الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النص المحقق للكتاب
…
مسألة في المرابطة بالثغور أفضل أم المجاورة بمكة شرفها لله تعالى
تأليف: شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية
المتوفى سنة 728هـ رحمه الله تعالى
تحقيق وتعليق: أبي محمد أشرف بن عبد المقصود
بسم الله الرحمن الرحيم
وهو حسبي ونعم الوكيل
مسألة المرابطة بالثغور أفضل أم المجاورة بمكة شرفها الله تعالى؟!
الجواب
اتفاق الأئمة والسلف على أفضلية المرابطة على المجاورة بالحرمين
1-
الحمد لله، المرابطة في ثغور المسلمين – وهو المقام فيها بنية الجهاد – أفضل من المجاورة في الحرمين باتفاق أئمة المسلمين وأهل المذاهب الأربعة وغيرهم1.
من البدع تعظيم الأماكن بغير دليل شرعي
2-
وليست هذه المسألة من المشكلات عند من يعرف دين الإسلام؛ ولكن لكثرة ظهور البدع في العبادات وفساد2
1 قال المصنف رحمه الله: "المقام في الثغور من أجل الجهاد في سبيل الله أفضل من المجاورة بمكة والمدينة ما أعلم في ذلك خلافا بين العلماء""مجموع الفتاوى"(27/51) .
وقال أيضا رحمه الله: "المقام في الثغور بنية المرابطة في سبيل الله تعالى أفضل من المجاورة بالمساجد الثلاثة باتفاق العلماء"(27/40) .
وقال أيضا رحمه الله: "المقام في الثغور المسلمين كالثغور الشامية والمصرية أفضل من المجاورة في الساجد الثلاثة، وما أعلم في هذا نزاع بين أهل العلم، وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة""مجموع الفتاوى"(28/5)
2 في الأصل: "فساد" بدون واو، وقد أثبتها لاستقامة السياق بها.
النيات في الأعمال الشرعيات صار يخفى مثل هذه المسألة على كثير من الناس حتى صاروا يعظمون الأماكن التي كان المسلمون يعظمونها لكونها ثغورا ظانين أن تعظيمها لأمور مبتدعة في دين الإسلام، فاستبدلوا بشريعة الإسلام بدعة ما أنزل الله بها من سلطان.
3-
فإنه يوجد في كلام السلف وحكاياتهم في ذكر "غزة" و"عسقلان" و"الإسكندرية" و"جبل لبنان" و"مكة" و"قزوين"، ومن أمثال ذلك، ومن وجود الصالحين بها ما يوجب شرف هذه البقاع1.
فضل بعض الأماكن بكونه ثغرا لا لأجل خاصية ذلك المكان
4-
وإنما كان ذلك؛ لكونها كانت ثغور المسلمين، فكانوا صالحوا المسلمين يتناوبونها، لأجل المرابطة بها لا لأجل الاعتزال عن الناس وسكنى "الغيران"2 و"الكهوف"، أو نحو ذلك مما
1 قال المصنف رحمه الله: "عامة ما يوجد في كلام المتقدمين من فضل عسقلان والإسكندرية أو عكة أو قزوين أو غير ذلك، وما يوجد من أخبار الصالحين الذين بهذه الأمكنة ونحو ذلك فهو لأجل كونها كانت ثغورا لا لأجل خاصية ذلك المكان وكون البقعة ثغرا للمسلمين أو غير ثغر هو من الصفات العارضة لها لا اللازمة لها، بمنزلة كونها دار إسلام أو دار كفر، أو دار حرب أو دار سلم، أو دار علم وإيمان أو دار جهل ونفاق فذلك يختلف باختلاف سكانها وصفاتهم بخلاف المساجد الثلاثة فإن مزيتها صفة لازمة لها لا يمكن إخراجها عن ذلك..""مجموع الفتاوى"(27/52) .
2 "الغيران": جمع غار وهو كهف، وانقلبت الواو ياء لكسرة الغين."النهاية لابن الأثير (395/3) .
يظنه الجهال أهل البدع والضلال1.
جبل لبنان وما جرى فيه
5-
ثم إن من هذه البقاع ما غلب عليه العدو، أو سكنه أهل البدع والفساق؛ ففسد حال أهله، مثل ما جرى على "لبنان" ونحوه2.
1 قال المصنف رحمه الله: "فإن سكنى الجبال والغيران والبوادي ليس مشروعا للمسلمين إلا عند الفتنة في الأمصار التي تحوج الرجل إلى ترك دينه من فعل الواجبات وترك المحرمات، فيهاجر المسلم حينئذ من أرض يعجز عن إقامة دينه إلى أرض يمكنه فيها إقامة دينه؛ فإن المهاجر من هجر ما نهى الله عنه""مجموع الفتاوى"(27/52) .
