المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌إمامة أبي حنيفة في الحديث: - مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث

[محمد عبد الرشيد النعماني]

فهرس الكتاب

- ‌مَكَانَةُ الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الحَدِيثِ

- ‌كَلِمَةُ التَقْدِيمِ:

- ‌تَقْدِمَةُ المُؤَلِّفِ:

- ‌عنايته بطلب الحديث:

- ‌إِمَامَةُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الحَدِيثِ:

- ‌ثَنَاءُ الذَّهَبِيِّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ:

- ‌ثَنَاءُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ:

- ‌أَبُو حَنِيفَةَ مِنَ الأَئِمَّةِ الجِلَّةِ الذِينَ عُرِفَتْ عَدَالَتُهُمْ وَاشْتَهَرَتْ:

- ‌كَثْرَةُ أَتْبَاعِ أَبِي حَنِيفَةَ وَاشْتِهَارِ مَذْهَبِهِ فِي الآفَاقِ:

- ‌كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ حُجَّةً ثَبْتًا أَعْلَمُ أَهْلَ عَصْرِهِ بِالحَدِيثِ، وَمِنْ صَيَارِفَتِهِ:

- ‌عِدَادُ الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الحُفَّاظِ:

- ‌أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ أَئِمَّةِ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ:

- ‌أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى شَرْطِ أَصَحِّ الأَسَانِيدِ:

- ‌إِطْبَاقُ الحُفَّاظِ الذِينَ جَمَعُوا فِي رِجَالِ الكُتُبِ السِتَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الأَئِمَّةِ المُحَدِّثِينَ، عَلَى إِسْقَاطِ الجَرْحِ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي حَنِيفَةَ:

- ‌اِعْتِدَاءُ الأَلْبَانِي عَلَى الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ:

- ‌رَدُّ الإِمَامِ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ عَلَى الطَّاعِنِينَ فِي الإِمَامِ، وَفِيهِ عِبْرَةٌ لِلأَلْبَانِي لَوْ اعْتَبَرَ:

- ‌جَوَابُ الحَافِظِ ابْنُ التُّرْكُمَانِيِّ عَنْ جُرُوحِ الإِمَامِ:

- ‌رَدُّ ابْنِ الوَزِيرِ اليَمَانِيِّ عَلَى مَنْ حَاوَلَ التَّشْكِيكَ فِي عِلْمِ أَبِي حَنِيفَةَ بِالحَدِيثِ وَالعَرَبِيَّةِ:

الفصل: ‌إمامة أبي حنيفة في الحديث:

‌إِمَامَةُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الحَدِيثِ:

وقد شهد الأئمة في القديم والحديث بإمامة أبي حنيفة في الحديث، قال الإمام المحدث حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري القرطبي الأندلسي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في كتابه المعروف " جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روياته وحمله " (1): حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ رَحْمُونَ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ بَكْرِ بْنِ دَاسَهْ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ سُلَيْمَانَ بْنَ الأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيَّ يَقُولُ: «رَحِمَ اللَّهُ مَالِكًا كَانَ إِمَامًا، رَحِمَ اللَّهُ الشَّافِعِيَّ كَانَ إِمَامًا، رَحِمَ اللَّهُ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ إِمَامًا» .

وقال في كتابه " الانتقاء في فضائل الثلاثة فقهاء، مالك والشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهم وذكر عيون من أخبارهم وأخبار أصحابهم للتعريف بجلالة أقدارهم "(2): حَدثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنُ عَبْدِ المُؤْمِنِ بْنِ يَحْيَى رحمه الله قَالَ أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدٌ بْنُ بَكْرٍ بْنُ عَبْدِ الرَازَّقِ التَّمَّارُ المَعْرُوفُ بِابْنِ دَاسَهْ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ سُلَيْمَانَ بْنَ

(1) 2/ 163، طبع إدارة الطباعة المنيرية بمصر.

(2)

ص 232 عنيت بنشره مكتبة القدسي بالقاهرة عام 1350 هـ.

ص: 21

الأَشْعَثِ بْنِ إِسْحَاقَ السِّجِسْتَانِيَّ رحمه الله يَقُولُ: «رَحِمَ اللَّهُ مَالِكًا كَانَ إِمَامًا رَحِمَ اللَّهُ الشَّافِعِيَّ كَانَ إِمَامًا رَحِمَ اللَّهُ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ إِمَامًا» .

