المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

قال، (1) حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن - تفسير الطبري جامع البيان - ط دار التربية والتراث - جـ ٨

[ابن جرير الطبري]

الفصل: قال، (1) حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن

قال، (1) حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظمائهم - يعني من عظماء اليهود = إذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه وقال:"راعنا سمعَك، يا محمد حتى نفهمك"! ثم طعن في الإسلام وعابه، فأنزل الله:"ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يشترون الضلالة" إلى قوله:"فلا يؤمنون إلا قليلا"(2)

9690 -

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، (3) بإسناده، عن ابن عباس، مثله.

* * *

(1) كان في المطبوعة والمخطوطة: "عن أبي إسحاق"، وهو خطأ فاحش.

(2)

الأثر: 9689 - سيرة ابن هشام 2: 209، وهو تال للأثر السالف رقم:9501.

(3)

في المطبوعة وحدها: "عن أبي إسحاق"، والمخطوطة صواب هنا.

ص: 428

القول في تأويل قوله: {يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ‌

(44)

وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (45) }

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"يشترون الضلالة"، اليهود الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب، يختارون الضلالة = وذلك: الأخذ على غير طريق الحقّ، وركوبُ غير سبيل الرشد والصواب، مع العلم منهم بقصد السبيل ومنهج الحق. (1) وإنما عنى الله بوصفهم باشترائهم الضلالة: مقامهم على التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم، وتركهم الإيمان به، وهم عالمون أنّ السبيل الحقَّ الإيمانُ به،

(1) انظر تفسير"الاشتراء" فيما سلف 1: 312-315 / 2: 340-342، 455 / 3: 328 / 6: 527 = وتفسير"الضلالة" 1: 195، 313 / 2: 495، 496 / 6: 66، 500، 584 / 7:369.

ص: 428

وتصديقه بما قد وجدوا من صفته في كتبهم التي عندهم.

* * *

وأما قوله:"ويريدون أن تضلوا السبيل"، يعني بذلك تعالى ذكره: ويريد هؤلاء اليهود الذين وصَفهم جل ثناؤه بأنهم أوتوا نصيبًا من الكتاب =" أن تضلوا" أنتم، يا معشر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، المصدقين به =" أن تضلوا السبيل"، يقول: أن تزولوا عن قصد الطريق ومَحَجَّة الحق، فتكذبوا بمحمد، وتكونوا ضلالا مثلهم.

وهذا من الله تعالى ذكره تحذيرٌ منه عبادَه المؤمنين، أن يستنصحوا أحدًا من أعداء الإسلام في شيء من أمر دينهم، أو أن يسمعوا شيئًا من طعنهم في الحق.

* * *

ثم أخبر الله جلّ ثناؤه عن عداوة هؤلاء اليهود الذين نهى المؤمنين أن يستنصحوهم في دينهم إياهم، فقال جل ثناؤه: ="والله أعلم بأعدائكم"، يعني بذلك تعالى ذكره: والله أعلم منكم بعداوَة هؤلاء اليهود لكم، أيها المؤمنون. يقول: فانتهوا إلى طاعتي فيما نهيتكم عنه من استنصاحهم في دينكم، (1) فإني أعلم بما هم عليه لكم من الغشِّ والعداوة والحسد، وأنهم إنما يبغونكم الغوائل، ويطلبون أن تضلوا عن محجة الحق فتهلكوا.

* * *

وأما قوله:"وكفى بالله وليًّا وكفى بالله نصيرًا"، فإنه يقول: فبالله، أيها المؤمنون، فثقوا، وعليه فتوكلوا، وإليه فارغبوا، دون غيره، يكفكم مهمَّكم، وينصركم على أعدائكم ="وكفى بالله وليًّا"، يقول: وكفاكم وحسْبكم بالله ربكم وليًّا يليكم ويلي أموركم بالحياطة لكم، والحراسة من أن يستفزّكم أعداؤكم عن دينكم، أو يصدّوكم

(1) في المخطوطة: "مما نهيتكم عنه"، وفي المطبوعة:"عما نهيتكم عنه"، والصواب ما أثبت.

ص: 429

عن اتباع نبيكم (1)

"وكفى بالله نصيرًا"، يقول: وحسبكم بالله ناصرًا لكم على أعدائكم وأعداء دينكم، وعلى من بغاكم الغوائل، وبغى دينكم العَوَج. (2)

* * *

القول في تأويل قوله: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ}

قال أبو جعفر: ولقوله جل ثناؤه:"من الذين هادوا يحرفون الكلم"، وجهان من التأويل.

أحدهما: أن يكون معناه:"ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب" ="من الذين هادوا يحرفون الكلم"، فيكون قوله:"من الذين هادوا" من صلة"الذين". وإلى هذا القول كانت عامة أهلِ العربية من أهل الكوفة يوجِّهون قوله:"من الذين هادوا يحرِّفون". (3)

* * *

والآخر منهما: أن يكون معناه: من الذين هادوا من يُحرِّف الكلم عن مواضعه، فتكون"مَن" محذوفة من الكلام، اكتفاء بدلالة قوله:"من الذين هادوا"، عليها. وذلك أن"مِن" لو ذكرت في الكلام كانت بعضًا ل"مَن"، فاكتفى بدلالة"مِنْ"، عليها. والعرب تقول:"منا من يقول ذلك، ومِنا لا يقوله"، (4) بمعنى: منا

(1) انظر تفسير: "الولي" فيما سلف 2: 489، 564 / 5: 424 / 6: 142، 313، 497.

(2)

انظر تفسير"النصير" فيما سلف 2: 489، 564 / 5: 581 / 6: 443، 449.

(3)

انظر معاني القرآن للفراء 1: 271.

(4)

في المطبوعة: "والعرب تقول: منا من يقول ذلك" بزيادة"من" وهو خطأ، والصواب من معاني القرآن للفراء. أما المخطوطة فكان فيها:"والعرب تقول ذلك ومثالا لا يقوله" وهو من عبث الناسخ وإسقاطه.

ص: 430

من يقول ذاك، ومنا من لا يقوله = فتحذف"مَن" اكتفاء بدلالة"مِنْ" عليه، كما قال ذو الرمة:

فَظَلُّوا، وَمِنْهُمْ دَمْعُهُ سَابِقٌ لَهُ

وَآخَرُ يَثْنِي دَمْعَةَ العَيْنِ بِالهَمْلِ (1)

يعني: ومنهم مَن دمعه، وكما قال الله تبارك وتعالى:(وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ)[سورة الصافات: 164] . وإلى هذا المعنى كانت عامة أهل العربية من أهل البصرة يوجِّهون تأويل قوله:"من الذين هادوا يحرفون الكلم"، غير أنهم كانوا يقولون: المضمر في ذلك"القوم"، كأن معناه عندهم: من الذين هادوا قوم يحرِّفون الكلم، ويقولون: نظير قول النابغة:

كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ

يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ (2)

يعني: كأنك جمل من جمال أقيش.

