أهل القبور، ولكن طلب الدعاء من الميت أو الغائب فهذه بدعة.1. ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في جمع حافل من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - بدون إنكار أحد منهم:- " اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا"2.فلأمر ما توسل الصحابة بالعباس رضي الله عنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
ولما كان هذا التوسل بطلب الدعاء وهو متعذر بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم توسل الفاروق بعم رسول الله صلى الله عليه وسلم أي طلب منه أن يدعو.
أما الثالثة وهي التوسل بذوات الأنبياء والصالحين أي الحلف على الله تعالى باسم الأولياء والصالحين كأن يقول أحد: "أسألك بجاه عبدك أو بحرمته"، فاختلف العلماء فيه. والرواية الصحيحة عند الحنابلة أنه مكروه تحريما، وهو المنقول عن الإمام أبي حنيفة وغيره من فقهاء الحنفية.
فالتوسل بالأنبياء أو الأولياء أو الأماكن المقدسة وطلب الدعاء بحقهم مكروه تحريما عند الحنفية، ويستدلون لاحق للمخلوق على الخالق وهذا حق واضح.
وهو نفسه مذهب الإمام ابن تيمية رحمه الله وعليه عمل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ومتبعيه؛ فإنهم لا يبيحون التوسل بذات نبي أو ولي، وإنهم لم يأتوا في هذا بشيء جديد سوى أنهم طبقوا ما اتفق عليه الحنفية والحنابلة.
والشيخ عز الدين بن عبد السلام هو الوحيد من العلماء المتقدمين من يبيح التوسل
1 جلاء العينين: 284.
2 مشكاة المصابيح باب الاستسقاء.
بالذات المقدسة للنبي صلى الله عليه وسلم1 فإن قال أحد: "اللهم إني أتوسل إليك بنبيك وحبيبك محمد" صلى الله عليه وسلم أو: "اللهم إني أسألك بجاه صفيك ونبيك محمد" صلى الله عليه وسلم فهذا جائز عنده. ولا عجب إن زل عالم مجتهد مثل عز الدين بن عبد السلام أمام الذات المقدسة والمرتبة العليا للنبي صلى الله عليه وسلم.
ومن المتأخرين الشوكاني (م سنة 1251هـ) يبيح التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم. أما التوسل بالأولياء والصالحين فلم ينقل عن أحد من الأئمة.
فإن حاول بعض المتأخرين تجويزه فهذا ترويج لأمر مشتبه لا أصل له، وفتح لباب البدع بدون فائدة2.وكل ما أقصده هنا هو توضيح مذهب شيخ الإسلام، وليس هذا محل نقاش فقهي، وسنذكر عدة كتب في باب المراجع تتعلق بهذا الموضوع.
وكتاب التوسل والوسيلة للإمام ابن تيمية رحمه الله وغيره من مؤلفاته وفتاويه مملوءة من هذه المباحث.
وعلى سبيل الإجمال يمكن الاستفادة من كتاب جلاء العينين (269 - 315) للأدلة ومناقشات الجانبين.
4-
الاستعاذة:
من مقتضيات التوحيد أن لا يستعاذ بشيء من المخلوقين دون الله وأسمائه وصفاته.
وبناء على هذا الأصل استدل إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله على أن القرآن كلام الله وغير مخلوق بحديث " أعوذ بكلمات الله التامات "3 أي أن كلام الله تعالى إن كان مخلوقا يلزم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد استعاذ بمخلوق حينما استعاذ بكلمات الله، ومعنى ذلك أنه كان من المسلم به إلى ذلك الزمان أن الاستعاذة بالمخلوق لا تجوز.
1 وهو أيضا بشرط: إن صح الحديث "الدر النضيد: 6".
2 لقد أجاز الشيخ إسماعيل الشهيد في الهند وأكثر علماء ديوبند التوسل بالأولياء والصالحين إلا أن القلب يأبى ذلك.
3 البخاري: أحاديث الأنبياء (3371)، والترمذي: الطب (2060)، وأبو داود: السنة (4737)، وابن ماجه: الطب (3525) ، وأحمد (1/236 ،1/270) .
ولو لم يكن كذلك لرد عليه المخالفون.
والقرآن نفسه يذم الكفار بأنهم يستعيذون بغير الله أي الجن: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} 1، ولذلك اعترض شيخ الإسلام على قول صاحب "البردة":
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به
…
سواك عند حلول الحادث العمم
…
ولا شك بأن قوله "مالي من ألوذ به سواك" لا يليق إلا بالله تعالى.
وحتى الشوكاني مع تساهله في مسألة التوسل قد اعترض على هذا الشعر2.
5-
الحلف بغير الله:
إن الحلف بغير الله أيضا ينافي التوحيد، وليست هذه المسألة مما اختلف فيه، بل قد اتفق عليها العلماء لكن العوام بل حتى بعض الخواص قد وقعوا في هذه البلية.
وجميع بلاد المسلمين قد راج فيها الحلف بالأنبياء والأولياء حتى لو أنكرت على أحد ونهيته عن هذا يتهمك باللادينية أو على الأقل بالوهابية بدلا من أن يمتنع عنه، مع أن الترمذي أخرج حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " من حلف بغير الله فقد أشرك " 34 فقد سمى الحلف بغير الله شركا. وهل هناك نهي أشد من هذا.
ولهذا قال أبو حنيفة: "لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به وأكره أن يقول بمعاقد العز من عرشك أو بحق خلقك".
1 سورة الجن آية: 6.
2 الدر النضير: 29.
3 الترمذي: النذور والأيمان (1535)، وأبو داود: الأيمان والنذور (3251) ، وأحمد (2/34 ،2/69 ،2/86 ،2/125) .
