الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
استحباب الجمهور للمجاورة بشروط
24-
والمقصود هنا: أن من العلماء من كره المجاورة بمكة، لما ذكر من الأسباب وغيرها لكن الجمهور يحبونها في الجملة إذا وقعت على الوجه المشروع الخالي عن المفسدة المكافئة للمصلحة أو الراجحة عليها.
الأدلة على استحباب المجاورة بمكة.
25-
قال الإمام أحمد1، وقد سئل عن الجوار بمكة؟ فقال: وكيف لنا [به] 2، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إنك لأحب البقاع إلى الله، وإنك لأحب إلي".
26-
وجابر جاور مكة، وابن عمر كان يقيم بمكة3.
27-
وقال أيضا:"ما أسهل العبادة بمكة، النظر إلى البيت عبادة"4.
1 نقله في"الإنصاف"(3/562) و"الفروع"(3/362) والمغني (5/464) .
2 ما بين المعوقتين زيادة من"الإنصاف" ليستقيم بها السياق
3 ابن أبي شيبة (3/186) عن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبو سعيد الخدري. عطاء قال: جاور عندنا جابر بن عبد الله وابن
4 راجع:"الإنصاف"(4/50) و"مجموع الفتاوى"(26/413) . وعند ابن أبي شيبة (3/34) عن طاوس ومجاهد وعطاء وعبد الرحمان بن الأسود:"النظر إلى البيت عبادة".
الأدلة على استحباب المجاورة بمكة
…
28-
واحتج هؤلاء بما رواه عبد الله بن عدي ابن حمراء الزهري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول، وهو واقف بالحزورة
في سوق مكة: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت" رواه الإمام أحمد وهذا لفظه، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي، وقال:"حديث حسن صحيح"1.
29-
ورواه أحمد من حديث أبي هريرة أيضا2.
ومن الأدلة على استحباب المجاورة
30-
وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أطيبك من بلد وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك" رواه الترمذي، وقال:"حديث حسن صحيح غريب"3.
1 أحمد (4/305) والنسائي في الكبرى (4252،4253) وابن ماجه (3108) والترمذي (3925) والحاكم (3/7،431) وصححه الألباني في"صحيح ابن ماجه"(3108) .
"الحزورة": بالحاء المهملة والزاي، قال الطيبي:"على وزن القشورة موضع بمكة، وبعضها شددها، والحوزرة في الأصل: بمعنى التل الصغير، سميت بذلك، لأنه كان هناك تل صغير وقيل: لأن وكيع بن سلمة بن زهير بن ولي أمر البيت بعد جرمهم فبني صرحا كان هناك وجعل فيها أمة يقال لها حزورة، فسميت حزورة مكة بها". "تحفة الأحوذي"(10/426) .
2 أحمد (4/305) والنسائي في الكبرى (4254) .
3 الترمذي (3926) والطبراني في الكبير (10/267، 271) وصححه الحاكم (1/486) وابن حبان (3709) وصححه الألباني في "صحيح الترمذي"(3926) .
قال المباركفوري رحمه الله: "ما سكنت غيرك" هذا دليل للجمهور على أن مكة أفضل من المدينة خلافا للإمام مالك رحمه الله، وقد صنف السيوطي رسالة في هذه المسألة".
ومن الأدلة على استحباب المجاورة
31-
قالوا: فإذا كانت أحب البلاد إلى الله ورسوله ولولا ما وجب عليه من الهجرة لما كان يسكن إلا إياها، علم أن المقام بها أفضل إذا لم يعارض ذلك مصلحة راجحة كما كان في حق النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين؛ فإن مقامهم بالمدينة كان أفضل من مقامهم بمكة لأجل الهجرة والجهاد بل ذلك كان واجب عليهم، وكان مقامهم بمكة حراما حتى بعد الفتح، وإنما رخص للمهاجر أن يقيم فيها ثلاثا.
32-
كما في "الصحيحين"1 عن العلاء بن الحضرمي أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا.
33-
وكان المهاجرون يكرهون أن يكونوا [مقيمين بدار، هاجروا منها وتركوها] 2؛ لكونهم هاجروا عنها، وتركوها لله.
1 البخاري (3933) ومسلم (1352)(442) واللفظ له.
فائدة: "قال القاضي عياض رحمه الله: في هذا الحديث حجة لمن منع المهاجر قبل الفتح من المقام بمكة بعد الفتح، قال: وهو قول الجمهور، وأجاز لهم جماعة بعد الفتح مع الاتفاق على وجوب الهجرة عليهم قبل الفتح ووجوب سكنى المدينة؛ لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم ومواساتهم له بأنفسهم، وأما غير المهاجر ومن آمن بعد ذلك: فيجوز سكنى له أي بلد أراد، سواء مكة وغيرها بالاتفاق""شرح النووي لمسلم"(9/122، 123) .
2 ما بين المعقوفتين زيادة ليست في الأصل زدتها بالاستفادة من كلام المصنف، ليستقيم بها السياق.
34-
حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه1؛ لما عاد سعد بن أبي وقاص، وكان قد مرض بمكة في حجة الوداع فقال يا رسول [الله] 2 أخلف عن هجرتي؟
فقال: "لعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون، اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة"، يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة.
