المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 79 الى 80] - التفسير الوسيط لطنطاوي - جـ ٢

[محمد سيد طنطاوي]

فهرس الكتاب

- ‌[المجلد الثاني]

- ‌تفسير سورة آل عمران

- ‌مقدّمة

- ‌تعريف بسورة آل عمران

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 1 الى 6]

- ‌[سورة آل عمران (3) : آية 7]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 8 الى 9]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 10 الى 13]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 14 الى 17]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 18 الى 20]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 21 الى 22]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 23 الى 25]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 26 الى 27]

- ‌[سورة آل عمران (3) : آية 28]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 29 الى 32]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 33 الى 37]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 38 الى 41]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 42 الى 47]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 48 الى 51]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 52 الى 57]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 58 الى 63]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 64 الى 71]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 72 الى 74]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 75 الى 76]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 77 الى 78]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 79 الى 80]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 81 الى 83]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 84 الى 85]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 86 الى 89]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 90 الى 92]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 93 الى 95]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 96 الى 97]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 98 الى 105]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 106 الى 109]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 110 الى 112]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 113 الى 115]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 116 الى 117]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 118 الى 120]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 121 الى 129]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 130 الى 136]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 137 الى 143]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 144 الى 148]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 149 الى 151]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 152 الى 155]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 156 الى 158]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 159 الى 164]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 165 الى 168]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 169 الى 175]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 176 الى 180]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 181 الى 188]

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 189 الى 200]

- ‌فهرس إجمالى لتفسير سورة «آل عمران»

الفصل: ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 79 الى 80]

وهكذا القلوب إذا فسدت، واستولى عليها الحسد والجحود، ارتكبت كل رذيلة ومنكر بدون تفكر في العواقب، أو تدبر لما جاءت به الشرائع، وأمرت به العقول السليمة.

وفي هذه الآية ترى أن لفظ الجلالة اللَّهُ قد تكرر ثلاث مرات، كذلك لفظ الْكِتابَ تكرر ثلاث مرات، ولم يكتف بالضمير الذي يدل عليهما، وذلك لقصد الاهتمام باسم الله- تعالى- وباسم كتابه، وبالخبر المتعلق بهما، ولأن من عادة العرب أنهم إذا عظموا شيئا أعادوا ذكره، وقد جاء ذلك كثيرا في أشعارهم، ومنه قول الشاعر:

لا أرى الموت يسبق الموت شيء

نغص الموت ذا الغنى والفقيرا

فقصد الشاعر من تكرار لفظ الموت تفخيم شأنه وتهويل أمره.

وبذلك نرى أن القرآن الكريم قد توعد الذين يشترون بعهد الله وبأيمانهم ثمنا قليلا بأشد ألوان الوعيد، وكشف عن لون آخر من ألوان مكر بعض اليهود، وعن جرأتهم في النطق بالكذب عن تعمد وإصرار، حتى يحذرهم المسلمون.

ثم نزه الله- تعالى- أنبياءه- عليهم الصلاة والسّلام- وعلى رأسهم محمد صلى الله عليه وسلم عن أن يطلبوا من الناس أن يعبدوهم، عقب تنزيهه- سبحانه- لذاته عما تقوله المفترون فقال- تعالى-:

[سورة آل عمران (3) : الآيات 79 الى 80]

ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80)

قال ابن كثير: «عن ابن عباس قال: قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام: أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ فقال رجل نصراني من أهل نجران يقال له الرئيس: أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا؟ - أو كما قال- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بعبادة غير الله، ما بذلك أمرنى ولا بذلك بعثني. - أو كما

ص: 158

قال صلى الله عليه وسلم فأنزل الله في ذلك قوله- تعالى-: ما كانَ لِبَشَرٍ إلى قوله: بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ «1» .