فأما نحويو الكوفة فينكرون أن يكون المضمر مع"مِن" إلا"مَن" أو ما أشبهها. (3)

* * *

(1) ديوانه 485، وقبله: مع اختلاف الرواية: بَكَيْتُ عَلَى مَيٍّ بِهَا إذْ عَرَفْتُهَا

وَهِجْتُ الْهَوَى حَتَّى بَكَى القَوْمُ مِنْ أَجْلِي

فَظَلُّوا وَمِنْهُمْ دَمْعُهُ غَالِبٌ لَهُ

وَآخَرُ يَثْنِي عَبْرَةَ العَيْنِ بالهَمْلِ

وَهَلْ هَمَلانُ الْعَيْنِ رَاجِعُ مَا مَضَى

مِنَ الوَجْدِ، أوْ مُدْنِيكِ يَا مَيُّ مِنْ أَهْلِي

وكان في المطبوعة: "يذري دمعة العين بالمهل" وهو خطأ، وتغيير من الطابع، وفي المخطوطة"يثني" كما في الديوان.

وقوله: "يثني دمعة العين"، أي يرد هملانها. وقوله:"بالهمل" متعلق بقوله"دمعة" ووضع"دمعة" هنا مصدرًا لقوله: "دمعت عينه دمعًا ودمعانًا ودموعًا"، وزاده هو"دمعة" على وزن"رحمة" في المصادر = وكذلك في رواية"عبرة"، كلاهما مصدر، ولم تثبته كتب اللغة. يقول: وآخر يرد إرسال العين دمعها منهملا، يعني: لولا ذلك لسالت دموعه غزارًا.

(2)

مضى تخريجه فيما سلف 1: 179، تعليق: 2، ونسيت هناك أن أرده إلى هذا المكان، فأثبته.

(3)

انظر مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 271.

ص: 431

قال أبو جعفر: والقول الذي هو أولى بالصواب عندي في ذلك: قول من قال: قوله:"من الذين هادوا"، من صلة"الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب"، لأن الخبرين جميعًا والصفتين، من صفة نوع واحد من الناس، وهم اليهود الذين وصفَ الله صفتهم في قوله:"ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب". وبذلك جاء تأويلُ أهل التأويل، فلا حاجة بالكلام = إذ كان الأمر كذلك = إلى أن يكون فيه متروك.

* * *

وأما تأويل قوله:"يُحَرِّفون الكلِمَ عن مواضعه"، (1) فإنه يقول: يبدِّلون معناها ويغيِّرونها عن تأويله.

* * *

و"الكلم" جماع"كلمة".

* * *

وكان مجاهد يقول: عنى بـ "الكلم"، التوراة.

9691 -

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"يحرفون الكلم عن مواضعه"، تبديل اليهود التوراة.

9692 -

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

* * *

وأما قوله:"عن مواضعه"، فإنه يعني: عن أماكنه ووجوهه التي هي وجوهه.

* * *

(1) انظر تفسير"التحريف" فيما سلف 2: 248، 249.

ص: 432

القول في تأويل قوله: {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا}

يعني بذلك جل ثناؤه: من الذين هادوا يقولون: سمعنا، يا محمد، قولك، وعصينا أمرك، كما:-

9693 -

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله:"سمعنا وعصينا"، قال: قالت اليهود: سمعنا ما نقول ولا نطيعك.

9694 -

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

9695 -

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

9696 -

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله:"سمعنا وعصينا"، قالوا: قد سمعنا، ولكن لا نطيعك.

* * *

القول في تأويل قوله: {وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ}

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن اليهود الذين كانوا حوالَيْ مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم في عصره: أنهم كانوا يسبّون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤذونه بالقبيح من القول، ويقولون له: اسمع منا غير مسمع، كقول القائل للرجل يَسُبُّه:"اسمع، لا أسمعَك الله"، كما:-

9697 -

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"واسمع غير مسمع"، قال: هذا قول أهل الكتاب يهود، كهيئة ما يقول الإنسان:

ص: 433

"اسمع لا سمعت"، أذًى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وشتمًا له واستهزاءً.

9698 -

حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس:"واسمع غير مسمع" قال: يقولون لك:"واسمع لا سمعت".

وقد روي عن مجاهد والحسن: أنهما كانا يتأوّلان في ذلك بمعنى: واسمع غير مقبول منك.

= ولو كان ذلك معناه لقيل:"واسمع غير مسموع"، ولكن معناه: واسمع لا تسمع، ولكن قال الله تعالى ذكره:"ليًّا بألسنتهم وطعنًا في الدين"، فوصفهم بتحريف الكلام بألسنتهم، والطعن في الدين بسبِّ النبي صلى الله عليه وسلم.

* * *

وأما القول الذي ذكرته عن مجاهد:"واسمع غير مسمع"، يقول: غير مقبول ما تقول، فهو كما:-

9699 -

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد:"واسمع غير مسمع"، قال: غير مُسْتمع - قال ابن جريج، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد:"واسمع غير مسمع"، غير مقبول ما تقول.

9700 -

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

9701 -

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله:"واسمع غير مسمع"، قال: كما تقول اسمع غير مَسْموع منك.

9702 -

وحدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط،

ص: 434

عن السدي قال: كان ناس منهم يقولون:"واسمع غير مسمع"، كقولك: اسمع غير صاغِرٍ. (1)

* * *

القول في تأويل قوله: {وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ}

قال أبو جعفر: يعني بقوله:"وراعنا"، أي: راعنا سمعك، افهم عنّا وأفهمنا. وقد بينا تأويل ذلك في"سورة البقرة" بأدلته، بما فيه الكفاية عن إعادته. (2)

* * *

ثم أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم يقولون ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم:"ليًّا بألسنتهم"، يعني تحريكًا منهم بألسنتهم بتحريف منهم لمعناه إلى المكروه من معنييه، (3) واستخفافًا منهم بحق النبي صلى الله عليه وسلم، وطعنًا في الدين، كما:-

9703 -

حدثني الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، قال قتادة: كانت اليهود يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم:"راعنا سمعك"! يستهزئون بذلك، فكانت اليهود قبيحة أن يقال:(4)"راعنا سمعك" ="ليًّا بألسنتهم" والليّ: تحريكهم ألسنتهم بذلك ="وطعنًا في الدين".

9704 -

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"راعنا ليًّا بألسنتهم"، كان

(1) في المطبوعة: "غير صاغ"، والصواب من المخطوطة.

(2)

انظر ما سلف 2: 459-467.

(3)

انظر تفسير"اللي" و"اللي بالألسنة" فيما سلف 6: 535-537.

(4)

في المخطوطة والمطبوعة: "فكان في اليهود قبيحة فقال"، وهو كلام لا يستقيم البتة، وصوابه الذي لا شك فيه ما أثبت، وانظر كونها كلمة قبيحة لليهود في 2:460.

ص: 435

الرجل من المشركين يقول:"أرعني سمعك"! يلوي بذلك لسانه، يعني: يحرِّف معناه.

9705 -

حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أييه، عن ابن عباس:"من الذين هادوا يحرّفون الكلم عن مواضعه"، إلى"وطعنًا في الدين"، فإنهم كانوا يستهزئون، ويلوون ألسنتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويطعنون في الدين.

9706 -

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"وراعنا ليا بألسنتهم وطعنًا في الدين"، قال:"راعنا"، طعنهم في الدين، وليهم بألسنتهم ليبطلوه، ويكذبوه. قال: و"الرَّاعن"، الخطأ من الكلام. (1)

9707 -

حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر قال، حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله:"ليا بألسنتهم"، قال: تحريفًا بالكذب.

