الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أى أن الله- تعالى- خبير ومطلع على ما يصدر عنكم من سخاء أو بخل أو غيرهما، وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ساقت ألوانا من التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ولأتباعه، وبشرتهم بأن العاقبة ستكون لهم، وفضحت المنافقين وهتكت ما تستروا به من رياء وخداع، وبينت أن من سنن الله في خلقه أن يبتلى عباده بشتى ألوان البلاء ليتميز الخبيث من الطيب، وأنه- سبحانه- يملى للكافرين ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وأن البخلاء بما آتاهم الله من فضله ستكون عاقبتهم شرا، ومصيرهم إلى العذاب الأليم.
ثم أخذت السورة الكريمة- بعد أن فضحت المنافقين- في الحديث عن بعض رذائل أهل الكتاب، وفي التحذير من شرورهم، وفي بيان طبيعة هذه الحياة وما تحمله من بلاء واختبار فقال- تعالى-:
[سورة آل عمران (3) : الآيات 181 الى 188]
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (181) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَاّمٍ لِلْعَبِيدِ (182) الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (183) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (184) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَاّ مَتاعُ الْغُرُورِ (185)
لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (187) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (188)
قال ابن كثير: عن ابن عباس قال: لما نزل قوله- تعالى- مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً، فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً قالت اليهود: يا محمد!! افتقر ربك فسأل عباده القرض، فأنزل الله هذه الآية.
وروى محمد بن إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال: دخل أبو بكر الصديق بيت المدارس «1» . فوجد من يهود ناسا كثيرة قد اجتمعوا على رجل منهم يقال له «فنحاص» وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر يقال له «أشيع» . فقال له أبو بكر: ويحك يا فنحاص اتق الله وأسلم فو الله إنك لتعلم أن محمدا رسول من عند الله، قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل. فقال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من حاجة من فقر، وإنه إلينا لفقير، ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء. ولو كان عنا غنيا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم. ينهاكم عن الربا ويعطينا، ولو كان غنيا ما أعطانا الربا.
(1) أى المكان الذي يتدارسون فيه علومهم.
فغضب أبو بكر وضرب وجه فنحاص ضربا شديدا، وقال: والذي نفسي بيده لولا الذي بيننا وبينك من العهد لضربت عنقك يا عدو الله
…
فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد: أبصر ما صنع بي صاحبك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حملك على ما صنعت يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله. إن عدو الله قال قولا عظيما. يزعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء. فلما قال ذلك غضبت لله مما قال فضربت وجهه.
فجحد فنحاص ذلك وقال: ما قلت ذلك. فأنزل الله فيما قال فنحاص: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا
…
«1» .
والمعنى: لقد سمع الله- تعالى- قول أولئك اليهود الذين نطقوا بالزور والفحش فزعموا أن الله- تعالى- فقير وهم أغنياء.
والمقصود من هذا السمع لازمه وهو العلم والإحاطة بما يقولون من قبائح، ثم محاسنهم على ما تفوهوا به من أقوال، وما ارتكبوه من أعمال، ومعاقبتهم على جرائمهم بالعقاب المهين الذين يستحقونه.
وقوله سَنَكْتُبُ ما قالُوا، وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ أى سنسجل عليهم في صحائف أعمالهم قولهم هذا، كما سنسجل عليهم قتلهم أنبياء الله بغير حق، فالإسناد مجازى والكتابة حقيقية.
أو المعنى: سنحفظه في علمنا ولا نهمله، وسنعاقبهم بما يستحقون من عقوبات، فيكون الإسناد حقيقة والكتابة مجاز.
والسين للتأكيد، أى لن يفوتنا أبدا تدوينه وإثباته، بل سنسجله عليهم ونعاقبهم عليه عقابا أليما بسبب أقوالهم القبيحة، وأعمالهم المنكرة.