فهذه شهادة الإمام الثبت سيد الحفاظ شَيْخُ السُنَّةِ أبي داود الأزدي السجستاني صاحب " السنن " - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -، في حق الأئمة الثلاثة بإمامتهم، وتجد شرح هذه الإمامة مستوفى فيما كتبه الإمام الحافظ العلامة شيخ خراسان أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في مدخل كتابه " دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة " (1) ونصه:

«فصل: ومما يحق معرفته في الباب، أن تعلم أن الله تعالى بعث رسوله، صلى الله عليه وسلم، بالحق، وأنزل عليه كتابه الكريم، وضمن حفظه كما قال تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (2)، ووضع رسوله، صلى الله عليه وسلم من دينه وكتابه موضع الإبانة عنه، كما قال:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (3)، وترك نبيه في أمته حتى يُبَيِّنَ لأمته ما بُعِثَ به، ثم قبضه الله تعالى إلى رحمته، وقد تركهم على الواضحة، فلا تَنْزِلُ بالمسلمين نازلة إِلا وَفِي كِتَابِ اللهِ وسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم بَيَانُهَا: نَصًّا أو دلالة.

(1) 1/ 43 - 46 طبع بيروت، الطبعة الأولى: سَنَةَ 1405 هـ.

(2)

[سورة الحجر، الآية: 9].

(3)

[سورة النحل، الآية: 44].

ص: 22

وجعل في أمته في كل عصر من الأعصار أئمة يقومون ببيان شريعته وحفظها على أمته، ورد البدعة عنها.

كما أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بن محمد الصُّوفِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ الحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مَعَانُ بن رفاعة، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرحمن العذري، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم:«يَرِثُ هَذَا العِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَأْوِيلَ الجَاهِلِينَ ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ ، وَتَحْرِيفَ الغَالِينَ» .

ورواه الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرحمن، عن الثقة من أشياخهم، عَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم.

وقد وجد تصديق هذا الخبر في زمان الصحابة، ثم في كل عصر من الأعصار إلى يومنا هذا. وقام بمعرفة رواة السنة في كل عصر من الأعصار جماعة وقفوا على أحوالهم في التعديل والجرح وبينوها ودونوها في الكتب حتى من أراد الوقوف على معرفتها وَجَدَ السبيلَ إليها. وقد تكلم فقهاء الأمصار في الجرح والتعديل فمن سواهم من عُلَمَاءِ الحَدِيثَ.

أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا أبو سعيد الخلال، حَدَّثَنَا أَبُو القَاسِمِ البَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ المروزي، قال: حدثني الْحِمَّانِيُّ عن أبي حنيفة قَالَ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ، وَلَا أَفْضَلَ مِنْ عَطَاءِ» .

ص: 23

قال: وحدثنا عَبْدُ الحَمِيدِ الحِمَّانِيُّ، قَالَ: سمعت أبا سعد الصغاني قام إلى أبي حنيفة، فقال: يا أبا حنيفة، ما تقول في الأخذ عن الثوري؟

فقال: «اكْتُبْ عَنهُ، فَإِنَّهُ ثِقَة مَا خَلَا أَحَادِيثَ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الحَارِثِ [عَنْ عَلِيٍّ] وَحَدِيثِ جَابرٍ الجُعْفِيِّ» .

وأَخْبَرَنَا أَبُو الحُسَيْنِ بْنُ الفَضْلِ القَطَّانُ، بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سفيان، قال: سمعت حرملة يقول: قال الشافعي: «الرِّوَايَةُ عَنْ حَرَامِ بْنِ عُثْمَانَ حَرَامٌ» .

أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ: الحُسَيْنُ بْنُ الحَسَنِ الغَضَائِرِيُّ ببغداد، حدثنا أحمد ابن سَلْمَانَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ محمد الصائغ، حدثنا عفّان: قال: حدثني يحيى ابن سعيد القطان، قال: سألت شعبة، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: عَنْ الرجل يتهم في الحديث ولا يحفظ؟ فقالوا: بيّن أمره للناس.

وأَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ: الحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ:

أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ بْنِ خَلَفٍ القاضي، قال: حدثني أبو سعد الهروي، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ خلّاد، قال: قيل «ليحيى بن سعيد» : أما تخشى أن يكون الذين تركت حديثهم خصماؤك عند الله؟

قال: لأن يكون هؤلاء خصمائي عند الله أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يكون خصمي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: لم حدثت عني حديثا ترى أنه كذب؟

أخبرنا أبو عبد الله الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الْفَقِيهُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قال:

سمعت الشافعي، رحمه الله،

ص: 24

يقول: «لَوْلَا شُعْبَةُ مَا عُرِفَ الحَدِيثُ بِالعِرَاقِ، كَانَ يَجِيءُ إِلَى الرَّجُلِ فَيَقُولُ: " لَا تُحَدِّثْ وَإِلَاّ اسْتَعْدَيْتُ عَلَيْكَ السُّلْطَانَ "» .

