الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني: التعريف بالسيرة النبوية وأهم مميزاتها
عند تعريف كلمة السيرة لابد من الرجوع إلى كتب اللغة ومعاجمها للوقوف على مدلول هذا اللفظ عند اللغويين، وذلك لكي يتضح ما يتضمنه هذا المصطلح الذي إذا أطلق ذهب المعنى تلقائياً إلى سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
من هنا وجب التعريف بهذا المصطلح لغوياً حتى نتمكن من تعريفه بعد ذلك عند عموم المؤرخين، وعند أهل الاختصاص ممن يذهب إلى أبعد من التعريف الاصطلاحي، ليضمنه أموراً حسية ومادية، وظاهرة وباطنة عن شخص الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك ليشمل التعريف كل شيء يتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم منذ ولادته حتى وفاته، في شؤون الحياة كلها؛ العقدية، والفكرية، والاجتماعية، والأخلاقية، والإنسانية.
بهذا المفهوم الواسع، لا بد أن يوفر التعريف اللغوي ما يوضح هذه الحقيقة عن مصطلح السيرة النبوية، وكيف تطور ليعطي هذا المدلول الواسع الشامل عن حياة نبي الإسلام، ومنقذ البشرية، وقدوة المؤمنين في كل زمان ومكان صلى الله عليه وسلم:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} . [الأحزاب:21] .
يقول أهل اللغة: سار سَيراً، وتَسْياراً، ومَساراً، وسار السنَّةَ أو السِّيرةَ: سلكها واتبعها (1) .
(1) المعجم الوسيط: 1/470، وانظر: مادة سير ومن معاني السيرة: السنة والطريقة، والحالة التي يكون عليها الإنسان.
ويقولون أيضاً: السيرَة: معناها الهيئةُ، والسنةُ، والطريقةُ، والمذهبُ، ووصفُ السلوك (1) ، ونحن في السيرة النبوية نتطرق وبشكل أساسي إلى هيئته، ووصفه ظاهراً وباطناً في باب الشمائل المحمدية والتي أشار القرآن الكريم إلى كثير منها.
كما نقف طويلاً عند سنته القولية والفعلية والإقرارية في أطوار حياته بعد البعثة في كل موطن ومشهد من أحداث السيرة العطرة.
ويستمتع الدارسون والمتلقون من أبناء هذه الأمة المحمدية عندما يصف المحدثون والمؤرخون سلوكه الرباني العظيم مع ربه عز وجل أولاً، ثم مع أتباعه من الأصحاب والأحباب وخاصة مع أهل بيته، وخدمه، ومواليه، حتى مع دوابه صلى الله عليه وسلم.
ويقولون أيضاً:
استارَ بسَيرْ فُلَان، أي مشى على خطته واستن بسنته (2) ونحن أمة
محمد صلى الله عليه وسلم مطالبون بالسير على خطاه، وباتباع سننه بقدر المستطاع؛ حتى ننال الأجر والثواب:{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران:31]، ويقول تعالى:{وَأَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران:132] .
وآيات الطاعة والاتباع والتعزير والتوقير كثيرة في كتاب الله الحكيم، فلا يكمل إيمان المسلم إلا إذا كان اللهُ ورسولهُ أحَبَّ إليه مما سواهما.
(1) القاموس المحيط: 528، مختار الصحاح: 347، اللسان: 6/454.
(2)
المعجم الوسيط: 1/470.
ولا يكمل إيمان المرء المسلم إلا إذا قدّم محبة هذا النبي صلى الله عليه وسلم على محبة والديه وولده ونفسه والناس أجمعين، كما في حديث أنس رضي الله عنه المتفق عليه وحديث أبي هريرة وحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنهما عند البخاري (1) .
أما تعريف السيرة عند عموم المؤرخين وفي حالة الإطلاق:
فهو يعني التعرض إلى كل الأحداث المبكرة من تاريخ الإسلام، وعلى التحديد بدايةً من بعثته صلى الله عليه وسلم، وبدء رسالته، وانتشار الإسلام، كما يقصد بها تاريخ الجهاد لنشر الدعوة الإسلامية، وإقامة الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، والتي جمعت الناس تحت لوائه، حتى أصبحوا أمة واحدةً، لم تلبث بعد فترة وجيزة أن خرجت خارج حدود المدينة المنورة لتُؤَسِّس الدولة الفتية، التي عاصمتها المدينة المنورة، وما لبثت بعد وفاته أن خرجت حتى خارج حدود جزيرة العرب (2) .