وقد قرن- سبحانه- قولهم المنكر هذا، يفعل شنيع من أفعال أسلافهم، وهو قتلهم الأنبياء بغير حق وذلك لإثبات أصالتهم في الشر، واستهانتهم بالحقوق الدينية، وللتنبيه على أن قولهم هذا ليس أول جريمة ارتكبوها، ومعصية استباحوها، فقد سبق لأسلافهم أن قتلوا الأنبياء بغير حق، وللإشعار بأن هاتين الجريمتين من نوع واحد، وهو التجرؤ على الله- تعالى-، فقتل الأنبياء هو تعد على أمناء الله في الأرض الذين اختارهم لتبليغ رسالاته، وقولهم إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ
(1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 434.
وهو تطاول على ذات الله، وكذب عليه، ووصف له بما لا يليق به- سبحانه- وبهذا كله يكونون قد عتوا عتوا كبيرا، وضلوا ضلالا بعيدا.
وأضاف- سبحانه- القتل إلى المعاصرين للعهد النبوي من اليهود، مع أنه حدث من أسلافهم لأن هؤلاء المعاصرين كانوا راضين بفعل أسلافهم ولم ينكروه وإن لم يكونوا قد باشروه، ومن رضى بجريمة قد فعلها غيره فكأنما قد فعلها هو.
وفي الحديث الشريف: إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فأنكرها كمن غاب عنها. ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها.
ووصف- سبحانه- قتلهم للأنبياء بأنه بِغَيْرِ حَقٍّ مع أن هذا الإجرام لا يكون بحق أبدا، للإشارة إلى شناعة أفعالهم، وضخامة شرورهم، وأنهم لخبث نفوسهم، وقسوة قلوبهم لا يبالون أكان فعلهم في موضعهم أم في غير موضعه.
ثم صرح- سبحانه بالعقوبة بعد أن كنى عنها فقال: وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ أى:
سنجازيهم بما فعلوا، ونلقى بهم في جهنم، مخاطبين إياهم بقولنا: ذوقوا عذاب تلك النار المحرقة التي كنتم بها تكذبون.
ففي الآية الكريمة إيجاز بالحذف دل عليه سياق الكلام.
والذوق حقيقته إدراك المطعومات، والأصل فيه أن يكون في أمر مرغوب في ذوقه وطلبه، والتعبير به هنا عن ذوق العذاب هو لون من التهكم عليهم، والاستهزاء بهم كما في قوله- تعالى- فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ.
ثم صرح- سبحانه- بأنهم هم الذين جنوا على أنفسهم بوقوعهم في العذاب المحرق فقال: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.
أى: ذلك العذاب الشديد الذي حاق بكم- أيها اليهود- بسبب ما قدمته أيديكم من عمل سىء، وما نطقت به أفواهكم من قول منكر، فقد اقتضت حكمته وعدالته ألا يعذب إلا من يستحق العذاب، وأنه- سبحانه- لا يظلم عباده مثقال ذرة. واسم الإشارة ذلِكَ يعود إلى العذاب المحقق المنزل منزلة المحسوس المشاهد. والمراد بالأيدى الأنفس، والتعبير بالأيدى عن الأنفس من قبيل التعبير بالجزء عن الكل.
وخصت الأيدى بالذكر، للدلالة على التمكن من الفعل وإرادته، ولأن أكثر الأفعال يكون عن طريق البطش بالأيدى، ولأن نسبة الفعل إلى اليد تفيد الالتصاق به والاتصال بذاته.
قال الآلوسى ما ملخصه:
وقوله وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ عطف على قوله بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ فهو داخل تحت حكم باء السببية، وسببيته للعذاب من حيث إن نفى الظلم يستلزم العدل المقتضى إثابة المحسن ومعاقبة المسيء
…
وصيغة المبالغة لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذكر من التعذيب بغير ذنب في صورة المبالغة في الظلم
…
وقيل إن صيغة «ظلام» للنسب كعطار أى: لا ينسب إليه الظلم أصلا» «1» .
ثم ذكر- سبحانه- رذيلة أخرى من رذائل اليهود فقال: الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ.
وقوله الَّذِينَ قالُوا إِنَّ.. إلخ. في محل نصب بتقدير: أعنى. أو في محل رفع بتقدير: هم الذين قالوا. ويجوز أن يكون في محل جر على البدلية من قوله الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ.