فعلى هذه الجملة كان ذَبُّهُمْ عن حريم السُنَّةِ. وشواهد ما ذكرنا كثيرة، وفيما ذكرنا عن التطويل غنية. اهـ.

وكذلك قال الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة السلمي الترمذي رحمه الله في كتاب " العلل " من " جامعه "(1): «وَقد عَابَ بعض من لَا يفهم على أهل الحَدِيث الكَلَام فِي الرِّجَال وَقد وجدنَا غير وَاحِد من الأَئِمَّة من التَّابِعين قد تكلمُوا فِي الرِّجَال مِنْهُم الحسن الْبَصْرِي وطاووس تكلما فِي معبد الجُهَنِيّ وَتكلم سعيد بن جُبَير فِي طلق بن حبيب وَتكلم إِبْرَاهِيم النَّخعِي وعامر الشّعبِي فِي الحَارِث الأَعْوَر وَهَكَذَا رُوِيَ عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وَعبد الله بن عون وَسليمَان التَّيْمِي وَشعْبَة بن الحجَّاج وسُفْيَان الثَّوْري وَمَالك بن أنس وَالأَوْزَاعِيّ وَعبد الله بن المُبَارك وَيحيى بن سعيد القطَّان ووكيع بن الْجراح وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَغَيرهم من أهل الْعلم أَنهم تكلمُوا فِي الرِّجَال وَضَعَّفُوا.

وَإِنَّمَا حملهم على ذَلِك عندنَا - وَالله أعلم - النَّصِيحَة للْمُسلمين لَا ظن بهم أَنهم أَرَادوا الطعْن على النَّاس أَو الْغَيْبَة إِنَّمَا أَرَادوا عندنَا أَن يبينوا ضعف هَؤُلَاءِ لكَي يعرفوا لأَن بَعضهم من الَّذين ضعفوا كَانَ صَاحب بدعة وَبَعْضهمْ كَانَ مُتَّهَمًا فِي الحَدِيث وَبَعْضُهُمْ كَانُوا

(1) 13/ 305 - 309 مع " عارضة الأحوذي "، طبع مصر سَنَةَ 1352هـ.

ص: 25

أَصْحَاب غَفلَة وَكَثْرَة خطأ فَأَرَادَ هَؤُلَاءِ الأَئِمَّة أَن يبينوا أَحْوَالهم شَفَقَة على الدين وتثبيتا، لأَن الشَّهَادَة فِي الدين أَحَق أَن يثبت فِيهَا من الشَّهَادَة فِي الحُقُوق وَالأَمْوَال

وسرد أقوالاً من أئمة هذا الفن في جرح كثير من الرواة، إلى أن قال:

حَدثنَا مَحْمُود بن غيلَان حَدثنَا أَبُو يحيى الحِمَّانِي قَالَ سَمِعت أَبَا حنيفَة يَقُول: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ، وَلَا أَفْضَلَ مِنْ عَطَاءِ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ» . اهـ.

وقال شيخ البيهقي الحافظ الكبير إمام المحدثين أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري الحاكم المعروف بابن البيع في كتابه " المستدرك على الصحيحين "(1) عند سرد طرق حديث «لَا نِكَاحَ إِلَاّ بِوَلِيٍّ» ما نَصُّهُ: «وَقَدْ وَصَلَ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْنَاهُمْ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرَقَبَةُ بْنُ مَصْقَلَةَ العَبْدِيُّ، وَمُطَرِّفُ بْنُ طَرِيفٍ الحَارِثِيُّ، وَعَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ الحَسَنِ الهِلَالِيُّ، وَزَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمْ فِي البَابِ» . اهـ.

وقال الحاكم أيضًا في كتابه " معرفة علوم الحديث "(2) ما نصه: «ذِكْرُ النَّوْعِ التَّاسِعِ وَالأَرْبَعِينَ مِنْ مَعْرِفَةِ عُلُومِ الحَدِيثِ هَذَا النَّوْعُ مِنْ هَذِهِ العُلُومِ مَعْرِفَةُ الأَئِمَّةِ الثِّقَاتِ الْمَشْهُورِينَ مِنَ التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ، مِمَّنْ

(1) 2/ 171، كتاب النكاح، طبع دائرة المعارف بحيدر آباد الدكن بالهند سَنَةَ 1340 هـ.

(2)

ص 240 - 249، طبع القاهرة.

