الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تدرج الإسلام في تحريم الخمر:
حينما واجه الإسلام الخمر لأول مرة في المجتمع العربي - وقد تأصلت فيه إلى أبعد الحدود - سلك منهجا متدرجا حكيما في مواجهتها ففي البداية لفت الأنظار إلى آثارها الضارة التي تفوق ما فيها من منافع محدودة {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} وفي مرحلة لاحقة حرم تعاطيها قبل أوقات الصلاة بحيث لا يأتي وقت الصلاة إلا والواحد منهم في أتم صحوة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} وبعد أن تهيأت النفوس لتحريمها وأصبحوا يتطلعون إلى اليوم الذي تحرم فيه تماما وكانوا يقولون (اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانا شافيا) جاء التحريم القاطع {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ
ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} وبهذا التدرج لم يجدوا أدنى صعوبة في امتثالهم لهذه الآية بل أراقوا الخمر في طرقات المدينة حتى امتلأت منها ومن ثم تأصل الابتعاد عن الخمر في العرف الاجتماعي عند المسلمين، فرغم انحراف هذه المجتمعات وبعدها المتفاوت عن الإسلام إلا أن الإقبال على الخمر ضعيف فيها جدا مقارنة بالمجتمعات الأخرى ومن ثم فالنظر إلى شرب الخمر باشمئزاز متأصل في الوجدان الاجتماعي لهذه المجتمعات. وتلك هي ميزة الإسلام حيث يعالج المشكلات الاجتماعية بالمزاوجة بين عمل الضمير الداخلي المنفعل بالإيمان، والرقابة الخارجية في صورة رأي عام يبسطه في المجتمع وعقوبة يكلف الدولة بتنفيذها. وبذلك يحاصر المشكلة من أن تتحول بمرور الزمن إلى عادة مستقرة ومقبولة اجتماعيا، بل تظل في الهامش وفي نطاق غير المسموح به. ولنا أن نقارن في مشكلة الخمر بين حل الإسلام لها والحل الأمريكي في العشرينات من هذا القرن حيث فشلت هذه التجربة لارتكازها على الرقابة الخارجية وعدم اهتمامها بالقناعة الداخلية المستقرة في الضمير.