35-
ولهذا لما مات عبد الله بن عمر بمكة أوصى أن لا يدفن في الحرم3 بل يخرج إلى الحل لأجل ذلك لكنه كان يوما شديد الحر فخالفوا وصيته4 وكان قد توفي عام قدم الحجاج فحاضر ابن الزبير وقتله لما كان للناظرين من الفتنة بينه وبين عبد الملك بن مروان.
1 البخاري (1295) ومسلم (1628)(5) .
والمعنى: أن سعد بن خولة وهو من المهاجرين من مكة إلى المدينة، وكانوا يكرهون الإقامة في الأرض التي هاجروا منها وتركوها مع حبهم فيها لله تعالى، فمن ثم خشي سعد بن أبي وقاص أن يموت بها، وتوجع رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن خولة لكونه مات بها "فتح الباري"(3/165) .
2 ما بين المعقوفتين زيادة يستقيم بها السياق.
3 يوجد هنا إلحاق لم يحدد موضعه: ونصه: "لذلك كان العمل فيه أفضل مما ليس كذلك".
4 في "الطبقات الكبرى" لابن سعد (4/188) عن الزهري عن سالم قال: أوصاني أبي أن أدفنه خارجا عن الحرم فلم نقدر فدفناه في الحرم بفخ في مقبرة المهاجرين وفخ: واد بمكة.
ومن الأدلة على استحباب المجاورة
36-
قالوا: ولأن في المجاورة بها من تحصيل العبادات وتضعيفها ما لا يكون في بلد آخر؛ فإن الطواف بالبيت لا يمكن إلا بمكة وهو من أفضل الأعمال، ولآن الصلاة بها تضاعف هي وغيرها من الأعمال.
37-
وقد قال تعالى: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (الحج: من الآية26) .
38-
روي: "أنه ينزل على البيت في كل يوم مائة وعشرون رحمة ستون للطائفين وأربعون للمصلين [وعشرون للناظرين] "1.
39-
ولهذا قال العلماء: إن الصلاة بمكة أفضل من الصلاة بالثغر مع قولهم: إن المرابطة بالثغر أفضل وتضاعف السيئات فيه وإذا كان المكان دواعي الخير فيه أقوى، ودواعي الشر فيه أضعف كان المقام فيه [أفضل] 2 مما ليس كذلك.
1 ابن عدي في "الكامل في الضعفاء"(6/278) من طريق محمد بن معاوية النيسابوري ثنا محمد بن صفوان عن ابن جريح عن ابن عباس.
ومحمد بن معاوية النيسابوري، قال النسائي ليس بثقة متروك الحديث.
وقال ابن عدي عقب الحديث: "وهذا منكر وروى الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس هذا، ورواه عنه يوسف بن أبي السفر كاتب الأوزاعي وهو ضعيف" اهـ.
قلت: وهذه الرواية الثانية أوردها في "لسان الميزان"(6/322) في ترجمة يوسف بن أبي السفر، ويوسف هذا كذبة غير واحد، قال الدارقطني: متروك الحديث يكذب.
2 ما بين المعقوفتين زيادة يستقيم بها السياق.
40-
ولا نزاع بين المسلمين في أنه يشرع قصدها لأجل العبادات المشروعة فيها وإن ذلك واجب أو مستحب.
41-
وأما النزاع في المجاورة؛ فلما فيه من تعارض للمصلحة والمفسدة كما تقدم1.
42-
وحينئذ فمن كانت مجاورته فيما يكثر حسناته ويقل سيئاته فمجاورته فيها أفضل من بلد لا يكون حاله فيه كذلك.
أفضل البلد في حق كل شخص
فأفضل البلاد في حق كل شخص: حيث كان أبر وأتقى، وإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم.
43-
ولهذا لما كتب أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد آخا بينهما، وكان أبو الدرداء بالشام وسلمان بالعراق فكتب إليه أبو الدرداء:"أن هلم إلى الأرض المقدسة" فكتب إليه سلمان: "إن الأرض لا تقدس أحدا؛ وإنما يقدس الرجل عمله الصالح2".
1 رواه مالك في "الموطأ"(2/769) :، وأبو نعيم في "الحلية"(1/205) .
قال الزرقاني رحمه الله: "وهذا منقطع ولكن أخرجه الدينوري في المجالسة من وجه آخر عن يحي بن سعيد عن عبيد الله بن هبيرة قال كتب أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي..: أن هلم إلى الأرض المقدسة زاد الدينوري: وأرض الجهاد. فكتب إلى سلمان إن الأرض لا تقدس أحدا لا تطهره من ذنوبه ولا ترفعه إلى أعلى الدرجات وإنما يقدس الإنسان عمله الصالح في أي مكان""شرح الزرقاني"(4/93) .
قال المصنف رحمه الله بعد
أن أورد الأثر: "وكان النبي قد آخى بين سلمان وأبي الدرداء وكان سلمان أفقه من أبي الدرداء في أشياء من جملتها هذا""مجموع الفتاوى"(18/283) .
2 في الأصل: "صالحا" وما أثبته من مصادر التخريج.