الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والتهديد الأكيد الذي صدر من طاغية قادر لا يتورع عن إيذاء من لا ذنب له، فكيف بمن كفر به، وأعلن خروجه عن ولائه، وسيؤثر موقفه في النظارة الحاضرين؛ إذ يزعزع إيمانهم بفرعون، ويكشف كذبه وافتراءه في ادعائه الربوبية، ويفضح زيفه في ادعاء الألوهية.
ولعلم أولئك المؤمنين بصدقه في وعيده، وأنه سيفعل ما قال دون تردد أظهروا ثباتهم، وعدم تراجعهم ولو كلفهم ذلك أرواحهم، فلذا دعوا الله عز وجل أن يفرغ عليهم الصبر، ويعمهم به ليثبتوا على دينهم، ولا يرتدوا عنه، وسألوا ربهم جل وعلا أن يتوفاهم على الإسلام ليكون ذلك سببا لنجاتهم من عذاب هو أشد من عذاب فرعون، وليكون سببا في رضا الله عز وجل عنهم، ومن ثم دخولهم الجنة دار رحمته.
إن هذا الموقف من مواقف التوسل إلى الله عز وجل بالإيمان به، والثبات على الإيمان، موقف الراغبين فيما عند الله عز وجل، الذين لا يؤثرون شيئاً في هذه الحياة الدنيا على مرضاة ربهم ولو كان في ذلك إزهاق لأرواحهم، وإتلاف لنفوسهم؛ ألا ما أجّله من موقف!، وما أعظمه من درس ينبغي أن يحتذيه كل من يريد أن يتوسل إلى ربه عز وجل؛ إن التوسل لله عز وجل لا يكون إلا بعمل صالح، وجهد يقوم به المرء يبتغي به وجه ربه، لا توسل العاجزين الذين يتطلعون إلى أعمال غيرهم، ومنازل سواهم، فيتوسلون بها ـ إنها وسيلة غير نافعة، وطريق مقطوع لا يصل به صاحبه إلى مراده.
التوسل بالجهاد في سبيل الله
…
هذا وإن من أعظم ما يتوسل به العبد إلى ربه هو جهاده في سبيل إعلاء كلمته، وثباته في القتال، وصبره على ما يصيبه في سبيل الله عز وجل، وعدم استكانته وضعفه في مواطن الابتلاء، وإنا لنلمس ذلك فيما حكاه الله عز وجل عن الربانيين الصالحين أتباع النبيين قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ
فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} 1.
فهذه الآيات المباركات، والآيات التي قبلها في سورة آل عمران فيها تعريضٌ وعذلٌ وعتابٌ لمن انهزم يوم أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتركوا القتال لما سمعوا الصائح يصيح أن محمداً قد قتل، وكذا أولئك الذين نزلوا من الجبل، وتركوا الموقع الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بملازمته وعدم تركه كائنا ما كان 2، فالآيات بين الله عز وجل فيها ثبات هؤلاء الربانيين الصابرين المحسنين، إذ خرجوا للجهاد في سبيل الله عز وجل مع أنبيائهم فثبتوا ولم يفروا، ولم يصبهم وهنٌ ولا ضعفٌ، ولا ذلوا لأعدائهم، وما كان هجيراهم إذ ذاقوا ألم القتال، ومرارة المواجهة مع أعداء الله عز وجل إلا أن قالوا {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} إنهم توسلوا إلى الله عز وجل بخروجهم للجهاد في سبيل إعلاء كلمته عز وجل طالبين مغفرة ذنوبهم، والثبات في ذلك الموطن الشديد، والنصر على أعدائهم الكافرين، إنه لتوسل صحيح يصل به صاحبه إلى مقصده، ولذا أجاب الله دعاءهم بما أرادوا {فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا} أي بالنصر والظفر على أعدائهم، {وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ} وهو النعيم المقيم في الجنة، فكانت الخاتمة الحميدة جزاءهم دنيا وأخرى {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} .
وهذا الموطن من مواطن التوسل شبيه بما وقع من أصحاب طالوت {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ
1 آل عمران: 146-148
2 ينظر سيرة ابن هشام 2/77-78، وسيرة ابن كثير 3/29-43.
يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ. وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} 1.
إنه لمشهد مؤثر يحكي الله عز وجل فيه حال هؤلاء الصابرين الذين اجتازوا الامتحان الذين ابتلوا به، إذ سلط عليه العطش الشديد والماء بين أيديهم، فنهوا عن الشرب من النهر إلا غرفة واحدة بيد الشارب ثم يمسك، فلم ينجح في هذا الامتحان سوى ثلاثمائة وبضع عشرة رجلاً 2 {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} ذلك أنهم رأوا قلة عددهم وكثرة عدوهم فهالهم ذلك الأمر، فما كان من علمائهم الذين يدركون بأن وعد الله عز وجل لهم بالنصر حقٌّ، ولن يخلف الله وعده، فالنصر من عند الله عز وجل، وكثيرا ما غلبت فئةٌ قليلةٌ جماعةً كثيرةً بإذن الله، والله مع الصابرين، أي بنصره ومعونته وتأييده، وهذا حثٌّ منهم لهم على الصبر لأنه من أعظم مقومات النصر، وهنا أقدم المؤمنون على القتال، وبرزوا لجالوت وجنوده، و {قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} هكذا عند ما تركوا الشرب مع عظيم العطش والحاجة إلى الماء، وأقدموا على لقاء العدو، وبرزوا له غير خائفين، عند ما قدموا هذه الوسائل التي تقربهم من ربهم دعوا الله عز وجل بأن ينزل عليهم الصبر، وأن يثبت أقدامهم في لقاء العدو لئلا يجبنوا
1 البقرة: 249-251.
2 وهذا العدد هو عدد من حضر بدراً من الصحابة رضوان الله عليهم. ينظر: صحيح البخاري 5/73.