الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
44-
ومقصوده بذلك: أنه قد يكون بالأرض المفضولة من يكون عمله صالحا أو أصلح بما يحبه الله ورسوله1.
1 راجع: ما تقدم (18ص) .
الأدلة على أن جنس المرابطة أفضل من جنس المجاورة
وهذا مما يبين أن جنس المرابطة أفضل من جنس المجاورة بالحرمين كما اتفق عليه الأئمة.
45-
فإذا كانت نية العبد في هذا خالصة، ونيته في هذا خالصة ولم يكن ثمة عمل مفضل، يفضل به أحدهما، فالمرابطة أفضل؛ فإنها من جنس الجهاد، وتلك من جنس الحج وجنس الجهاد أفضل من جنس الحج2.
46-
ولهذا قال أبو هريرة: "لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود"3.
2 راجع أيضا: "مجموع الفتاوى"(27/24، 40، 52، 142)(28/5، 22)
3 الأثر ورد مرفوعا عن أبي هريرة: أخرجه ابن حبان (4603) وابن عساكر في "الأربعين في الجهاد"(18) بلفظ: "موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود" وصحح إسناده الألباني في "الصحيحة"(1067) .
قال المصنف رحمه الله بعد أن أورد هذا الأثر: "فقد اختار الرباط ليلة على العبادة في أفضل الليالي عند أفضل البقاع، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يقيمون بالمدينة دون مكة..""مجموع الفتاوى"(28/418) .
47-
وفي لفظ رواه سعيد بن منصور في "سننه" عن عطاء الخراساني عن أبي هريرة قال: "رباط يوم في سبيل الله أحب إلي من أقوم ليلة القدر في أحد المسجدين – مسجد الحرام ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن رابط أربعين يوما في سبيل الله فقد استكمل الرباط"1.
48-
49-
وفي "صحيح مسلم"2 عن النعمان قال: كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل: لا أبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: إلا أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما
1 "السنن" لسعيد ابن منصور (2/193) برقم (12410) وعبد الرزاق في "المصنف"(5/280) برقم (9616) بلفظ:"كان أبو هريرة يقول رباط ليلة إلى جانب البحر منة وراء عروة المسلمين أحب إلي من أن أوافق ليلة القدر في أحد المسجدين مسجد الكعبة ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ورباط ثلاثة أيام عدل السنة وتمام الرباط أربعون ليلة".
2 مسلم (1879)(111) .
قلتم فزجرهم عمر بن الخطاب، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه فأنزل الله {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} الآية (التوبة:19) .
50-
وعن عثمان بن عفان قال، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" [رباط] 1 يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه".
رواه الإمام أحمد، والنسائي وهذا لفظه، والترمذي وقال:"حديث حسن غريب من هذا الوجه"، وأبو حاتم بن حبان البستي في "صحيحه"2.
51-
ولفظ الإمام أحمد3: عن أبي صالح مولى عثمان بن عفان قال سمعت عثمان يقول على المنبر: أيها الناس! إني كتمتكم حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كراهية تفرقكم
1 مابين المعقوفتين زيادة يستقيم بها السياق.
2 رواه أحمد (1/62، 65، 66، 75) والنسائي في "الكبرى"(43278) وفي المجتبى (6/39، 40) والترمذي (1667 وابن حبان (4609) والحاكم (2/77) والبيهقي (9/39) وفي الشعب له (4233) وقد حسنه الألباني في "صحيح الترمذي"(2/241) .
3 أحمد (1/75) .
عني، ثم بدا لي أن أحدثكموه، ليختار امرؤ لنفسه ما بدا له سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"رباط يوم في سبيل اله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل".
52-
فقد بين لهم عثمان هذا الحديث مع كونهم كانوا مقيمين عنده بالمدينة النبوية؛ مقيمين في المسجد الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلاة في مسجدي هذه خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام"1.
فضل الجهاد على الصيام والقيام والصلاة
53-
ودل ذلك على: أن تضعيف الصلاة لا يقاوم تضعيف اليوم الذي يعم جميع الأعمال؛ فإن الجهاد يقاوم ما لا يمكن المداومة عليه من الصيام والقيام.
54-
كما في "الصحيحين"2 عن أبي هريرة قال، قيل: يا رسول الله! ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟
قال: "لا تستطيعون" قال: فأعادوا عليه مرتين.
