المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌«أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو الرجل بفضل المرأة - من شرح بلوغ المرام للطريفي

[عبد العزيز الطريفي]

الفصل: ‌«أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو الرجل بفضل المرأة

ومما يجب معرفته ايضا ان الاحاديث في كثير من الابواب تتفق على حكم معين جاء الحديث بتقريره وهو السبب من ورود الحديث ومن نقل الرواة له، فيعتني الرواة بنقل الخبر وضبط اللفظ الذي جاء به الحكم من الحديث ولا يعتنون بضبط ما جاء تبعا في الحديث من ايراد قصه او لفظ آخر ليس هو مما ينص على الحكم فتتنوع حينئذ الالفاظ وتختلف وهذا يرد كثير جدا فيتمسك هؤلاء بتلك الالفاظ على تفسير الحكم بينما الحكم واحد لو جرد من تلك الالفاظ التي جاءت تبعا في سياق الحديث وهي كثيرا ما لا يعتني بها الرواة، ومع كون مخرج الحديث واحد ويقطع بكونه قاله النبي صلى الله عليه وسلم في موطن واحد الا ان الاقوال تنقسم في تفسير الحكم باختلاف تلك الالفاظ التابعة وليست اصلا في الخبر، فمثلا تجد الاختلاف في خبر المقداد (توضأ وانضح فرجك) او (اغسل ذكر وتوضأ) والنص جاء ولاجله نقل الخبر في عدم الغسل من المذي وانه يكفي غسل الذكر والوضوء، لكن تمسك البعض وانقسمت الاقوال بحسب سياق الخبر هل يصح الوضوء قبل الاستنجاء او لا؟ وهل يصح الوضوء قبل غسل الذكر ام لا؟ وهذه المسالة ترد كثيرا فيجب التنبه لها.

***************************************

7-

وعن رجل صحب النبي صلى الله عليه وسلم قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ‌

‌«أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو الرجل بفضل المرأة

، وليغترفا جمعياً» . أخرجه أبو داود. والنسائي، وإسناده صحيح.

هذا الحديث أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي عوانه عن داود بن عبد الله الأودي عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، قال: سمعت رجلاً صحب النبي صلى الله عليه وسلم كما صحبه أبو هريرة أربع سنين.

ص: 44

وهذا الحديث إسناده صحيح وقد أعله بعض أهل العلم بما لا يقدح، فقد أعله ابن حزم عليه رحمة الله، وأشار البيهقي عليه رحمة الله في أنه في حكم المرسل، ولكن جهالة الصحابي هنا لا تضر وعليه عامة أهل العلم، ولم يخالف في ذلك إلا ابن حزم وأبو إسحاق الإسفريني، فإنهما قال بأن جهالة الصحابي تضر، وعلل ذلك بتعليل غير مقبول، فوأهل العلم على أن جهالة الصحابي لا تضر فإن الله سبحانه وتعالى قد عدّلهم في كتابه العظيم ورضي عنهم سبحانه وتعالى، وهذا منصوص في كتاب الله جل وعلا، وهو محل إجماع عند السلف الصالح عليهم رحمة الله وممن نص على ذلك الامام أحمد والحميدي، واضطرب في هذا البيهقي رحم الله الجميع، قال الامام احمد إذا قال الرجل من التابعين حدثني رجل من الصحابة ولم يسمّه فالحديث صحيح. وقال الحميدي: إذا صح الإسناد عن الثقات إلى رجل من الصحابة فهو حجة إن لم يسم ذلك. وابن حزم عليه رحمة الله لا يقابل قوله قول أئمة هذا الشأن فليس هو ممن يعارض باحمد والبخاري وابن المديني والدارقطني وابن معين والنسائي والترمذي واضرابهم، وهو ممن يعمل الظاهر في النقد ويغفل القرائن ككثير من المتأخرين كابن القطان الفاسي ونحوه، بل ان ابن حزم له أوهام في معرفة الرواة واسمائهم مما لا يوجد عادة في عند الائمة الكبار فقد وهم في اسم حماد فجعله ابن زيد والصواب أنه ابن سلمة فالراوي عنه موسى بن اسماعيل وعدم معرفته بداود راوي خبر هذا الحديث كما سياتي وغير ذلك مما لم اره عند الحفاظ النقاد وان وجد عندهم لكنه نادر جدا.