فقوله- تعالى- ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ رد على أولئك الجاهلين الذين زعموا أن بعض النبيين يصح له أن يطلب من الناس أن يعبدوه من دون الله والمعنى: لا يصح ولا ينبغي ولا يستقيم عقلا لبشر آتاه الله- تعالى- وأعطاه الْكِتابَ الناطق بالحق، الآمر بالتوحيد، الناهي عن الإشراك، وآتاه الْحُكْمَ أى العلم النافع والعمل به، وآتاه النُّبُوَّةَ أى الرسالة التي يبلغها عنه- سبحانه- إلى الناس، ليدعوهم إلى عبادته وحده، وإلى مكارم الأخلاق، لا يصح له ولا ينبغي بعد كل هذه النعم أن يكفرها ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ بعد هذا العطاء العظيم الذي وهبه الله له كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ أى: لا ينبغي ولا يعقل من بشر آتاه الله كل هذه النعم أن يقول للناس هذا القول الشنيع وهو كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ لأن الأنبياء الذين آتاهم الله الكتاب والحكم والنبوة يحجزهم خوفهم من الله، وإخلاصهم له، عن أن يقولوا هذا القول المنكر، كما يحجزهم عنه- أيضا- ما امتازوا به من نفوس طاهرة، وقلوب نقية، وعقول سليمة

لأنهم لو فرض أنهم قالوا ذلك لأخذهم الله- تعالى- أخذ عزيز مقتدر فهو- سبحانه- القائل:

وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ. لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ. فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ.

والتعبير بقوله- تعالى-: ما كانَ لِبَشَرٍ تعبير قرآنى بليغ، إذ يفيد نفى الشأن وعدم اتفاق هذا المعنى مع الحقيقة المفروضة في الرسل الكرام- عليهم الصلاة والسلام- وشبيه بهذا التعبير قوله- تعالى-: ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً.

وجاء العطف بثم في قوله ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ للإشعار بالتفاوت العظيم بين ما أعطاه الله- تعالى- لأنبيائه من نعم، وبين هذا القول المنكر الذي نفاه- سبحانه- عنهم، وهو أن يقولوا للناس: اجعلوا عبادتكم لنا ولا تجعلوها الله- تعالى- ثم بين- سبحانه- ما يصح للأنبياء أن يقولوه للناس فقال- تعالى-: وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ.

وقوله رَبَّانِيِّينَ جمع رباني نسبة إلى الرب- عز وجل بزيادة الألف والنون سماعا للمبالغة كما يقال في غليظ الرقبة رقبانى وللعظيم اللحية: لحياني.

(1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 377.

ص: 159

والمراد بالربانى: الإنسان الذي أخلص الله- تعالى- في عبادته، وراقبه في كل أقواله وأفعاله، واتقاه حق التقوى، وجمع بين العلم النافع والعمل به، وقضى حياته في تعليم الناس وإرشادهم إلى ما ينفعهم.

والمعنى: لا يصح لبشر آتاه الله ما آتاه من النعم أن يقول للناس اعبدوني من دون الله، ولكن الذي يعقل أن يصدر منه هو أن يقول لهم: كونوا رَبَّانِيِّينَ أى مقبلين على طاعة الله- تعالى- وعبادته وحده بجد ونشاط وإخلاص، بسبب كونكم تعلمون غيركم الكتاب الذي أنزله الله لهداية الناس وبسبب كونكم دارسين له، أى قارئين له بتمهل وتدبر.

وقوله- تعالى- وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ استدراك قصد به إثبات ما ينبغي للرسل أن يقولوه. بعد أن نفى عنهم ما لا ينبغي لهم أن ينطقوا به، أى: لا ينبغي لبشر آتاه الله نعما لا تحصى أن يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله، ولكن الذي ينبغي له أن يقوله لهم هو قوله: كونوا ربانيين أى مخلصين له- سبحانه- العبادة إخلاصا تاما.

ففي الجملة الكريمة إضمار، والتقدير:«ولكن يقول لهم كونوا ربانيين» فأضمر القول على حسب مذهب العرب في جواز الإضمار إذا كان في الكلام ما يدل عليه، ونظيره قوله- تعالى- فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ أى فيقال لهم: أكفرتم، والباء في قوله بِما كُنْتُمْ للسببية. وما مصدرية أى بسبب كونكم معلمين الكتاب وبسبب كونكم دارسين له.