ص: 26

يَجْمَعُ حَدِيثَهُمْ لِلْحِفْظِ، وَالمُذَاكَرَةِ، وَالتَّبَرُّكِ بِهِمْ، وَبِذِكْرِهِمْ مِنَ المَشْرِقِ إِلَى الغَرْبِ، - فذكر خَلْقًا من أعيان كثير من البلدان -.

فمنهم من أهل المدينة: محمد بن مسلم الزهري، محمد بن المنكدر القرشي، وربيعة بن أبي عبد الرحمن الرائي، ومالك بن أنس الأصبحي، وجعفر بن محمد الصادق، وغيرهم.

ومن أهل مكة: مجاهد بن جبر، وعمرو بن دينار، وعبد الملك بن جُرَيْجٍ، وفضيل بن عياض، وغيرهم.

ومن أهل مصر: عمرو بن الحارث، ويزيد بن أبي حبيب، وحيوة بن شريح التجيبي، وغيرهم.

ومن أهل الشام: عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وشعيب بن أبي حمزة الحمصي، ومكحول الفقيه، وغيرهم.

ومن أهل اليمن: طاوس، وعبد الله بن طاوس، وغيرهما.

ومن أهل اليمامة: يحيى بن أبي كثير، وغيره.

ومن أهل الكوفة: عامر بن شراحيل الشعبي، وسعيد بن جبير الأسدي، وإبراهيم النخعي، وأبو إسحاق السبيعي، وحماد بن أبي سليمان، ومنصور بن المعتمر، ومغيرة بن مِقْسَمٍ الضَّبِّيِّ، والأعمش الأسدي، وَمِسْعَرْ بْنِ كِدَامٍ الهِلَالِيِّ، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت التيمي، وسفيان بن سعيد الثوري، وداود بن نُصَيْرٍ الطائي، وَزُفَرْ بْنُ الهُذَيْلِ، وعافية بن يزيد القاضي، وغيرهم.

ص: 27

ومن أهل الجزيرة: ميمون بن مهران، وعمرو بن ميمون بن مهران، وخالد بن معدان العابد، وغيرهم.

ومن أهل البصرة: أيوب بن أبي تميمة السختياني، وشعبة بن الحجاج، وهشام بن حسان، وقتادة بن دعامة، وغيرهم.

ومن أهل واسط: العَوَّامُ بن حوشب، وأبو خالد يزيد بن عبد الرحمن الدَّالَانِي، وغيرهم.

ومن أهل خراسان: إبراهيم بن طهمان الفقيه العابد، وإبراهيم بن أدهم الزاهد من أهل بلخ، وشقيق بن إبراهيم الزاهد، والنضر بن محمد الشيباني، وغيرهم. - رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -». انتهى.

وقال شيخ الإسلام العلامة أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم الشهير بابن تيمية الحنبلي في كتابه " منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية "(1): «قَالَ أَبُو العَبَّاسِ بْنُ عُقْدَةَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبَّادٍ، سَمِعْتُ بَشَّارَ بْنَ دَرَّاعٍ، قَالَ: لَقِيَ أَبُو حَنِيفَةَ مُحَمَّدَ بْنَ النُّعْمَانِ فَقَالَ: عَمَّنْ رَوَيْتَ حَدِيثَ رَدِّ الشَّمْسِ؟ فَقَالَ: عَنْ غَيْرِ الذِي رَوَيْتَ عَنْهُ: «يَا سَارِيَةُ الجَبَلَ»

قُلْتُ - القائل ابن تيمية - وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَئِمَّةَ أَهْلِ العِلْمِ لَمْ يَكُونُوا يُصَدِّقُونَ بِهَذَا الحَدِيثِ ; فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ. وَهَذَا أَبُو حَنِيفَةَ، أَحَدُ الأَئِمَّةِ المَشَاهِيرِ، وَهُوَ لَا يُتَّهَمُ عَلَى عَلِيٍّ، فَإِنَّهُ مِنْ

(1) 4/ 194، 195 الطبعة الأميرية ببولاق، مصر سَنَةَ 1322 هـ.

ص: 28

أَهْلِ الكُوفَةِ دَارِ الشِّيعَةِ، وَقَدْ لَقِيَ مِنَ الشِّيعَةِ، وَسَمِعَ مِنْ فَضَائِلِ عَلِيٍّ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَهُوَ يُحِبُّهُ وَيَتَوَلَاّهُ، وَمَعَ هَذَا أَنْكَرَ هَذَا الحَدِيثَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ أَعْلَمُ وَأَفْقَهُ مِنَ الطَّحَاوِيِّ وَأَمْثَالِهِ، وَلَمْ يُجِبْهُ ابْنُ النُّعْمَانِ بِجَوَابٍ صَحِيحٍ، بَلْ قَالَ: عَنْ غَيْرِ مَنْ رَوَيْتَ عَنْهُ حَدِيثَ: «يَا سَارِيَةُ الجَبَلَ» .

