المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌النازلة الثالثة: التوسل بغير الله؛ لرفع بلاء وباء كورونا - التوجيهات الصحيحة للنوازل العقدية المتعلقة بوباء كورونا

[محمد الهمامي]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌التمهيد

- ‌أولاً: التعريف بالنوازل العقدية المتعلقة بوباء كورونا

- ‌تعريف النوازل:

- ‌تعريف العقيدة:

- ‌تعريف الأوبئة:

- ‌تعريف كورونا:

- ‌ثانياً: الفرق بين وباء كورونا والطاعون:

- ‌القول الأول: أن الطاعون هو الوباء:

- ‌القول الثاني: أن الطاعون غير الوباء:

- ‌أولاً: الطاعون لا يدخل المدينة:

- ‌ثانياً: أن الطاعون من وخز الجن:

- ‌ثالثاً: من أوجه الاختلاف بين الطاعون والوباء ما ذكره أهل العلم والطب الحديث بأن هناك فرق بين منشأ الطاعون وتكوينه وبين منشأ الأوبئة وتكوينها ومنها وباء كورونا

- ‌النازلة الأولى: المخالفات العقدية في القبور والأماكن؛ للتداوي من وباء كورونا

- ‌النازلة الثانية: التلفظ بالأدعية والأذكار المخالفة؛ للتداوي من وباء كورونا

- ‌النازلة الثالثة: التوسل بغير الله؛ لرفع بلاء وباء كورونا

- ‌النازلة الرابعة: التنزيل الخاطئ للأدلة الشرعية عند حلول وباء كورونا

- ‌النازلة الخامسة: ترك الأدلة الشرعية والاعتماد على الأدلة العقلية

- ‌النازلة السادسة: الدعوة إلى الاعتماد على العلاجات الطبية فقط، وترك كل ما له صلة بالدين

- ‌النازلة السابعة: الاعتقاد أن وباء كورونا مذكور في القرآن

- ‌النازلة الثامنة: الزعم بأن وباء كورونا من صنع البشر

- ‌النازلة التاسعة: التنجيم وادعاء علم الغيب في وباء كورونا

- ‌النازلة العاشرة: المسائل المتعلقة بالسمع والطاعة لولي الأمر

- ‌المصادر والمراجع

الفصل: ‌النازلة الثالثة: التوسل بغير الله؛ لرفع بلاء وباء كورونا

‌النازلة الثالثة: التوسل بغير الله؛ لرفع بلاء وباء كورونا

.

من النوازل العقدية التي حدثت مع حلول وباء كورونا هي: التوسل بغير الله، ومن ذلك التوسل ببعض الأعمال البدعية مثل قراءة كتب الحديث النبوي، والتي يزعم بعضهم أن فعلها يكون لرفع وباء كورونا، وسبباً في الشفاء من الأمراض والأوبئة الأخرى.

فقد قال أحد الأعضاء بدار الإفتاء المصرية عبر البث المباشر لدار الإفتاء على صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك: أن صحيح البخاري هو أصح كتاب بعد كتاب الله وهو علامة على الرواية المتقنة والتوثيق السليم.

وذكر قول عبد الله بن أبي جمرة

(1)

: ما قرأ هذا الكتاب في كرب إلا وفرجه الله، وما قرأ في مركب إلا ونجت من الغرق.

وبين أن هذه مجرد تجارب ناجحة مرجعها أن صحيح البخاري به كثير من الأحاديث، ومع كل قراءة لحديث منها يرافقها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وهي سبب في كل دفع كل بلاء ووباء ونصر.

وأضاف أن العديد من الأئمة يعتقد ذلك منذ قديم الأزل كالإمام تقي الدين السبكي، وابن الحافظ، وزيد الدين العراقي، وأئمة المسلمين عبر القرون من غير نكير لهم؛ فكان لرواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل كبير عند عامة الناس وعلمائهم.

وأشار إلى أن الإمام البخاري كان مستجاب الدعوة؛ فيحكي الحافظ ابن أبي علي الغساني أنه عندما أصاب سمرقند قحط شديد، ذهب الناس إلى ضريح الإمام البخاري وصلوا عنده صلاة استسقاء متضرعين إلى الله بالدعاء إلى أن نزل الماء منهمر لأيام طوال.

