المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[فصل: من آيات الأنبياء إهلاك الله لمكذبيهم ونصره للمؤمنين بهم] - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية - جـ ٦

[ابن تيمية]

فهرس الكتاب

- ‌[فَصْلٌ: فَضْلُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْإِيمَانِ. وَالْعَمَلُ آيَةٌ لِنُبُوَّتِهِ]

- ‌[فَصْلٌ: تَوَسُّطُ الْمُسْلِمِينَ وَاعْتِدَالُهُمْ فِي التَّوْحِيدِ وَالْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ]

- ‌[فَصْلٌ: أَقْسَامُ مُدِّعِي النُّبُوَّةِ وَدَلَالَةُ ذَلِكَ عَلَى صِدْقِهِ عليه السلام]

- ‌[فَصْلٌ: مِنْ آيَاتِ النُّبُوَّةِ قِصَّةُ الْفِيلِ وَحِرَاسَةُ السَّمَاءِ]

- ‌[فَصْلٌ: مِنْ آيَاتِ النُّبُوَّةِ مَا ثَبَتَ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِالتَّوَاتُرِ]

- ‌[فَصْلٌ: إِخْبَارُهُ عليه السلام بِالْكَثِيرِ مِنَ الْغُيُوبِ الْمَاضِيَةِ وَالْمُسْتَقْبَلَةِ وَدَلَالَتِهَا عَلَى النُّبُوَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ: آيَاتُهُ صلى الله عليه وسلم الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْقُدْرَةِ وَالْفِعْلِ وَالتَّأْثِيرِ] [

- ‌انْشِقَاقُ الْقَمَرِ وَحِرَاسَةُ السَّمَاءِ بِالشُّهُبِ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ]

- ‌[مِنْ آيَاتِ النُّبُوَّةِ اسْتِسْقَاؤُهُ صلى الله عليه وسلم وَنُزُولُ الْمَطَرِ بِدُعَائِهِ]

- ‌[تَصَرُّفُهُ عليه السلام فِي الْحَيَوَانِ مِنْ آيَاتِ النُّبُوَّةِ]

- ‌[التَّأْثِيرُ فِي الْأَشْجَارِ وَالْخَشَبِ مِنْ آيَاتِ نُبُوَّتِهِ عليه السلام]

- ‌[فَصْلٌ: تَكْثِيرُ الْمَاءِ وَالطَّعَامِ وَالثِّمَارِ مِنْ آيَاتِ النُّبُوَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ: قِصَصُ تَكْثِيرِ الطَّعَامِ مِنْ آيَاتِ نُبُوَّتِهِ عليه السلام]

- ‌[فَصْلٌ: مِنْ آيَاتِ النُّبُوَّةِ تَكْثِيرُ الثِّمَارِ]

- ‌[فَصْلٌ: تَسْخِيرُ الْأَحْجَارِ لَهُ عليه السلام مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ]

- ‌[فَصْلٌ: مِنْ آيَاتِهِ صلى الله عليه وسلم تَأْيِيدُ اللَّهِ لَهُ بِمَلَائِكَتِهِ]

- ‌[فَصْلٌ: حِفْظُ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ]

- ‌[إِجَابَةُ دَعَوَاتِهِ عليه السلام مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ]

- ‌[فَصْلٌ: سِتُّ طُرُقٍ كُبْرَى لِلْقَطْعِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عليه السلام]

- ‌[فَصْلٌ: أَدِلَّةٌ قُرْآنِيَّةٌ عَلَى مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالْآيَاتِ]

- ‌[فَصْلٌ: مِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ إِهْلَاكُ اللَّهِ لِمُكَذِّبِيهِمْ وَنَصْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِمْ]

- ‌[فَصْلٌ: دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ أَخْبَارٌ تَحْمِلُ التَّرْغِيبَ وَالتَّرْهِيبَ]

- ‌[فَصْلٌ: مَنْ طَلَبَ آيَةً ثَانِيَةً وَثَالِثَةً وَالْحِكْمَةُ مِنْ تَتَابُعِ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى النُّبُوَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ: كُلُّ مَا يُقَالُ فِي إِثْبَاتِ النُّبُوَّةِ مُتَّصِلٌ بِطَبِيعَةِ الْخَبَرِ]

- ‌[فَصْلٌ: أَحْوَالُ وَشَوَاهِدُ صِدْقِ الْمُخْبِرِ وَكَذِبِهِ]

الفصل: ‌[فصل: من آيات الأنبياء إهلاك الله لمكذبيهم ونصره للمؤمنين بهم]

[فَصْلٌ: مِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ إِهْلَاكُ اللَّهِ لِمُكَذِّبِيهِمْ وَنَصْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِمْ]

وَمِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ إِهْلَاكُ اللَّهِ لِمُكَذِّبِيهِمْ، وَنَصْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِمْ، فَهَذَا مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِمْ، وَدَلَائِلِ صِدْقِهِمْ، كَإِغْرَاقِ اللَّهِ قَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوهُ، وَكَإِهْلَاكِهِ قَوْمَ عَادٍ بِالرِّيحِ الصَّرْصَرِ، وَإِهْلَاكِ قَوْمِ صَالِحٍ بِالصَّيْحَةِ، وَإِهْلَاكِ قَوْمِ شُعَيْبٍ بِالظُّلَّةِ، وَإِهْلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ بِإِقْلَابِ مَدَايِنِهِمْ، وَرَجْمِهِمْ بِالْحِجَارَةِ، وَكَإِهْلَاكِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ بِالْغَرَقِ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ الْقَصَصَ فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَبَيَّنَ أَنَّهَا مِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِمْ كَمَا يَذْكُرُهُ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ لَمَّا ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسَى قَالَ:

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 8]

ص: 387

ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ إِبْرَاهِيمَ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا:

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 103]

وَكَذَلِكَ ذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ نُوحٍ، وَهُودٍ، وَصَالِحٍ، وَلُوطٍ، وَشُعَيْبٍ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا جَعَلَهُ مِنَ اللَّعْنَةِ الشَّائِعَةِ لِمَنْ كَذَّبَهُمْ، وَمِنْ لِسَانِ الصِّدْقِ وَالثَّنَاءِ وَالدُّعَاءِ لَهُمْ وَلِمَنْ آمَنَ بِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ نُوحٍ:

{وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ} [الصافات: 78](78){سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ} [الصافات: 79]

، وَكَذَلِكَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ:

{وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ} [الصافات: 108](108){سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الصافات: 109]

أَيْ تَرَكْنَا هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي يَقُولُهُ الْمُتَأَخِّرُونَ، وَكَذَلِكَ فِي قِصَّةِ مُوسَى، وَهَارُونَ:

{وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ - سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ} [الصافات: 108 - 120]

وَ {سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ} [الصافات: 130]

ص: 388

وَكَذَلِكَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ تَعَالَى:

{فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا} [مريم: 49](49){وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا} [مريم: 50]

وَقَالَ فِي قِصَّةِ فِرْعَوْنَ:

{وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ} [القصص: 39](39){فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} [القصص: 40](40){وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ} [القصص: 41](41){وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ} [القصص: 42]

وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى:

{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف: 111]

وَقَالَ لِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم:

{فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49]

ص: 389

فَأَخْبَرَ أَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، ثُمَّ إِنَّهُ مَا وَقَعَ لِهَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ يُعْلَمُ بِالسَّمْعِ وَالنَّقْلِ تَارَةً، وَيُعْلَمُ بِالْعَقْلِ وَالِاعْتِبَارِ بِآثَارِهِمْ تَارَةً، كَمَا قَالَ عَنْ أَهْلِ النَّارِ:

{لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10] كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ الطَّرِيقَيْنِ فِي قَوْلِهِ:

{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40](40){الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41](41)

ثُمَّ قَالَ:

{وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ} [الحج: 42](42){وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ} [الحج: 43](43){وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} [الحج: 44](44){فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} [الحج: 45](45)