4 تحفة الأحوذي 5: 135. ونص الحديث هناك هكذا: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" وقال الترمذي: هذا حديث حسن. "المترجم".
فلا يجوز عنده الحلف أو الاستغاثة بغيره أبدا. إلا أن الإمام أبا يوسف يبيح قوله "بمعاقد العز من عرشك"، لأن مالك معاقد العز في العرش هو الله سبحانه وتعالى. ولا يراد من "معقد العز من عرشك" إلا الله تعالى، ولكن الإمام أبا حنيفة يكره ذلك أيضا.
أما الدعاء بحق فلان فهو مكروه تحريما عند الجميع كما مر من قبل.
فدعاء غير الله والاستغاثة بغير الله والتوسل بالأنبياء والصالحين والاستعاذة بغير الله والحلف بغير الله كل هذه الأشياء من نوع واحد. وكلها تحمل في طياتها جراثيم الشرك وتنافي التوحيد كل المنافاة.
ولذلك لا يمكن أن تباح هذه التوهمات والخرافات في الدين الخالص، وكل ما ارتكب محمد بن عبد الوهاب من جريمة هو أنه نهى عن هذه المكروهات نهيا تاما، وقد أنقذ بذلك عامة الناس ولو في ناحية واحدة من الأرض.
6-
زيارة القبور:
إن زيارة القبور مشروعة ولا شك بشرط أن لا تخرج عن حدود الزيارة.
ويجوز للمسلم أن يزور قبور الأنبياء والصالحين وعامة المسلمين، وحتى قبور غير المسلمين لمن أراد العبرة والعظة، وزيارة قبور المسلمين سنة وقد رغب فيه الشرع لمن أراد أن يدعو لأهل القبور.
ومحمد بن عبد الوهاب وأتباعه لا ينكرون زيارة القبور إلا أنهم يخالفون مخالفة شديدة تلك البدع التي تفعل عند القبور.
فإنهم ينكرون على الذين يستغيثون بالقبور ويطلبون من الموتى دعاء وشفاعة.
وزيارة القبور التي نراها في أيامنا ليست زيارة ولكنها ترويج لأسواق البدع والخرافات.
فطلب الدعاء من صاحب القبر أو الدعاء بواسطته، أو الدعاء عند القبر نفسه بقصد التقرب إلى الله كل هذه الأمور لا تجوز أبدا، والموحدون ينكرون كل هذا.
إن الأحاديث قد نهت عن بناء المساجد على القبور وهي كثيرة مشهورة وصحيحة في هذا الباب1، ولذلك لم يتردد أتباع محمد بن عبد الوهاب في هدمها؛ لأنها محرمة في الشرع، وقد اتخذت هذه القبور أوثانا بعكس ما أمر به الشارع تماما.
وهذا منكر فمن وجد قوة فعليه أن لا يتردد في استئصال هذه البدعة.
وأتباع محمد بن عبد الوهاب ليسوا هم الحكام المنفردين الذين اعتنوا بهدم القباب، بل إنه كان من المعمول به من عصر الإمام الشافعي (سنة 150 - 204هـ) أي في أواخر القرن الثاني، وقد ذكر ذلك الإمام الشافعي في كتاب الأم بأن الحكام كانوا يهدمون ما بنى على القبور، والفقهاء لا ينتقدون عليهم وذكر هذا القول النووي في شرح مسلم2.
وكذلك نقله ابن حجر الهيتمي في الزواجر، وذكر من أقوال الفقهاء:"وتجب المبادرة لهدمها وهدم القباب التي على القبور؛ إذ هي أضر من مسجد الضرار.. الخ "3.
وبعد هذا التفصيل كله يتبين لكل بصير بأن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ما كان يدعو إلى دين جديد، ولا أنه أنشأ مذهبا فقهيا جديدا فهو نفسه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل (م سنة 241هـ) ، وأن دعوته هي دعوة الكتاب والسنة فقط.
فكل ما يريده هو من الأحناف أن يكونوا حنفيين خالصين، ويطالب الشافعيين أيضا بهذا.
فالذي يفعل الآن عند قبر الإمام الشافعي (م سنة 204هـ) في مصر هل كان
1 للتفصيل في هذا الموضوع يرجع إلى كتاب تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد" للمحدث العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني. فإنه من أنفس ما رأيت في هذا الموضوع. وكذلك "زيارة القبور" لابن تيمية و"شرح الصدور في تحريم رفع القبور" للشوكاني (المترجم) .
2 الهدية السنية: حاشية العلامة السيد رشيد رضا (م سنة 1353 هـ) ص: 49.
3 الزواجر ج 1: 163 مطبعة وهبة بمصر.
من الممكن أن يبيحه هو بأي صورة؟ وهكذا حال جميع الأئمة فإنهم ما كانوا يبيحون البدع ولا يتهاونون فيها ولا يمكن أن يكون هذا.
فأتباع محمد بن عبد الوهاب إنما يدعون المسلمين أن ينتهوا من هذه البدع ويتركوها.
والذي لا يمتنع بعد تنبيهات متكررة فإنهم يعاملونه بشدة. وشدتهم هذه في العمل توصف بعدة من الشتائم الفقهية، وعلى هذا الأساس افتريت عليهم افتراءات لا أصل لها بمجرد الظن والقياس.
ومن الصعب جدا أن نذكر في هذا الكتاب تلك الشتائم والافتراءات التي سودت مئات من الصفحات ولكن مع ذلك فسنقدم في الصفحات الآتية نماذج من تلك الافتراءات الكاذبة.