تعريف السيرة عند أهل الاختصاص:
ولو أردنا أن نعرف مصطلح السيرة عند أهل الاختصاص من المحدِّثين والمؤرخين الذين أَوْلَوْا السيرة عناية خاصة معتمدين على النصوص القرآنية الواضحة والأحاديث النبوية الثابتة نصاً ومتناً، لرأيناهم يتجاوزون به إلى ما صحَّ من الإرهاصات النبوية منذ مولده، ونشأته، وصباه، وشبابه، ومظاهر حفظ وعناية الله به صلى الله عليه وسلم، حتى كمل سنه أربعين، فجاءه الوحي المبارك، وأمره بتبليغ هذا الدين القويم إلى الناس كافة (3) .
(1) صحيح البخاري: 1/14، صحيح مسلم: 1/67، انظر محبة النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته: ص:135-138، صحيح البخاري: كتاب الإيمان والنذور: وانظر شرح هذا المعنى في كتاب محبة النبي وطاعته بين الإنسان والجماد: ص: 138.
(2)
حدائق الأنوار ومطالع الأسرار: 1/8.
(3)
حدائق الأنوار ومطالع الأسرار: 1/8.
ثم ما لقي في سبيل ذلك من معارضة، وعنت، وتحدّ، واضطهاد، وإيذاء، ثم تطور إلى صراع ومقاومة مع المشركين أدت إلى الهجرة إلى الحبشة، وإلى المدينة المنورة المباركة هو وأصحابه بأمر من الله تعالى، كما في قوله:{وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا} [الإسراء: 80] .
ولقد جاء وصوله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة عندهم مشروعاً إنسانياً عظيماً كبيراً، كان مقدمة لتأسيس دولة الإسلام على المؤاخاة، وهو النظام الاجتماعي الذي لم تعرف العرب له مثيلاً من قبل، ثم تأسيس هذه الدولة على ركائز أخرى كبناء المسجد، وتوقيع المعاهدات بين سكانها وبين مَنْ جاورها، ثم الانطلاق بالدعوة نحو كل اتجاه خارج حدود المدينة المنورة.
ثم جاءت بعد ذلك مرحلة مواجهة التحديات الكبرى في تلك المعارك الفاصلة في تاريخ الإسلام في مرحلة الدفاع في كل من بدر، وأحد، والخندق، والحديبية، حتى تغيَّرت الموازين لصالح المسلمين، وخرجوا بعد ذلك بأمر من الله تعالى لقتال الناس من أجل رفع راية التوحيد، والقضاء على مظاهر الشرك والوثنية البغيضة، التي فَرَّقَتْ الناس إلى سيد، وعبد، وشريف، ووضيع، فقاتل بعضهم بعضاً، وعاشوا قبل أن يُسْلموا ردحاً من الزمن في الفوضى والعبث.
وبالإضافة إلى ذلك فإنَّ لفظ السيرة عندهم يعني أيضاً المنهج النبوي، والخلق المحمدي، فيما يتعلق بصفاته، وأخلاقه صلى الله عليه وسلم، وما خَصَّه الله تعالى به من خصائص عظيمة، وما أيَّده به من معجزات باهرة خارجة عن المألوف والمعروف بقدرة الله عز وجل.
وكذلك طريقة تعامله مع المسلمين نبياً مشرعاً ورسولاً قدوة في جميع الأحوال، حتى كان لهم المثل الكامل الأعلى.
لقد جمعت السيرة النبوية بهذا التعريف والمفهوم الواسع عدة مزايا جعلت دراستها متعة روحية، وعقلية، وتاريخية، ونفسية، وهي إلى جانب ذلك كله ضرورية لكل مسلم ومسلمة.
ذلك من أجل أن ينضموا إلى ركْب الدعاة والمصلحين ممن يقع على عاتقهم إبلاغ الناس المنهج الرباني الصحيح، الذي تلقاه هذا النبي العظيم صلى الله عليه وسلم عن ربه تعالى، فبلَّغ ونصح الأمة حتى لقي ربه صلى الله عليه وسلم فكان القدوة الحسنة للناس في القول والعمل، في كل تصرفاته العامة والخاصة.
كما حكت لنا ذلك كتب السيرة، والشمائل، والدلائل، والخصائص، والمعجزات وما جمع فيها من الآثار، والأخبار، والقصص، والحوادث، وما جمع فيها من الأدعية، والأذكار، والمناجاة، والعمل بالليل والنهار، وما حفظت لنا هذه الكتب من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، وما حفظه لنا بعض أصحابه وآل بيته من صفته وصفاته (1) والتي لم تحفظ كتب الأدب، والتاريخ، والأنساب صفة أكثر دقة، وأعظم استيعاباً لكائن من كان منذ أن خلق الله آدم عليه السلام، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها سواه.