ثُمَّ قَالَ:

{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46]

وَقَالَ تَعَالَى:

ص: 390

{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ} [ق: 36](36){إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37]

وَقَالَ تَعَالَى:

{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الروم: 9](9){ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ} [الروم: 10]

وَقَالَ تَعَالَى:

{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ} [غافر: 21](21){ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [غافر: 22]

ص: 391

وَقَالَ تَعَالَى:

{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [غافر: 82](82){فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [غافر: 83](83){فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ} [غافر: 84](84){فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} [غافر: 85]

وَقَالَ لَمَّا قَصَّ قَصَصَ نُوحٍ، وَهُودٍ، وَصَالِحٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَلُوطٍ، وَشُعَيْبٍ، وَمُوسَى فِي سُورَةِ هُودٍ:

{ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ} [هود: 100](100){وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} [هود: 101](101){وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102]

وَلَمَّا ذَكَرَ قِصَّةَ لُوطٍ فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ قَالَ:

{وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ} [الصافات: 137](137){وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الصافات: 138]

ص: 392

وَفِي سُورَةِ الْحِجْرِ:

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} [الحجر: 75](75){وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ} [الحجر: 76](76){إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 77](77){وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ} [الحجر: 78](78){فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ} [الحجر: 79](79)

وَالْإِمَامُ الْمُبِينُ هُوَ الطَّرِيقُ الْمُسْتَبِينُ الْوَاضِحُ. بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ هَذِهِ وَهَذِهِ كِلَاهُمَا بِسَبِيلٍ لِلنَّاسِ يَرَوْنَهَا بِأَبْصَارِهِمْ فَيَعْلَمُونَ بِذَلِكَ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِمَنْ كَذَّبَ رُسُلَهُ وَعَصَاهُمْ، وَدَلَالَةُ نَصْرِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَانْتِقَامِهِ مِنَ الْكَافِرِينَ عَلَى صِدْقِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ جِنْسِ دَلَالَةِ الْآيَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ عَلَى صِدْقِهِمْ، فَكَوْنُ هَذَا فُعِلَ لِأَجْلِ هَذَا، وَكَوْنِ ذَاكَ سَبَبَ هَذَا هُوَ مِمَّا يُعْلَمُ بِالْإِضْرَارِ عِنْدَ تَصَوُّرِ الْأَمْرِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، كَانْقِلَابِ الْعَصَا حَيَّةً عَقِبَ سُؤَالِ فِرْعَوْنَ الْآيَةَ، وَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ عِنْدَ سُؤَالِ مُشْرِكِي مَكَّةَ آيَةً، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.

وَالسُّؤَالُ الْمَشْهُورُ الَّذِي يُورَدُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى قَوْلِ مَنْ

ص: 393

يَنْفِي التَّعْلِيلَ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ، وَيُجَوِّزُ عَلَى اللَّهِ كُلَّ فِعْلٍ، حَيْثُ قِيلَ لَهُمْ: عَلَى أَصْلِكُمْ: لَا يَفْعَلُ اللَّهُ شَيْئًا لِأَجْلِ شَيْءٍ، وَحِينَئِذٍ فَلَمْ يَأْتِ بِالْآيَاتِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ لِأَجْلِ تَصْدِيقِ الرَّسُولِ، وَلَا عَاقَبَ هَؤُلَاءِ لِتَكْذِيبِهِمْ لَهُ، وَلَا أَنْجَى هَؤُلَاءِ وَنَصَرَهُمْ لِإِيمَانِهِمْ بِهِ، إِذَا كَانَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا لِشَيْءٍ عِنْدَكُمْ، وَقَالُوا لَهُمْ أَيْضًا: إِذَا جَوَّزْتُمْ عَلَى الرَّبِّ كُلَّ فِعْلٍ جَازَ أَنْ يُظْهِرَ الْخَوَارِقَ عَلَى يَدِ الْكَاذِبِ، وَيُقَالُ لَهُمْ أَيْضًا: أَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ مَا يَفْعَلُ الرَّبُّ إِلَّا بِعَادَةٍ أَوْ خَبَرِ الْأَنْبِيَاءِ، فَقَبْلَ الْعِلْمِ بِصِدْقِ النَّبِيِّ لَا يُعْلَمُ شَيْءٌ بِخَبَرِهِ، وَالْعَادَةُ إِنَّمَا تَكُونُ فِيمَا تَكَرَّرَ كَطُلُوعِ الشَّمْسِ، وَنُزُولِ الْمَطَرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْإِتْيَانُ بِالْخَارِقِ لِلتَّصْدِيقِ لَيْسَ مُعْتَادًا.

فَيُقَالُ: هَذَا السُّؤَالُ إِنْ كَانَ مُتَوَجِّهًا فَإِنَّمَا يَقْدَحُ فِي قَوْلِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: يَفْعَلُ شَيْئًا لِأَجْلِ شَيْءٍ، وَيُجَوِّزُونَ عَلَيْهِ فِعْلَ كُلِّ شَيْءٍ مُمْكِنٍ، لَا يُنَزِّهُونَهُ عَنْ فِعْلِ سَيِّئِ الْأَفْعَالِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ قَبِيحًا وَظُلْمًا إِلَّا مَا كَانَ مُمْتَنِعًا مِثْلَ جَعْلِ الشَّيْءِ مَوْجُودًا مَعْدُومًا، وَجَعْلِ

ص: 394

الْجِسْمِ فِي مَكَانَيْنِ، وَلِهَذَا ذَكَرَ ذَلِكَ مُخَالِفُوهُمْ حُجَّةً فِي إِبْطَالِ مَذْهَبِهِمْ، وَقَالُوا: قَوْلُهُمْ يَقْدَحُ فِي الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وَيَسُدُّ بَابَ الْعِلْمِ بِصِدْقِ الرُّسُلِ. قَالُوا: إِذَا جَوَّزْتُمْ أَنْ يَفْعَلَ كُلَّ شَيْءٍ فَجَوِّزُوا أَنْ يَكُونَ الْجِبَالُ انْقَلَبَتْ يَاقُوتًا، وَالْبُخَارُ لَبَنًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ بُطْلَانُهُ، وَجَوِّزُوا أَنْ يَخْلُقَ الْمُعْجِزَاتِ عَلَى يَدَيِ الْكَذَّابِينَ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ هُنَا الْجَوَابَ عَنْ هَؤُلَاءِ، وَلَا بَيَانَ فَسَادِ قَوْلِهِمْ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ إِنْ كَانَ مُتَوَجِّهًا فَإِنَّمَا يَقْدَحُ فِي قَوْلِهِ هَؤُلَاءِ لَا يَقْدَحُ فِيمَا عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دَلَالَاتِ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى حَالِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، وَأَنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى نَجَّى مُوسَى وَنَصَرَهُ لِصِدْقِهِ وَنُبُوَّتِهِ وَإِيمَانِهِ، وَأَهْلَكَ فِرْعَوْنَ لِتَكْذِيبِهِ، وَكَذَلِكَ نَصَرَ مُحَمَّدًا وَمَنِ اتَّبَعَهُ عَلَى مَنْ كَذَّبَهُ مِنْ قَوْمِهِ، وَنَصَرَ نُوحًا عَلَى مَنْ كَفَرَ بِهِ، وَنَصَرَ الْمَسِيحَ عَلَى مَنْ كَذَّبَهُ، وَنَصَرَ سَائِرَ الرُّسُلِ وَأَتْبَاعَهُمُ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى:

{إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51](51)

ص: 395

وَقَالَ:

{سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 171](171){إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ} [الصافات: 172](172){وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 173]

