الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القول في تأويل قوله تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ
(276) }
قال أبو جعفر: يعني عز وجل بقوله:"يمحق الله الربا"، ينقُصُ الله الرّبا فيذْهبه، كما:-
6251 -
حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس:"يمحق الله الربا"، قال: يَنقص.
* * *
وهذا نظير الخبر الذي روي عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
6252-
"الرّبا وَإن كثُر فإلى قُلّ". (1) .
* * *
وأما قوله:"ويُرْبي الصّدَقات"، فإنه جل ثناؤه يعني أنه يُضاعف أجرَها، يَرُبُّها وينمِّيها له. (2)
* * *
وقد بينا معنى"الرّبا" قبلُ"والإرباء"، وما أصله، بما فيه الكفاية من إعادته. (3)
* * *
(1) 6252- أخرجه الحاكم في المستدرك 2: 37 من طريق إسرائيل، عن الركين بن الربيع، عن أبيه الربيع بن عميلة، عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الربا إن كثر، فإن عاقبته تصير إلى قل"، وكذلك ذكره ابن كثير من المسند من طريق شريك عن الركين بن الربيع، بلفظه. ثم ساق ما رواه ابن ماجه. غير أن ابن كثير (2: 61) نقل لفظ الطبري، وساق الخبر كنصه في الحديث، لا كما جاء في المطبوعة والمخطوطة. وانظر الدر المنثور 1:365.
(2)
في المخطوطة والمطبوعة: "يضاعف أجرها لربها"، كأنه يريد لصاحبها، وكأن صواب قراءتها ما أثبت، رب المعروف والصنيعة والنعمة وغيرها - يريها ربًا +ورببها (كلها بالتشديد) : نماها وزادها وأتمها، وجملة"يربها وينميها له" تفسير لقوله:"يضاعف أجرها". وانظر الأثر الآتي رقم: 6253.
(3)
انظر ما سلف قريبا ص: 7.
فإن قال لنا قائل: وكيف إرباء الله الصدقات؟
قيل: إضعافه الأجرَ لربِّها، كما قال جل ثناؤه:(مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ)[سورة البقرة: 261]، وكما قال:(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً)[سورة البقرة: 245]، وكما:-
6253 -
حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع قال، حدثنا عباد بن منصور، عن القاسم: أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنّ الله عز وجل يقبلُ الصّدقة ويأخذها بيمينه فيربِّيها لأحدكم كما يربِّي أحدُكم مُهْرَه، حتى إن اللقمة لتصير مثل أُحُد، وتصديقُ ذلك في كتاب الله عز وجل: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ) [سورة التوبة: 104] ، و"يمحق الله الرّبا ويُرْبي الصّدَقات". (1) .
(1) الحديث: 6253- عباد بن منصور الناجي البصري القاضي: ثقة، من تكلم فيه تكلم بغير حجة. وقد حققنا توثيقه في شرح المسند: 2131، 3316، وبينا خطأ من جرحه بغير حق.
القاسم: هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق، التابعي الثقة الفقيه الإمام.
والحديث سيأتي في تفسير سورة التوبة (ج 11 ص 15 بولاق) ، عن أبي كريب، بهذا الإسناد ولكن سقط منه هناك"حدثنا وكيع". وهو خطأ ظاهر.
ورواه أحمد في المسند: 10090 (2: 371 حلبي) ، عن وكيع، وعن إسماعيل - وهو ابن علية - كلاهما عن عباد بن منصور. بهذا الإسناد. وساقه على لفظ وكيع، كرواية الطبري هنا.
ولكن وقع في المسند خطأ غريب في تلاوة الآية الأولى، ففيه:"وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات". والآية المتلوة في الحديث هي التي في رواية الطبري هنا: (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات)، وهي الآية: 104 من سورة التوبة. وأما الأخرى فالآية: 25 من سورة الشورى، وتلاوتها:(وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات) وليست تكون موضع الاستشهاد في هذا الحديث.
وهذا الخطأ قديم في نسخ المسند، من الناسخين القدماء، بدلالة أنه ثبت هذا الخطأ أيضًا في نقل الحافظ ابن كثير هذا الحديث عن المسند، في جامع المسانيد والسنن 7: 320 (مخطوط مصور) .