قلت: كل ذلك يقول: "لا تستطيعون".
1 البخاري (1190) ومسلم (1394)(506) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
2 البخاري (2785) ومسلم (1878)(110) .
عند "مسلم": "لا تستطيعونه" وفي بعض نسخ مسلم "لا تستطيعوه" وما أورده المصنف هو لفظ "أبي عوانة"(4/4649 والبيهفي في "السنن الكبرى" (9/185) .
قال في الثالثة: "مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر عن صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله" هذا لفظ"مسلم".
ولفظ "البخاري"1: جاء رجل إل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد؟ قال: لا أجد.
قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم لا تفتر، وتصوم لا تفطر؟
قال: ومن يستطيعه ذلك؟
قال أبو هريرة: إن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له حسنات.
55-
وفي "الصحيحين"2 عن أبي سعيد الخدري أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أي الناس أفضل؟
1 البخاري (2785) .
"يستن" أي يمرح بنشاط، قال الجوهري: هو أن يرفع يديه ويطرحهما معا، وقال غيره:"أن يلج في عدوه مقبلا غير مدبر".
"طوله" بكسر المهملة وفتح الواو، وهو الحبل الذي يشد به الدابة ويمسك طرفه ويرسل في المراعي.
"فيكتب له حسنات" بالنصب على أنه مفعول ثان أي يكتب له استنان حسنات.
"فتح الباري"(6/5) .
2 البخاري (2786) ومسلم (1888)(123) .
فقال: "رجل مجاهد في سبيل الله بماله ونفسه".
قال: ثم من؟
قال: "رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه، ويدع الناس من شره" ولفظ مسلم "مسلم."
56-
ودرجات النصوص الصحيحة الصريحة بفضل الجهاد على الحج
57-
كما في "الصحيحين"1 عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟
قال: "إيمان بالله ورسوله".
قيل: ثم ماذا؟
قال: "الجهاد في سبيل الله".
قيل: ثم ماذا؟
قال: "حج مبرور".
58-
وفي "الصحيحين"2 أيضا، عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟
1 البخاري (1519) ومسلم (83)(135) .
2 البخاري (2518) ومسلم (84)(136) .
قال: "الإيمان بالله، والجهاد في سبيله".
59-
فهذا موافق ما دل عليه القرآن بمن يفضل الجهاد على الحج.
60-
وقد روي: "غزوة لا قتال فيها أفضل من سبعين حجة"1.
دليل آخر على فضل الجهاد على الحج
61-
وهذا لا يتناقض ما في "الصحيحين"2 عن ابن مسعود قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟
قال: "الصلاة لوقتها".
قلت: ثم أي؟
قال: "بر الوالدين".
قلت: ثم أي العمل أفضل؟
قال: "الجهاد في سبيل الله".
حدثني بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو استزته لزادني.
فإن هذا الحديث أيضا يدل على فضل الجهاد على الحج وغيره.
62-
وأما الصلاة فإنها قد تدخل في مسمى الإيمان. كما في قوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} (البقرة: من الآية143) .
1 أورده المصنف أيضا في "مجموع الفتاوى"(28/6) ولم أعثر على تخريجه.
2 البخاري (7534) ومسلم (85)(137) .
63-
قال البراء بن عازب وغيره: "صلاتكم إلى بيت المقدس"1.
النصوص في حكم تارك الصلاة
64-
إذ هي بمنزلة الشهادتين في أنها لا تسقط بحال، ولا ينوب فيها أحد عن أحد، ويدخل بها2 في الإيمان، وقد جاءت النصوص بإطلاق الكفر على تاركها.
65-
ثم في "صحيح مسلم"3 عن جاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس بين العبد والكفر والشرك إلا ترك الصلاة".
66-
وفي "السنن" عن بريدة بن حصيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر".
رواه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي والنسائي4، وقال:"حديث حسن صحيح غريب".
67-
وفي الترمذي 5 عن عبد الله بن شفيق قال: "كان أصحاب
1 الطيالسي (758) والطبري (2/17) وراجع: "فتح الباري"(1/96، 98) .
2 في الأصل: "فيها" وكتب عليها كذا، والتصويب ليستقيم السياق.