* * *

القول في تأويل قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ}

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولو أن هؤلاء اليهود الذين وصف الله صفتهم، قالوا لنبي الله:"سمعنا يا محمد قولك، وأطعنا أمرك، وقبلنا ما جئتنا به من عند الله، واسمع منا، وانظرنا ما نقول، وانتظرنا نفهم عنك ما تقول لنا" ="لكان خيرًا لهم وأقوم"، يقول: لكان ذلك خيرًا لهم عند الله ="وأقوم"، يقول: وأعدل وأصوبَ في القول.

* * *

(1) انظر القول في"الراعن" فيما سلف 2: 465، 466.

ص: 436

وهو من"الاستقامة" من قول الله: (وَأَقْوَمُ قِيلا)[سورة المزمل: 6]، بمعنى: وأصوبُ قيلا (1) كما:-

9708 -

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرًا لهم"، قال: يقولون اسمع منا، فإنا قد سمعنا وأطعنا، وانظرنا فلا تعجل علينا.

9709 -

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عكرمة ومجاهد قوله:"وانظُرنا"، قال: اسمع منا.

9710 -

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد:"وانظرنا"، قال: أفهمنا.

9711 -

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد،"وانظرنا"، قال: أفهمنا.

* * *

قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله مجاهد وعكرمة، من توجيههما معنى:"وانظرنا" إلى:"اسمع منا" = وتوجيه مجاهد ذلك إلى"أفهمنا" = فما لا نعرف في كلام العرب، (2) إلا أن يكون أراد بذلك من توجيهه إلى"أفهمنا"، انتظرنا نفهم ما تقول = أو: انتظرنا نقل حتى تسمع منا = فيكون ذلك معنًى مفهومًا، وإن كان غير تأويلٍ للكلمة ولا تفسير لها. (3) ولا نعرف:"انظرنا" في كلام العرب، (4) إلا بمعنى: انتظرنا وانظر إلينا = فأما"انظرنا" بمعنى: انتظرنا، فمنه قول الحطيئة:

وَقَدْ نَظَرْتُكُمُ لَوْ أَنَّ دِرَّتَكُمْ

يَوْمًا يَجِيء بها مَسْحِي وَإِبْسَاسِي (5)

(1) انظر تفسر"أقوم" فيما سلف 6: 77، 78.

(2)

في المطبوعة والمخطوطة: "ما لا نعرف" بغير فاء، ولكني زدتها لأنها أعرق في العربية وأقوم للسياق.

(3)

في المخطوطة والمطبوعة: "غير تأويل الكلمة" والصواب ما أثبت.

(4)

في المطبوعة: "فلا نعرف" بالفاء، والأجود ما في المخطوطة، كما أثبته.

(5)

ديوانه: 52، والكامل 1: 351، وهذا خطأ لا شك فيه في رواية البيت، وأثبته على حاله، لأنه دلالة على عجلة أبي جعفر أحيانًا في كتابة تفسيره، ودليل على حفظه الشعر، ولولا ذلك لم يخلط هذا الخلط فإن هذه القصيدة، هي التي هجا بها الزبرقان بن بدر، ومدح بغيض ابن عامر، والتي شكاه من أجلها الزبرقان إلى عمر بن الخطاب فحبسه، يقول للزبرقان لما غضب حين استضافه بغيض: مَا كانَ ذَنْبُ بَغِيض لا أَبَا لَكُمُ

فِي بَائِسٍ جَاءَ يَحْدُو آخِرَ الناسِ

لَقَدْ مَرَيْتُكُمُ لَوْ أَنَّ دِرَّتكُمْ

يَوْمًا يجِيءُ بِهَا مَسْحِي وَإبْسَاسِي

وَقَدْ مَدَحْتُكُمْ عَمْدًا لأُرْشِدَكُمْ

كَيْمَا يَكُونَ لَكُمْ مَتْحٍي وَإمْرَاسِي

ثم يليه بيت الشاهد الذي كان ينبغي أن يذكره هنا أبو جعفر، كما ذكره فيما سلف في تفسير"انظرنا" من سورة البقرة 2: 467، 468 وقد شرحته هناك. ولولا أن أثبت حال أبي جعفر في كتابه، لألغيت البيت المذكور في المتن، ولوضعت هذا البيت: وَقَدْ نَظَرْتُكُمُ أَعْشَاءَ صَادِرَةٍ

لِلْخِمْسِ طَالَ بِهَا حَوْزِي وَتَنْسَاسِي

وقوله: "لقد مريتكم" من قولهم: "مري الناقة يمريها مريًا": إذا مسح ضرعها لتدر. و"الدرة": الدفعة من اللبن و"المسح" مسح الضرع للحلب. و"الإبساس": هو صوت الراعي، يلينه لناقته عند الحلب لتسكن ويسهل حلبها. يقول: لقد ترفقت لكم، أستخرج خيركم بالمديح الرقيق والقول اللين، فلم ألمق خيرًا، ولم تجودوا به.

وكان في المخطوطة: "يجيء به" وهو خطأ.

ص: 437

وأما"انظرنا"، بمعنى: انظر إلينا، فمنه قول عبد الله بن قيس الرقيات:

ظَاهِرَاتُ الجَمالِ وَالحُسْنِ يَنْظُرْنَ

كَمَا يَنْظُرُ الأَرَاكَ الظِّبَاءُ (1)

(1) ديوانه: 171، من قصيدته التي فخر فيها بقريش، ومدح مصعب بن الزبير، وذكر نساء عبد شمس بن عبد مناف فقال: وَحِسَانٌ مِثْلُ الدُّمَي عَبْشَمِيَّاتٌ

عَلَيْهِن بَهْجَةٌ وَحَيَاءُ

لا يَبِعْنَ العِيَابَ في مَوْسِمٍ النَّاسِ

إذَا طَافَ بِالعِيابِ النِّسَاءُ

ظَاهِرَاتُ الجَمَالِ والسَّرْو........

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

و"السرو": الشرف وكرم المحتد. وهي أجود الروايتين، وقوله:"كما ينظر الأراك الظباء"، من حسن التشبيه، ودقة الملاحظة للعلاقة بين الشرف والسؤدد. وما يكون للمرء من شمائل وسمت وهيأة. ويعني أنهن قد ينصبن أجيادهن، كأنهن ظباء تعطو الأراك لتناله. وذلك أظهر لجمال أجيادهن، وحركتهن. والجيد فيه دلالة من دلائل الخلق لا يخطئها بصير.

ص: 438

بمعنى: كما ينظر إلى الأراك الظباء. (1)

* * *

القول في تأويل قوله: {وَلَكِنْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا (46) }

قال أبو جعفر: يعني بذلك: ولكن الله تبارك وتعالى أخْزَى هؤلاء اليهود الذين وصف صفتهم في هذه الآية، فأقصاهم وأبعدهم من الرشد واتباع الحق (2) ="بكفرهم"، يعني: بجحودهم نبوّة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عند ربهم من الهدى والبينات ="فلا يؤمنون إلا قليلا"، يقول: فلا يصدقون بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عند ربهم، ولا يقرُّون بنبوته ="إلا قليلا"، يقول: لا يصدقون بالحق الذي جئتهم به، يا محمد، إلا إيمانًا قليلا كما:-

9712 -

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"فلا يومنون إلا قليلا"، قال: لا يؤمنون هم إلا قليلا.