والمراد بالموصول جماعة من اليهود منهم كعب بن الأشرف، وفنحاص بن عازوراء، وحي بن أخطب
…
وغيرهم، فقد ذكر جماعة من المفسرين أنهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا له هذا القول وهو: إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا
…
إلخ.
والقربان هو ما يتقرب به إلى الله من نعم أو غير ذلك من القربات.
والمعنى: أن عذابنا الأليم سيصيب أولئك اليهود الذين قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء، والذين قالوا إن الله أمرنا في التوراة وأوصانا بأن لا نصدق ونعترف لرسول يدعى الرسالة إلينا من قبل الله- تعالى- حتى يأتينا بقربان يتقرب به إلى الله، فتنزل نار من السماء فتأكل هذا القربان، فإذا فعل ذلك كان صادقا في رسالته.
ومقصدهم من وراء هذا القول الذي حكاه القرآن عنهم، أن يظهروا أمام الناس بمظهر المحافظين على عهود الله. وأنهم ما تركوا الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم حسدا له، وإنما تركوا الإيمان به، لأنه لم يأت بالمعجزات التي أتى بها الأنبياء السابقون، فهم معذورون إذا لم يؤمنوا به لأنه ليس نبيا صادقا- في زعمهم-.
ولا شك أن قولهم هذا ظاهر البطلان، لأن الإتيان بالقربان إذا كان معجزة لرسول لا يستلزم أن يكون معجزة لكل رسول، إذ أن آيات الله في إثبات رسالات رسله متعددة النواحي، مختلفة المناهج، وكون هذا الإتيان بالقربان الذي تأكله النار معجزة لبعض الرسل لا يستدعى أن يكون معجزة لجميعهم ولذا فقد أمر الله- تعالى- رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم أن يرد
(1) تفسير الآلوسى ج 4 ص 143. [.....]
عليهم بما يبطل قولهم فقال: قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ، فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
أى: قل لهم يا محمد قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي كثير عددهم «بالبينات» أى بالحجج الواضحة، وبالمعجزات الساطعة الدالة على صدقهم وَبِالَّذِي قُلْتُمْ أى وجاءكم هؤلاء الرسل بالقربان الذي تأكله النار فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ بعد أن جاءوكم بتلك المعجزات الباهرة إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعواكم أنكم تتبعون الحق، وتطيعون الرسل متى أتوكم بما يشهد بصدقهم؟.
فالجملة الكريمة ترد على هؤلاء اليهود بأبلغ الوجوه التي تثبت كذبهم فيما يدعون، لأن قتلهم للأنبياء بعد أن جاءوهم بالمعجزات الواضحة الدالة على صدقهم، دليل على أن هؤلاء اليهود قد بلغوا منتهى الجحود والظلم والعدوان، وأن دعواهم أن إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم متوقف على مجيئه بالقربان الذي تأكله النار دعوى كاذبة، لأن من جاءهم بالقربان كان جزاؤه القتل منهم
…
قال الفخر الرازي: وقد بين الله بهذه الدلائل أنهم يطلبون هذه المعجزة لا على سبيل الاسترشاد وإنما على سبيل التعنت. وذلك لأن أسلافهم طلبوا هذه المعجزة من الأنبياء المتقدمين مثل: زكريا ويحيى وعيسى، فلما أظهروا لهم هذا المعجزة سعوا في قتلهم بعد أن قابلوهم بالتكذيب والمخالفة والمعاندة. وذلك يدل على أن مطالبهم كانت على سبيل التعنت إذ لو لم يكن الأمر كذلك لما سعوا في قتلهم، ومتأخرو اليهود راضون بفعل متقدميهم. وهذا يقتضى كونهم متعنتين- أيضا- في مطالبهم. ولهذا لم يجبهم الله فيها» «1» .
فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ. جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ.
والبينات: جمع بينة وهي الآيات المبينة للحق، والأدلة التي يستشهد بها الرسول على أنه صادق فيما يبلغه عن ربه.
والزبر جمع زبور- كالرسول والرسل- وهو الكتاب المقصور على الحكم من زبرته بمعنى حسنته.