بل ظهر لي بعد ذلك أن الخطأ أقدم من هذا. لعله من وكيع، أو من عباد بن منصور. لأن الترمذي روى الحديث 2: 23، عن أبي كريب -شيخ الطبري هنا - عن وكيع، به. وثبتت فيه تلاوة الآية على الخطأ، كرواية أحمد عن وكيع. ونقل شارحه المباركفوري عن الحافظ العراقي أنه قال:"في هذا تخليط من بعض الرواة. والصواب: (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة) - الآية. وقد رويناه في كتاب الزكاة ليوسف القاضي، على الصواب".
بل إن الحافظ المنذري غفل عن هذا الخطأ أيضًا. فذكر الحديث في الترغيب والترهيب 2: 19، عن رواية الترمذي، وذكر الآية كرواية المسند والترمذي - مخالفة للتلاوة.
فإذا كان ذلك كذلك، فأنا أرجح أن أبا جعفر الطبري رحمه الله سمعه من أبي كريب عن وكيع، كرواية الترمذي عن أبي كريب، وكرواية أحمد عن وكيع، فلم يستجز أن يذكر الآية على الخطأ في التلاوة، فذكرها على الصواب. وقد أصاب في ذلك وأجاد وأحسن.
وقال الترمذي - بعد روايته: "هذا حديث حسن صحيح. وقد روي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا".
ورواية عائشة ستأتي: 6255.
وذكره ابن كثير في التفسير 2: 62، من رواية ابن أبي حاتم في تفسيره، عن عمرو بن عبد الله الأودي، عن وكيع، بهذا الإسناد، لكنه لم يذكر الآية الأولى التي وقع فيها الخطأ.
وذكره السيوطي 1: 365، وزاد نسبته للشافعي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن خزيمة، وابن المنذر، والدارقطني في الصفات.
ورواه أحمد أيضًا: 9234، عن خلف بن الوليد، عن المبارك، وهو ابن فضالة، عن عبد الواحد ابن صبرة، وعباد بن منصور، عن القاسم، عن أبي هريرة - فذكره بنحوه، مختصرًا، ولم يذكر فيه الآيتين.
وأشار ابن كثير 2: 62، إلى رواية المسند هذه، ولكن وقع فيه تخليط من الناسخين.
والحديث سيأتي نحو معناه، مطولا ومختصرًا، عن أبي هريرة: 6254، 6256، 6257. وعن عائشة:6255.
وسنشير إلى بقية تخريجه في آخرها: 6257.
6254 -
حدثني سليمان بن عمر بن خالد الأقطع قال، حدثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن عباد بن منصور، عن القاسم بن محمد، عن أبي هريرة = ولا أراه إلا قد رفعه = قال: إن الله عز وجل يقبَلُ الصدقة، ولا يقبلُ إلا الطيب." (1) .
(1) الحديث: 6254- سليمان بن عمر بن خالد الأقطع، القرشي العامري الرقي: ترجمه ابن أبي حاتم 2/1/131، وذكر أن أباه كتب عنه. ولم يذكر فيه جرحًا.
ابن المبارك: هو عبد الله. وسفيان: هو الثوري.
والحديث مختصر ما قبله. والشك في رفعه - هنا - لا يضر، فقد صح الحديث مرفوعًا بالإسناد السابق والأسانيد الأخر.
وسيأتي الحديث أيضًا، بهذا الإسناد (ج 11 ص 15 بولاق) ، ولم يذكر لفظه، بل ذكر أوله، ثم قال:"ثم ذكر نحوه". إحالة على الحديث السابق. فكأنه رواه هناك مطولا، ولكن دون ذكر سياقه كاملا.
وأشار ابن كثير، في تفسير سورة التوبة 4: 235- إلى هذه الرواية والتي قبلها، جعلهما حديثًا واحدًا، عن الثوري ووكيع، عن عباد بن منصور، به. ولكنه لم يذكر تخريجه.