كَمَا لَا يَقْدَحُ مَا عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ يُنَزِّلُ الْمَطَرَ فِي إِبَّانِهِ لِسَقْيِ الْمَزَارِعِ، وَأَنَّهُ يَسُوقُ النِّيلَ لِسَقْيِ أَرْضِ مِصْرَ، وَأَنَّهُ جَعَلَ أَعْضَاءَ الْإِنْسَانِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْمَنَافِعِ كَالْبَطْشِ بِالْيَدَيْنِ، وَالْمَشْيِ بِالرِّجْلَيْنِ، وَالنَّظَرِ بِالْعَيْنَيْنِ، وَالسَّمْعِ بِالْأُذُنَيْنِ، وَالنُّطْقِ بِاللِّسَانِ، وَجَعَلَ مَاءَ الْعَيْنِ مِلْحًا لِكَوْنِهَا شَحْمَةً، وَالْمُلُوحَةُ تَمْنَعُهَا أَنْ تَذُوبَ، وَمَاءَ الْأُذُنِ مُرًّا لِيَمْنَعَ الذُّبَابَ مِنَ الْوُلُوجِ فِي الدِّمَاغِ، وَمَاءَ الْفَمِ عَذْبًا لِيُطَيِّبَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، وَجَعَلَ مَاءَ الْبَحْرِ مَالِحًا لِبَقَاءِ الْأَنَامِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ عَذْبًا فَيَمُوتُ فِيهِ مِنَ الْحَيَوَانِ الْعَظِيمِ فَيُفْسِدُ الرِّيحَ فَيَمُوتُ الْآدَمِيُّونَ وَالْبَهَائِمُ بِهَذِهِ الرِّيحِ، إِلَى مَا لَا يُحْصَى مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ الْمَشْهُودَةِ فِي خَلْقِهِ.

وَنُفَاةُ التَّعْلِيلِ يَقُولُونَ: نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ هَذَا مُقَارِنٌ لِهَذَا بِحُكْمِ الْعَادَةِ الَّتِي أَجْرَاهَا اللَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا لِشَيْءٍ، وَكَذَلِكَ مَنْ نَفَى

ص: 396

الْأَسْبَابَ مَعَ نَفْيِ التَّعْلِيلِ أَيْضًا يَقُولُونَ: نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ يَخْلُقُ هَذَا عِنْدَ هَذَا لَا بِهِ، فَاقْتِرَانُ الْمُعْجِزِ بِالتَّصْدِيقِ مِنْ هَذَا الْبَابِ عِنْدَهُمْ، لَكِنْ يَبْقَى عَلَيْهِمْ أَنَّ هَذَا لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِالْعَادَةِ، وَلَا عَادَةَ. فَلَا جَرَمَ رَجَعُوا إِلَى فِطْرَتِهِ مِنْ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ، وَإِنْ كَانَ مُنَاقِضًا لِأَصْلِهِمُ الْفَاسِدِ، وَضَرَبُوا لِذَلِكَ مَثَلًا بِالْمَلِكِ الَّذِي أَظْهَرَ مَا يُنَاقِضُ عَادَتَهُ لِتَصْدِيقِ رَسُولِهِ.

لَكِنْ يُقَالُ لَهُمُ: الْمَلِكُ يَفْعَلُ فِعْلًا لِمَقْصُودٍ، فَأَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ قَامَ لِيُصَدِّقَ رَسُولَهُ، وَأَنْتُمْ عِنْدَكُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا لِشَيْءٍ، فَلَمْ يَبْقَ الْمَثَلُ مُطَابِقًا، وَلِهَذَا صَارُوا مُضْطَرِبِينَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، تَارَةً يَقُولُونَ: الْمُعْجِزَاتُ دَلِيلًا عَلَى الصِّدْقِ لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى تَعْجِيزِ الرَّبِّ فَإِنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى الصِّدْقِ إِلَّا خَلْقُ الْعَجْزِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ الصَّادِقِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْأَشْعَرِيِّ فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِ، وَأَحَدُ قَوْلَيْهِ، وَسَلَكَهَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو إِسْحَاقَ

ص: 397

الْإِسْفَرَائِينِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ فَوْرَكٍ، وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ اللَّبَّانِ، وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ، وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، وَغَيْرُهُمْ

وَالثَّانِي قَالُوا: نَحْنُ نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّهُ فَعَلَ هَذَا لِأَجْلِ التَّصْدِيقِ كَالْمَثَلِ الْمَضْرُوبِ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْآخَرُ، وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ فِي أَمَالِيهِ، وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي الْمَعَالِي، وَأَتْبَاعِهِ

ص: 398

كَالرَّازِيِّ، وَغَيْرِهِ، وَتَنَازَعُوا: هَلْ يُمْكِنُ خَلْقُ ذَلِكَ عَلَى يَدِ كَذَّابٍ؟ فَقِيلَ: لَا يُمْكِنُ لِأَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ لَجَازَ وُقُوعُهُ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ مَقْدُورٌ لَكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ كَمَا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ كَثِيرًا مِنَ الْخَوَارِقِ الْمَقْدُورَاتِ كَقَلْبِ الْجَبَلِ يَاقُوتًا، وَالْبَحْرِ زَيْتًا.

قَالُوا: فَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا مَقْدُورَةً مُمْكِنَةً أَنْ لَا يُعْلَمَ انْتِفَاءُ وُقُوعِهَا، بَلْ قَدْ يُعْلَمُ عَدَمُ وُقُوعِهَا بِالِاضْطِرَارِ، وَإِنْ كُنَّا نَقُولُ إِنَّهَا مُمْكِنَةٌ مَقْدُورَةٌ، وَظُهُورُ الْمُعْجِزَاتِ عَلَى يَدِ الْكَذَّابِ فِي دَعْوَى النُّبُوَّةِ مِنْ هَذَا الْبَابِ عِنْدَنَا.

وَقَالُوا: الْمُعْجِزُ عَلَمٌ عَلَى صِدْقِ الْأَنْبِيَاءِ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ غَيْرَ مُسْتَلْزِمٍ لِلْمَدْلُولِ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ حَقٌّ لَكِنْ مُنَازِعُوهُمْ يَقُولُونَ: هُوَ يَسْتَلْزِمُ نَقِيضَ مَا نَفَوْهُ مِنْ كَوْنِ اللَّهِ يَخْلُقُ شَيْئًا لِشَيْءٍ، وَيَخْلُقُ شَيْئًا بِشَيْءٍ، وَمَا قَالُوا مِنْ كَوْنِهِ يَجُوزُ عَلَيْهِ فِعْلُ كُلِّ شَيْءٍ، وَكَانَ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْحَقِّ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْخَلْقَ يَعْلَمُونَ مَا يَعْلَمُونَهُ مِنْ حِكْمَةِ الرَّبِّ وَمُرَادِهِ بِمَا يَخْلُقُهُ لِأَمْرٍ آخَرَ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَفْعَلَ أَشْيَاءَ لَا يَجُوزُ مِنْهُ فِعْلُ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُمْ يَقُولُونَ هُنَا: قَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ مُمْكِنًا جَائِزًا مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ كَانْقِلَابِ الْجِبَالِ يَاقُوتًا،

ص: 399

وَالْبَحْرِ زِئْبَقًا، وَمَوْتِ أَهْلِ الْبَلَدِ كُلِّهِمْ فِي لَحْظَةٍ، وَمَصِيرِ الْأَطْفَالِ عُلَمَاءَ حُكَمَاءَ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ.

وَعَلَى هَذَا الْجَوَابِ يَعْتَمِدُونَ كَثِيرًا، كَمَا يَذْكُرُهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، وَأَبُو الْمَعَالِي، وَالرَّازِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي الْعَقْلِ أَنَّهُ عُلُومٌ ضَرُورِيَّةٌ كَالْعِلْمِ بِوُجُوبِ الْوَاجِبَاتِ، وَامْتِنَاعِ الْمُمْتَنِعَاتِ، وَجَوَازِ الْجَائِزَاتِ، فَالْمُمْتَنِعَاتُ كَانْقِلَابِ دِجْلَةَ دَمًا، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ فِي الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ، فَيَجْعَلُونَ الْعَادَاتِ وَاجِبَةً تَارَةً، وَمُمْتَنِعَةً أُخْرَى، مَعَ أَنَّهُ لَا سَبَبَ يُوجِبُ لَا هَذَا وَلَا هَذَا.

