المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد - من شرح بلوغ المرام للطريفي

[عبد العزيز الطريفي]

الفصل: ‌ جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد

وكذلك يطلق على السعي بين الصفا والمروة طوافا من جهة اللغة ، وكذلك قد جاء في بعض ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم وفي بعض ألفاظ السلف الصالح إطلاق طواف على السعي بين الصفا والمروة لأن فيه ذهاب وإياب فيسمى طواف وكذلك إطلاق النبي صلى الله عليه وسلم لهذه العلة ونصه عليها يقاس لأجل هذه العلة ما في حكم الهرة من الدواب من الطوافين كالحمار والبغل وغيرهما من الدواب كالخيل ونحو ذلك مما تعم بها البلوى ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد نص على هذه العلة فلا بأس من القياس في مثل هذه الحالة.

12-

: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:‌

‌ جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد

فزجره الناس فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم فلما قضى بوله أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فأهريق عليه. متفق عليه

هذا الحديث قد أخرجه البخاري ومسلم من طرق متعددة وقد أخرجاه أيضاً من طريق حماد عن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

وهذا الحديث هو من المهمات في باب الطهارة.

قول انس بن مالك رضي الله عنه (جاء أعرابي) :

الأعرابي: هو من سكن البادية سواء كان عربياً أو عجمياً.فساكن البادية حتى وإن كان أعجميا فيسمى اعرابيا، وكلمة أعرابي لا مفرد لها من لفظها وإنما يفرق أهل العلم بين الجمع والمفرد بإضافة ياء النسبة في آخره فيقال أعراب للجمع وأعرابي بإضافة الياء للفرد.

وقوله (جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد) :

البول:هو أحد الخارج من السبيلين وهو نجس بإجماع أهل العلم ولا خلاف في ذلك.

والبول في المسجد من المحرمات بالإجماع ولكن اختلف أهل العلم في البول في المسجد في الإناء إذا كان لدى شخص إناء وهو في المسجد هل له أن يبول فيه؟

ص: 72

ذهب جمهور أهل العلم إلى حرمة ذلك وهو قول للحنابلة وهو مذهب الحنفية والمالكية ومذهب للشافعية وذهب بعض الشافعية إلى جواز البول في المسجد في الإناء ، وقالوا أن النهي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم بالبول في أرض المسجد ، وأما البول في الإناء فلا بأس به وقاسوه على أمور كثيرة من حجامة النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد ولا يصح خبر الحجامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد وكذلك استدلوا بمبيت سعد بن معاذ رضي الله عنه وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد نصب له خيمة في المسجد وهذا لا دليل فيه لأنه ليس فيه نص أن سعد بن معاذ رضي الله عنه يبول في إناء في المسجد فيبقي المسجد على تعظيمه فإنه يحرم أن يبال فيه.

وقد أخرج مسلم في هذا الخبر من طريق عكرمة بن عمار عن اسحق عن انس ان النبي صلى الله عليه وسلم دعا الاعرابي بعد بوله فقال له: ان هذه المساجد لا تلح لشيء من هذا البول ولا القذر وانما هي لذكر الله. وهذا يدل على تنزيه المساجد عن البول مطلقا في ارضه او في اناء على ارضه، وكذلك نهى الشارع عن قرب المسجد برائحة البصل والثوم فكيف برائحة البول

وكذلك اختلف أهل العلم فيما عدا البول في المسجد من الريح هل يجوز إخراج ريح في المسجد بالاختيار أم لا؟

ذهب جمهور أهل العلم إلى عدم جواز ذلك وأن من وجد فيه ريحا فإنه يخرج خارج المسجد، وذهب بعض أهل العلم إلى جواز ذلك لأنه لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم دليل يمنع وأن الأصل الجواز، وذهب من منع قالوا: أن حكم فضاء المسجد وهواءه كحكم أرضه ولذا النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء عنه النهي بدخول المسجد لمن أكل ثوما أو بصلا وما في حكمها من الروائح الكريهة وهذا قياس عليها فهي من باب أولى.

وقوله هنا: (المسجد) :

ص: 73

المسجد هنا: هو ما بني وقد أوقفت أرضه لله تعالى للصلاة. أما ما لم توقف أرضه للصلاة كبناء ونحو ذلك الذي ليس بدائم فإنه لا يسمى مسجداً وإنما يسمى مصلى ليس له حكم المسجد من تحية المسجد وغيرها.

أما من جهة البول فإنه يحرم البول سواء في المصلى أو في المسجد لأنه موطن للصلاة ،.

وقوله هنا: (فزجره الناس) :

الزجر:هو من النهر والطرد والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينهَ هنا عن نهيهم وإنما نهى عن زجرهم وهذا من الحكمة في الدعوة ومما أوتيه النبي صلى الله عليه وسلم من الخلق الحسن ولذا امتن الله جل وعلا على نبيه بذلك في قوله {وإنك لعلى خلق عظيم} .

وهذا من مواطن الحكمة في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى فالنبي عليه الصلاة السلام قد قدم هنا مفسدة صغرى على مفسدة كبرى ، فإن هذا الأعرابي قد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فربما يكون حديث عهد بإسلام فإنه حينئذ قد يكون زجره مبعداً له عن الإسلام وقد يكون هذا الأعرابي قد بال وتكاثر بوله فإنه حينئذ إذا حمل فإن البول سينتشر والنبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن ذلك وتركوه حتى قضى حاجته لكي لا ينتشر البول وهذه من حكمة النبي صلى الله عليه وسلم ونظره صلى الله عليه وسلم للغايات والوسائل معا.

وبول الرجل سواء في المسجد أو غيره يطهره الماء بمكاثرة الماء عليه كما في هذا الخبر ، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يحفر مكان البول ويرمى ثم يضاف ذنوب من ماء ، واستدلوا لذلك بحديث ضعيف يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما أخرجه أبو داود من حديث جرير بن حازم عن عبد الملك بن عمير عن عبد الله بن معقل عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وهو خبر لا يصح قال فيه الإمام أحمد: هذا حديث منكر، وكذلك فإن ابن معقل لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم كما قال ذلك أبو داود عليه رحمة الله ، وقد أخرج هذا الخبر الدارقطني في سننه من غير هذا الوجه.

ص: 74