فَيُقَالُ لَهُ: هَبْ أَنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ، فَأَيُّ شَيْءٍ فِي كَذِبِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ هَذَا. فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ لِعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمَا كَرَامَاتٌ، بَلْ أَنْكَرَ هَذَا الحَدِيثَ ; لِلدَّلَائِلِ الكَثِيرَةِ عَلَى كَذِبِهِ، وَمُخَالَفَتِهِ لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمَعْرُوفِينَ بِالحَدِيثِ، مِنَ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ، وَهُمُ الذِينَ يَرْوُونَ عَنِ الصَّحَابَةِ، بَلْ لَمْ يَرْوِهِ إِلَاّ كَذَّابٌ أَوْ مَجْهُولٌ لَا يُعْلَمُ عَدْلُهُ وَضَبْطُهُ، فَكَيْفَ يُقْبَلُ هَذَا مِنْ مِثْلِ هَؤُلَاءِ؟!، وَسَائِرُ عُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ يَوَدُّونَ أَنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذَا صَحِيحًا ; لِمَا فِيهِ مِنْ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَفَضِيلَةِ عَلِيٍّ، عَلَى الَّذِينَ يُحِبُّونَهُ وَيَتَوَلَّوْنَهُ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَجِيزُونَ التَّصْدِيقَ بِالكَذِبِ، فَرَدُّوهُ دِيَانَةً، وَاللهُ أَعْلَمُ».

وقال في موضع آخر من الكتاب المذكور (1): «

أَئِمَّةِ أَهْلِ الحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالتَّصَوُّفِ وَالفِقْهِ، مِثْلِ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَأَتْبَاعِهِمْ».

وقال أبو الفداء الحافظ ابن كثير الدمشقي - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في كتابه " البداية والنهاية "(2):

(1) 1/ 172، 173.

(2)

6/ 85، 86 الطبعة الأولى سَنَةَ 1966، مكتبة المعارف - بيروت.

ص: 29

وَالطَّحَاوِيُّ، رحمه الله، إِنْ كَانَ قَدِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ - أي أمر حديث «رَدِّ الشَّمْسِ» لعلي -، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، رحمه الله إِنْكَارُهُ وَالتَّهَكُّمُ بِمَنْ رَوَاهُ. قَالَ أَبُو العَبَّاسِ بْنُ عُقْدَةَ: ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبَّادٍ، سَمِعْتُ بَشَّارَ بْنَ دِرَاعٍ قَالَ: لَقِيَ أَبُو حَنِيفَةَ مُحَمَّدَ بْنَ النُّعْمَانِ، فَقَالَ: عَمَّنْ رَوَيْتَ حَدِيثَ رَدِّ الشَّمْسِ؟ فَقَالَ: عَنْ غَيْرِ الَّذِي رَوَيْتَ عَنْهُ: يَا سَارِيَةُ، الْجَبَلَ.

فَهَذَا أَبُو حَنِيفَةَ، رحمه الله، وَهُوَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُعْتَبَرِينَ، وَهُوَ كُوفِيٌّ لَا يُتَّهَمُ عَلَى حُبِّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَتَفْضِيلِهِ بِمَا فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَهُوَ مَعَ هَذَا يُنْكِرُ هَذَا عَلَى رَاوِيهِ.

وَقَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ لَهُ لَيْسَ بِجَوَابٍ، بَلْ مُجَرَّدُ مُعَارِضَةٍ لَا تُجْدِي، أَيْ أَنَا رَوَيْتُ فِي فَضْلِ عَلِيٍّ هَذَا الحَدِيثَ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُسْتَغْرَبًا فَهُوَ فِي الغَرَابَةِ نَظِيرَ مَا رَوَيْتَهُ أَنْتَ فِي فَضْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ فِي قَوْلِهِ: يَا سَارِيَةُ، الجَبَلَ. وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ كَهَذَا، لَا إِسْنَادًا وَلَا مَتْنًا، وَأَيْنَ مُكَاشَفَةُ إِمَامٍ قَدْ شَهِدَ الشَّارِعُ لَهُ بِأَنَّهُ مُحَدَّثٌ بِأَمْرٍ جُزْءٍ مِنْ رَدِّ الشَّمْسِ طَالِعَةً بَعْدَ مَغِيبِهَا الذِي هُوَ أَكْبَرُ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ؟!».