وَيَقُولُونَ: نَعْلَمُ أَنَّ هَذَا جَائِزٌ مُمْكِنٌ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى سَبَبٍ، وَلَا لَهُ مَانِعٌ كَالْآخَرِ، ثُمَّ نَعْلَمُ أَنَّ هَذَا وَاقِعٌ، وَهَذَا غَيْرُ وَاقِعٍ لِمُجَرَّدِ الْعَادَةِ، مَعَ أَنَّ خَرْقَ الْعَادَةِ لَيْسَ لَهُ عِنْدَهُمْ ضَابِطٌ، بَلْ كُلُّ مَا يَجْرِي مِنَ الْعَادَاتِ مُعْجِزَاتٌ لِلْأَنْبِيَاءِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ لِلْوَلِيِّ وَلِلسَّاحِرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عِنْدَهُمُ التَّحَدِّي أَوْ عَدَمُ الْمُعَارَضَةِ، وَكَذَلِكَ الْمُتَفَلْسِفَةُ الْمَلَاحِدَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: أَسْبَابُ الْآيَاتِ الْقُوَى الْفَلَكِيَّةُ، وَالْقُوَى النَّفْسَانِيَّةُ وَالطَّبِيعِيَّةُ، وَهَذِهِ كُلُّهَا مُشْتَرَكَةٌ عِنْدَهُمْ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالسَّحَرَةِ لَكِنَّ النَّبِيَّ يَقْصِدُ الْخَيْرَ وَالْعَدْلَ، وَالسَّاحِرَ يَقْصِدُ الشَّرَّ وَالظُّلْمَ.

ص: 400

وَكَذَلِكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ وَافَقُوا جَهْمًا عَلَى أَصْلِهِ فِي الْقَدْرِ، لَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَخَوَارِقِ السَّحَرَةِ، لَكِنَّ الْوَلِيَّ مُطِيعٌ لِلَّهِ، وَالسَّاحِرَ غَيْرُ مُطِيعٍ لِلَّهِ، هَذَا عُمْدَةُ هَؤُلَاءِ النُّفَاةِ لِلْحِكْمَةِ وَالْأَسْبَابِ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَجُمْهُورُ النَّاسِ يُخَالِفُونَهُمْ، وَيَقُولُونَ: هَذَا الْقَوْلُ فَاسِدٌ بَلْ نَفْسُ تَصَوُّرِهِ كَافٍ فِي الْعِلْمِ بِفَسَادِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا تَمَاثَلَ هَذَا وَهَذَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَمِنْ أَيْنَ يُعْلَمُ وُجُودُ هَذَا أَوْ وُجُوبُهُ، وَعَدَمُ هَذَا أَوِ امْتِنَاعُهُ، وَإِذَا قِيلَ: مُسْتَنَدِي الْعَادَةُ. قِيلَ لَهُ: مُنَازِعُوكَ يَقُولُونَ: هَذَا بَاطِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّكَ أَنْتَ تُجَوِّزُ انْتِقَاضَ الْعَادَةِ، وَلَيْسَ لِانْتِقَاضِهَا عِنْدَكَ سَبَبٌ تَخْتَصُّ بِهِ، وَلَا حِكْمَةٌ انْتَقَضَتْ لِأَجْلِهَا، بَلْ لَا فَرْقَ عِنْدَكَ بَيْنَ انْتِقَاضِهَا لِلْأَنْبِيَاءِ، وَالْأَوْلِيَاءِ، وَالسَّحَرَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قُلْتُمْ: لَيْسَ بَيْنَ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَبَيْنَ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَالسَّحَرَةِ فَرْقٌ إِلَّا مُجَرَّدُ اقْتِرَانِ دَعْوَى النُّبُوَّةِ وَالتَّحَدِّي بِالْمُعَارَضَةِ مَعَ عَدَمِ الْمُعَارَضَةِ، مَعَ أَنَّ التَّحَدِّي بِالْمُعَارَضَةِ قَدْ يَقَعُ مِنَ الْمُشْرِكِ بَلْ وَمِنَ السَّاحِرِ، فَلَمْ يُثْبِتُوا فَرْقًا يَعُودُ إِلَى جِنْسِ الْخَوَارِقِ الْمُفَعْوِلَةِ، وَلَا إِلَى قَصْدِ الْفَاعِلِ وَالْخَالِقِ، وَلَا قُدْرَتِهِ، وَلَا حِكْمَتِهِ.

وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَادَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ أَسْبَابٍ وَمَوَانِعَ يُعْلَمُ بِهَا اطِّرَادُهَا تَارَةً، وَانْتِفَاضُهَا أُخْرَى، وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْجَوَابُ عَمَّا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ انْقِلَابَ الْجَبَلِ ذَهَبًا، وَالْبَحْرَ زِئْبَقًا، وَالْأَنَاسِيَّ قُرُودًا، وَنَحْوُ ذَلِكَ مُمْكِنٌ مَعْلُومُ

ص: 401

الْجَوَازِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ، فَإِنَّهُمْ يُقَالُ لَهُمْ: جُمْهُورُ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ لَكُمْ أَنَّ هَذَا مُمْكِنٌ إِلَّا مَعَ لَوَازِمِهِ، وَانْتِفَاءِ أَضْدَادِهِ، وَحِينَئِذٍ يُقَالُ: لِمَ قُلْتُمْ أَنَّ هَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ أَسْبَابًا تَكُونُ قَبْلَهُ؟ وَمَوَانِعَ تَرْتَفِعُ كَسَائِرِ مَا يُحْدِثُهُ اللَّهُ مِنَ الْأُمُورِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُحْدِثُ شَيْئًا إِلَّا بِإِحْدَاثِ أَسْبَابٍ وَدَفْعِ مَوَانِعَ، مِثَالُ ذَلِكَ غَرَقُ قَوْمِ نُوحٍ لَمْ يَكُنْ مَاءً وُجِدَ بِلَا سَبَبٍ، بَلْ أَنْزَلَ اللَّهُ مَاءَ السَّمَاءِ، وَأَنْبَعَ مَاءَ الْأَرْضِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:

{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ} [القمر: 9](9){فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} [القمر: 10](10){فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ} [القمر: 11](11){وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} [القمر: 12](12){وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} [القمر: 13]

وَكَذَلِكَ عَادٌ لَمَّا أَهْلَكَهُمْ أَرْسَلَ الرِّيحَ الصَّرْصَرَ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى:

ص: 402

{فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة: 7](7) فَهَلْ {تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ} [الحاقة: 8]

وَكَذَلِكَ ثَمُودُ قَالَ لَهُمْ صَالِحٌ:

{وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ} [هود: 64](64){فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود: 65](65){فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} [هود: 66](66){وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود: 67](67){كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ} [هود: 68]

وَكُلُّ مَا وُجِدَ فِي الْعَالَمِ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ: آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ، وَغَيْرِهَا لَمْ يَأْتِ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا بِأَسْبَابٍ تَقَدَّمَتْهُ، كَآيَاتِ مُوسَى مِنْ مِثْلِ مَصِيرِ الْعَصَا حَيَّةً، كَانَتْ بَعْدَ أَنْ أَلْقَاهَا إِمَّا عِنْدَ أَمْرِ اللَّهِ بِذَلِكَ لَمَّا نَادَاهُ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَرَأَى النَّارَ الْخَارِقَةَ لِلْعَادَةِ، وَإِمَّا عِنْدَ مُطَالَبَةِ فِرْعَوْنَ لَهُ

ص: 403

بِالْآيَةِ، وَإِمَّا عِنْدَ مُعَارَضَةِ السَّحَرَةِ لِتَبْتَلِعَ حِبَالَهُمْ، وَعِصِيَّهُمْ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ آيَاتِهِ، حَتَّى إِغْرَاقِ فِرْعَوْنَ كَانَ بَعْدَ مَسِيرِ الْجَيْشِ، وَضَرْبِهِ الْبَحْرَ بِالْعَصَا، وَكَذَلِكَ تَفَجُّرُ الْمَاءِ مِنَ الْحَجَرِ كَانَ بَعْدَ أَنْ ضَرَبَ الْحَجَرَ بِعَصَاهُ، وَاسْتِسْقَاءِ قَوْمِهِ إِيَّاهُ، وَهُمْ فِي بَرِّيَّةٍ لَا مَاءَ عِنْدَهُمْ.