6255-
حدثني محمد بن عُمر بن علي المقدّمي، قال: حدثنا ريحان بن سعيد، قال: حدثنا عباد، عن القاسم، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله تبارك وتعالى يقبل الصدقة ولا يقبل منها إلا الطيب، ويربّيها لصاحبها كما يربِّي أحدُكم مُهره أو فَصيله، حتى إنّ اللقمة لتصيرُ مثل أحُد، وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل:(يمحق الله الرّبا ويُرْبي الصدقات) . (1) .
(1) الحديث: 6255- محمد بن عمر بن علي بن عطاء بن مقدم، المقدمي البصري، ثقة، مترجم في التهذيب، والكبير 1/1/179، وابن أبي حاتم 4/1/21. ووقع في المطبوعة هنا غلط في اسم أبيه:"عمرو" بدل"عمر". وسيأتي بتخليط أشد في المطبوعة: 6809، هكذا:"محمد ابن عمرو وابن علي عن عطاء المقدمي"!!
و"المقدمي": بتشديد الدال المهملة المفتوحة، نسبة إلى جده الأعلى"مقدم".
ريحان بن سعيد الناجي البصري: من شيوخ أحمد وإسحاق. وقال يحيى بن معين: "ما أرى به بأسا". وتكلم فيه بعضهم، ولكن البخاري ترجمه في الكبير 2/1/301، فلم يذكر فيه جرحًا. وكان إمام مسجد عباد بن منصور، كما في الكبير، وابن أبي حاتم 1/2/517. وتكلم فيه ابن حبان والعجلي باستنكار بعض ما روى عن عباد. ولعله كان أعرف به إذ كان إمام مسجده.
وأيا ما كان، فإنه لم ينفرد عن عباد بهذه الرواية، كما سيظهر من التخريج.
فرواه أحمد في المسند 6: 251 (حلبي) ، عن عبد الصمد، عن حماد، عن ثابت، عن القاسم ابن محمد، عن عائشة:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله ليربي لأحدكم التمرة واللقمة، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله، حتى يكون مثل أحد".
وهذا إسناد صحيح. ولكن الحديث مختصر.
وكذلك رواه ابن حبان في صحيحه 5: 234-235 (من مخطوطة الإحسان) . من طريق عبد الصمد، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن القاسم.
ورواه البزار مطولا، من طريق يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة - ومن طريق الضحاك بن عثمان، عن أبي هريرة، بنحو رواية الطبري هنا، إلا أنه لم يذكر الآية في آخره. نقله ابن كثير 2: 62-63.
ولكن رواه الضحاك بن عثمان عن أبي هريرة منقطعة، لأنه إنما يروى عن التابعين.
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 3: 111 مختصرًا كرواية المسند، وقال:"رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح". ثم ذكره مطولا 3: 112، وقال:"رواه البزار، ورجاله ثقات". ولكنه ذكره من حديث عائشة وحدها.
وذكر السيوطي 1: 365 لفظ الطبري هنا. ثم تساهل في نسبته، فنسبه للبزار، وابن جرير، وابن حبان، والطبراني.
6256 -
حدثني محمد بن عبد الملك، قال: حدثنا عبد الرزاق قال، حدثنا معمر، عن أيوب، عن القاسم بن محمد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ العبد إذا تصدق من طيّب تقبلها الله منه، ويأخذها بيمينه ويربِّيها كما يربِّي أحدكم مهرَه أو فصيله. وإنّ الرجل ليتصدّق باللقمة فتربو في يد الله = أو قال:"في كفِّ الله عز وجل = حتى تكون مثلَ أحُد، فتصدّقوا". (1) .
6257-
حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت
(1) الحديث: 6256-"محمد بن عبد الملك": الراجح عندي أنه"محمد بن عبد الملك بن زنجويه البغدادي"، فإنه يروي عن عبد الرزاق، وهو من طبقة شيوخ الطبري، وإن لم أجد نصا يدل على روايته عنه. ولكنه بغدادي مثله. فمن المحتمل جدا أن يروى عنه، بل هو هو الأغلب الأكثر في مثل هذه الحال. وهو ثقة، وثقه النسائي وغيره. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم 4/1/5. وتاريخ بغداد 2: 345-346.
ومن شيوخ الطبري الذين روى عنهم في التاريخ: "محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب"، وهو ثقة أيضًا، ولكن لم يذكر عنه أنه روى عن عبد الرزاق، والغالب أن ينص على مثل هذا. وهو مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم 4/1/5، وتاريخ بغداد 2: 344-345.