وقال الحافظ ابن حجر في " لسان الميزان "(1):

«محمد بن علي بن النعمان بن أبي طريفة البجلي الكوفي

(1) 5/ 300، 301.

ص: 30

أبو جعفر الملقب «شَيْطَانَ الطَّاقِ» . نسب إلى سوق في طاق المحامل بالكوفة كان يجلس للصرف بها فيقال: إنه اختصم مع صيرفي آخر في درهم زائف فغلب فقال: «أَنَا شَيْطَانُ الطَّاقِ» .

وقيل: إن هشام بن الحكم شيخ الرافضة لما بلغه أنهم لقبوه شيطان الطاق سماه هو مؤمن الطاق.

ويقال: أول من لقبه بشيطان الطاق أبو حنيفة مع مناظرة جرت بحضرته بينه وبين بعض الحرورية

، ووقعت له مناظرة مع أبي حنيفة في شيء يتعلق بفضائل علي - سُمِّيَ فيها: محمد بن النعمان نسبة إلى جده، فقال له أبو حنيفة كالمنكر عليه:«عَمَّنْ رَوَيْتَ حَدِيثَ رَدِّ الشَّمْسِ لِعَلِيٍّ؟ فَقَالَ: عَنْ مَنْ رَوَيْتَ أَنْتَ عَنْهُ: يَا سَارِيَةُ الجَبَلَ» ؟. اهـ.

وقال الشيخ الإمام الحافظ الحجة شمس الدين أبو عبد الله محمد المعروف بابن قيم الجوزية الحنبلي في كتابه " إعلام الموقعين عن رب العالمين "(1): «وَقَدْ احْتَجَّ الأَئِمَّةُ الأَرْبَعَةُ وَالفُقَهَاءُ قَاطِبَةً بِصَحِيفَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَلَا يُعْرَفُ فِي أَئِمَّةِ الفَتْوَى إلَاّ مَنْ احْتَاجَ إلَيْهَا وَاحْتَجَّ بِهَا، وَإِنَّمَا طَعَنَ فِيهَا مَنْ لَمْ يَتَحَمَّلْ أَعْبَاءَ الفِقْهِ وَالفَتْوَى كَأَبِي حَاتِمٍ البُسْتِيِّ وَابْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِمَا» . اهـ.

وقال أيضًا في موضع آخر منه (2) ما نصه: «أَمَّا طَرِيقَةُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الحَدِيثِ كَالشَّافِعِيِّ وَالإِمَامِ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَالبُخَارِيِّ وَإِسْحَاقَ

». اهـ.

فهؤلاء الأئمة الجلة الأعلام، جهابذةُ النقد: أبو داود، والترمذي، والحاكم، والبيهقي، وابن عبد البر، وابن تيمية، وابن

(1) 1/ 35 طبع الهند بأشرف المطابع الواقع بدهلي سَنَةَ 1314 هـ.

(2)

نفس المصدر: 1/ 359.

ص: 31

القيم، وابن كثير، قد أذعنوا أن الإمام أبا حنيفة من أئمة الحديث المعروفين الذي يُرْجَعُ إلى أقوالهم في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل كسائر الحفاظ النقاد من أئمة المحدثين.

وقد اعترف جهابذة المحدثين والحفاظ من المتقدمين والمتأخرين ببراعته في الحديث وضبطه وإتقانه وحفظه وورعه في روايته.

قال الحافظ أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي في " تاريخ بغداد "(1): «أَخْبَرَنَا الجوهري، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن عمران المرزباني، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الواحد بن مُحَمَّد الخصيبي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مسلم الكجي إبراهيم بن عبد الله، قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن سعيد أَبُو عبد الله الكاتب، قال: سمعت عبد الله بن داود الخُرَيْبِي، يقول: " يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الإِسْلَامِ أَنْ يَدْعُوا اللهَ لأَبِي حَنِيفَةَ فِي صَلَاتِهِمْ "، قَالَ: وَذَكَرَ حِفْظَهُ عَلَيْهِمْ السُّنَنَ والفِقْهَ» . اهـ. (*)

قلت: وَالخُرَيْبِي هذا من كبار الحفاظ ذكره الذهبي في " تذكرة الحفاظ "(2) وَحَلَاّهُ «بِالحَافِظِ الإِمَامِ القُدْوَةِ» ، ونقل عن وكيع أنه قال:«النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ عَبْدِ اللهِ بْنَ دَاوُدٍ عِبَادَةٌ» .