وخص الزبور بالكتاب الذي أنزله الله على داود- عليه السلام: قال- تعالى- وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً.
وقيل: الزبر اسم للمواعظ والزواجر من زبرته إذا زجرته.
(1) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 122.
والمعنى فإن كذبك هؤلاء اليهود يا محمد بعد أن قام الدليل على صدقك وعلى كذبهم وتعنتهم وجحودهم، فلا تبتئس ولا تحزن، فإن الأنبياء من قبلك قد قوبلوا بالتكذيب من أقوالهم بعد أن جاءوهم بالدلائل الواضحة الدالة على صدقهم وبعد أن جاءوهم بِالزُّبُرِ أى بالكتب الموحى بها من الله- تعالى- لوعظ الناس وزجرهم، وبعد أن جاءوهم بالكتاب المنير أى بالكتاب الواضح المستنير المشتمل على سعادة الناس في دنياهم وآخرتهم.
فالآية الكريمة مسوقة على سبيل التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم والتخفيف عنه مما يلقاه من الجاحدين والمكذبين.
ثم بين- سبحانه- أن مرد الخلق جميعا إلى الله، وأن كل نفس مهما طال عمرها لا بد أن يصيبها الموت، وأن الدار الباقية إنما هي الدار الآخرة التي سيحاسب الناس فيها على أعمالهم فقال- تعالى-: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ، وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ.
قال ابن كثير: «يخبر- تعالى- إخبارا عاما يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت، كقوله- تعالى-: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ.
فهو- تعالى- وحده الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون، وكذلك الملائكة وحملة العرش، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء فيكون آخرا كما كان أولا، وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت..» .
وقوله ذائِقَةُ الْمَوْتِ من الذوق وحقيقته إدراك الطعوم، والمراد به هنا حدوث الموت لكل نفس.
وعبر عن حدوث الموت لكل نفس بذوقه، للإشارة إلى أنه عند ذوق المذاق إما مرا لما يستتبعه من عذاب، وإما حلوا هنيئا بسبب ما يكون بعده من أجر وثواب.
وأسند ذوق الموت إلى الناس ولم يسنده إلى الشخص: لأن النفس روح، والشخص جزءان: جسم ونفس، والنفس هي التي تبقى بعد مفارقتها للجسد، فهي التي تذوق الموت كما ذاقت الحياة الدنيا.
وقوله وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أى: وإنما تعطون جزاء أعمالكم وافيا تاما يوم القيامة. يوم يقوم الناس لرب العالمين ليحاسبهم على أعمالهم، فيجازى الذين أساءوا بما عملوا. ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت كيف اتصل قوله- تعالى-: وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ بما قبله؟ قلت: اتصاله به على معنى أن كلكم تموتون، ولا بد لكم من الموت
ولا توفون أجوركم على طاعتكم ومعصيتكم عقيب موتكم، وإنما توفونها يوم قيامكم من القبور.
فإن قلت: فهذا يوهم نفى ما يروى من أن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار؟ قلت: كلمة التوفية تزيل هذا الوهم، لأن المعنى أن توفية الأجور وتكميلها يكون في ذلك اليوم، وما يكون قبل ذلك فهو بعض الأجور» «1» .
وقال الفخر الرازي: «بين- سبحانه- أن تمام الأجر والثواب لا يصل إلى المكلف إلا يوم القيامة، لأن كل منفعة تصل إلى المكلف في الدنيا فهي مكدرة بالغموم والهموم وبخوف الانقطاع والزوال، والأجر التام والثواب الكامل إنما يصل إلى المكلف يوم القيامة، لأن هناك يحصل السرور بلا غم، والأمن بلا خوف، واللذة بلا ألم، والسعادة بلا خوف الانقطاع.
وكذا القول في العقاب، فإنه لا يحصل في الدنيا ألم خالص عن شوائب اللذة، بل يمتزج به راحات وتخفيفات، وإنما الألم التام الخالص الباقي هو الذي يكون يوم القيامة» «2» .
ثم قال- تعالى- فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ.