وقد انفرد ابن كثير بشيء لا أدري ما هو؟ فحين ذكر هذا الحديث 2: 62، ذكر أنه"رواه ابن جرير، عن محمد بن عبد الملك بن إسحاق"!! ولم أجد في الرواة من يسمى بهذا. فلا أدري أهو سهو منه، أم تخليط من الناسخين؟
والحديث رواه أحمد في المسند: 7622، عن عبد الرزاق، بهذا الإسناد.
ورواه إمام الأئمة ابن خزيمة، في كتاب التوحيد، ص: 44، عن محمد بن رافع، وعبد الرحمن ابن بشر بن الحكم - كلاهما عن عبد الرزاق، به.
وذكر المنذري في الترغيب والترهيب 2: 19، أنه رواه ابن خزيمة في صحيحه أيضًا.
ونقله ابن كثير عن هذا الموضع من الطبري - كما أشرنا، ثم قال:"وهكذا رواه أحمد عن عبد الرزاق. وهذا طريق غريب صحيح الإسناد، ولكن لفظه عجيب. والمحفوظ ما تقدم"! يعني رواية عباد بن منصور.
ولسنا نرى في هذا اللفظ عجبا، ولا في الإسناد غرابةّ! وهو صحيح على شرط الشيخين.
ثم إن عبد الرزاق لم ينفرد به عن معمر، فقد تابعه عليه محمد بن ثور. فرواه الطبري - فيما سيأتي (ج 11 ص 15-16 بولاق) ، عن محمد بن عبد الأعلى، عن محمد بن ثور، عن معمر، به. نحوه. وهذا إسناد صحيح أيضًا. فإن محمد بن ثور الصنعاني العابد: ثقة، وثقه ابن معين، وأبو حاتم، بل فضله أبو زرعة على عبد الرزاق.
يونس، عن صاحب له، عن القاسم بن محمد قال، قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل يقبل الصدقة بيمينه، ولا يقبل منها إلا ما كان طيِّبًا، والله يربِّي لأحدكم لقمته كما يربِّي أحدكم مُهره وفصيله، حتى يوافَي بها يوم القيامة وهي أعظم من أحُد". (1) .
* * *
(1) الحديث: 6257- وهذا إسناد فيه راو مبهم، هو الذي روى عنه يونس، ومن المحتمل جدا أن يكون هو أيوب. ولكن لا يزال الإسناد ضعيفا حتى نجد الدلالة على هذا المبهم.
وأما الحديث في ذاته فصحيح بالأسانيد السابقة وغيرها.
وأصل المعنى ثابت من حديث أبي هريرة، من أوجه كثيرة:
فرواه البخاري 3: 220-223، و 13: 352 ومسلم، 1: 277-278، والترمذي 2: 22-23، والنسائي 1: 349، وابن ماجه: 1842، وابن حبان في صحيحه 5: 234-237 (من مخطوطة الإحسان)، وابن خزيمة في كتاب التوحيد. ص: 41-44.
ورواه أحمد في المسند -غير ما أشرنا إليه سابقا-: 8363 (2: 331 حلبي) ، 8948، 8949 (ص: 381-382) ، 9234 (ص404)، 9413 (ص: 418) ، 9423 (ص: 419) ، 9561 (ص: 431) ، 10958 (ص: 538) ، 10992 (ص: 541) .
ورواه البخاري في الكبير، بالإشارة الموجزة كعادته 2/1/476.
وقد جاء في ألفاظ هذا الحديث: "في يد الله"، و"في كف الله"، و"كف الرحمن"، ونحو هذه الألفاظ. فقال الترمذي 2: 23-24.