ص: 45

وداود بن عبد الله الأودي قد وثقه الإمام أحمد وكذلك وثقه ابن معين عليهم رحمة الله، وقد حكى ابن معين عليه رحمة الله عن داود بن يزيد الأودي أنه قال: ليس بشيء، فتوهم الحافظ المزي عليه رحمة الله، أن هذا الحكم هو في داود بن عبد الله الأودي صاحب هذا الخبر، فذكر هذا الطعن وهذا الجرح في رواية داود بن عبد الله الأودي في كتابه التهذيب، وهو وهم ينبغي التنبيه له، فإن قول ابن معين عليه رحمة الله في داود الأودي: ليس بشيء، لا يريد فيه داود بن عبد الله ولكنه يريد داود بن يزيد، وداود بن يزيد الأودي هو ضعيف معروف.

وقد أعل ابن حزم عليه رحمة الله هذا الخبر بداود الأودي وذلك لجهله بحاله، فإنه قال عليه رحمة الله: إن كان داود هذا هو عم ابن إدريس فضعيف وإلا فمجهول، وقد تعقبه جماعة من أهل العلم كابن قطان الفاسي فإنه قد ذكر أن الحميدي قد صحح هذا الخبر، وكتب إلى ابن حزم عليه رحمة الله رسالة يبين له صحة هذا الخبر، وكذلك يبين له حال داود بن عبد الله الأودي وأنه ثقة معروف وليس بمجهول وليس بضعيف أيضاً، وقال عليه رحمة الله: فلا أدري ابن حزم عليه رحمة الله أرجع عن قوله أم لا؟ ، والشاهد في ذلك أن هذا الخبر صحيح إسناده، وقد صححه بعض أهل العلم كالحميدي الله وابن القطان الفاسي والمصنف ابن حجر هنا وغيرهم من أهل العلم ونقل الميموني عن الامام أحمد إعلاله للاخبار الواردة في منع التطهر بفضل وضوء المرأة وفي جواز ذلك وعدها مضطربه.

ص: 46

وهذا يدل على ان الامام أحمد رحمه الله لم يشترط الصحة في مسنده وانما اشترط الشهرة ومعنى الشهرة أي ما عرف عند الحفاظ واشتهر وغن لم يشتهر ويعرف عند من هو دونهم، وليس المراد به الشهره عند أهل الاصطلاح وقد قال الامام احمد لابنه عبد الله لما سأله عن حديث ضعيف ذكره في المسند قال: إنما قصدت في المسند المشهور وتركت الناس تحت ستر الله ولو أردت أن أقصد ما صح عندي، لم أرو هذا المسند الا الشيء بعد الشيء. وهذا حكاه غير واحد من الأئمة وجماعة من الحنابلة كأبي بعلى وابن تيمية وابن القيم وغيرهم. ولهذا تجد ان الامام احمد اخرج احاديث في مسنده ومع هذا يعلها بل منها ما ينكره والامثله على هذا كثيرة جدا ومنها هذا الحديث وكذلك ما أخرجه الامام أحمد في مسنده من طريق أبي العميس عتبة عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إذا كان النصف من شعبان فأمسكوا عن الصوم حتى يكون رمضان. وقد نقل حرب عن أحمد قوله في هذا الحديث: هذا حديث منكر ولم يحدث العلاء بحديث أنكر من هذا وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث به ومن ذلك أيضاً ما أخرجه في مسنده من حديث أبي هريرة وابي سعيد وغيرهما: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه. وقال: لا يثبت فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومنها ما أخرجه في مسنده من حديث إسماعيل عن قيس عن جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعه الطعام بعد دفنه من النياحة. وقد نقل ابو داود عن الامام احمد قوله فيه: لا اصل له.ومنه ما اخرجه في مسنده من حديث بقية عن عثمان بن زفر عن هاشم عن بن عمر قال: من اشترى ثوبا بعشرة دراهم وفيه درهم حرام لم يقبل الله له صلاة ما دام عليه. قال ثم أدخل إصبعيه في أذنيه ثم قال صمتا ان لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم سمعته يقوله. وقد قال احمد: ليس له اسناد. يعني بهذه العبارة ليس له اسناد يعتمد عليه

ص: 47

وهو اشبه بالاحاديث التي تروى وليس لها اسناد اصلا. وكذلك من الامثله هذا الحديث الذي معنا كما ذكرناه في النهي عن الاغتسال بفضل الرجل والمرأة.

وهذا الخبر في نهيه صلى الله عليه وسلم أن تغتسل المرأة بفضل الرجل والرجل بفضل المرأة، قد اختلف أهل العلم في نهي النبي صلى الله عليه وسلم فيه:

- فذهب أهل الظاهر وهو مروي عن الإمام أحمد وهو قول الحنابلة عليهم رحمة الله على أن النهي هنا للتحريم؛ لأن الأصل من نهي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يحمل على التحريم.