قال أبو جعفر: وقد بيّنا وجه ذلك بعلله في"سورة البقرة". (3)

* * *

(1) انظر تفسير نظيرة هذه الكلمة من آية البقرة: "وقولوا انظرنا" 2: 467 - 469.

(2)

انظر تفسير"اللعنة" فيما سلف 2: 328 / 3: 254، 261 / 6:577.

(3)

يعني تفسير قوله تعالى"فقليلا ما يؤمنون" 2: 329 - 331.

ص: 439

القول في تأويل قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا}

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"يا أيها الذين أوتوا الكتاب"، اليهود من بني إسرائيل، الذين كانوا حوالَيْ مهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله لهم: يا أيها الذين أنزل إليهم الكتاب فأعطوا العلم به ="آمنوا" يقول: صدِّقوا بما نزلنا إلى محمد من الفرقان ="مصدقًا لما معكم"، يعني: محقِّقًا للذي معكم من التوراة التي أنزلتها إلى موسى بن عمران ="من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها".

* * *

واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم:"طمسه إياها": محوه آثارها حتى تصير كالأقْفَاء.

وقال آخرون: معنى ذلك أن نطمس أبصارها فنصيّرها عمياء، ولكن الخبر خرج بذكر"الوجه"، والمراد به بصره ="فنردّها على أدبارها"، فنجعل أبصارَها من قبل أقفائها.

*ذكر من قال ذلك:

9713 -

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثنا عمي قال حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا" إلى قوله:"من قبل أن نطمس وجوهًا"، وطمسها: أن تعمى ="فنردها على أدبارها"، يقول: أن نجعل وجوههم من قبل أقفِيتهم، فيمشون القهقرى، ونجعل لأحدهم عينين في قفاه.

ص: 440

9714 -

حدثني أبو العالية إسماعيل بن الهيثم العبْدي قال، حدثنا أبو قتيبة، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي في قوله:"من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها"، قال: نجعلها في أقفائها، فتمشي على أعقابها القهقرى. (1)

9715 -

حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، بنحوه = إلا أنه قال: طمْسُها: أن يردَّها على أقفائها.

9716 -

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة:"فنردها على أدبارها"، قال: نحوِّل وجوهها قِبَل ظهورها.

* * *

وقال آخرون: بل معنى ذلك (2) من قبل أن نعمي قومًا عن الحق ="فنردها على أدبارها"، في الضلالة والكفر.

*ذكر من قال ذلك:

9717 -

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"أن نطمس وجوهًا فنردها على أدبارها"، فنردها عن الصراط، عن الحق (3) ="فنردها على أدبارها"، قال: في الضلالة.

9718 -

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"أن نطمس وجوهًا" عن صراط الحق ="فنردها على أدبارها"، في الضلالة.

9719 -

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك قراءة، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.

(1) الأثر: 9714 -"أبو العالية، إسماعيل بن الهيثم العبدي"، لم نجده، وانظر ما سلف رقم: 9365، 9366.

و"أبو قتيبة" هو: سلم بن قتيبة، مضت ترجمته برقم: 1899، 1924، 9365.

(2)

في المطبوعة، أسقط:"بل".

(3)

في المطبوعة: "عن الصراط الحق"، أسقط"عن" الثانية.

ص: 441

9720 -

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، الحسن:"نطمس وجوهًا"، يقول: نطمسها عن الحق ="فنردها على أدبارها"، على ضلالتها.

9721 -

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يا أيها الذين أوتوا الكتاب" إلى قوله:"كما لعنّا أصحاب السبت"، قال: نزلت في مالك بن الصَّيِّف، ورفاعة بن زيد بن التابوت، من بني قينقاع. أما"أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها"، يقول: فنعميها عن الحق ونُرجعها كفارًا.

9722 -

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"من قبل أن نطمس وجوهًا فنردها على أدبارها"، يعني: أن نردهم عن الهدى والبصيرة، فقد ردَّهم على أدبارهم، فكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به.

* * *

وقال آخرون: معنى ذلك: من قبل أن نمحو آثارهم من وجوههم التي هم بها، وناحيتهم التي هم بها ="فنردها على أدبارها"، من حيث جاءوا منه بَديًّا من الشام. (1)

*ذكر من قال ذلك:

9723 -

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"من قبل أن نطمس وجوهًا فنردها على أدبارها"، قال: كان أبي يقول: إلى الشأم.

* * *

وقال آخرون: معنى ذلك:"من قبل أن نطمس وجوهًا"، فنمحو أثارها

(1) في المطبوعة: "بدءًا من الشام"، وأثبت في المخطوطة، وكلتاهما صواب. و"بديًا"، في بدء أمرهم. وتفسير"الوجوه" هنا: النواحي.

ص: 442

ونسوِّيها ="فنردها على أدبارها"، بأن نجعل الوجوه منابتَ الشَّعر، كما وجوه القردة منابت للشعر، لأن شعور بني آدم في أدبار وجوههم. فقالوا: إذا أنبت الشعر في وجوههم، فقد ردَّها على أدبارها، بتصييره إياها كالأقفاء وأدبار الوجوه. (1)

* * *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قولُ من قال: معنى قوله:"من قبل أن نطمس وجوها"، من قبل أن نطمس أبصارَها ونمحو آثارها فنسوّيها كالأقفاء ="فنردها على أدبارها"، فنجعل أبصارها في أدبارها، يعني بذلك: فنجعل الوجوه في أدبار الوجوه، فيكون معناه: فنحوّل الوجوه أقْفاءً والأقفَاء وجوهًا، فيمشون القهقرى، كما قال ابن عباس وعطية ومن قال ذلك.

* * *

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب: لأن الله جل ثناؤه خاطب بهذه الآية اليهودَ الذين وصف صفتهم بقوله:"ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يشترون الضلالة"، ثم حذرهم جل ثناؤه بقوله:"يا أيها الذين أوتوا الكتاب أمنوا بما نزلنا مصدِّقًا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها" الآية، بأسَه وسطوته وتعجيل عَقابه لهم، (2) إن هم لم يؤمنوا بما أمرهم بالإيمان به. ولا شك أنهم كانوا لما أمرهم بالإيمان به يومئذ كفارًا.

* * *

وإذْ كان ذلك كذلك، فبيّنٌ فساد قول من قال: تأويل ذلك: أن نعمِيها عن الحق فنردها في الضلالة. فما وجْه ردِّ من هو في الضلالة فيها؟! وإنما يرد في الشيء من كان خارجًا منه. فأما من هو فيه، فلا وجه لأن يقال:"نرده فيه".

* * *

وإذْ كان ذلك كذلك، وكان صحيحًا أنّ الله قد تهدَّد للذين ذكرهم في هذه

(1) هو الفراء في معاني القرآن 1: 272.

(2)

السياق: ثم حذرهم

بأسه وسطوته

ص: 443

الآية بردّه وجوهَهم على أدبارهم = كان بيّنًا فساد تأويل من قال: معنى ذلك: يهددهم بردِّهم في ضلالتهم.

* * *

وأما الذين قالوا: معنى ذلك: من قبل أن نجعل الوجوه منابتَ الشعر كهيئة وجوه القردة، فقولٌ لقول أهل التأويل مخالف. وكفى بخروجه عن قول أهل العلم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من الخالفين، على خطئه شاهدًا.