وقرأ أبو عمرو وابن كثير ونافع «تعلمون» بإسكان العين وفتح اللام- من العلم أى بسبب كونكم عالمين بالكتاب ودارسين له.

قال الرازي: دلت الآية على أن العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان ربانيا، فمن اشتغل بذلك لا لهذا المقصد ضاع سعيه وخاب عمله، وكان مثله كمثل من غرس شجرة حسناء مونقة بمنظرها ولا منفعة بثمرها، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:«نعوذ بالله من علم لا ينفع وقلب لا يخشع» .

وقوله- تعالى- وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً تأكيد لنفى أن يقول أحد من البشر الذين أتاهم الله الكتاب والحكم والنبوة للناس اعبدوني من دون الله، وتنزيه لساحتهم عن أن يأمروهم بعبادة غير الله.

وقوله وَلا يَأْمُرَكُمْ وردت فيه قراءتان مشهورتان.

أما القراءة الأولى فبفتح الراء عطفا على يَقُولَ في قوله ثُمَّ يَقُولَ وتكون «لا» مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله ما كانَ لِبَشَرٍ ويكون في الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب.

ص: 160

والمعنى على هذه القراءة: ما كان لبشر أن يؤتيه الله ما ذكر ثم يأمر الناس بعبادة نفسه، أو يأمرهم باتخاذ الملائكة والنبيين أربابا، وذلك كقولك ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ويستخف بي. وبهذه القراءة قرأ ابن عامر وحمزة وعاصم.

وعلى هذه القراءة يكون توسيط الاستدراك بين المعطوف والمعطوف عليه، للمسارعة إلى تحقيق الحق، ولبيان ما يليق بشأنه ويحق صدوره عنه.

وأما القراءة الثانية فقد قرأها الباقون برفع الراء في يَأْمُرَكُمْ فتكون الجملة مستأنفة، والمعنى: ولا يأمركم هذا البشر الذي أعطاه الله ما أعطاه من نعمة أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا.

وخصص الملائكة والنبيين بالذكر لأن عبادتهما قد شاعت عند كثير من الناس، فقد وقع في عبادة الملائكة «الصابئة» الذين كانوا يقيمون في بلاد الكلدان، وتبعهم بعض المشركين من العرب. ووقع في عبادة بعض النبيين كثير من النصارى فقد اتخذوا المسيح إلها يعبد وزعموه ابن الله وكثير من اليهود عبدوا عزيزا وزعموه ابن الله.

والاستفهام في قوله أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ للإنكار الذي بمعنى النفي.

أى: أن الرسل الكرام لا يمكن أن يأمروا الناس بالكفر بالله بعد أن هداهم الله- تعالى- عن طريق هؤلاء الرسل إلى أن يكونوا مسلمين.

فالجملة الكريمة تأكيد بأبلغ وجه لنفى أن يأمر الرسل الناس بعبادة غير الله، وتنزيه لساحتهم عن أن يقولوا قولا أو يأمروا بأمر يخالف ما تلقوه عن الله- تعالى- من إفراده بالعبادة والطاعة والخضوع.

قال بعضهم: وإذا كان ما ذكر في الآيتين لا يصلح لنبي ولا لمرسل، فلأن لا يصلح لأحد من الناس غيرهم بطريق الأولى والأحرى، ولهذا قال الحسن البصري: لا ينبغي هذا لمؤمن أن يأمر الناس بعبادته. ثم قال: وذلك أن القوم- يعنى أهل الكتاب- كان يعبد بعضهم بعضا كما قال- تعالى- اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ.

فالجهلة من الأحبار والرهبان يدخلون في هذا الذم، بخلاف الرسل وأتباعهم من العلماء العاملين، فإنهم إنما يأمرون بما أمر الله به، وينهون عما نهى الله- تعالى- عنه، ولذلك سعدوا وفازوا» «1» .

(1) تفسير ابن كثير بتلخيص ج 1 ص 377.

ص: 161