"وقال غير واحد من أهل العلم، في هذا الحديث، وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، وتزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا - قال: قد ثبتت الروايات في هذا، ونؤمن بها. ولا يتوهم، ولا يقال: كيف؟ هكذا رُوي عن مالك ابن أنس، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، انهم قالوا في هذه الأحاديث: أَمِرُّوها بلا كيفَ. وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية، فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه! وقد ذكر الله تبارك وتعالى في غير موضع من كتابه -: اليد، والسمع والبصر. فتأولت الجهمية هذه الآيات، وفَّسروها على غير ما فَّسر أهلُ العلمّ! وقالوا: إن الله لم يَخْلق آدم بيده! وقالوا: إنما معنى اليد القوة!! وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال يد كَيدٍ، أو مِثْل يَدٍ، أو سمع كسَمْعٍ، أو مثلَ سمعٍ. فإذا قال سمع كسمعٍ أو مثل سمع- فهذا تشبيه. وأما إذا قال كما قال الله: يد، وسمع، وبصر. ولا يقول: كيف، ولا يقول: مثل سمع ولا كسمعٍ - فهذا لا يكون تشبيهاً. وهو كما قال الله تبارك وتعال: (ليس كَمِثْلهِ شيءٌ وهو السَّميعُ البَصير) ".
7419-
حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد في قوله:"إلا ما حرم إسرائيل على نفسه". قال: حرم لحم الأنعام. (1)
* * *
قال أبو جعفر: (2) وأولى هذه الأقوال بالصواب، قولُ ابن عباس الذي رواه الأعمش، عن حبيب، عن سعيد عنه: أنّ ذلك، العروقُ ولحوم الإبل، لأنّ اليهود مجمعة إلى اليوم على ذلك من تحريمها، كما كان عليه من ذلك أوائلُها. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ذلك خبر، وهو: ما:-
7420-
حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس: أن عصابة من اليهود حضرت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا أبا القاسم، أخبرنا أيّ الطعام حرَّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب مرضَ مرضًا شديدًا، فطال سقمه منه، فنذر لله نذرًا لئن عافاه الله من سقْمه ليحرّمنّ أحبّ الطعام والشراب إليه، وكان أحبّ الطعام إليه لُحمان الإبل، وأحبّ الشراب إليه ألبانها؟ فقالوا: اللهم نعم. (3)
* * *
وأما قوله:"قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين"، فإن معناه: قل، يا محمد، للزاعمين من اليهود أن الله حرم عليهم في التوراة العروقَ ولحومَ الإبل وألبانها =:"ائتوا بالتوراة فاتلوها"، يقول: قل لهم: جيئوا بالتوراة فاتلوها، حتى يتبين لمن خفى عليه كذبهم وقيلهم الباطلَ على الله من أمرهم: أن ذلك ليس مما
(1) في المطبوعة: "لحوم الأنعام"، وأثبت ما في المخطوطة.
(2)
في المخطوطة: "قال أبو جعفر رضي الله عنه".
(3)
الأثر: 7420- هذا مختصر الأثر السالف رقم: 1605، وإسناده صحيح، وقد مضى تخريجه هناك.
أنزلته في التوراة ="إن كنتم صادقين"، يقول: إن كنتم محقين في دعواكم أنّ الله أنزل تحريمَ ذلك في التوراة، فأتونا بها، فاتلوا تحريمَ ذلك علينا منها.
* * *
وإنما ذلك خبر من الله عن كذبهم، لأنهم لا يجيئون بذلك أبدًا على صحته، فأعلم الله بكذبهم عليه نبيَّه صلى الله عليه وسلم، وجعل إعلامه إياه ذلك حجةً له عليهم. لأن ذلك إذْ كان يخفى على كثير من أهل ملتّهم، فمحمد صلى الله عليه وسلم وهو أميٌّ من غير ملتهم، لولا أن الله أعلمه ذلك بوحي من عنده = كان أحرَى أن لا يعلمَه. فكان ذلك له صلى الله عليه وسلم، (1) من أعظم الحجة عليهم بأنه نبي الله صلى الله عليه وسلم، إليهم. لأن ذلك من أخبار أوائلهم كان من خفيِّ عُلومهم الذي لا يعلمه غير خاصة منهم، إلا من أعلمه الذي لا يخفى عليه خافية من نبي أو رسول، أو من أطلعه الله على علمه ممن شاء من خلقه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: {فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
(94) }
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: فمن كذَب على الله منا ومنكم، من بعد مجيئكم بالتوراة، وتلاوتكم إياها، وَعَدَمِكم ما ادّعيتم من تحريم الله العروقَ ولحومَ الإبل وألبانها فيها ="فأولئك هم الظالمون" يعني: فمن فعل ذلك منهم ="فأولئك"، يعني: فهؤلاء الذين يفعلون ذلك ="هم الظالمون"، يعني: فهم الكافرون، القائلون على الله الباطل، كما:-
(1) في المطبوعة والمخطوطة: "فكان في ذلك له صلى الله عليه وسلم"، و"في" زيادة لا شك فيها من سبق قلم الناسخ.
