الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.
فحلول الوباء سنة ربانية اقتضتها حكمته عز وجل، وشاء سبحانه بقضائه وقدره فيها، فلا يقع في هذا الكون إلا ما شاء الله وأراد، وهو سبحانه لا يرفع الضر والبلاء عن العباد والبلاد إلا إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء.
والوباء من جملة الابتلاء الذي يبتلي به الله عباده، فمن صبر فله الجزاء الحسن في الدنيا، والثواب الكبير في الآخرة، ومن جزع فقد خاب عمله في الدنيا، وخسر ثوابه في الآخرة.
ولابد للعباد عند حلول الوباء من الالتجاء إلى الله وحده، وطلب المعونة والرجاء منه دون سواه، ودعاؤه برفع البلاء دون غيره؛ فلا يقدر على هذا البلاء ولا يدفع هذا الوباء إلا الله، وما سوى ذلك ماهي إلا أسباب رضي بوقوعها وأذن بنفعها سبحانه.
كما يجب عليهم عند حلول الوباء من ضرورة العلم والبصيرة بالشرع فيما يقومون به من عبادات أو اعتقادات، ويجب عليهم الحذر من الابتداع أو فعل ما يخالف مسلمات الدين عند فعل هذه العبادات أو الاعتقادات؛ فبالعلم تزول الشبهات التي تحجب الحق، وتعرف المخالفات التي تسبب الانحراف عن الدين وتبعد عن السنة.
وقد حدثت الأوبئة في بلاد المسلمين في أزمان كثيرة وأماكن متعددة، وكان أول وباء حدث في تاريخ المسلمين هو طاعون عمواس
(1)
الذي حدث في عهد الخليفة عمر رضي الله عنه.
(1)
بلدة في فلسطين بالقرب من بيت المقدس، ومنها كان ابتداء الطاعون في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم فشا في أرض الشام فمات فيه خلق كثير لا يحصى من الصحابة رضي الله عنهم، ومن غيرهم، وذلك في سنة (18 هـ). ينظر: معجم البلدان، الحموي، (4/ 157 - 158).
وقد تعامل الصحابة رضي الله عنهم مع هذا الطاعون بأمثل طريق وأفضله؛ فقد كان من عادة الصحابة رضي الله عنهم أنهم إذا نزلت بهم النازلة يجتمعون مع إمامهم ويتشاورون لها، ويتباحثون ويتناقشون فيها، ثم يخرجون عن رأي يوافقون فيه إمامهم ولا يعترضون عليه.
فعندما خرج عمر رضي الله عنه إلى الشام، لقيه أمراء الأجناد، أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام. فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأولين، فدعاهم فاستشارهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا، فقال بعضهم: قد خرجت لأمر، ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادعوا لي الأنصار، فدعوتهم فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي من كان ها هنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوتهم، فلم يختلف منهم عليه رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه. قال أبو عبيدة بن الجراح: أفراراً من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة؟ نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديا له عدوتان، إحداهما خصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبدالرحمن بن عوف - وكان متغيبا في بعض حاجته - فقال: إن عندي في هذا علما، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه» قال: فحمد الله عمر ثم انصرف
(1)
.
وقد توفي في هذا الطاعون الكثير من الصحابة رضي الله عنهم منهم: أبو عبيده بن الجراح، ومعاذ ابن جبل، ويزيد بن أبى سفيان، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وعتبة بن سهيل رضي الله عنه
(2)
، وقدَّر بعض المؤرخين أن الذي مات من المسلمين بهذا الوباء ما يقرب من خمسة وعشرين ألفاً
(3)
.
(1)
رواه البخاري، في كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون ح (5729)، (7/ 130)، ومسلم، في كتاب السلام، باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها، ح (2219)، (4/ 1740).
(2)
ينظر: تاريخ الطبري، (4/ 60).
(3)
ينظر: البداية والنهاية، ابن كثير، (7/ 107).
وهذا الطاعون يعتبر هو أول النوازل العقدية المتعلقة بالأوبئة في حياة الصحابة رضي الله عنهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان تعاملهم رضي الله عنهم مع هذا الوباء التعامل الأمثل المبني على التشاور والاجتماع وعلى الاتباع وعدم الابتداع، فلم يحدث منهم أية مخالفة عقدية أو بدعة محدثة تخالف سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا التعامل يجب أن يكون قدوة للأمة عند حلول الأوبئة، ومثال يحتذى عند حصول الحوادث الكونية وتغير الأزمنة.
وبالاستعانة بالله ثم قراءة ما أمكن قراءته من النوازل فقد تم تحديد وحصر أهم هذه النوازل التي وقعت، وتتبع أهم هذه الحوادث التي حدثت مع حلول وباء كورونا.
والمسائل العقدية المتعلقة بوباء كورونا تحتاج إلى دقة في معرفة كونها نازلة أم لا، وإلى تحديد صحيح في كونها جديدة في وقوعها أم متجددة في مضمونها.
وسيتم التعريف بالمصطلحات، والفرق بين الوباء والطاعون، وبيان هذه النوازل، ومناقشة الانحرافات التي حدثت في هذه النوازل، والتوجيه العقدي الصحيح والرد العلمي المؤصل لهذه النوازل بإذن الله.
وهذا بيان بأهم النوازل العقدية المتعلقة بوباء كورونا وهي كالتالي:
* النازلة الأولى: المخالفات العقدية في القبور والأماكن؛ للتداوي من وباء كورونا.
* النازلة الثانية: التلفظ بالأدعية والأذكار المخالفة؛ للتداوي من وباء كورونا.
* النازلة الثالثة: التوسل بغير الله؛ لرفع بلاء وباء كورونا.
* النازلة الرابعة: التنزيل الخاطئ للأدلة الشرعية عند حلول وباء كورونا.
* النازلة الخامسة: ترك الأدلة الشرعية والاعتماد على الأدلة العقلية.
* النازلة السادسة: الدعوة إلى الاعتماد على العلاجات الطبية فقط، وترك كل ماله صلة بالدين.
* النازلة السابعة: الاعتقاد أن وباء كورونا مذكور في القرآن.
* النازلة الثامنة: الزعم بأن وباء كورونا من صنع البشر.
* النازلة التاسعة: التنجيم وادعاء علم الغيب في وباء كورونا.
* النازلة العاشرة: المسائل المتعلقة بالسمع والطاعة لولي الأمر.