وَكَذَلِكَ آيَاتُ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم، مِثْلَ تَكْثِيرِ الْمَاءِ، كَانَ بِوَضْعِ يَدِهِ فِيهِ حَتَّى نَبَعَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ الْأَصَابِعِ، أَيْ تَفَجُّرُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ الْأَصَابِعِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ نَفْسِ الْأَصَابِعِ، وَكَذَلِكَ الْبِئْرُ كَانَ مَاؤُهَا يَكْثُرُ إِمَّا بِإِلْقَائِهِ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ فِيهَا، وَإِمَّا بِصَبِّهِ الْمَاءَ الَّذِي بَصَقَ فِيهِ فِيهَا، وَكَذَلِكَ الْمَسِيحُ كَانَ يَأْخُذُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ، إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ.

فَأَمَّا جَبَلٌ يَنْقَلِبُ يَاقُوتًا بِلَا أَسْبَابٍ تَقَدَّمَتْ ذَلِكَ فَهَذَا لَا كَانَ، وَلَا يَكُونُ، وَكَذَلِكَ نَهْرٌ يَطَّرِدُ يُصْبِحُ لَبَنًا بِلَا أَسْبَابٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ يَخْلُقُهَا اللَّهُ فَهَذَا لَا كَانَ، وَلَا يَكُونُ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الشَّيْءَ مُمْكِنٌ فَهَذَا يُعْنَى بِهِ شَيْئَانِ: يُعْنَى بِهِ الْإِمْكَانُ الذِّهْنِيُّ، وَالْإِمْكَانُ الْخَارِجِيُّ.

فَالْإِمْكَانُ الذِّهْنِيُّ هُوَ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالِامْتِنَاعِ، وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ إِلَّا عَدَمُ الْعِلْمِ بِالِامْتِنَاعِ، وَعَدَمُ الْعِلْمِ بِالِامْتِنَاعِ غَيْرُ الْعِلْمِ بِالْإِمْكَانِ، فَكُلُّ مَنْ لَمْ يَعْلَمِ امْتِنَاعَ شَيْءٍ كَانَ عِنْدَهُ مُمْكِنًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، لَكِنَّ هَذَا لَيْسَ بِعِلْمٍ بِإِمْكَانِهِ، وَمَنِ اسْتَدَلَّ عَلَى إِمْكَانِ الشَّيْءِ بِأَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ مُحَالٌ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ انْتِفَاءِ لُزُومِ كُلِّ مُحَالٍ، كَمَا يَفْعَلُهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ كَالْآمِدِيِّ وَنَحْوِهِ لَمْ يَكُنْ فِيمَا ذَكَرَهُ إِلَّا مُجَرَّدُ الدَّعْوَى

ص: 404

وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ الْعِلْمُ بِإِمْكَانِ الشَّيْءِ فِي الْخَارِجِ، فَهَذَا يُعْلَمُ بِأَنْ يُعْلَمَ وُجُودُهُ، أَوْ وُجُودُ نَظِيرِهِ، أَوْ وُجُودُ مَا هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ، فَإِذَا كَانَ حَمْلُ الْبَعِيرِ لِلْقِنْطَارِ مُمْكِنًا كَانَ حَمْلُهُ لِتِسْعِينَ رِطْلًا أَوْلَى بِالْإِمْكَانِ، وَبِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ يُبَيِّنُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ إِمْكَانَ مَا يُرِيدُ بَيَانَ إِمْكَانِهِ كَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَالْمَعَادِ، فَإِنَّهُ يُبَيِّنُ ذَلِكَ تَارَةً بِبَيَانِ وُقُوعِهِ، كَمَا أَخْبَرَ أَنَّ قَوْمَ مُوسَى قَالُوا:

{لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة: 55] . . .

{فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ} [الذاريات: 44] ، ثُمَّ بَعَثَهُمُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ.

وَكَمَا أَخْبَرَ عَنِ الْمَقْتُولِ الَّذِي ضَرَبُوهُ بِالْبَقَرَةِ فَأَحْيَاهُ اللَّهُ كَمَا قَالَ:

ص: 405

{وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 72](72){فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 73] .

وَكَمَا أَخْبَرَ عَنِ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ، وَكَمَا أَخْبَرَ عَنِ الَّذِي:

{. . . مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 259]

وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ بِنَظِيرِ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ حَيْثُ قَالَ:

{. . . رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 260] .

وَاسْتَدَلَّ سُبْحَانَهُ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ النَّشْأَةُ الْأُولَى، وَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كَقَوْلِهِ:

ص: 406

{أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} [يس: 81]

وَقَالَ:

{إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ} [الحج: 5] . . .

إِلَى قَوْلِهِ:

{وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج: 5]

فَاسْتَدَلَّ سُبْحَانَهُ عَلَى إِمْكَانِ الْإِحْيَاءِ بِابْتِدَاءِ خَلْقِ الْحَيَوَانِ، وَبِخَلْقِ النَّبَاتِ، وَذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.

وَالْمَقْصُودُ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: هَذَا مُمْكِنٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ لَا يَكْفِي فِي الْعِلْمِ بِإِمْكَانِهِ عَدَمُ الْعِلْمِ بِامْتِنَاعِهِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَالْمُمْتَنِعُ لَيْسَ بِشَيْءٍ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، وَكُلُّ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَخْلُقَ لَوَازِمَهُ، وَيَمْتَنِعَ أَضْدَادُهُ، وَإِلَّا فَيَمْتَنِعُ وُجُودُ الْمَلْزُومِ

ص: 407

دُونَ اللَّازِمِ، وَيَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ، وَلَيْسَ لِلْعِبَادِ اطِّلَاعٌ عَلَى لَوَازِمِ كُلِّ مَخْلُوقٍ وَلَا أَضْدَادِهِ الْمُنَافِيَةِ لِوُجُودِهِ.

فَالْجَزْمُ بِإِمْكَانِ وَجُودِهِ بِدُونِ الْعِلْمِ بِلَوَازِمِهِ وَإِمْكَانِهَا وَأَضْدَادِهَا وَانْتِفَائِهَا جَهْلٌ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ قَادِرٌ عَلَى تَغْيِيرِ مَا شَاءَهُ مِنَ الْعَالَمِ، وَهُوَ يَشُقُّ السَّمَاوَاتِ، وَيُسَيِّرُ الْجِبَالَ، وَيَبُسُّهَا بَسًّا فَيَجْعَلُهَا هَبَاءً مُنْبَثًّا، إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ كَمَا يَخْلُقُ سَائِرَ مَا يَخْلُقُهُ بِمَا يُيَسِّرُهُ مِنَ الْأَسْبَابِ، وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.

وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ، وَدَلَائِلَ صِدْقِهِمْ مُتَنَوِّعَةٌ قَبْلَ الْمَبْعَثِ وَحِينَ الْمَبْعَثِ، فِي حَيَاتِهِمْ، وَبَعْدَ مَوْتِهِمْ، فَقَبْلَ الْمَبْعَثِ مِثْلَ إِخْبَارِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِهِ، وَمِثْلَ الْإِرْهَاصَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا حِينَ الْمَبْعَثِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا فِي حَيَاتِهِ فَمِثْلَ نَصْرِهِ، وَإِنْجَائِهِ، وَإِهْلَاكِ أَعْدَائِهِ، وَأَمَّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَمِثْلَ نَصْرِ أَتْبَاعِهِ، وَإِهْلَاكِ أَعْدَائِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:

ص: 408

{إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51]

وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 171](171){إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ} [الصافات: 172](172){وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 173]

وَقَالَ لِلْمَسِيحِ:

{إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 55] . . .