7421-
حدثنا المثني قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن زكريا، عن الشعبي:"فأولئك هم الظالمون" قال، نزلت في اليهود.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى جل ثناؤه: {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
(95) }
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه:"قل"، يا محمد ="صدق الله"، فيما أخبرنا به من قوله:"كلّ الطعام كان حلا لبني إسرائيل"، وأن الله لم يحرم على إسرائيل ولا على ولده العروقَ ولا لحومَ الإبل وألبانَها، وأنّ ذلك إنما كان شيئًا حرّمه إسرائيل على نفسه وَوَلده بغير تحريم الله إياه عليهم في التوراة = وفي كل ما أخبر به عباده من خبر، (1) دونكم. وأنتم، يا معشر اليهود، الكذبةُ في إضافتكم تحريم ذلك إلى الله عليكم في التوراة، (2) المفتريةُ على الله الباطل في دعواكم عليه غير الحق ="فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين"، يقول: فإن كنتم، أيها اليهود، محقين في دعواكم أنكم على الدّين الذي ارتضاه الله لأنبيائه ورُسله ="فاتبعوا ملة إبراهيم"، خليل الله، فإنكم تعلمون أنه الحق الذي ارتضَاه الله منْ خلقه دينًا، وابتعث به أنبياءَه، ذلك الحنيفية -يعني الاستقامة على الإسلام وشرائعه- دون اليهودية والنصرانية والمشركة.
* * *
(1) في المخطوطة"في كل ما أخبر
…
" بحذف الواو، والصواب ما في المطبوعة. وهو معطوف على قوله آنفا: "صدق الله فيما أخبرنا به
…
". وقوله: "دونكم"، سياقه"صدق الله
…
دونكم"، يعني فأنتم غير صادقين.
(2)
في المطبوعة: "أنتم يا معشر اليهود الكذبة
…
" والصواب إثبات الواو كما في المخطوطة. وسياقه"وأنتم
…
الكذبة
…
المفترية
…
" بالرفع فيهما، خبر"أنتم".
وقوله:"وما كان من المشركين"، يقول: لم يكن يشرك في عبادته أحدًا من خلقه. فكذلك أنتم أيضًا، أيها اليهود، فلا يتخذ بعضكم بعضًا أربابًا من دون الله تطيعونهم كطاعة إبراهيم ربه = وأنتم يا معشرَ عبدة الأوثان، فلا تتخذوا الأوثان والأصنام أربابًا، ولا تعبدوا شيئًا من دون الله، فإن إبراهيم خليل الرحمن كان دينُه إخلاص العبادة لربه وحدَه، من غير إشراك أحد معه فيه. فكذلك أنتم أيضًا، فأخلصوا له العبادة ولا تشركوا معه في العبادة أحدًا، فإن جميعكم مقرُّون بأنّ إبراهيم كان على حقّ وَهدْى مستقيم، فاتبعوا ما قد أجمع جميعُكم على تصويبه من ملته الحنيفية، ودعوا ما اختلفتم فيه من سائر الملل غيرها، أيها الأحزاب، فإنها بدَع ابتدعتموها إلى ما قد أجمعتم عليه أنه حق، فإن الذي أجمعتم عليه أنه صوابٌ وحق من ملة إبراهيم، هو الحق الذي ارتضيتُه وابتعثتُ به أنبيائي ورسلي، وسائرُ ذلك هو الباطل الذي لا أقبله من أحد من خلقي جاءَني به يوم القيامة.