وذكر: «أن الخُرَيْبِي قيل له: رَجَعَ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ، قَالَ: " إِنَّمَا يَرْجِعُ الفَقِيهُ إِذَا اِتَّسَعَ عِلْمُهُ» . اهـ.

فهذا الإمام الحافظ القدوة يصف أبا حنيفة بسعة العلم وحفظ السنن.

(1) 13/ 344.

(2)

1/ 338.

[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:

(*) قارن في هذا القول بما ورد في صفحة 105 من هذا الكتاب.

ص: 32

وروى الخطيب أيضًا، قال:«أَخْبَرَنَا الخلال، قَالَ: أَخْبَرَنَا الحريري أن النخعي، حدثهم قَالَ: أَخْبَرَنَا سليمان بن الربيع الخزاز، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن حفص، عن الحسن بن سليمان، أنه قال في تفسير الحديث " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَظْهَرَ العِلْمُ "، قال: " هُوَ عِلْمُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَتَفْسِيرُهُ الآثَارَ"» . اهـ.

قلت: والحسن بن سليمان هذا معدود في الحفاظ ترجم له الذهبي في " تذكرة الحفاظ "(1)، و" سير أعلام النبلاء "(2)، وقال في " السير ": قُبَّيْطَةُ الحافظ المتقن الإمام أبو علي الحسن بن سليمان البصري نزيل مصر، وصفه ابن يونس بالحفظ. اهـ.

فهذا الحافظ الإمام يُطْرِي أبا حنيفة وَيُثْنِي على علمه وتفسيره الأحاديث والآثار.

وقال الخطيب أيضًا في " تاريخ بغداد "(3): «أَخْبَرَنَا الحسن بن أبي بكر، قَالَ: أَخْبَرَنَا القَاضِي أَبُو نصر أَحْمَد بن نصر بن مُحَمَّد بن إشكاب البخاري، قال: سمعت مُحَمَّد بن خلف بن رجاء، يقول: سمعت مُحَمَّد بن سلمة، يقول: قال خلف بن أيوب: " صَارَ العِلْمُ مِنَ اللهِ تَعَالَى إِلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ صَارَ إِلَى أَصْحَابِهِ، ثُمَّ صَارَ إِلَى التَّابِعِينَ، ثُمَّ صَارَ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَرْضَ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَسْخَطْ"» . اهـ.

(1) 2/ 572.

(2)

12/ 508.

(3)

13/ 336.

ص: 33

قلت: وقولُ خلف بن أيوب هذا يشبه ما قال ابن حزم في حق محمد بن نصر المروزي، قال الذهبي في ترجمة ابن نصر المروزي من كتابه " سير أعلام النبلاء ":(1) ما نصه: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ بنُ حَزْمٍ فِي بَعْضِ توَالِيفِهِ: «أَعْلَمُ النَّاسِ مَنْ كَانَ أَجْمَعهُم للسُّنَنِ، وَأَضْبَطهُم لَهَا، وَأَذْكَرُهُمُ لِمَعَانِيهَا، وَأَدْرَاهُمُ بِصِحَّتِهَا، وَبِمَا أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ مِمَّا اخْتَلفُوا فِيهِ.

قَالَ: وَمَا نَعْلَمُ هَذِهِ الصِّفَةَ - بَعْد الصَّحَابَةِ - أَتمَّ مِنْهَا فِي مُحَمَّدِ بنِ نَصْرٍ المَرْوَزِيّ، فَلَو قَالَ قَائِل: لَيْسَ لِرَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثٌ وَلَا لأَصْحَابِهِ إِلَاّ وَهُوَ عِنْدَ مُحَمَّدِ بنِ نَصْرٍ لَمَا أَبْعَدَ عَنِ الصِّدْقِ.

قُلْتُ: - القائل الذهبي - هَذِهِ السَّعَةُ وَالإِحَاطَةُ مَا ادَّعَاهَا ابْنُ حَزْمٍ لابْنِ نَصْرٍ إِلَاّ بَعْدَ إِمعَانِ النَّظَرِ فِي جَمَاعَةِ تَصَانِيفَ لابْنِ نَصْرٍ، وَيمْكِن ادِّعَاءُ ذَلِكَ لِمِثْلِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ وَنُظَرَائِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ» انتهى.