الزحزحة عن النار: هي التنحية عنها، وعدم الاقتراب منها والفعل زحزح مضاعف الفعل زحه عن المكان إذا جذبه وأبعده عنه بعجلة وسرعة.
والمعنى أن كل نفس سيدركها الموت لا محالة. وأن الناس سيحاسبون على أعمالهم يوم القيامة، فمن كانت نتيجة حسابه الإبعاد عن النار، والنجاة من سعيرها، فقد فاز فوزا عظيما، وأدرك البغية التي ليس بعدها بغية.
والفاء في قوله فَمَنْ زُحْزِحَ للتفريع على قوله تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ.
وجمع- سبحانه- بين زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ مع أن في الثاني غنية عن الأول، للإشعار بأن دخول الجنة يشتمل على نعمتين عظيمتين وهما: النجاة من النار، والتلذذ بنعيم الجنة.
وفي الحديث الشريف عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، اقرءوا إن شئتم فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ «3» .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب أن يزحزح عن
(1) تفسير الكشاف ج ص 345. بتصرف يسير.
(2)
تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 137.
(3)
تفسير ابن كثير ج 1 ص 435.
النار ويدخل الجنة، فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه» «1» .
ثم ختم- الآية بقوله: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ.
والمتاع: هو ما يتمتع به الإنسان وينتفع به مما يباع ويشترى.
والغرور- بضم الغين- مصدر غره أى خدعه وأطعمه بالباطل.
أى: ليست هذه الحياة الدنيا التي نعيش فيها. ونستمتع بلذاتها ومنافعها، إلا متاعا يستمتع به المغتر بها، الذي لا يفكر في أى شيء سواها، ثم يحاسب على ذلك حسابا عسيرا يوم القيامة، أما الذي يأخذ من متاعها بالطريقة التي أمر الله- تعالى- بها، فإنه يكون من السعداء في دنياهم وآخرتهم.
قال صاحب الكشاف: شبه- سبحانه- الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغر حتى يشتريه، ثم يتبين له فساده ورداءته والشيطان هو المدلس الغرور. وعن سعيد بن جبير: إنما هذا لمن آثرها على الآخرة، فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ» «2» .
فالآية الكريمة ترغيب للمؤمنين في الطاعة، وتحذير للعصاة من المعصية، وتذكير للجميع بأن مرجعهم إلى الله إن عاجلا أو آجلا، وسيلقى كل إنسان جزاءه على عمله، وأن السعادة الحقة لمن نال رضا الله يوم يلقاه.
ثم بين- سبحانه- للمؤمنين أنهم سيتعرضون في المستقبل للمحن والآلام كما تعرضوا لذلك في أيامهم الماضية، وأن من الواجب عليهم أن يتقبلوا ذلك بعزيمة صادقة، وصبر جميل فقال- تعالى-: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ، وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً.
وقوله لَتُبْلَوُنَّ جواب قسم محذوف أى: والله لتبلون أى لتختبرن. والمراد لتعاملن معاملة المختبر والممتحن ليظهر ما عندكم من الثبات على الحق، ومن التمسك بمكارم الأخلاق، فإن المصائب محك الرجال.
وإنما أخبرهم- سبحانه- بما سيقع لهم من بلاء، ليوطنوا أنفسهم على احتماله عند وقوعه، وليستعدوا لتلقيه من غير فزع أو جزع، فإن الشدة المتوقعة يسهل احتمالها، أما الشدة التي تقع من غير توقع فإنها يصعب احتمالها.
(1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 435.
(2)
تفسير الكشاف ج 1 ص 345.
والمعنى: لتبلون- أيها المؤمنون- ولتختبرن فِي أَمْوالِكُمْ بما يصيبها من الآفات، وبما تطالبون به من إنفاق في سبيل إعلاء كلمة الله، ولتختبرن أيضا في أَنْفُسِكُمْ بسبب ما يصيبكم من جراح وآلام من قبل أعدائكم، وبسبب ما تتعرضون له من حروب ومتاعب وشدائد، وفضلا عن ذلك فإنكم لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وهم اليهود والنصارى وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا وهم كفار العرب، لتسمعن من هؤلاء جميعا أَذىً كَثِيراً كالطعن في دينكم، والاستهزاء بعقيدتكم، والسخرية من شريعتكم والاستخفاف بالتعاليم التي أتاكم بها نبيكم، والتفنن فيما يضركم.