* * *

وأما قول من قال: معناه: من قبل أن نطمس وجوههم التي هم فيها، فنردّهم إلى الشأم من مساكنهم بالحجاز ونجدٍ، فإنه = وإن كان قولا له وجه = مما يدل عليه ظاهر التنزيل بعيد. (1) وذلك أن المعروف من"الوجوه" في كلام العرب، التي هي خلاف"الأقفاء"، وكتاب الله يُوَجَّه تأويله إلى الأغلب في كلام مَن نزل بلسانه، حتى يدلّ على أنه معنيٌّ به غير ذلك من الوجوه، الذي يجب التسليم له. (2)

* * *

وأما"الطمس"، فهو العُفُوّ والدثور في استواء. منه يقال:"طمست أعلام الطريق تطمِسُ طُموسًا"، إذا دثرت وتعفَّت، فاندفنت واستوت بالأرض، كما قال كعب بن زهير:

مِنْ كُلِّ نَضَّاحَةِ الذِّفْرَى إذَا عَرقَتْ

عُرْضَتُهَا طَامِسُ الأعْلام مَجْهُولُ (3)

يعني:"طامس الأعلام"، دائر الأعلام مندفنها. ومن ذلك قيل للأعمى الذي

(1) في المطبوعة: "كما يدل عليه"، وفيه خطأ، وفي المخطوطة:"كما يدل على" وفيه خطآن. والصواب ما أثبت.

(2)

في المطبوعة: "من الوجوه التي ذكرت، دليل يجب التسليم له"، زاد فيما كان في المخطوطة لتستقيم الجملة، وكان فيها:"من الوجوه التي يجب التسليم له" والأمر أهون من ذلك، أخطأ فكتب"التي" مكان"الذي"، وهو حق السياق.

(3)

سلف البيت وتخريجه في 4: 424، تعليق:4.

ص: 444

قد تعفَّى غَرُّ ما بين جفني عينيه فدثر: (1)"أعمى مطموس، وطمْيس"، كما قال الله جل ثناؤه:(وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ)[سورة يس: 66] .

* * *

= قال أبو جعفر:"الغَرُّ"، الشقّ الذي بين الجفنين. (2)

* * *

فإن قال قائل: فإن كان الأمر كما وصفت من تأويل الآية، فهل كان ما توعَّدهم به؟ (3)

قيل: لم يكن، لأنه آمن منهم جماعة، منهم: عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسد بن سعية، (4) وأسد بن عبيد، ومُخَيْرِق، (5) وجماعة غيرهم، فدفع عنهم بإيمانهم.

ومما يبين عن أن هذه الآية نزلت في اليهود الذين ذكرنا صفتهم، ما:-

9724 -

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير= وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة = جميعًا، عن ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد

(1) في المطبوعة: "الذي قد تعفى ما بين جفني

" حذف"غر"، لأنه لم يحسن قراءتها، وهي في المخطوطة غير منقوطة، وانظر شرح أبي جعفر لكلمة"غر"، والتعليق عليه بعد.

(2)

في المطبوعة: (العراسق الذي بين الخفين) ، واستدرك عليه الناشر الأول، وكتب فيه خلطًا شديدًا، نقله عنه آخرون!! وأما المخطوطة التي لم يحسن الناشر قراءتها فكان فيها: العرالسق الذي بين الخفين" كله غير منقوط، وصوابه قراءته ما أثبت. وأصل ذلك أن"الغر" (بفتح الغين وتشديد الراء) هو الشق في الأرض. و"الغر" أيضًا: الكسر يكون في الثوب، والغضون في الجلد، وهو مكاسر الجلد، ومنه قليل: "اطو الثوب على غره" أي على كسره. وقد جاءت هذه الكلمة في تفسير أبي جعفر 23: 17، 18 مصحفة بالزاي: "والطمس على العين هو أن لا يكون بين جفني العين (غز)، وذلك هو الشق الذي بين الجفنين". وانظر شرح ابن إسحاق في سيرته 2: 210: "المطموس العين: الذي ليس بين جفنيه شق".

فتبين من هذا صحة قراءتنا وصوابها، وخلط من لا يحسن أن يخلط، فضلا عن أن يصيب!!

(3)

"كان" هنا تامة، بمعنى: وقع وحدث.

(4)

في المطبوعة والمخطوطة: "أسد بن سعية" وعند ابن إسحاق: "أسيد بن سعية"(بفتح الألف وكسر السين) . والاختلاف في اسمه واسم أبيه كثير.

(5)

لم أجد"مخيرق" في غير هذا الموضع، وهو في سائر الكتب وفي ترجمته"مخيريق"، والاختلاف في أسماء بني إسرائيل كثير. فتركته على حاله هنا، لأنه هكذا ثبت في المخطوطة.

ص: 445

مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: كلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود: منهم عبد الله بن صوريا، وكعب بن أسد فقال لهم: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا! فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحقٌّ! (1) فقالوا: ما نعرف ذلك يا محمد! وجحدوا ما عرفوا، وأصرّوا على الكفر، فأنزل الله فيهم:"يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقًا لما معكم من قبل أن نطمس وجوهًا فنردها على أدبارها"، الآية (2)

9725 -

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح، عن عيسى بن المغيرة قال: تذاكرنا عند إبراهيم إسلامَ كعبٍ، (3) فقال: أسلم كعب في زمان عمر، أقبل وهو يريد بيت المقدس، فمرّ على المدينة، فخرج إليه عمر فقال: يا كعب، أسلم! قال: ألستم تقرأون في كتابكم: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا)[سورة الجمعة: 5] ؟ وأنا قد حملت التوراة! قال: فتركه. ثم خرج حتى انتهى إلى حمص، قال: فسمع رجلا من أهلها حزينًا وهو يقول:"يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقًا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها"، الآية. فقال كعب: يا رب آمنت، يا رب أسلمت! مخافة أن تصيبه الآية، ثم رجع فأتى أهله باليمن، ثم جاء بهم مسلمين.

* * *

(1) في المخطوطة: "الذي حكم به لحق"، وفي هامش النسخة بخط عتيق:"الصواب: بعثت"، وأخطأ من كتب، فالصواب ما في المطبوعة، وهو نص سيرة ابن هشام.

(2)

الأثر 9724 - سيرة ابن هشام 2: 209، وهو تابع الأثر السالف: 9689، 9690.

(3)

يعني"كعب الأحبار".

ص: 446

القول في تأويل قوله: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا (47) }

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"أو نلعنهم"، أو نلعنكم فنخزيكم ونجعلكم قردة ="كما لعنا أصحاب السبت"، يقول: كما أخزينا الذين اعتدوا في السبت من أسلافكم. (1) قيل ذلك على وجه الخطاب في قوله:"آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم"، كما قال:(حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا)[سورة يونس: 22] . (2)

وقد يحتمل أن يكون معناه:"من قبل أن نطمس وجوها فنردَّها على أدبارها"، أو نلعن أصحاب الوجوه = فجعل"الهاء والميم" في قوله:"أو نلعنهم"، من ذكر أصحاب الوجوه، إذ كان في الكلام دلالة على ذلك:

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك:

9726 -

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"يا أيها الذين أوتوا الكتاب" إلى قوله:"أو نلعنهم كما لعنّا أصحاب السبت"، أي: نحوّلهم قردة.

