المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

145- وإذا تبين ما في الرباط من الفضل، فمن الضلال - مسألة فى المرابطة بالثغور أفضل أم المجاورة بمكة شرفها الله تعالى

[ابن تيمية]

الفصل: 145- وإذا تبين ما في الرباط من الفضل، فمن الضلال

145-

وإذا تبين ما في الرباط من الفضل، فمن الضلال ما تجد عليه أقواما ممن غرضه التقرب إلى الله والعبادة له بما يحبه ويرضاه يكون في الشام أو ما يقاربها فيسافر السفر الذي لا يشرع بل يكره ويترك ما هو مأمور به واجب أو مستحب.

ص: 61

‌الأدلة على من يقصد البيت المقدس للتعريف فى وقت الحج

‌الوجه الأول

الأدلة على ضلال من يقصد بيت المقدس للتعريف في وقت الحج.

146-

مثال ذلك: أن قوما يقصدون التعريف بالبيت المقدس فيقصدون زيارته في وقت الحج ليعرفوا به، ويدعوا المقام بالثغور التي تقاربه، وهذا في الضلال والجهل والحرمان من وجوه:

147-

أحدها: أن التعريف بالبيت المقدس ليس مشروعا لا واجبا ولا مستحبا بإجماع المسلمين، ومن اعتقد السفر إليه للتعريف قربة فهو ضال باتفاق المسلمين بل يستتاب فإن تاب وإلا قتل إذ ليس السفر مشروعا للتعريف إلا للتعريف بعرفات.

148-

وأقبح من ذلك تعريف أقوام عند بعض قبور المشايخ والأنبياء وغير ذلك من المشاهد أو السفر كذلك.

فهذا من أعظم المنكرات باتفاق المسلمين.

149-

بل تنازع السلف في تعريف الإنسان في مصره من غير سفر مثل أن يذهب عشية عرفة إلى مسجد بلده فيدعو الله ويذكره.

-فكره ذلك طوائف، منهم أبو حنيفة ومالك وغيرهما.

ص: 61

- وخص فيه آخرون، منهم الإمام أحمد.

قال: لأن فعله ابن عباس بالبصرة وعمرو بن حرب بالكوفة.

150-

ومع هذا فلم يستحبه أحمد وكان هو نفسه لا يعرف ولا ينهى من عرف. وقد قيل عنه: أنه يستحب.

حكم السفر للتعريف بغير عرفة.

151-

وأما السفر للتعريف بغير عرفة: فلا نزاع بين المسلمين [أنه] من الضلالات لا سينا إذا كان بمشهد مثل قربى أو رجل صالح أو بعض أهل البيت، فإن السفر إلى ذلك لغير التعريف منهي عنه عند العلماء من الأئمة وأتباعهم.

152-

كما قال صلى الله عليه وسلم: "لا تشد الر حال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا"1.

153-

وقد رأى بصرة بن أبي بصرة الغفاري أبا هريرة راجعا من زيارة الطور فقال:" لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا"2.

1 البخاري (1189) ومسلم (1397)(511) عن أبي سعيد رضي الله عنه.

2 النسائي في الكبرى (1754) وفي المجتبى (3/114) وأبو يعلى (11/435) والطبراني في الكبير (2/276) وفي الأوسط (3/158) .

ص: 62

حكم زيارة المشاهد وهل يقصر في سفره الصلاة؟

154-

[وقد] 1 قال من قال من هؤلاء كأبي الوفاء بن عقيل وغيره: إن المسافر لمجرد الزيارة لبعض المشاهد لا يقصر الصلاة لأنه ليس عاص بسفره، وإنما رخص في هذا السفر طائفة من المتأخرين2 ولكن الزيارة المشروعة إذا اجتاز الرجل بالقبر أو خرج إلى ما يجاوره من القبور كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج إلى البقيع وكما زار قبر أمه لما اجتاز بها في غزوة الفتح.

155-

وقد ثبت عنه في الصحيح3 أنه قال: " استأذنت ربي أن أزور قبر أمي، فأذن لي، واستأذنته في أن أستغفر لها، فلم يأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة".

1 مابين المعقوفتين زيادة ليستقيم بها السياق.

2 قال المصنف رحمه الله: "أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، فهل يجوز له قصر الصلاة؟ على قولين معروفين:

أحدهما: وهو قول متقدمي العلماء الذين لا يجوزون القصر في سفر المعصية؛ كأبي عبد الله بن بطة وأبي الوفاء بن عقيل وطوائف كثيرة من العلماء المتقدين: أنه لا يجوز القصر في مثل هذا السفر؛ لأنه سفر منهي عنه، ومذهب مالك والشافعي وأحمد: أن السفر المنهي عنه في الشريعة لا يقصر فيه.