وقد رتب- سبحانه- ما يصيب المؤمنين ترتيبا تدريجيا، فابتدأ بأدنى ألوان البلاء وهو الإصابة في المال، فإنها مع شدتها وقسوتها على الإنسان إلا أنها أهون من الإصابة في النفس لأنها أغلى من المال، ثم ختم ألوان الابتلاء ببيان الدرجة العليا منه وهي التي تختص بالإصابة في الدين، وقد عبر عنها بقوله: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً.
وإنما كانت الإصابة في الدين أعلى أنواع البلاء، لأن المؤمن الصادق يهون عليه ماله، وتهون عليه نفسه، ولكنه لا يهون عليه دينه، ويسهل عليه أن يتحمل الأذى في ماله ونفسه ولكن ليس من السهل عليه أن يؤذى في دينه
…
ولقد كان أبو بكر الصديق مشهورا بلينه ورفقه. ولكنه مع ذلك- لقوة إيمانه- لم يحتمل من «فنحاص» اليهودي أن يصف الخالق- عز وجل بأنه فقير، فما كان من الصديق إلا أن شجّ وجه فنحاص عند ما قال ذلك القول الباطل.
وقد جمع- سبحانه- بين أهل الكتاب وبين المشركين في عداوتهم وإيذائهم للمؤمنين، للإشعار بأن الكفر ملة واحدة، وأن العالم بالكتاب والجاهل به يستويان في معاداتهم للحق، لأن العناد إذا استولى على القلوب زاد الجاهلين جهلا وحمقا، وزاد العالمين حقدا وحسدا.
ثم أرشد- سبحانه- المؤمنين إلى العلاج الذي يعين على التغلب على هذا البلاء فقال:
وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ.
أى: وإن تصبروا على تلك الشدائد، وتقابلوها يضبط النفس، وقوة الاحتمال. وَتَتَّقُوا الله في كل ما أمركم به ونهاكم عنه، تنالوا رضاه- سبحانه- وتنجوا من كيد أعدائكم.
والإشارة في قوله فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ تعود إلى المذكور ضمنا من الصبر والتقوى، أى فإن صبركم وتقواكم من الأمور التي يجب أن يسير عليها كل عاقل. لأنها تؤدى إلى النجاح والظفر.
وقوله فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ دليل على جواب الشرط. والتقدير: وإن تصبروا وتتقوا تنالوا ثواب أهل العزم فإن ذلك من عزم الأمور.
فالآية الكريمة استئناف مسوق لإيقاظ المؤمنين، وتنبيههم إلى سنة من سنن الحياة، وهي أن أهل الحق لا بد من أن يتعرضوا للابتلاء والامتحان، فعليهم أن يوطنوا أنفسهم على تحمل كل ذلك، لأن ضعفاء العزيمة ليسوا أهلا لبلوغ النصر.
ولقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن قوة الإيمان وشدة البلاء متلازمان، فقد روى الترمذي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قلت يا رسول الله، أى الناس أشد بلاء؟ قال:«الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل. فيبتلى الرجل على حسب دينه. فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلى على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشى على الأرض ما عليه خطيئة» .
ثم حكى- سبحانه- رذيلة أخرى من رذائل أهل الكتاب فقال: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ.
الميثاق. هو العهد الموثق المؤكد. وقد أخذ- سبحانه- العهد على الذين أوتو الكتاب بأمرين:
أولهما: بيان ما في الكتاب من أحكام وأخبار.
وثانيهما: عدم كتمان كل شيء مما في هذا الكتاب.
والمعنى: واذكر أيها المخاطب وقت أن أخذ الله العهد المؤكد على أهل الكتاب من اليهود والنصارى بأن يبينوا جميع ما في الكتاب من أحكام وأخبار وبشارات بالنبي صلى الله عليه وسلم وألا يكتموا شيئا من ذلك، لأن كتمانهم للحق سيؤدي إلى سوء عاقبتهم في الدنيا والآخرة.