3 مسلم (82)(134) .
4 رواه أحمد (5/346) وابن ماجه (1079) والترمذي (2621) والنسائي في "الكبرى"(329) وفي "المجتبى"(1/231) والحاكم (1/7) . وصححه الألباني في "صحيح الترمذي"(2621) .
5 الترمذي (2622) وعنده: "لا يرون شيئا" يدل "لا يعدون" والحاكم (1/7) وصححه الألباني في "صحيح الترمذي"(2622) .
محمد لا يعدون شيئا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة".
68-
وفي "البخاري"1 أن عمر بن الخطاب لما طعن وغمي عليه، قيل: الصلاة؟! فقال: "نعم، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة".
أطلق الكفر على جاحد الصلاة2.
69-
وعن غير واحد من الصحابة والتابعين أنهم ذكروا أن من ترك الصلاة فقد كفر3.
70-
فهذه الخاصية4 التي للصلاة تقتضي أن تدخل في قوله: "إيمان بالله، وجهاد في سبيله، ثم حج مبرور".
اقتران بر الوالدين بحق الله
71-
وكذلك "بر الوالدين" قد قرن حقهما بحق الله.
72-
في مثل قوله: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} (لقمان: من الآية14) .
73-
وفي قوله: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} (الإسراء: 23) .
1 الرواية بهذا اللفظ ليست في البخاري؛ لكن أصلها عنده (3700) ، وإنما هي عند مالك في الموطأ (82) والبيهقي (1/357، 366) .
2 هذه الجملة جاءت بعد الفقرة (73) ولا مكان لها هناك فأوردتها هنا ليستقيم السياق.
3 راجع أقوالهم في: "تعظيم قدر الصلاة" للمروزي (2/873-905) .
4 في الأصل: "الخاصة"!!
74-
وكما في "الصحيحين"1 الحديث: " كفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق ومن ادعى لغير أبيه فقد كف، ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم".
75-
وإن كذلك فيمكن أن يقال: هذا دخل في مسمى الإيمان أيضا، أو يقال "بر الوالدين" إنما يجب على من له والدان فذكرهما في حديث ابن مسعود؛ لأن ابن مسعود كان له والدة؛ فكان ذلك حكم من حاله كحاله.
وأما حيث لم يذكرهما فذكر ما يعم من الأعمال؛ فيدخل فيه من ليس له أبوان، ثم الجهاد إذا صار فرض عين كان أوكد من مطلق "بر الوالدين" فيجاهد في هذه الحال بدون إذنهما وإن كان عليه أن يقوم بما يجب عليه من برهما المتعين عليه وإن كان لا يجاهد إذا لم يتعين عليه إلا بإذنهما.
1 الحديث ورد ضمن عدة روايات: أما لجملة الأولى فهي عند الدارمي (2/442) عن عبد الله بن عمرو بلفظ: "كفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق أو ادعاء إلى نسب لا يعرف".
وأما الجملة الثانية: فعند البخاري (3508) عن أبي ذر بلفظ: "ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر".
وأما الجملة الثالثة: فهي عند البخاري (6830) عن ابن عباس وفيه: "ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله ألا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم" وعند البخاري (6768) ومسلم (62) من حديث أبي هريرة بلفظ: "لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر".
ماذا يفعل إذا تعارضت الصلاة والجهاد المتعين؟
76-
وأما الصلاة: فإذا تعارضت هي والجهاد المتعين؛ فإنه يفعل كلاهما بحسب الإمكان، كما في حالة الخوف الخفيف والخوف الشديد.
77-
قال تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} (البقرة:238) .
78-
قال تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا..} إلى قوله: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} (النساء:101-103) .
79-
فقد أمر الله بالجمع بين الواجبين – الصلاة والجهاد – لكنه خفف الصلاة في الخوف من صلاة الأمن؛ بإسقاط أمور تجب
في الأمن، وإباحة أفعال لا تفعل1 في الأمن.
80-
و"صلاة الخوف" قد استفاضت بها السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكرها الأئمة كلهم، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلاها على وجوه متعددة2.
أقوال الفقهاء في صلاة الخوف حال المسايفة
81-
وأما حال المسايفة3 فللفقهاء ثلاثة أقوال:
أحدها: وهو قول الجمهور، أنهم يصلون بحسب حالهم مع المقابلة؛ وهذا مذهب الشافعي وغيره وظاهر ذهب أحمد.