2 قال المصنف رحمه الله مبينا حقيقة "جبل لبنان"" "ليس في فضل جبل لبنان وغيره نص لا عن الله ولا عن رسوله بل هو وأمثاله من الجبال التي خلقها لله وجعلها أوتادا للأرض آية من آياته.."
إلى أن قال: "فهذه السواحل الشامية كانت ثغورا للإسلام إلى أثناء المائة الرابعة، وكان المسلمون قد فتحوا قبرص في خلافة عثمان رضي الله عنه، فتحها معاوية فلما كان في أثناء المائة الرابعة اضطرب أمر الخلافة وصار للرافضة والمنافقين وغيرهم دولة وملك بالبلاد المصرية والمغرب وبالبلاد الشرقية وبأرض الشام وغلب عليه هؤلاء على ما غلبوا عليه من الشام سواحله وغير سواحله وهم أمة مخذولة ليس لهم عقل ولا نقل ولا دين صحيح ولا دنيا منصورة، فغلبت النصارى على عامة سواحل الشام بل وأكثر بلاد الشام وقهروا الروافض والمنافقين وغيرهم وأخذوا منهم ما أخذوا إلى أن يسر الله تعالى بولاية ملوك السنة مثل نور الدين وصلاح الدين وغيرهما فاستنقذوا عامة الشام من النصارى، وبقيت بقايا الروافض والمنافقين في "جبل لبنان" وغيره، وربما غلبهم النصارى عليه حتى يصير هؤلاء الرافضة والمنافقون فلاحين للنصارى، وصار جبل لبنان ونحوه دولة بين النصارى والروافض ليس فيه من الفضيلة شيء ولا يشرع بل ولا يجوز المقام بين النصارى أو الروافض يمنعون المسلم من إظهار دينه ولكن صار طوائف ممن يؤثر التخلي عن الناس زهدا ونسكا يحسب أن فضل هذا الجبل ونحوه لما فيه من الخلوة وأكل المباحات من الثمار التي فيه؛ فيقصدونه لأجل ذلك غلط منهم وخطأ""مجموع الفتاوى"(27/50-55) وراجع أيضا: "الإستقامة"(2/61.)
كون المكان ثغرا مثل كونه دارا للإسلام
6-
وكون1 المكان ثغرا هو مثل كونه دارا لإسلام ودارا لكفر2 مثل كون الرجل مؤمنا وكافرا، هو من الصفات التي تعرض وتزول:
7-
فقد كانت "مكة" شرفها الله أم القرى قبل فتحها دار كفر وحرب تجب الهجرة منها ثم تغير هذا الحكم لما فتحت3.
حتى قال صلى الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية"4.
8-
وقد كان "البيت المقدس" بأيدي العدو تارة، وبأيدي المسلمين أخرى5.
1 في الأصل: "أو كون" وما صوب هو الموافق للسياق.
2 في الأصل بدون اللام، وزدتها ليستقيم السياق.
3 قال المصنف رحمه الله: "قال الله تعالى لموسى عليه السلام: {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} (لأعراف: 45) وهي الدار التي كان بها أولئك العمالقة ثم صارت بعد هذا دار المؤمنين وهي الدار التي دل عليها القرآن من الأرض المقدسة""مجموع الفتاوى"(18/283)
وقال أيضا: ولهذا كان أفضل الأرض في حق كل إنسان أرض يكون فيها أطوع لله ورسوله، وهذا يختلف باختلاف الأحوال؛ ولا تتعين أرض يكون مقام الإنسان فيها أفضل وإنما يكون الأفضل في حق كل إنسان: بحسب التقوى والطاعة والخشوع والخضوع والحضور "مجموع الفتاوى"(18/283) .
4 البخاري (2763) ومسلم (1353)(445) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
5 المسجد الأقصى وبيت المقدس أمانة تسلمتها أمة الإسلام، وقد حفظ المسلمون هذه الأمانة في عهودهم المتوالية حتى جاء عصرنا فضاع بيت المقدس وهو يتعرض اليوم لأخطر مؤامرة لهدمه ولئن خلص اليهود لتنفيذ هذه المؤامرة بين ظهراني جيل من المسلمين يبلغ ربع سكان العالم فو الله إنه لعار لا يمحوه الزمان ولا يغسله الماء!! راجع:"قبل الكارثة نذير ونفير" ص (298) .