وأفاد بأن صحيح البخاري مما يستحب الاستعانة به في دفع البلاء، إضافة إلى صلاة الحاجة، وغيرها من الأعمال الصالحة

(2)

.

ونشر أحد الباحثين في أحد المواقع مقال بعنوان: إتحاف النبلاء بحكم قراءة كتب الحديث؛ لرفع البلاء، ومما جاء في مقاله:

(1)

عبد الله بن أبي جمرة المالكي أبو محمد خطيب غرناطة، روى عن أبي الربيع بن سالم بالإجازة، وأقام مدة بسبتة وولي خطابة غرناطة في أواخر عمره، خطب يوم الجمعة وخر من المنبر ميتا، وذلك سنة:(710 هـ). ينظر: الوافي بالوفيات، الصفدي، (17/ 62).

(2)

ينظر: موقع صدى البلد https:// www.elbalad.news/ 4244051

ص: 33

كان من عمل العلماء فيما مضى، من أهل الحديث والنظر والتصوف أنهم يستجلبون البركات، ويستنزلون الرحمات، لدفع الكربات، وتفريج الشدائد والملمات، بقراءة كتب الحديث المباركات، فكانوا يجتمعون عند الشدائد للتبرك بقراءة كتب السنة المشرفة؛ بنية دفع الضر ورفع البلاء واستجلاب النصر

(1)

.

(1)

ينظر: موقع رابطة العلماء السوريين https:// islamsyria.com/ site/ show_articles/ 13696

ص: 34

التوجيه العقدي لهذه النازلة كالآتي:

أولاً: أن الله أرشد عباده في ضروراتهم وحاجاتهم إلى إخلاص الدعاء له وحده سبحانه دون غيره، كما قال سبحانه:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)} [البقرة: 186]، وقال سبحانه:{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)} [غافر: 60]، وقال تعالى:{أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62)} [النمل: 62].

يقول ابن القيم رحمه الله: إن الرب سبحانه يحب من عبده أن يسأله ويرغب إليه؛ لأن وصول بره وإحسانه إليه موقوف على سؤاله. بل هو المتفضل به ابتداء بلا سبب من العبد، ولا توسط سؤاله وطلبه.

بل قدر له ذلك الفضل بلا سبب من العبد، ثم أمره بسؤاله والطلب منه؛ إظهارا لمرتبة العبودية والفقر والحاجة، واعترافا بعز الربوبية وكمال غنى الرب، وتفرده بالفضل والإحسان، وأن العبد لا غنى له عن فضله طرفة عين، فيأتي بالطلب والسؤال إتيان من يعلم أنه لا يستحق بطلبه وسؤاله شيئاً؛ لكن ربه تعالى يحب أن يسأل، ويرغب إليه، ويطلب منه

(1)

.

ثانياً: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يأمر بتلاوة القرآن أو قراءة شيء من الحديث عند دفع الضر أو جلب النفع أو مقاومة العدو، وإنما كان يأمر بالدعاء، وكان يرشد إلى الدعاء بفعله وقوله، فقد قال صلى الله عليه وسلم في الاستنصار: «اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم

(2)

»، وقال صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا

(3)

».

ثالثاً: أن ذلك لم يكن من هدي الصحابة وهم أشد الناس تعظيمًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلم يكونوا يتعبدون بتلاوة الحديث إلا للحفظ والتبليغ، بل لم يكونوا يأمرون الناس بتلاوة القرآن إذا نزلت

(1)

مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، (3/ 101 - 102).

(2)

رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب: لا تمنوا لقاء العدو، ح (3024)، (4/ 63)، ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب كراهة تمني لقاء العدو، والأمر بالصبر عند اللقاء، ح (1742)، (3/ 1362).

(3)

رواه البخاري في أبواب الاستسقاء، باب الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة، ح (1014)، (2/ 28)، ومسلم في كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء، ح (897)، (2/ 612).