فكانت بحق أعظم وأكمل سيرة لإنسان على وجه الأرض، كيف لا، وهي السيرة المؤسسة على النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، والوثائق التاريخية، والتي جعلتها صالحة لكل زمان ومكان؟ ويكفيه أن قال عنه ربه:
(1) سأل الحسن بن علي، خاله هند بن أبي هالة، وكان وصَّافاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فوصف له رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن وصف، انظر الترمذي: ص/265-266.
{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4]، وقوله تعالى: {
…
بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة:128]، وقوله صلى الله عليه وسلم:"أَدَّبَنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأدِيبي"(1)، وقوله:"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"(2) .
ولهذا قالت أم المؤمنين الصدِّيقة بنت الصديق رضي الله عنها عندما سُئلت عن خلقه صلى الله عليه وسلم. فقالت: "كان خلقه القرآن"(3) .
والخلاصة: أننا لو أردنا أن نجمل مزايا هذه السيرة النبوية العطرة لأكمل إنسان على ظهر الوجود فإننا لن نستطيع أن نجملها في عبارات أو حتى في أشعار أو صفحات، لكن هذا كله لا يعفينا من أن نذكر قدر المستطاع أهم مميزات هذا العلم المبارك - علم السيرة النبوية- في نقاط محدودة لتكون واضحة يمكن استيعابها، وتكون ضوءاً لكل ما تقدم في هذا البحث عن السيرة النبوية ومباحثها المختلفة على النحو الآتي:
أولاً- أنها أصح سيرة لتاريخ نبي مرسل، فقد وصلت إلينا عبر أصح الطرق دقة وضبطاً ووضوحاً، بما لا يترك مجالاً للشك في وقائعها البارزة، وأحداثها الكبرى (4) .
ثانياً- أنها واضحة كل الوضوح في جميع مراحلها منذ زواج أبيه عبد الله بأمه آمنة وحتى وفاته صلى الله عليه وسلم، مما يجعل سيرته واضحة وضوح الشمس وضياء القمر (5) .
(1) أخرج هذا الحديث ابن السمعاني في أدب الإملاء والاستملاء: ص:1.
(2)
بقية حديث عبد الله بن مسعود، مسند أحمد: 2/381، الأدب المفرد: ص/105، والمستدرك: 2/613.
(3)
تقدم تخريجه في ص:4.
(4)
السيرة النبوية دروس وعبر: ص:15، الجامع الصحيح للسيرة النبوية: ص:39.
(5)
السيرة النبوية دروس وعبر: ص:17، الجامع الصحيح للسيرة النبوية: ص:47.
ثالثاً- أنها سيرة واقعية تحكي سيرة إنسان أكرمه الله بالرسالة فلم تخرجه عن إنسانيته، ولم تلحق حياته بالأساطير، ولم تُضْفِ عليه الألوهية قليلاً ولا كثيراً (1) ، ولهذا ظلت سيرته المثل النموذجي للإنسان الكامل، وهي القدوة لكل من أراد أن يعيش سعيداً كريماً في نفسه وأسرته ومرضياً لربه عز وجل.
رابعاً - أنها سيرة شاملة لكل النواحي الإنسانية، كأب، وزوج، وقائد، وصديق، ومربّ، وداعية، وسياسي، وقبل كل ذلك نبي ورسول صلى الله عليه وسلم (2) .
خامساً- أنها سيرة تعطي الدليل الذي لا ريب فيه عن صدق نبوته ورسالته لأنها سيرة إنسان سار بدعوته من نصر إلى نصر (3) ، ودعا الناس إلى ربه في تأدب وخشية وشفقة ورأفة ورحمة حتى أتاه اليقين.
سادساً- أنها مستوفية لكل الجزئيات والكليات التي تحويها السيرة بأدق العبارات وأشمل الأوصاف لحياته صلى الله عليه وسلم.
فصلى الله عليه وسلم كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون صلاةً كما يحب ربنا ويرضى.
(1) السيرة النبوية دروس وعبر: ص: 18، الجامع الصحيح للسيرة النبوية: ص:49.
(2)
السيرة النبوية دروس وعبر: ص: 19، الجامع الصحيح للسيرة النبوية: ص:51.
(3)
السيرة النبوية دروس وعبر: ص:20، الجامع الصحيح للسيرة النبوية: ص:54.