وَقَالَ:

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} [الصف: 14]

وَمُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم جُعِلَتْ لَهُ الْآيَاتُ الْبَيِّنَاتِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، وَحِينَ مَبْعَثِهِ، وَفِي حَيَاتِهِ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ إِلَى السَّاعَةِ، وَإِلَى قِيَامِ

ص: 409

السَّاعَةِ، فَإِنَّ ذِكْرَهُ، وَذِكْرَ كِتَابِهِ، وَالْبِشَارَةَ بِذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ.

وَالْخَلِيلُ دَعَا بِهِ فَقَالَ فِي دُعَائِهِ لِذُرِّيَّتِهِ:

{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ} [البقرة: 129]

وَلَمَّا وُلِدَ اقْتَرَنَ بِمَوْلِدِهِ مِنَ الْآيَاتِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ، وَجَرَى ذَلِكَ

ص: 410

الْعَامَ قِصَّةُ أَصْحَابِ الْفِيلِ الْمَشْهُورَةُ، وَكَانَ يَحْصُلُ لَهُ فِي مُدَّةِ نَشْأَتِهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالدَّلَائِلِ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ قَدْ ذُكِرَ طَرَفٌ مِنْهَا فِي كُتُبِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَالسِّيرَةِ وَغَيْرِهَا، مِثْلَ الْآيَاتِ الَّتِي حَصَلَتْ لِمُرْضِعَتِهِ لَمَّا صَارَ عِنْدَهَا، وَمِثْلَ مَا شُوهِدَ مِنْ أَحْوَالِهِ فِي صِغَرِهِ، وَأَمَّا انْتِصَارُ اللَّهِ لَهُ وَلِأَتْبَاعِهِ، وَإِعْلَاءُ ذِكْرِهِ، وَنَشْرُ لِسَانِ الصِّدْقِ لَهُ، وَإِهْلَاكُ أَعْدَائِهِ، وَإِذْلَالُ مَنْ يُحَادُّهُ، وَيُشَاقُّهُ، وَإِظْهَارُ دِينِهِ عَلَى كُلِّ دِينٍ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ وَالدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ، فَهَذَا مِمَّا يَطُولُ وَصْفُ تَفْصِيلِهِ. قَالَ تَعَالَى:

{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [آل عمران: 13]

وَقَالَ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2]

ص: 411

وَالْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَأَتْبَاعُهُمُ الْمُؤْمِنُونَ، وَإِنْ كَانُوا يُبْتَلَوْنَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَالْعَاقِبَةُ لَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى لَمَّا قَصَّ قِصَّةَ نُوحٍ {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49] .

وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ لَمَّا «أَرْسَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَسُولًا إِلَى مَلِكِ الرُّومِ فَطَلَبَ مَنْ يُخْبِرُهُ بِسِيرَتِهِ، وَكَانَ الْمَسْئُولُونَ حِينَئِذٍ أَعْدَاءَهُ لَمْ يَكُونُوا آمَنُوا بِهِ فَقَالَ: كَيْفَ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ؟ قَالُوا: الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ يُدَالُ عَلَيْنَا الْمَرَّةَ، وَنُدَالُ عَلَيْهِ الْأُخْرَى.

فَقَالَ: كَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى، وَتَكُونُ لَهَا الْعَاقِبَةُ.

فَإِنَّهُ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ نَصَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ يَوْمَ أُحُدٍ ابْتَلَى الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْصُرِ الْكُفَّارَ بَعْدَهَا حَتَّى أَظْهَرَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ»

ص: 412

فَإِنْ قِيلَ: فَفِي الْأَنْبِيَاءِ مَنْ قَدْ قُتِلَ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَفِي أَهْلِ الْفُجُورِ مَنْ يُؤْتِيهِ اللَّهُ مُلْكًا وَسُلْطَانًا، وَيُسَلِّطُهُ عَلَى مُذْنِبِينَ كَمَا سَلَّطَ (بُخْتَ نَصَّرَ) عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَمَا يُسَلِّطُ كُفَّارَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ أَحْيَانًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. قِيلَ: أَمَّا مَنْ قُتِلَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَهُمْ كَمَنْ يُقْتَلُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجِهَادِ شَهِيدًا. قَالَ تَعَالَى:

{وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146](146){وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 147](147){فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 148]

وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ شَهِيدًا فِي الْقِتَالِ كَانَ حَالُهُ أَكْمَلَ مِنْ حَالِ مَنْ يَمُوتُ حَتْفَ أَنْفِهِ قَالَ تَعَالَى:

{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169]

ص: 413

وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} [التوبة: 52]

أَيْ إِمَّا النَّصْرُ وَالظَّفَرُ، وَإِمَّا الشَّهَادَةُ وَالْجَنَّةُ، ثُمَّ الدِّينُ الَّذِي قَاتَلَ عَلَيْهِ الشُّهَدَاءُ يَنْتَصِرُ وَيَظْهَرُ، فَيَكُونُ لِطَائِفَتِهِ السَّعَادَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ كَانَ شَهِيدًا، وَمَنْ عَاشَ مِنْهُمْ كَانَ مَنْصُورًا سَعِيدًا، وَهَذَا غَايَةُ مَا يَكُونُ مِنَ النَّصْرِ، إِذْ كَانَ الْمَوْتُ لَا بُدَّ مِنْهُ فَالْمَوْتُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ سَعَادَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَكْمَلُ بِخِلَافِ مَنْ يَهْلِكُ هُوَ وَطَائِفَتُهُ فَلَا يَفُوزُ لَا هُوَ وَلَا هُمْ بِمَطْلُوبِهِمْ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ.

وَالشُّهَدَاءُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَاتَلُوا بِاخْتِيَارِهِمْ، وَفَعَلُوا الْأَسْبَابَ الَّتِي بِهَا قُتِلُوا، كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَهُمُ اخْتَارُوا هَذَا الْمَوْتَ إِمَّا أَنَّهُمْ قَصَدُوا الشَّهَادَةَ، وَإِمَّا أَنَّهُمْ قَصَدُوا مَا بِهِ يَصِيرُونَ شُهَدَاءَ عَالِمِينَ بِأَنَّ لَهُمُ السَّعَادَةَ فِي الْآخِرَةِ، وَفِي الدُّنْيَا بِانْتِصَارِ طَائِفَتِهِمْ، وَبِبَقَاءِ لِسَانِ الصِّدْقِ لَهُمْ ثَنَاءً وَدُعَاءً بِخِلَافِ مَنْ هَلَكَ مِنَ الْكُفَّارِ فَإِنَّهُمْ هَلَكُوا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمْ هَلَاكًا لَا يَرْجُونَ مَعَهُ سَعَادَةَ الْآخِرَةِ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ وَلَا لِطَائِفَتِهِمْ شَيْءٌ مِنْ سَعَادَةِ الدُّنْيَا بَلِ أُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ، وَقِيلَ فِيهِمْ:

ص: 414

{كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الدخان: 25](25){وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} [الدخان: 26](26){وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ} [الدخان: 27](27){كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الدخان: 28](28){فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ} [الدخان: 29]

وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ أَيْ أُلُوفٌ كَثِيرَةٌ، وَأَنَّهُمْ مَا ضَعُفُوا، وَلَا اسْتَكَانُوا لِذَلِكَ، بَلِ اسْتَغْفَرُوا مِنْ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي كَانَتْ سَبَبَ ظُهُورِ الْعَدُوِّ، وَأَنَّ اللَّهَ آتَاهُمْ ثَوَابَ الدُّنْيَا، وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا قَتْلَى الْمُؤْمِنِينَ فَمَا الظَّنُّ بِقَتْلَى الْأَنْبِيَاءِ، فَفِيهِ لَهُمْ وَلِأَتْبَاعِهِمْ مِنْ سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْفَلَاحِ.