9727 -

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن:"أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت"، يقول: أو نجعلهم قردة.

9728 -

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا

(1) انظر تفسير"اللعنة" فيما سلف قريبًا ص: 439، تعليق: 2، والمراجع هناك.

(2)

انظر ما سلف 1: 154 / 3: 304، 305 / 6: 238، 464، ومواضع أخرى كثيرة فيما سلف.

ص: 447

أسباط، عن السدي:"أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت"، أو نجعلهم قردة.

9729 -

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت"، قال: هم يهود جميعًا، نلعن هؤلاء كما لعنّا الذين لعنّا منهم من أصحاب السبت. (1)

* * *

وأما قوله:"وكان أمر الله مفعولا"، فإنه يعني: وكان جميع ما أمر الله أن يكون، كائنًا مخلوقًا موجودًا، لا يمتنع عليه خلق شيء شاء خَلْقه. و"الأمر" في هذا الموضع: المأمور = سمي"أمر الله"، لأنه عن أمره كان وبأمره.

والمعنى: وكان ما أمر الله مفعولا.

* * *

القول في تأويل قوله: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه:"يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقًا لما معكم" = وإن الله لا يغفر أن يشرك به، فإن الله لا يغفر الشرك به والكفر، ويغفر ما دون ذلك الشرك لمن يشاء من أهل الذنوب والآثام.

* * *

وإذ كان ذلك معنى الكلام، فإن قوله:"أن يشرك به"، في موضع نصب بوقوع"يغفر" عليها (2) = وإن شئت بفقد الخافض الذي كان يخفضها لو كان ظاهرًا. وذلك أن يوجَّه معناه إلى: إن الله لا يغفر أن يشرك به، على تأويل الجزاء،

(1) انظر خبر"أصحاب السبت" فيما سلف 2: 166 - 175.

(2)

"الوقوع" تعدى الفعل إلى مفعول، كما سلف مرارًا كثيرة.

ص: 448

كأنه قيل: إن الله لا يغفر ذنبًا مع شرك، أو عن شرك. (1)

وعلى هذا التأويل يتوجه أن تكون"أن" في موضع خفض في قول بعض أهل العربية. (2)

* * *

وذكر أن هذه الآية نزلت في أقوام ارتابوا في أمر المشركين حين نزلت: (قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)[سورة الزمر: 53] .

ذكر الخبر بذلك:

9730 -

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال، حدثني مُجَبَّر، عن عبد الله بن عمر: أنه قال: لما نزلت: (يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) الآية، قام رجل فقال: والشرك، يا نبيَّ الله. فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما". (3)

(1) في معاني القرآن للفراء 1: 272: "مع شرك، ولا عن شرك"، والصواب في التفسير.

(2)

انظر معاني القرآن للفراء 1: 272 فهذه مقالته.

(3)

الحديث: 9730 - ابن أبي جعفر: هو عبد الله بن أبي جعفر الرازي: مضت ترجمته وترجمة أبيه في: 7030.

الربيع: هو ابن أنس البكري. مضت ترجمته في: 5480.

مجبر - بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الباء الموحدة المفتوحة، بوزن"محمد"-: هو ابن أخي عبد الله بن عمر. و"مجبر" لقبه، واسمه:"عبد الرحمن بن عبد الرحمن الأصغر بن عمر بن الخطاب". ذكره المصعب في نسب قريش، ص: 356، وابن حزم في جمهرة الأنساب، ص: 146، والمشتبه للذهبي، ص:462. مترجم في التعجيل، ص: 392 - 393، وله ذكر فيه أيضًا في ترجمة ابنه"عبد الرحمن" ص: 256 - 257.

وله رواية في المسند: 1402، عن عثمان وطلحة. وأظنها رواية منقطعة، فإن طبقته أصغر من أن يدركهما.

وله ذكر في الموطأ ص: 397: "مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: أنه لقي رجلا من أهله يقال له المجبر، قد أفاض ولم يحلق ولم يقصر، جهل ذلك، فأمره عبد الله أن يرجع، فيحلق أو يقصر، ثم يرجع إلى البيت فيفيض".

ولم أجد له ترجمة غير ذلك. فهذا تابعي عرف شخصه، ولم يذكر بجرح، فأقل حالاته أن يكون حديثه حسنًا.

والحديث نقله ابن كثير 2: 481، عن هذا الموضع. ثم قال:"وقد رواه ابن مردويه من طرق عن ابن عمر".

وذكره السيوطي 1: 169، ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم.

وسيأتي عقب هذا بإسناد ضعيف، لإبهام شيخ الطبري.

ص: 449

9731 -

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"إن الله لا يغفر أن يشرك له ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"، قال: أخبرني مُجَبَّر، عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما نزلت هذه الآية: (يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) الآية، قام رجل فقال: والشرك يا نبي الله. فكره ذلك النبي، فقال:"إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء".

9732 -

حدثني محمد بن خلف العسقلاني قال، حدثنا آدم قال، حدثنا الهيثم بن جَمّاز قال، حدثنا بكر بن عبد الله المزني، عن ابن عمر قال: كنا معشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نَشُك في قاتلِ النفس، وآكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرَّحم، حتى نزلت هذه الآية:"إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"، فأمسكنا عن الشهادة. (1)

وقد أبانت هذه الآية أنّ كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن كبيرة شركًا بالله.

* * *

(1) الحديث: 9732 - آدم: هو ابن أبي إياس العسقلاني. مضت ترجمته في: 187، الهيثم بن جماز البكاء، الحنفي البصري القاضي: ضعيف، ضعفه أحمد، وابن معين، والنسائي، وغيرهم. مترجم في لسان الميزان 6: 204 - 205، والكبير للبخاري 4 / 2 / 216. وابن أبي حاتم 4 / 2 / 81، والضعفاء للنسائي، ص: 30.

و"جماز": بفتح الجيم وتشديد الميم وآخره زاي. ووقع في المخطوطة والمطبوعة"حماد"، وهو تصحيف. وكذلك وقع مصحفًا في التهذيب 11: 100، عند ذكره بترجمة"الهيثم بن أبي الهيثم".

بكر بن عبد الله المزني: تابعي ثقة معروف، أخرج له الجماعة.

والحديث ذكره السيوطي 2: 169، ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم، والبزار.

ومعناه ثابت عن ابن عمر من روايات أخر:

ففي الدر المنثور 2: 169"أخرج ابن الضريس، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن عدي - بسند صحيح، عن ابن عمر، قال: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ، وقال: إني ادخرت دعوتي، شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا، ثم نطقنا بعد ورجونا". وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 7: 5، وقال:"رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح، غير حرب بن سريج، وهو ثقة".

وفي مجمع الزوائد 10: 210 - 211"عن ابن عمر، قال: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر، حتى سمعنا نبينا صلى الله عليه وسلم يقول (إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ، وقال: أخرت شفاعتي لأهل الكبائر يوم القيامة. رواه البزار، وإسناده جيد". وهو نحو الذي قبله.

وفيه أيضًا روايات بهذا المعنى عن ابن عمر 10: 193.

هذا، وكان في المخطوطة:"لا نشك في المؤمن، وآكل مال اليتيم": بينهما بياض وقبل"المؤمن" في أعلاه حرف"ط"، وهذا دال على أن النسخة التي نقل عنها كانت غير واضحة فأثبتنا ما جاء في الروايات الأخر.