قلتُ: وإذا كان ادعاء ذلك صحيحًا لمحمد بن نصر عند ابن حزم، ولأحمد ونظرائه عند الذهبي، فيكون ادعاء ذلك صحيحًا بالأولى للإمام الأعظم أبي حنيفة فإنه أسبق المجتهدين المتبوعين، وأعلمهم وأفقههم وأقدمهم - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - وعن أصحابه، على ما شهد به شيخُ أحمدَ وابنِ معين خلفُ بنُ أيوب هذا، ولم تكن شهادته بذلك لأبي حنيفة - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - إلا بعد إمعان النظر في فقهه وإتقانه لمذهبه، وهذه شهادة صدق من إمام بارع تقي، كيف لا؟ والعلم بَرًّا

(1) 14/ 40.

ص: 34

وبحرًا شرقًا وغربًا، بُعْدًا وَقُرْبًا تدوينه - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -، كما قاله ابن النديم في كتابه " الفهرست "(1).

وقال الجامع للعلوم النقلية والعقلية، والمتضلع من السنة النبوية، أحد كبار الأعلام، ومشاهير أولي الحفظ والأفهام، مُلَاّ علي القاري شارح " المشكاة " في كتابه " سند الأنام في شرح مسند الإمام " (2) ما نصه:«إِنَّ حُسْنَ الظَنِّ بِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ أَحَاطَ بِالأَحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ مِنَ الصَّحِيحَةِ وَالضَّعِيفَةِ» . اهـ (3).

وَخَلَفُ المذكور هذا قال فيه صدر الأئمة الموفق بن أحمد المكي في " مناقب الإمام الأعظم "(4) ما لفظه: «خلف بن أيوب كان من بلخ، ما روى عن أبي حنفية، ويروي عن أبي يوسف، وكان أزهد أهل زمانه وأعبدهم، قدم على عبد الله بن المبارك فعانقه وأكرمه فلما قام من عنده قال:" مَا أَشْبَهَ سِيمَاهُ بِسِيمَا أَهْلِ الجَنَّةِ "، وكان يسمع من حماد بن سلمة فلما قام من عنده قال حماد:" مَا أَحْسَنَ سَمْتَ هَذَا الرَّجُلِ وَهَدْيِهِ، مَا قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ خُرَاسَانَ خَيْرٌ مِنْهُ "، توفي سنة خمس ومائتين، فلما رُفِعَتْ جنازته أقبل نُوحُ بنُ أَسَدٍ والي بلخ إلى جنازته فوضعها على عاتقه، حتى بلغ

(1) ص 299 طبع مطبعة الاستقامة بالقاهرة.

(2)

ص 52، بحث أكل الضب، طبع مجتبائي دهلي، سَنَةَ 1330 هـ.

(3)

قال عبد الفتاح: «هذا القول من علي القاري، وقول ابن حزم السابق في محمد بن نصر محمولان على أكثر الأحاديث والسنن، فإن الإحاطة المطلقة لجميع الأحاديث والسنن لآحاد الأمة متعذرة عادة» .

(4)

2/ 61، 62 طبع دائرة المعارف النظامية حيدر آباد الدكن - بالهند.

ص: 35

المُصَلَّى، وصلى عليه نوح بن أسد، فلما سلم سمع صوتًا في الهواء:" يَا نُوحَ بْنَ أَسَدٍ صَلَّيْتَ عَلَى خَيْرِ أَهْلِ الأَرْضِ، صَلَّيْتَ عَلَى خَلَفَ بْنَ أَيُّوبٍ، فُزْتَ "». اهـ.

وقال الحافظ الذهبي في " سير أعلام النبلاء "(1): «خَلَفُ بنُ أَيُّوبَ، الإِمَامُ، المُحَدِّثُ، الفَقِيْهُ، مُفْتِي المَشْرِقِ، أَبُو سَعِيْدٍ العَامِرِيُّ، البَلْخِيُّ، الحَنَفِيُّ، الزَّاهِدُ، عَالِمُ أَهْلِ بَلْخَ. تَفَقَّه عَلَى القَاضِي أَبِي يُوْسُفَ، وَسَمِعَ مِنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَعَوْفٍ الأَعْرَابِيِّ، وَمَعْمَرِ بنِ رَاشِدٍ، وَطَائِفَةٍ، وَصَحِبَ إِبْرَاهِيْمَ بنَ أَدْهَمَ مُدَّةً.

حَدَّثَ عَنْهُ: يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ، وَأَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَعَلِيُّ بنُ سَلَمَةَ اللَّبَقِيُّ، وَأَهْلُ بَلَدِهِ. اهـ.

وسيأتيك في الفصول الآتية من ثناء أئمة المحدثين القدامى والحفاظ المتأخرين على الإمام أبي حنيفة في جودة حفظه وسعة علمه ما يصدق قول خلف هذا ويزيد، وبالله التوفيق.

(1) 9/ 541، 542.

ص: 36