وَظُهُورُ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَحْيَانًا هُوَ بِسَبَبِ ذُنُوبِ الْمُسْلِمِينَ كَيَوْمِ أُحُدٍ، فَإِنْ تَابُوا انْتَصَرُوا عَلَى الْكُفَّارِ، وَكَانَتِ الْعَاقِبَةُ لَهُمْ كَمَا قَدْ جَرَى مِثْلُ هَذَا لِلْمُسْلِمِينَ فِي عَامَّةِ مَلَاحِمِهِمْ مَعَ الْكُفَّارِ، وَهَذَا مِنْ آيَاتِ النُّبُوَّةِ وَأَعْلَامِهَا وَدَلَائِلِهَا، فَإِنَّ النَّبِيَّ إِذَا قَامُوا بِعُهُودِهِ، وَوَصَايَاهُ نَصَرَهُمُ

ص: 415

اللَّهُ، وَأَظْهَرَهُمْ عَلَى الْمُخَالِفِينَ لَهُ، فَإِذَا ضَيَّعُوا عُهُودَهُ ظَهَرَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ، فَمَدَارُ النَّصْرِ وَالظُّهُورِ مَعَ مُتَابَعَةِ النَّبِيِّ وَجُودًا وَعَدَمًا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يُزَاحِمُ ذَلِكَ، وَدَوْرَانُ الْحُكْمِ مَعَ الْوَصْفِ وُجُودًا وَعَدَمًا مِنْ غَيْرِ مُزَاحَمَةِ وَصْفٍ آخَرَ مُوجِبٌ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الْمَدَارَ عِلَّةٌ لِلدَّائِرِ.

وَقَوْلُنَا: (مِنْ غَيْرِ مُزَاحَمَةِ وَصْفٍ آخَرَ) : يُزِيلُ النُّقُوضَ الْوَارِدَةَ، فَهَذَا الِاسْتِقْرَاءُ وَالتَّتَبُّعُ يُبَيِّنُ أَنَّ نَصْرَ اللَّهِ وَإِظْهَارَهُ هُوَ بِسَبَبِ اتِّبَاعِ النَّبِيِّ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُرِيدُ إِعْلَاءَ كَلِمَتِهِ وَنَصْرَهُ وَنَصْرَ أَتْبَاعِهِ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ، وَأَنْ يَجْعَلَ لَهُمُ السَّعَادَةَ، وَلِمَنْ خَالَفَهُمُ الشَّقَاءَ، وَهَذَا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِنُبُوَّتِهِ، وَأَنَّ مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ سَعِيدًا، وَمَنْ خَالَفَهُ كَانَ شَقِيًّا، وَمِنْ هَذَا ظُهُورُ بُخْتَ نَصَّرَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَإِنَّهُ مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّةِ مُوسَى إِذْ كَانَ ظُهُورُ بُخْتَ نَصَّرَ إِنَّمَا كَانَ لَمَّا غَيَّرُوا عُهُودَ مُوسَى، وَتَرَكُوا اتِّبَاعَهُ، فَعُوقِبُوا بِذَلِكَ، وَكَانُوا إِذْ كَانُوا مُتَّبِعِينَ لِعُهُودِ مُوسَى مَنْصُورِينَ مُؤَيَّدِينَ كَمَا كَانُوا فِي زَمَنِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَغَيْرِهِمَا. قَالَ تَعَالَى:

{وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} [الإسراء: 4](4){فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا} [الإسراء: 5](5){ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا} [الإسراء: 6](6){إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} [الإسراء: 7](7){عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} [الإسراء: 8]

ص: 416

فَكَانَ ظُهُورُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى عَدُوِّهِمْ تَارَةً، وَظُهُورُ عَدُوِّهِمْ تَارَةً مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّةِ مُوسَى صلى الله عليه وسلم، وَكَذَلِكَ ظُهُورُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم عَلَى عَدُوِّهِمْ تَارَةً، وَظُهُورُ عَدُوِّهِمْ عَلَيْهِمْ تَارَةً هُوَ مِنْ دَلَائِلِ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ وَأَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ، وَكَانَ نَصْرُ اللَّهِ لِمُوسَى وَقَوْمِهِ عَلَى عَدُوِّهِمْ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ، كَمَا جَرَى لَهُمْ مَعَ يُوشَعَ وَغَيْرِهِ مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّةِ مُوسَى، وَكَذَلِكَ انْتِصَارُ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ مَعَ خُلَفَائِهِ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ وَدَلَائِلِهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ يَنْتَصِرُونَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ أَحْيَانًا، فَإِنَّ أُولَئِكَ لَا يَقُولُ مُطَاعُهُمْ: إِنِّي نَبِيٌّ، وَلَا يُقَاتِلُونَ أَتْبَاعَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى دِينٍ، وَلَا يَطْلُبُونَ مِنْ أُولَئِكَ أَنْ يَتَّبِعُوهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، بَلْ قَدْ يُصَرِّحُونَ بِأَنَّا إِنَّمَا نُصِرْنَا عَلَيْكُمْ بِذُنُوبِكُمْ، وَأَنْ لَوِ اتَّبَعْتُمْ دِينَكُمْ لَمْ نُنْصَرْ عَلَيْكُمْ، وَأَيْضًا فَلَا عَاقِبَةَ لَهُمْ، بَلِ اللَّهُ يُهْلِكُ الظَّالِمَ بِالظَّالِمِ ثُمَّ يُهْلِكُ الظَّالِمِينَ جَمِيعًا، وَلَا قَتِيلُهُمْ يَطْلُبُ بِقَتْلِهِ سَعَادَةً بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَا يَخْتَارُونَ الْقَتْلَ لِيُسْعَدُوا بَعْدَ الْمَوْتِ، فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِمَّا يَظْهَرُ بِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ انْتِصَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ، وَبَيْنَ ظُهُورِ بَعْضِ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَوْ ظُهُورِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ.

ص: 417

وَبَيِّنٌ أَنَّ ظُهُورَ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى هُوَ مِنْ جِنْسِ ظُهُورِهِمْ عَلَى الْمُشْرِكِينَ عُبَّادِ الْأَوْثَانِ، وَذَلِكَ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ وَدَلَائِلِ رِسَالَتِهِ، لَيْسَ هُوَ كَظُهُورِ بُخْتَ نَصَّرَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَظُهُورِ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَهَذِهِ الْآيَةُ مِمَّا أَخْبَرَ بِهَا مُوسَى

وَبَيِّنٌ أَنَّ الْكَذَّابَ الْمُدَّعِيَ لِلنُّبُوَّةِ لَا يَتِمُّ أَمْرُهُ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ أَمْرُ الصَّادِقِ، فَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ سُلِّطُوا عَلَيْنَا بِذُنُوبِنَا مَعَ صِحَّةِ دِينِنَا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ كَمَا سُلِّطَ بُخْتَ نَصَّرَ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُلُوكِ، وَهَذَا قِيَاسٌ فَاسِدٌ، فَإِنَّ بُخْتَ نَصَّرَ لَمْ يَدَّعِ نُبُوَّةً، وَلَا قَاتَلَ عَلَى دِينٍ، وَلَا طَلَبَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَنْتَقِلُوا عَنْ شَرِيعَةِ مُوسَى إِلَى شَرِيعَتِهِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي ظُهُورِهِ إِتْمَامًا لِمَا ادَّعَاهُ مِنَ النُّبُوَّةِ وَدَعَا إِلَيْهِ مِنَ الدِّينِ، بَلْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُحَارِبِينَ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ إِذَا ظَهَرُوا عَلَى الْقَوَافِلِ، بِخِلَافِ مَنِ ادَّعَى نُبُوَّةً وَدِينًا دَعَا إِلَيْهِ، وَوَعَدَ أَهْلَهُ بِسَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَتَوَعَّدَ مُخَالِفِيهِ بِشَقَاوَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، ثُمَّ نَصَرَهُ اللَّهُ، وَأَظْهَرَهُ، وَأَتَمَّ دِينَهُ، وَأَعَلَى كَلِمَتَهُ، وَجَعَلَ لَهُ الْعَاقِبَةَ، وَأَذَلَّ مُخَالِفِيهِ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ جِنْسِ خَرْقِ الْعَادَاتِ الْمُقْتَرِنِ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ مِنْ جِنْسِ خَرْقِ الْعَادَاتِ الَّتِي لَمْ تَقْتَرِنْ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَيْهَا.

