الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الرابع
العرف الكاذب
أخي المسلم، أرجو أن تكون قد جمعت في قلبك الآن الصورة الحقيقية التي يجب أن يكون المسلم عليها، وعرفت الصورة الحقيقية التي يتصف بها الكافر حتى تصدر أحكامك بعد على نور وبصيرة.
ولتعلم أخي المسلم أن السبب في جهل المسلمين هذه الحقائق الأولية في عقيدة الإسلام هو من جراء العرف الكاذب. فما هذا العرف؟ ولماذا كان كاذباً؟
العرف هو ما يقبله الناس بوجه عام، ويتعارفون عليه، وهو خاضع دائماً لما يسود في مجتمعاتنا الإسلامية عقيدة عامة أن من قال لا إله إلا الله كان مسلماً، وهذه العقيدة في أساسها سليمة صحيحة. ولكن انظر ما طرأ عليها من التغيير والتبديل:
(ا) لقد كانت هذه العقيدة تعني الإيمان بالإله الواحد خالق الكون ومدبر شؤونه والذي له الطاعة المطلقة والخضوع الكامل والخروج من معسكر الشرك إلى معسكر الإيمان عقيدة وتشريعاً وحباً وعاطفة فيكون ولاء المسلم لدينه وعقيدته وأهل دينه. ولا شك أن المسلمين كانوا يتفاوتون في مقدار تطبيق التزامات هذه العقيدة، فكان بعضهم يتهاون في القطاعات أو يقارف المنكرات والمعاصي ولكنه محافظ على الأصل السابق.
(ب) ابتدأت العقيدة الناصعة الواضحة تضعف في النفوس، وينشأ في المسلمين أجيال يرثون الإسلام وراثة فيحملون أسماء إسلامية ويتكلمون لغة القرآن العربية، وينسبون إلى اسم الإسلام ويضعف لديهم مفهوم (لا إله إلا الله) فلا يدركون منه إلا أنه (لا خالق إلا الله) أو (لا موجود إلا الله) وابتدأ يظهر فيهم -بفعل المؤثرات المختلفة- الشرك بكل صوره ومظاهره من عبادة القبور ودعائها بل والأشجار والأحجار.. ثم جاء فصل تشريع الإسلام عن حياتهم وإقرار شريعة الكفر في بلادهم فنشأ فيهم من تحمس لذلك، ووصف شريعة الإسلام بالجمود والرجعية وأنها تستحيل على التطبيق في مجتمع الذرة والصاروخ، والعجب بعد..
أنهم يقولون لا إله إلا الله بل ويمارسون الصلاة والزكاة والصوم والحج.
ومنهم من يخوض مستهزئاً بالمسلمين وخاصة أهل الدعوة منهم. بل ومنهم من أضحى شيوعياً، أو ملحداً يجاهد لإحلال شريعة الكفر محل شريعة الله. ثم يظن بعد أنه ما زال من أهل لا إله إلا الله (ومع ذلك فأرجو أن نفرق بين من عرف الحق من هؤلاء واطلع على رسالة الإسلام بحقيقتها. ومن بلغه الدين عن طريق بعض المشايخ الجهال الذين يفتون في كل شيء بلا علم. ويحاربون القوة المادية والوسائل الصالحة لأنها جاءت من طريق الكفار في زعمهم. فهؤلاء صادون عن سبيل الله، ومن عرف الإسلام عن طريقهم معذور برده فتاواهم الباطلة، وقصورهم وعنادهم، ولا يعتبر هذا رداً للإسلام الذي نزل من عند الله سبحانه وتعالى .
(ج) هذا العرف الكاذب أعني إطلاق اسم المسلم على من ينسب إلى الإسلام فقط، أو يحمل اسماً إسلامياً كان السبب الأول في تمييع قضية الإسلام. وتشويه الصورة الحقيقية العلمية للمسلم.
(د) ثم ابتدأت أفكار الشرك اللئيمة الخبيثة تلبس كفرها لباس الإسلام حتى يروج على من يعلل نفسه بأنه ما زال مسلماً، ومن يمسك لليوم بولائه
العاطفي للإسلام فنشرت شريعة الكفر ونظامه باسم الإسلام، وهكذا رأى الناس أن الإسلام ثوب مشوه مرقع سخيف فهو مزيج من الشيوعية، والاشتراكية والديمقراطية والرأسمالية فضاعت بذلك صورة الإسلام المستقلة الفريدة. وضاعت ميزته الأولى أنه نظام الله وشريعته وليس للبشر فيه إلا الفهم والتطبيق.
(هـ) إن الذين يعز عليهم أن يوزن الناس بميزان الإسلام، وأن يقيموا حسب موازينه وقيمه خوفاً من أن يكون كثير من الناس لا ينطبق عليهم الوصف الحقيقي لمسمى المسلم. ويلجؤون إلى هذا العرف الكاذب ليؤيدوا به حكمهم ودعوتهم يخطئون في حق أنفسهم، ويرتكبون الإثم في حق الإسلام الذي يشرفهم الانتساب إليه. وخير للناس أن يعرفوا الحق فيتبعونه وإن جحد منهم من جحد من أن يقروا على باطل ويتركوا في عماية.