والضمير في قوله «لتبيننه» يعود إلى الكتاب المشتمل على الأخبار والشرائع والأحكام والبشارات الخاصة بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم.
أى لتبينن ما في هذا الكتاب الذي بين أيديكم من أحكام وشرائع وأخبار وبشارات. وقيل الضمير يعود إلى الميثاق، ويكون المراد من العهد الذي وثقه الله عليهم هو تعاليمه وشرعه ونوره.
وقوله وَلا تَكْتُمُونَهُ عطف على «لتبيننه» وإنما لم يؤكد بالنون لكونه منفيا. وجمع- سبحانه- بين أمرهم المؤكد بالبيان وبين نهيهم عن الكتمان مبالغة في إيجاب ما أمروا به حتى لا يقصروا في إظهار ما في الكتاب من حقائق وحتى لا يلجئوا إلى كتمان هذه الحقائق أو تحريفها.
ولكن أهل الكتاب- ولا سيما العلماء منهم- نقضوا عهودهم مع الله- تعالى-، وقد حكى- سبحانه- ذلك في قوله فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ.
النبذ: الطرح والترك والإهمال.
أى أن أهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهود الموثقة بأن يبينوا ما في الكتاب ولا يكتموا شيئا منه، لم يكونوا أوفياء بعهودهم، بل إنهم نبذوا ما عاهدهم الله عليه، وطرحوه وراء ظهورهم باستهانة وعدم اعتداد. وأخذوا في مقابل هذا النبذ والطرح والإهمال شيئا حقيرا من متاع الدنيا وحطامها، فبئس الفعل فعلهم.
والتعبير عنهم بقوله فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كناية عن استهانتهم بالمنبوذ، وإعراضهم عنه بالكلية، وإهمالهم له إهمالا تاما، لأن من شأن الشيء المنبوذ أن يهمل ويترك، كما أن من شأن الشيء الذي هو محل اهتمام أن يحرس ويجعل نصب العين.
والضمير في قوله فَنَبَذُوهُ يعود على الميثاق باعتبار أنه موضع الحديث ابتداء.
ويصح أن يعود إلى الكتاب، لأن الميثاق هو الشرائع والأحكام، والكتاب وعاؤها، فنبذ الكتاب نبذ للعهد.
والمراد «بالثمن القليل» ما أخذوه من أموال ومتاع دنيوى من غيرهم في مقابل عدم بيانهم لما في الكتاب من حقائق، وكتمانهم لذلك إرضاء للشهوات وللأهواء الباطلة.
وليس وصف الثمن بالقلة من الأوصاف المخصصة للنكرات، بل هو من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل في مقابل نبذهم لكتاب الله وعهوده، إذ لا يكون هذا الثمن المحصل إلا قليلا وإن بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا بجانب رضا الله- تعالى-.
قوله فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ أى بئس شيئا يشترونه ذلك الثمن.
فما نكرة منصوبة مفسرة لفاعلي بئس، وجملة يشترونه صفته، والمخصوص بالذم محذوف.
وقيل «ما» مصدرية فاعلى بئس، والمخصوص بالذم محذوف، أى بئس شراؤهم هذا الشراء لاستحقاقهم به العذاب الأليم.
وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة، وجوب إظهار الحق، وتحريم كتمانه.
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: وكفى به دليلا على أنه مأخوذ على العلماء أن يبينوا الحق للناس، وألا يكتموا منه شيئا لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة،
وتطييب لنفوسهم، واستجلاب لمسارهم، أو لجر منفعة وحطام دنيا، أو لتقية، أو لبخل بالعلم وغيره من أن ينسب إلى غيرهم، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«من كتم علماء عن أهله ألجم بلجام من نار» وعن على رضى الله عنه، قال:«ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى خذ على أهل العلم أن يعلموا» «1» .
وقال ابن كثير عند تفسيره للآية الكريمة: هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن ينوهوا بذكره في الناس فيكونوا على أهبة من أمره، فإذا أرسله الله تابعوه، فكتموا ذلك وتعوضوا عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون الطفيف، والحظ الدنيوي السخيف، فبئس الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم، وفي هذا تحذير للعلماء من أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم ويسلك بهم مسلكهم، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، ولا يكتموا منه شيئا» «2» .