وَقَدْ يَغْرَقُ فِي الْبَحْرِ أُمَمٌ كَثِيرَةٌ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى نُبُوَّةِ نَبِيٍّ بِخِلَافِ غَرَقِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ آيَةً بَيِّنَةً لِمُوسَى، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا أَخْبَرَ بِهِ مُوسَى عليه الصلاة والسلام مِنْ أَنَّ الْكَذَّابَ لَا يَتِمُّ أَمْرُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ حَكِيمٌ لَا يَلِيقُ بِهِ تَأْيِيدُ الْكَذَّابِ عَلَى

ص: 418

كَذِبِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ، وَلِهَذَا أَعْظَمُ الْفِتَنِ فِتْنَةُ الدَّجَّالِ الْكَذَّابِ لِمَا اقْتَرَنَ بِدَعْوَاهُ الْإِلَهِيَّةَ بَعْضُ الْخَوَارِقِ كَانَ مَعَهَا مَا يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِ مِنْ وَجُوهٍ:

مِنْهَا: دَعْوَاهُ الْإِلَهِيَّةَ وَهُوَ أَعْوَرُ، وَاللَّهُ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ قَارِئٍ وَغَيْرُ قَارِئٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ حَتَّى يَمُوتَ، وَقَدْ ذَكَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الْعَلَامَاتِ الثَّلَاثَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، فَأَمَّا تَأْيِيدُ الْكَذَّابِ، وَنَصْرُهُ، وَإِظْهَارُ دَعْوَتِهِ دَائِمًا فَهَذَا لَمْ يَقَعْ قَطُّ، فَمَنْ يَسْتَدِلُّ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ بِالْعَادَةِ وَالسُّنَّةِ فَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ، وَمَنْ يَسْتَدِلُّ عَلَى ذَلِكَ بِالْحِكْمَةِ فَحِكْمَتُهُ تُنَاقِضُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ إِذِ الْحَكِيمُ لَا يَفْعَلُ هَذَا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:

{وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [الفتح: 22](22){سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الفتح: 23]

فَأَخْبَرَ أَنَّ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي لَا تَبْدِيلَ لَهَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ.

وَالْإِيمَانُ الْمُسْتَلْزِمُ لِذَلِكَ يَتَضَمَّنُ طَاعَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا نُقِضَ

ص: 419

الْإِيمَانُ بِالْمَعَاصِي كَانَ الْأَمْرُ بِحَسَبِهِ كَمَا جَرَى يَوْمَ أُحُدٍ، وَقَالَ تَعَالَى:

{وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا} [فاطر: 42](42){اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر: 43]

فَأَخْبَرَ أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ، وَلَا يُوجَدُ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلٌ تُسْتَبْدَلُ بِغَيْرِهَا وَلَا تَتَحَوَّلُ، فَكَيْفَ النَّصْرُ لِلْكُفَّارِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ هَذَا الِاسْمَ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْمُنَافِقِينَ، - وَهُمُ الْكُفَّارُ فِي الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ -، وَمَنْ فِيهِ شُعْبَةُ نِفَاقٍ:

ص: 420

{لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب: 60](60){مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} [الأحزاب: 61](61){سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 62]

وَالسُّنَّةُ هِيَ الْعَادَةُ، فَهَذِهِ عَادَةُ اللَّهِ الْمَعْلُومَةُ، فَإِذَا نَصَرَ مَنِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ وَأَتْبَاعَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ، وَإِمَّا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَإِمَّا بَاطِنًا نَصْرًا مُسْتَقِرًّا كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ نَبِيٌّ صَادِقٌ إِذْ كَانَتْ سُنَّةُ اللَّهِ وَعَادَتُهُ نَصْرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْأَنْبِيَاءِ الصَّادِقِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، كَمَا أَنَّ سُنَّتَهُ تَأْيِيدُهُمْ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، وَهَذِهِ مِنْهَا

وَمَنِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ وَهُوَ كَاذِبٌ فَهُوَ مِنْ أَكْفَرِ الْكُفَّارِ، وَأَظْلَمِ الظَّالِمِينَ قَالَ تَعَالَى:

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [الأنعام: 93]

وَقَالَ تَعَالَى:

{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ} [الزمر: 32]

ص: 421

وَقَالَ تَعَالَى:

{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 144]

وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ اللَّهُ يَمْقُتُهُ، وَيُبْغِضُهُ، وَيُعَاقِبُهُ، وَلَا يَدُومُ أَمْرُهُ، بَلْ هُوَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:" «إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظَّالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ " ثُمَّ قَرَأَ:

{وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102] »

وَقَالَ أَيْضًا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ تُفَيِّئُهَا الرِّيَاحُ تُقْوِمُهَا تَارَةً وَتُمِيلُهَا أُخْرَى، وَمَثَلُ

ص: 422

الْمُنَافِقِ مَثَلُ شَجَرَةِ الْأَرْزِ، لَا تَزَالُ ثَابِتَةً عَلَى أَصْلِهَا حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً» ". فَالْكَاذِبُ الْفَاجِرُ وَإِنْ أُعْطِيَ دَوْلَةً فَلَا بُدَّ مِنْ زَوَالِهَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَبَقَاءِ ذَمِّهِ، وَلِسَانِ السُّوءِ لَهُ فِي الْعَالَمِ، وَهُوَ يَظْهَرُ سَرِيعًا وَيَزُولُ سَرِيعًا كَدَوْلَةِ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ، وَمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، وَالْحَارِثِ الدِّمَشْقِيِّ، وَبَابَا الرُّومِيِّ، وَنَحْوِهِمْ.

وَأَمَّا الْأَنْبِيَاءُ فَإِنَّهُمْ يُبْتَلَوْنَ كَثِيرًا لِيُمَحَّصُوا بِالْبَلَاءِ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا يُمَكِّنُ الْعَبْدَ إِذَا ابْتَلَاهُ، وَيَظْهَرُ أَمْرُهُمْ شَيْئًا فَشَيْئًا كَالزَّرْعِ، قَالَ تَعَالَى:

{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29]

ص: 423

وَلِهَذَا كَانَ أَوَّلَ مَا يَتْبَعُهُمْ ضُعَفَاءُ النَّاسِ، فَاعْتِبَارُ هَذِهِ الْأُمُورِ، وَسُنَّةُ اللَّهِ فِي أَوْلِيَائِهِ وَأَنْبِيَائِهِ الصَّادِقِينَ، وَفِي أَعْدَاءِ اللَّهِ وَالْمُتَنَبِّئِينَ الْكَذَّابِينَ، مِمَّا يُوجِبُ الْفَرْقَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ، وَبَيْنَ دَلَائِلِ النَّبِيِّ الصَّادِقِ، وَدَلَائِلِ الْمُتَنَبِّئِ الْكَذَّابِ.

وَقَدْ ذُكِرَ ابْتِلَاءُ النَّبِيِّ وَالْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ كَوْنُ الْعَاقِبَةِ لَهُمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:

{وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ} [الأنعام: 34]

وَقَالَ تَعَالَى:

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]

وَقَالَ تَعَالَى:

ص: 424