ص: 48

- وذهب جماعة من أهل العلم وهو قولٌ للمالكية من أن نهي النبي صلى الله عليه وسلم هو للتنزيه، ويحمل على الكراهة، وذلك لورود عدة أخبار عنه صلى الله عليه وسلم، وكذلك عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن الرجل يغتسل بفضل المرأة، فقد أخرج البخاري وغيره عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر قال: كان الرجال والنساء يتوضأون جمعياً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك ما أخرجه أهل السنن: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وأخرجه أيضاً الإمام أحمد وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم من أهل العلم، ما أخرجوه من حديث سماك بن حرب عن عكرمة عن عبد الله بن عباس: اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في جفنة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليغتسل منها، فقالت زوجته: إني كنت جنباً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«إن الماء لا يجنب» ، وهذا الخبر قد أعله بعض أهل العلم وصححه بعضهم، فقد صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن حجر كما في كتابه هنا، وقد أعله بعض أهل العلم وتوقف فيه الإمام أحمد عليه رحمة الله وذلك لحالِ سماك بن حرب، وسماك بن حرب قد وثقه ابن معين عليه رحمة الله، وقد قال فيه النسائي: ليس به بأس، وقال فيه ابن المديني عليه رحمة الله ويعقوب ابن شيبة: أنه مضطرب الرواية في روايته عن عكرمة، قال الدارقطني عليه رحمة الله: إذا روى عنه سفيان وشعبة وأبو الأحوص فإن أحاديثه سليمة، وهو في هذا الخبر قد روى عنه سفيان كما عند الإمام أحمد وكذلك عند النسائي، وروى عنه أبو الأحوص كما عند أبي داود والترمذي وابن حبان والطبراني وغيرهم، وكذلك قد رواه عنه شعبة بن الحجاج عليه رحمة الله وقد اختلفت الالفاظ فيه فرواه شعبه وسفيان وابو الاحوص بلفظ:(ان الماء لا ينجسه شيء) وهو الصواب ولا يصح بلفظ (ان الماء لا يجنب) وفي الغالب اذا روى عنه شعبه وسفيان وابو الاحوص فهو

ص: 49

مما يدل على ضبطه لهذا الخبر، وأن هذا الخبر مستقيم، والعمدة أن ينظر مع ذلك الى استقامة الحديث وعدم غرابته واضطرابه وان لا يتفرد بما لم يأت به الثقات الحفاظ.

وعكرمة مولى عبد الله بن عباس قد أخرج له البخاري في صحيحه،

وهنا مسألة ينبغي التنبه لها: وهي أن أمثال هذا الروايات إذا وجد راوٍ قد أخرج له البخاري يروي عن راوي قد أخرج له الإمام مسلم عليه رحمة الله فإنه لا يقال في مثل هذا الخبر أنه لا على شرط البخاري ولا على شرط مسلم، ولا يقال أيضاً أنه على شرط الصحيح من غير الإشارة إلى البخاري أو مسلم، وإنما يقال رجاله رجال الصحيح أو رجاله أخرج لهم في الصحيح، فقد ذكرنا أن أمثال هذه اللفظة لا تدل على تصحيح الحديث، فإن سماك بن حرب في روايته عن عكرمة فيها اضطراب كما حكى ذلك ابن المديني، وكذلك يعقوب بن شيبة مع أن الإمام مسلم عليه رحمة الله قد أخرج لسماك بن حرب في روايته عن غير عكرمة، والبخاري عليه رحمة الله قد أخرج لعكرمة مولى عبد الله بن عباس من غير رواية سماك بن حرب عنه، فلا يقال ذلك أنه على شرط أحدهما فضلاً عن أن يكون على شرطهما، وأن قول البعض:(رجاله رجال الصحيح) ، لا تفيد تصحيحاً لهذا الخبر أو لغيره من الأخبار، وحكاية على شرط الصحيح على الاحاديث تساهل فيها الكثير ونظروا الى ظاهر الاسانيد وحكموا بذلك، وهذا غير صحيح فثمة اشياء غير سياق الرواة يلزم النظر فيه وهو الغرابة والتفرد وعدم المخالفة وسلامة المتن، وقد وجد من الاحاديث حكي فيها انها على شرط البخاري او مسلم او كليهما وفي متونها نكارة وغرابة، وهذا لا يصح والشيخان ينظران الى المتون كما ينظران الى الاسانيد والرجال وهذا قد غفل عنه كثير ممن ينتسب الى العلم من أهل العصر.

وعلى هذا فحديث سماك بن حرب عن عكرمة على ثلاثة انواع:

ص: 50