(و) لقد كان هذا العرف الكاذب أكبر صاد لليهود في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم عن قبول الهداية، والانطواء تحت لواء الإسلام، فلقد جاؤوا الرسول وهم يعتقدون أنهم أهل دين الله وأنهم شعب الله الذي
اختاره على العالمين، وأن الجنة خالصة لهم، وكل ذلك حق لو تمسكوا بالدين الصحيح، واتبعوا ما ألزمهم به دينهم من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وتركوا ما أحدثوه من الفساد والتغيير والتحريف والتبديل في كتاب ربهم وشريعتهم، ولكنهم تمسكوا بالباطل وردوا الحق فكفروا ولم تفدهم أمانيهم في الجنة والمغفرة شيئاً. وما أشبه الليلة بالبارحة ها هي معاني لا إله إلا الله تتبدل في حياة المسلمين فيشركون بالله في العبادة والتشريع والطاعة، ويستهزئون برسالة الإسلام ويقتلون الدعاة إلى الله، ويفتنونهم عن دينهم -كما فعل اليهود بأنبيائهم ودعاتهم- ويهللون للكفر أياً كان، ومع ذلك يفزعون ويجزعون إذا قيل لهم أن ما تمارسونه كفر مناقض للإيمان. وأن لا إله إلا الله التي تقرون بها تلزمكم بغير هذا تماماً وتحتم عليكم غير هذا.
(ز) واجب الدعاة اليوم الجهاد لإقرار المعنى الصحيح لهذه الكلمة الصحيحة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) حيث تعني الإيمان بالله والخضوع لأمره، والإقرار بشريعته، والكفر بكل ما يعبد من دون الله سواء كان صنماً يدعى أو حاكماً يشرع للناس نظاماً من عند نفسه لم يأذن به الله، والولاء للإسلام والمسلمين
قولاً وعملاً والبغض للكفر والكافرين قلباً ولساناً ويداً. وإنكار القلب أضعف الإيمان وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل.
(ح) تغيير هذا العرف الكاذب واجب اليوم ليس بمجابهة عوام المسلمين بالكفر، ولكن بعودتهم إلى المعنى الحقيقي لـ (لا إله إلا الله) . وقد عرفنا في الفصل السابق الفرق بين الكفر والكافر فليس كافراً إلا من يعلم الحق فيرده، ويماري بالباطل.
(ط) وهنا سنصل إلى هذا السؤال اللازم، وعلى أي صورة منذ البدء سنعامل عامة المسلمين؟
أنعاملهم على أن حقيقة الإيمان قد ضاعت وجهلت وأصبح المجتمع خالصاً، ولا نحكم بالإيمان إلا لمن عرفنا حقيقة دينه وولائه؟.. أم سنعاملهم على أنهم مسلمون قد ورثوا الإسلام وتشرب كثيراً منهم عقائد الكفر جهلاً وغفلة؟
والحق الذي لا مراء فيه أنه يجب الحكم على عوام الناس بأنهم مسلمون، ما لم يظهر من أحدهم ناقض من نواقض الإيمان عالماً به، مكابراً فيه. وإن الواجب أن يعاملوا معاملة المسلمين المؤمنين، وأن
يعلموا حقيقة الإيمان، وحدود الإسلام. وأن لا ينقل فرد منهم عن هذه الحقيقة إلا بفعل مناقض للإيمان بعد قيام الحجة عليه.
وبراهين هذا الحكم كثيرة منها:
1-
أن هذه الأمة قد ورثت عقيدة التوحيد والإيمان وغرست فيها، وأن هذه التحولات، وشيوع التناقضات مع قضايا الإيمان إنما هو بفعل الجهل والغفلة، وبفعل شياطين الإنس والجن الذين لبسوا على الناس دينهم، وأوهموهم أن الإسلام لا يناقض ما غرسوه من أفكار وعقائد كافرة، ولذلك اعتقد كثير منهم بالباطل جهلاً بحقيقة دينه، ويوم يعلم هؤلاء الناس حدود دينهم على الحقيقة، ولوازم عقيدتهم وإيمانهم. فلا شك أن الكثير منهم سيسارع إلى تصحيح معتقده واستغفار ربه.
2-
إن الحجة -وأعني بها تمييز الحق من الباطل- في كثير من مسائل العقيدة لم تقم قياماً يتحدد معه أن يهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة. كيف وطائفة كبيرة من العلماء المضللين هم وراء نشر الباطل، وتزييف رسالة الإسلام، وتمييع قضية الإيمان،
وإقرار الكفر في بلاد الإسلام، وإظهار أهل الحق والإيمان بمظهر الخارج عن تعاليم الإيمان والإسلام.
3-
أنه لم يقم بعد غلبة أنظمة الكفر على نظام الإسلام تمييز يجعل أهل التوحيد والإيمان في صف واحد. بل اختلط أمر الناس اختلاطاً عظيماً فكيف يمكن الحكم على الناس وهم بهذه الصورة.
4-
إن الأصل فيمن ينسب إلى الإسلام أنه مسلم، ولا يخالف في هذا الأصل عاقل، ولذلك يحرم -يقيناً- إخراجه عن هذا المسمى إلا بأن يقول بلسانه، أو يشهد بأعماله أنه ليس من المسلمين.