والثاني: أنهم يؤخرون الصلاة؛ وهو قول أبي حنيفة.
والثالث: أنهم يخيرون بين الأمرين وهو أحد الروايتين عن أحمد.
82-
وقوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} (البقرة:238) .
مع ما قد ثبت في الصحيح4 عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال عام الخندق: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر حتى غربت الشمس ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا"؛ قد احتج به وبغيره على
1 في الأصل: "لا يفعل" ولا يستقيم بها السياق
2 راجع: "زاد المعاد"(1/533، 2/386) و"مدارج السالكين"(/385) .
3 في الأصل: "المسابقة" وهو تصحيف!
4 البخاري (6396) ومسلم (627)(205) عن علي رضي الله عنه.
أن تأخير الصلاة في حال الخوف منسوخ بهذه الآية1.
83-
وأجابوا بذلك عما احتج به من جوز الأمرين؛ من قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه2 عن ابن عمر أنه قال: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" فصلى قوم في الطريق وقالوا: لم يرد منا تفويت الصلاة، وأخر قوم الصلاة حتى وصلوا إلى بني قريظة، وقد فاتتهم الصلاة، فلم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم واحدة من الطائفتين.
84-
فهذا الحديث حجة في جواز الأمرين لكن قال أولئك [أنه] 3 منسوخ بالآية.
1 قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "وأما تأخير النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر يوم الأحزاب إلى غروب الشمس؛ فالناس في هذا التأخير هل هو منسوخ أم لا؟ قولان:
فقال الجمهور كأحمد والشافعي ومالك: هذا كان قبل نزول صلاة الخوف ثم نسخ بصلاة الخوف، وكان ذلك التأخير كتأخير صلاة الجمع بين الصلاتين؛ فلا يجوز اعتبار الترك المحرم به ويكون الفرق بينهما كالفرق بين تأخير النائم والناسي وتأخير المفرط بل أولى، فإن هذا التأخير حينئذ مأمور به فهو كتأخير المغرب ليلة جمع إلى مزدلفة.
القول الثاني: أنه ليس بمنسوخ بل هو باق، وللمقاتل تأخير الصلاة حال القتال واشتغاله بالحرب والمسايفة وفعلها عند التمكن منها؛ وهذا قول أبي حنيفة ويذكر رواية عن أحمد.
وعلى التقديرين: فلا يصح إلحاق تأخير العامد المفرط به، وكذلك تأخير الصحابة العصر يوم بني قريظة فإنه كان تأخيرا مأمورا به عند طائفة من أهل العلم" "مدارج السالكين" (1/385) .
2 البخاري (946) ومسلم (1770)(69) .
3 زيادة بأصل ليستقيم السياق.
85-
فقد تبين: أن لصلاة لما كانت أوكد من الجهاد؛ فإنه عند مزاحمة الجهاد لها أخفت1 حتى لا يفوت مصلحة الجهاد2.
86-
وهذا أيضا كـ"الحج" وإن كان دون الصلاة باتفاق المسلمين.
مسألة فيما ازدحم وقت الحج
87-
فإذا تضيق وقته وازدحم هو والمقصود، مثل أن يكون ليلة النحر وهي ليلة عرفة ذاهبا إلى عرفة؛ فإن صلى صلاة مستقر فإنه الوقوف، وإن سار ليدك عرفة قبل طلوع الفجر فاتته الصلاة.
88-
فللفقهاء ثلاثة أقوال:
قيل: تقديم الوقوف؛ لأن عليه من تفويت الحج ضررا عظيما.
وقيل: بل تقدم الصلاة لأنها أوكد.
وقيل: بل يأتي بهما جميعا، فيصلي بحسب الإمكان صلاة لا تفوته الوقوف.
وهذا أعدل الأقوال، وهو3 قول طائفة من أصحاب أحمد والشافعي وغيرهما.
صلاة الخائف المطلوب
89-
والعلماء متفقون على" أن الخائف المطلوب يصلي صلاة خائف.
1 في الأصل: "أخف" والتصويب من سياق الكلام.
2 جاء بالأصل بعد هذه الفقرة عبارة بها سقط وخلل واضح وهي: "وقد تحصل فإنها من الفساد بين الجهاد وقت والضرورة ما لا يمكن تلافيه".