* * *
وإنما قال جل ثناؤه:"وما كان من المشركين"، يعني به: وما كان من عَدَدهم وأوليائهم. وذلك أن المشركين بعضهم من بعض في التظاهر على كفرهم. ونصرةِ بعضهم بعضًا. فبرأ الله إبراهيم خليله أن يكون منهم أو [من] نصرائهم وأهل ولايتهم. (1) وإنما عنى جل ثناؤه بالمشركين، اليهودَ والنصارَى وسائر الأديان، غير الحنيفية. قال: لم يكن إبراهيم من أهل هذه الأديان المشركة، ولكنه كان حنيفًا مسلمًا.
* * *
(1) الزيادة بين القوسين يستقيم بها الكلام على وجهه.
القول في تأويل قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ
(96) }
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: تأويله: إنّ أول بيت وضع للناس، يُعبَد الله فيه مباركًا وهُدًى للعالمين، الذي ببكة. قالوا: وليس هو أوّل بيت وضع في الأرض، لأنه قد كانت قبله بيوت كثيرة.
*ذكر من قال ذلك:
7422-
حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عرعرة قال: قام رجل إلى عليّ فقال: ألا تخبرني عن البيت؟ أهو أوّل بيت وُضع في الأرض؟ فقال: لا ولكنه أول بيت وضع في البرَكة مقامِ إبراهيم، ومن دَخَله كان آمنًا. (1)
7423-
حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن سماك قال: سمعت خالدَ بن عرعرة قال: سمعت عليًّا، وقيل له:"إن أوّل بيت وضع للناس للذي ببكة"، هو أوّل بيت كان في الأرض؟ قال: لا! قال: فأين كان قَوْم نُوح؟ وأين كان قوم هود؟ قال: ولكنه أوّل بيت وُضع للناس مبارَكًا وهدًى. (2)
(1) الأثر 7422- هو مختصر الأثر السالف رقم: 2058، وفي المخطوطة والمطبوعة هنا أيضا"وضع في البركة"، كما كان في المطبوعة والمخطوطة هناك. ولكني صححته من المستدرك والدر المنثور:"فيه البركة"، غير أني أعود فأقول إني أرجح أن ما كان هناك صواب، وأنه غير مستساغ أن يكون هذا الخطأ قد تكرر في موضعين متباعدين من الكتاب. وإعراب الكلام فيما أرجح"مقام إبراهيم" بالجر، بدلا من"البركة"، على غير ما ضبطته هناك برفع"مقام إبراهيم". هذا، وقد مضى الكلام على رجال إسناده في الأثر السالف.
(2)
الأثر: 7423- مضى إسناده برقم: 2059، ولم يذكر لفظه. وقد مضى ذكر رجاله هناك.
7424-
حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء قال، سأل حفْصٌ الحسنَ وأنا أسمع عن قوله:"إنّ أوّل بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا" قال، هو أول مسجد عُبد الله فيه في الأرض.
7425-
حدثنا عبد الجبار بن يحيى الرملي قال، حدثنا ضمرة، عن ابن شوذب، عن مطر في قوله:"إنّ أول بيت وضع للناس للذي ببكة" قال: قد كانت قبله بيوتٌ، ولكنه أول بيت وُضع للعبادة. (1)
7426-
حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد، عن الحسن قوله:"إن أوّل بيت وضع للناس"، يُعبد الله فيه ="للذي ببكة".
7427-
حدثني المثني قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن سالم، عن سعيد:"إن أوّل بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا" قال، وضع للعبادة.
* * *
وقال آخرون: بل هو أوّل بيت وضع للناس.
ثم اختلف قائلو ذلك في صفة وضعه أوّل.
فقال بعضهم: خُلق قبل جميع الأرَضين، ثم دُحِيت الأرَضون من تحته.
*ذكر من قال ذلك:
7428-
حدثنا محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، أخبرنا شيبان، عن الأعمش، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: خلق الله البيتَ قبل الأرض بألفي سنة، وكان -إذ كان عرشه على الماء- زَبْدةً (2) بيضاءَ، فدحيتُ الأرض من تحته.
(1) الأثر: 7325-"عبد الجبار بن يحيى الرملي"، شيخ الطبري، لم أجد ترجمته في مكان. وسيأتي برقم:7446.
(2)
"الزبدة": الطائفة من زبد الماء، الأبيض الذي يعلوه.