والقول الثاني: أنه يقصر، وهذا يقوله من يجوز القصر في السفر المحرم كأبي حنيفة ويقوله بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد ممن يجوز السفر لزيارة القبور الأنبياء والصالحين كأبي حامد الغزالي وأبي الحسن ابن عبدوس الحراني وأبي محمد بن قدامة المقدسي".

"مجموع الفتاوى"(27/184، 185) .

3 مسلم (976)(108) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 63

156-

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم: " السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين نسأل لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم"1.

157-

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال:" ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام"2.

الزيارة المشروعة للمسلم للقبور.

158-

والزيارة المشروعة للمسلم: أن يسلم عليه ويدعو له كما أن الصلاة مقصودها الدعاء له.

159-

ولهذا نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن الأمرين في حق المنافقين.

1 مسلم (975)(104) من حديث بريدة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله للاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية. وعند مسلم (974)(102) من حديث عائشة: "السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرجم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" وأما جملة: "اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم" فوردت ضمن الدعاء في الصلاة على الميت من حديث أبي هريرة عند ابن ماجه (1498) .

2 قال العراقي في "تخريج الأحياء"(4/522) : "أخرجه ابن عبد البر في التمهيد والاستذكار بإسناد صحيح من حديث ابن عباس وصححه عبد الحق".

ص: 64

160-

كما قال تعالى: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} (التوبة: 84) .

161-

ونهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم، فكان في ذلك دلالة على أن المؤمنين يصلى عليهم ويقام على قبورهم.

المقصود من زيارة القبور.

162-

وقد قال طوائف من السلف والخلف وهو القيام على قبورهم بالدعاء والاستغفار1.

163-

فزيارة قبر المؤمن من نبي وغيره مقصودها التحية والدعاء له فأما اتخاذ القبور مساجد والإشراك بها: فذلك كله حرام بإجماع المسلمين.

الأحاديث في التحذير من اتخاذ القبور مساجد.

164-

كما في"الصحيحين"2 عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في مرضه الذي مات فيه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، يحذر ما صنعوا.

قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا.

1 راجع: "تفسير الطبري"(10/203) .

2 البخاري (1330) ومسلم (529)(19) .

ص: 65

165-

وفي"صحيح مسلم"1 أنه قال قبل أن يموت بخمس: "إني أبرأ إلى الله يكون لي منكم خليل، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك".

أمور غير مشروعة عند القبور.

166-

وفي" السنن"2 عنه أنه قال: "لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها مساجد والسرج".

167-

وقد اتفق أئمة المسلمين على: أنه لا تشرع:

- الصلاة عند القبور، وقصدها لأجل الدعاء عندها.

- ولا التمسح بها وتقبيلها، سواء في ذلك قبور الأنبياء وغيرهم3.بل ليس تحت أديم السماء ما يشرع التمسح به وتقبيله إلا الحجر الأسود والركن اليماني يستحب التمسح [بهما] .

1 مسلم (532)(32) من حديث جندب رضي الله عنه.

2 أخرجه أحمد (1/229، 287، 324، 337) وأبو داود (3236) والترمذي (320) وصححه، والنسائي في الكبرى (2170) وفي المجتبى (4/95) من حديث ابن عباس، وإسناده ضعيف إلا إن له شواهد تجعله صحيحا لغيره إلا اتخاذ السرج؛ فليس له ما يشهد له وراجع "الضعيفة" للألباني (225) وكتابه أيضا:"تحذير الساجد" ص (43) .

3 راجع: "القول المنصور في حكم تحري قصد الدعاء عند القبور" و"تحذير المغرور من بدعتي التمسح وتقبيل القبور" كلاهما لشقيقنا أبي أنس السيد بن عبد المقصود يسر الله طباعتهما.

ص: 66

ما يشرع مسحه وما لا يشرع.

168-

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون، فلم يمسحوا إلا الركنين اليمانيين، ولم يمسحوا سائر جوانب البيت ولا مقام إبراهيم الذي هناك، فكيف بمقام إبراهيم في تلك البقعة ومقام غيره من الأنبياء والصالحين.

169-

وقد قال الله في كتابه: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً} (نوح:23)

170-

قال طوائف من الصحابة والتابعين: "هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم لما طال عليهم الأمد صوروا صورهم، وكان ذلك مبدأ عبادة الأوثان"1.

171-

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ما رواه مالك في "الموطأ"2: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد".

1 راجع: البخاري (4920) عن ابن عباس رضي الله عنه، وتعليق الحافظ في "الفتح"(8/667) ، و"تفسير ابن جرير"(29/98، 99) عن محمد بن قيس. وراجع أيضا: "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" لعبد الرحمن بن حسن (287-283) .

2 الموطأ (85) عن عطاء بن يسار مرسلا وابن أبي شيبة (3/354) عن زيد بن أسلم مرسلا ووصله أحمد (2/246) من حديث أبي هريرة، والبزار (44.- كشف الأستار) من حديث أبي سعيد الخدري، وصححه الألباني في "تحذير الساجد"(18، 19) .

ص: 67