ص: 450

القول في تأويل قوله: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48) }

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه:"ومن يشرك بالله" في عبادته غيره من خلقه ="فقد افترى إثما عظيما"، يقول: فقد اختلق إثما عظيمًا. (1) وإنما جعله الله تعالى ذكره"مفتريًا"، لأنه قال زورًا وإفكًا بجحوده وحدانية الله، وإقراره بأن لله شريكًا من خلقه وصاحبة أو ولدًا. فقائل ذلك مُفترٍ. وكذلك كل كاذب، فهو مفترٍ في كذبه مختلقٌ له.

* * *

(1) انظر تفسير"افترى" فيما سلف 6: 292.

ص: 451

القول في تأويل قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ}

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ألم تر، يا محمد بقلبك، (1) الذين يزكون أنفسهم من اليهود فيبرِّئونها من الذنوب ويطهرونها. (2)

* * *

واختلف أهل التأويل، في المعنى الذي كانت اليهود تُزَكي به أنفسها.

فقال بعضهم: كانت تزكيتهم أنفسَهم، قولهم:"نحن أبناء الله وأحباؤه".

*ذكر من قال ذلك:

9733 -

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يُظلمون فتيلا"، وهم أعداء الله اليهود، زكوا أنفسهم بأمر لم يبلغوه، فقالوا:"نحن أبناء الله وأحِبّاؤه". وقالوا:"لا ذنوب لنا".

9734 -

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله:"ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم"، قال: هم اليهود والنصارى، قالوا:"نحن أبناء الله وأحباؤه". وقالوا:"لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى".

9735 -

وحدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك قال: قالت يهود:"ليست لنا ذنوب إلا كذنوب أولادنا يوم يولدون! فإن كانت لهم ذنوب فإنّ لنا ذنوبًا! فإنما نحن

(1) انظر تفسير"ألم تر" فيما سلف قريبًا: 426، تعليق: 5، والمراجع هناك.

(2)

انظر تفسير"التزكية" فيما سلف: 369، تعليق: 2، والمراجع هناك.

ص: 452

مثلهم"! قال الله تعالى ذكره: (انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا)

9736 -

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم"، قال: قال أهل الكتاب:"لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى"، وقالوا:"نحن أبناء الله وأحباؤه"، وقالوا:"نحن على الذي يحب الله". فقال تبارك وتعالى:"ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء"، حين زعموا أنهم يدخلون الجنة، وأنهم أبناء الله وأحباؤه وأهل طاعته.

9737 -

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل لله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا"، نزلت في اليهود، قالوا:"إنا نعلم أبناءنا التوراة صغارًا، فلا تكون لهم ذنوب، وذنوبنا مثل ذنوب أبنائنا، ما عملنا بالنهار كُفَّر عنا بالليل".

* * *

وقال آخرون: بل كانت تزكيتهم أنفسَهم، تقديمهم أطفالهم لإمامتهم في صلاتهم، زعمًا منهم أنهم لا ذنوب لهم.

*ذكر من قال ذلك:

9738 -

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"يزكون أنفسهم"، قال: يهود، كانوا يقدمون صبيانهم في الصلاة فيؤمُّونهم، يزعمون أنهم لا ذنوب لهم. فتلك التزكية.

9739 -

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

9740 -

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن الأعرج، عن مجاهد قال: كانوا يقدمون الصبيان أمامهم في

ص: 453

الدعاء والصلاة يؤمُّونهم، ويزعمون أنهم لا ذنوب لهم، فتلك تزكية = قال ابن جريج: هم اليهود والنصارى.

9741 -

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن حصين، عن أبي مالك في قوله:"ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم"، قال: نزلت في اليهود، كانوا يقدمون صبيانهم يقولون:"ليست لهم ذنوب".

9742 -

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي مكين، عن عكرمة في قوله:"ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم"، قال، كان أهل الكتاب يقدمون الغلمان الذين لم يبلغوا الحِنْث يصلُّون بهم، يقولون:"ليس لهم ذنوب"! فأنزل الله:"ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم"، الآية. (1)

* * *

وقال آخرون: بل تزكيتهم أنفسهم، كانت قولهم:"إن أبناءنا سيشفعون لنا ويزكوننا".

*ذكر من قال ذلك:

9743 -

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم"، وذلك أن اليهود قالوا:"إن أبناءنا قد تُوُفُّوا، وهم لنا قربة عند الله، وسيشفعون ويزكوننا"! فقال الله لمحمد:"ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم" إلى"ولا يظلمون فتيلا".

* * *

وقال آخرون: بل ذلك كان منهم، تزكية من بعضهم لبعض.

*ذكر من قال ذلك:

9744 -

حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي قال، حدثنا أبي، عن أبيه،

(1) الأثر: 9742 -"أبو مكين" هو: نوح بن ربيعة الأنصاري، مولاهم. مترجم في التهذيب.

ص: 454

عن الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: قال عبد الله: إن الرجل ليغدو بدينه، ثم يرجع وما معه منه شيء! يلقى الرجل ليس يملك له نفعًا ولا ضرًا، فيقول:"والله إنك لذَيْتَ وذَيْتَ"، ولعله أن يرجع ولم يَحْلَ من حاجته بشيء، (1) وقد أسخط الله عليه. ثم قرأ:"ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم" الآية. (2)

* * *

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب، قول من قال: معنى"تزكية القوم"، الذين وصفهم الله بأنهم يزكون أنفسهم، وَصفهم إياها بأنها لا ذنوب لها ولا خطايا، وأنهم لله أبناء وأحبّاء، كما أخبر الله عنهم أنهم كانوا يقولونه. لأن ذلك هو أظهر معانيه، لإخبار الله عنهم أنهم إنما كانوا يزكون أنفسهم دون غيرها.

* * *

وأما الذين قالوا: معنى ذلك:"تقديمهم أطفالهم للصلاة"، فتأويل لا تدرك صحته إلا بخبر حجة يوجب العلم.

* * *

وأما قوله جل ثناؤه:"بل الله يزكي من يشاء"، فإنه تكذيب من الله المزكِّين أنفسهم من اليهود والنصارى، المبرِّئيها من الذنوب. يقول الله لهم: ما الأمر كما

(1) في المطبوعة: "ويجعله أن يرجع"، وهو خطأ لا شك فيه، والصواب في المخطوطة. وقوله:"لم يحل من حاجة بشيء"، أي لم يظفر منها بشيء، ولم يصب شيئًا مما ابتغى، وهو لا يستعمل إلا مع النفي والجحد بهذا المعنى.

وقوله: "ذيت وذيت" من ألفاظ الكنايات، بمعنى:"كيت وكيت".

(2)

الأثر: 9744 -"يحيى بن إبراهيم بن أبي عبيدة بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود المسعودي" سلفت ترجمته برقم: 5379.

و"قيس بن مسلم الجدلي العدواني" روى عن طارق بن شهاب، وروى عنه الأعمش، وسفيان الثوري وآخرون. قال أحمد"ثقة في الحديث، كان مرجئًا" وقال أحمد عن سفيان: "يقولون: ما رفع رأسه إلى السماء منذ كذا وكذا تعظيمًا لله".