ثم حكى- سبحانه- رذيلة أخرى من رذائل أهل الكتاب المتعددة، وهي أنهم يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، ويفرحون بما أتوا، وبين سوء عاقبتهم بسبب تلك الأخلاق القبيحة فقال:
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا، وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا، فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.
والخطاب في قوله لا تَحْسَبَنَّ موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح له الخطاب.
والنهى موجه إلى حسبان أن يكون في هؤلاء الأشرار خير.
أى أن الله تعالى، ينهى نبيه صلى الله عليه وسلم، نهيا مؤكدا عن أن يظن خيرا في هؤلاء الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا.
و «المفازة» مصدر ميمى بمعنى الفوز. وقيل هي اسم مكان أى محل فوز ونجاة.
والمعنى: لا تظن يا محمد أن هؤلاء الأشرار الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا أى يفرحون بما فعلوا من بيعهم الدين بالدنيا واستبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير، والذين يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا أى يحبون أن يمدحهم الناس على ما لم يفعلوه من الوفاء بالعهود، ومن إظهار الحق وعدم كتمانه، فإنهم فعلوا الشرور والآثام. ثم لم يحاولوا أن يستروا ما اقترفوه من آثام، بل
(1) تفسير الكشاف ج 1 ص 346. بتصرف يسير.
(2)
تفسير ابن كثير ج 1 ص 436.
يطلبون من الناس أن يمدحوهم على ما ارتكبوه من منكرات، فهم ممن قال الله فيهم أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً.
لا تحسبن هؤلاء الأشرار بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ أى بمنجاة منه، بل لهم عذاب مؤلم أشد الإيلام بسبب ما اجترحوه من سيئات.
وقوله الَّذِينَ يَفْرَحُونَ هو المفعول الأول لتحسب، والمفعول الثاني محذوف والتقدير:
لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا موفقين. أو مهتدين، أو صالحين.
وحذف هذا المفعول الثاني لدلالة ما بعده عليه وهو قوله فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ ولتذهب النفس كل مذهب فيما يتناسب مع الوصف الذي وصفهم به- سبحانه-، وهو أنهم يفعلون القبيح ويحبون أن يحمدهم الناس عليه.
وقوله فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ بيان لسوء عاقبتهم بسبب أفعالهم السيئة وهو تأكيد لقوله لا تَحْسَبَنَّ.
قال الزجاج: جرت عادة العرب أنهم إذا طالت القصة أو الكلام أعادوا لفظ حسب وما أشبهه، للإعلام بأن الذي جرى متصل بالكلام الأول والأول متصل به. فتقول. لا تظن زيدا إذا جاءك وكلمك بكذا وكذا فلا تظنه صادقا. فيفيد «لا تظنن» توكيدا وتوضيحا «1» .
والتعبير عن النجاة من العذاب الأليم بقوله- تعالى بِمَفازَةٍ للإشعار بأن أقصى ما يكون لهم من فوز أن ينجوا من العذاب الأليم، ولكنهم لن ينجوا منه أبدا، ولذا أكد- سبحانه- عدم نجاتهم بقوله وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.
فذكر- سبحانه- عذابهم الأليم بالسلب والإيجاب، فنفى أولا أنهم بمنجاة منه، وأخبر ثانيا أنهم واقعون فيه.
هذا، وقد ذكر كثير من العلماء أن هذه الآية الكريم نزلت في شأن أحبار اليهود فقد روى الشيخان والترمذي والنسائي وغيرهم عن حميد بن عبد الرحمن ابن عوف أن مروان قال لبوابه رافع: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقال له لئن كان كل امرئ منا فرح بما أوتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل لنعذ بن جميعا.
فقال ابن عباس: ما لكم وهذه، وإنما نزلت هذه في أهل الكتاب ثم تلا ابن عباس:
(1) تفسير الآلوسى ج 4 ص 151.