ص: 35

بهم ضرورة أو خافوا عدوًا، وقد نزلت بهم شدائد مِن: قحط، ومرض، وطاعون، وغزو عدو، فلم يلجأوا إلا إلى الله في مثل هذه الأحوال، وكذلك السلف الصالح من القرون المفضلة لم يؤثر على أحد منهم التعبد بتلاوة الحديث أو غيره من الكتب.

رابعاً: أن التوسل في أصله ينقسم إلى قسمين: التوسل المشروع: وهذا القسم يشمل أنواعاً منها: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته، كما قال تعالى:{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180]، والتوسل إلى الله تعالى بذكر وعده جل وعلا، كما في قوله تعالى:{رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ} [آل عمران: 194]، ومنه أن يقول الداعي: اللهم إنك وعدت من دعاك بالإجابة، فاستجب دعائي. وكذلك التوسل إلى الله تعالى بأفعاله جل وعلا، كأن يقول: اللهم يا من نصرت محمداً صلى الله عليه وسلم يوم بدر انصرنا على القوم الكافرين، أو أن يتوسل العبد إلى الله تعالى بعباداته القلبية، أو الفعلية، أو القولية، أو غيرها، كما في قصة الثلاثة أصحاب الغار، فأحدهم توسل إلى الله تعالى ببره بوالديه، والثاني توسل إلى الله تعالى بإعطاء الأجير أجره كاملاً بعد تنميته له، والثالث توسل إلى الله تعالى بتركه الفاحشة، وقال كل واحد منهم في آخر دعائه:«اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه»

(1)

، أو أن يتوسل إلى الله تعالى بذكر حاله، وأنه محتاج إلى رحمة الله وعونه، كما في دعاء موسى عليه السلام:{رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)} [القصص: 24]، أو التوسل بدعاء الصالحين رجاء أن يستجيب الله دعاءهم. وذلك بأن يطلب من مسلم حي حاضر أن يدعو له، كما طلب عمر رضي الله عنه ومعه الصحابة رضي الله عنهم من العباس رضي الله عنه أن «يستسقي لهم»

(2)

، أي أن يدعو الله أن يغيثهم بنزول المطر.

فهذه التوسلات كلها صحيحة؛ لأنه قد ثبت في النصوص ما يدل على مشروعيتها، وأجمع أهل العلم على ذلك.

(3)

(1)

رواه البخاري كتاب البيوع، باب إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه فرضي، ح (2215)، (2/ 97)، ومسلم في كتاب الرقاق، باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الأعمال ح (2743)، (4/ 2099).

(2)

رواه البخاري في أبواب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا، ح (1010)، (2/ 27).

(3)

ينظر: مجموع الفتاوى، (27/ 131 - 133)، واقتضاء الصراط المستقيم، (2/ 318)، ومجموع فتاوى بن باز، (4/ 319 - 320)، ومجموع فتاوى بن عثيمين، (5/ 280 - 288).

ص: 36

أما التوسلات المحرمة فهي: أن يتوسل إلى الله تعالى بذات نبي أو عبد صالح، أو الكعبة، أو غيرها من الأشياء الفاضلة، أو أن يتوسل بحق نبي أو عبد صالح أو الكعبة أو غيرها، أو أن يتوسل بجاه نبي أو عبد صالح أو بركته أو حرمته أو بحق قبره ونحو ذلك.

فلا يجوز للمسلم أن يدعو الله تعالى بشيء من هذه التوسلات؛ فلم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين وسلف الأمة أنهم كانوا يدعون بمثل هذا الدعاء .. ، ولم يذكر أحد من العلماء أنه يشرع التوسل والاستسقاء بالنبي والصالح بعد موته ولا في مغيبه، ولا استحبوا ذلك في الاستسقاء ولا في الاستنصار ولا غير ذلك من الأدعية، والدعاء مخ العبادة. والعبادة مبناها على السنة والاتباع لا على الأهواء والابتداع، وإنما يعبد الله بما شرع لا يعبد بالأهواء والبدع

(1)

.

(1)

ينظر: مجموع الفتاوى، (27/ 83 - 87).

ص: 37