و"طارق بن شهاب الأحمسي"، روى عنه الأربعة. ورأى طارق النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنه مرسلا، وروى عن الخلفاء الأربعة، وبلال، وحذيفة، وخالد بن الوليد.

ص: 455

زعمتم أنه لا ذنوب لكم ولا خطايا، وأنكم برآء مما يكرهه الله، ولكنكم أهل فِرْية وكذب على الله، وليس المزكَّي من زكى نفسه، ولكنه الذي يزكيه الله، والله يزكي من يشاء من خلقه فيطهره ويبرِّئه من الذنوب، بتوفيقه لاجتناب ما يكرهه من معاصيه، إلى ما يرضاه من طاعته.

* * *

وإنما قلنا إنّ ذلك كذلك، لقوله جل ثناؤه:"انظر كيف يفترون على الله الكذب"، وأخبر أنهم يفترون على الله الكذب بدعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن الله قد طهرهم من الذنوب.

* * *

القول في تأويل قوله: {وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا (49) }

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولا يظلم الله هؤلاء الذين أخبر عنهم أنهم يزكون أنفسهم ولا غيرهم من خلقه، فيبخسهم في تركه تزكيتهم، وتزكية من ترك تزكيته، وفي تزكية من زكى من خلقه = شيئًا من حقوقهم، ولا يضع شيئًا في غير موضعه، ولكنه يزكي من يشاء من خلقه، فيوفِّقه، ويخذل من يشاء من أهل معاصيه. كل ذلك إليه وبيده، وهو في كل ذلك غير ظالم أحدًا = ممن زكاه أو لم يزكه = فتيلا.

* * *

واختلف أهل التأويل في معنى"الفتيل".

فقال بعضهم: هو ما خرج من بين الإصبعين والكفين من الوسخ، إذا فتلتَ إحداهما بالأخرى.

*ذكر من قال ذلك:

9745 -

حدثني سليمان بن عبد الجبار [قال، حدثنا محمد بن الصلت]

ص: 456

قال، حدثنا أبو كدينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: الفتيل ما خرج من بين إصبعيك. (1) 9746 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق الهمداني، عن التيمي قال: سألت ابن عباس عن قوله:"ولا يظلمون فتيلا"، قال: ما فتلت بين إصبعيك.

9747 -

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن يزيد بن درهم أبي العلاء قال، سمعت أبا العالية، عن ابن عباس:"ولا يظلمون فتيلا"، قال: الفتيل، هو الذي يخرج من بين إصبعي الرجل. (2)

9748 -

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"ولا يظلمون فتيلا"، والفتيل، هو أن تدلُك إصبعيك، (3) فما خرج بينهما فهو ذلك.

9749 -

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين،

(1) الأثر: 9745 -"سليمان بن عبد الجبار بن زريق الخياط" مضى برقم: 5994 = وكذلك مضت ترجمة: "محمد بن الصلت"، وترجمة"أبي كدينة: يحيى بن المهلب". هذا وقد كان الإسناد مخرومًا فيما رجحت، سقط منه ذكر"محمد بن الصلت" كما مضى في 5994، 7964، وكما سيأتي الإسناد نفسه برقم: 9799، ولأن سليمان بن عبد الجبار، لم يلحق"أبا كدينة".

و"قابوس" هو: قابوس بن أبي ظبيان الجنبي، روى عن أبيه حصين بن جندب. وهو ضعيف، لا يحتج به، كما قال ابن سعد. قال ابن حبان:"كان رديء الحفظ، ينفرد عن أبيه بما لا أصل له".

وأبوه: "حصين بن جندب الجنبي، أبو ظبيان. روى عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر وغيرهم من الصحابة والتابعين، وهو ثقة. مترجم في التهذيب.

(2)

الأثر: 9747 -"يزيد بن درهم، أبي العلاء العجمي"، أخو: محمد بن درهم، روى عن أنس بن مالك، والحسن، وهذا هو يروي أيضًا عن أبي العالية، ولم يذكروه. روى عنه وكيع، وعبد الصمد بن عبد الوارث. قال الفلاس:"ثقة"، وقال ابن معين:"ليس بشيء". وذكره ابن حبان في الثقات وقال: "يخطئ كثيرًا". مترجم في ابن أبي حاتم 4 / 2 / 260، ولسان الميزان 6:286. وانظر الأثر التالي: 9811، والتعليق عليه.

هذا، وكان في المطبوعة: "زيد بن درهم:

"، والصواب من المخطوطة.

(3)

في المطبوعة"تدلك بين إصبعيك"، زاد"بين" وليست في المخطوطة.

ص: 457

عن أبي مالك في قوله:"ولا يظلمون فتيلا"، قال: الفتيل: الوَسخ الذي يخرج من بين الكفين.

9750 -

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي، قال: الفتيل، ما فتلت به يديك، فخرج وَسَخ.

9751 -

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله:"ولا يظلمون فتيلا"، قال: ما تدلكه في يديك فيخرج بينهما.

* * *

وأناس يقولون: الذي يكون في بَطن النواة.

*ذكر من قال ذلك:

9752 -

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"فتيلا"، قال: الذي في بطن النواة.

9753 -

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء قال: الفتيل، الذي في بطن النواة.

9754 -

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني طلحة بن عمرو: أنه سمع عطاء بن أبي رباح يقول، فذكر مثله.

9755 -

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال قال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير: أنه سمع مجاهدًا يقول: الفتيل، الذي في شِقّ النواة.

9756 -

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن سعيد قال، حدثنا سفيان بن سعيد، عن منصور، عن مجاهد قال: الفتيل، في النَّوى.

9757 -

حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا

ص: 458

معمر، عن قتادة في قوله:"ولا يظلمون فتيلا"، قال: الفتيل الذي في شِقّ النواة.

9758 -

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: الفتيل، شق النواة.

9759 -

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: الفتيل، الذي في بطن النواة.

9760 -

حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك قال: الفتيل، الذي يكون في شِقّ النواة.

9761 -

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ولا يظلمون فتيلا"، فتيل النواة.

9762 -

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا قرة، عن عطية قال: الفتيل، الذي في بطن النواة. (1)

* * *

قال أبو جعفر: وأصل"الفتيل"، المفتول، صرف من"مفعول" إلى"فعيل" كما قيل:"صريع" و"دهين" من"مصروع" و"مدهون".

وإذ كان ذلك كذلك = وكان الله جل ثناؤه إنما قصد بقوله:"ولا يظلمون فتيلا"، الخبرَ عن أنه لا يظلم عبادَه أقلَّ الأشياء التي لا خطر لها، فكيف بما له خطر؟ = وكان الوسخ الذي يخرج من بين إصبعي الرجل أو من بين كفيه إذا فتل إحداهما على الأخرى، كالذي هو في شق النواة وبطنها، وما أشبه ذلك من

(1) الأثر: 9762 -"أبو عامر" هو أبو عامر العقدي، عبد الملك بن عمرو، مضت ترجمته برقم:4143.

و"قرة" هو قرة بن خالد السدوسي، روى عن أبي رجاء العطاردي، وابن سيرين، والحسن. وروى عنه شعبة، ويحيى بن سعيد القطان، وأبو داود الطيالسي، وغيرهم. مترجم في التهذيب و"عطية" هو: عطية بن سعد بن جنادة العوفي. مترجم في رقم: 305.

ص: 459