3 في الأصل: "هو" بدون واو.
صلاة الطالب
90-
فأما الطالب فتنازعوا فيه، وفيه عن أحمد روايتان:
إحداهما: أنه يصلي أيضا صلاة الخوف.
91-
كما جاء في الحديث الذي رواه "أهل السنن"1 كأبي داود عن عبد الله بن أنيس قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن سفيان الهذلي، وكان نحو عرنة وعرفات، فقال: اذهب فاقتله.
قال: فرأيته وحضرت صلاة العصر فقلت: إني أخاف أن يكون بيني وبينه ما إن أؤخر الصلاة.
فانطلقت أمشي وأنا أصلي وأومئ بما نحوه.
فلما دنوت منه قال لي: من أنت؟
قلت: رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل، فجئتك في ذاك. قال: إني لفي ذاك.
فمشيت معه ساعة، حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى برد.
92-
ومن قال هذا القول راعى أن مصلحة الجهاد مأمور بها أيضا فلا يمكن تفويت إحداهما، وإن لم يكن من تفويت
1 أحمد (3/496) وأبو داود (1249) وأبو يعلى 0905) والبيهقي (3/256، 9/38) وقال الحافظ: "إسناده حسن""فتح الباري"(2/437) .
الجهاد في هذا الوقت مفسدة ظاهرة كما أنه ليس في تأخير الصلاة مفسدة ظاهرة.
93-
ولو كان تكميل الصلاة مقدما على الجهاد لكان ينبغي أن يترك الجهاد إذا علم أنه لا بد فيه من تحقيق الصلاة.
قصر العدد وقصر العمل
94-
فلما ثبت في السنة المتواتر أن الجهاد يفضل مع العلم بأنه يقصر فيه الصلاة بقصر العمل الذي هو قصر العدد فإن قصر العدد سنة السفر، وأما قصر العمل فسنة الخوف1.
95-
ولهذا إذا اجتمع الأمران شرع القصر المطلق كما في قوله: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} (النساء: 101) .
96-
والآية على ظاهرها؛ فإن القصر المطلق المتضمن لقصر العدد وقصر العمل، إنما يكون مع الأمرين.
1 قال المصنف رحمه الله: "القصر الكامل المطلق هو قصر العدد وقصر الأركان.
فقصر العدد: جعل الرباعية ركعتين. وقصر الأركان: هو قصر القيام والركوع السجود كما في صلاة الخوف الشديد، وصلاة الخوف اليسير.
فالسفر: سبب قصر العدد، والخوف: سبب قصر الأركان".
فإذا اجتمع الأمران قصر العدد والأركان وإن انفرد أحد السببين انفرد قصره فقوله سبحانه: {أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} مطلق في هذا القصر، وسنة رسول الله تفسير مجمل القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه وهي مفسرة له لا مخالفة لظاهره" "مجموع الفتاوى" (22/91) .
97-
وقد بينت السنة: أن مجرد الخوف يفيد قصر العمل ومجرد السفر يفيد قصر العدد.
98-
فهذا كله مما يبين أن الصلاة وإن كانت أفضل الأعمال فإنها إذا اجتمعت مع الجهاد لم يترك واحد منهما بل يصلي بحسب الإمكان مع تحصيل مصلحة الجهاد بحسب الإمكان.
99-
وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (لأنفال:45) .
فأمر بالثبات والذكر معا.
100-
وكانت السنة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه وأصحابه وخلفاء بني أمية وكثير من خلفاء بني العباس: أن أمير الحرب هو أمير الصلاة في المقام والسفر جميعا.
الحكمة في كونه صلى الله عليه وسلم والمهاجرين كان مقامهم بالمدينة
101-
وما ذكرناه يبين بعض حكمة كون النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين كان مقامهم بالمدينة أفضل على أحد قولي العلماء؛ فإنهم كانوا بها مهاجرين مجاهدين مرابطين بخلاف مكة.
102-
وهذا حيث كان الإنسان كذلك كان أفضل من المقام بالحرمين، حتى إن مالكا رضي الله عنه – مع فرط تعظيمه المدينة وتفضيله لها على مكة وكراهية الانتقال منها – لما سئل