المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ثانيا: الحكم بغير ما أنزل الله عز وجل - الحد الفاصل بين الإيمان والكفر

[عبد الرحمن بن عبد الخالق]

الفصل: ‌ثانيا: الحكم بغير ما أنزل الله عز وجل

اعتراض على حكمة التشريع، فدأب المسلم دائماً أن يتلمس حكمة الله في تشريعه للعباد، وقد نص سبحانه وتعالى عن الحكمة في معظم تشريعاته. ودأب الكافر الاعتراض والاستهزاء بتشريع الله تبارك وتعالى، قال تعالى:{ويل لكل أفاك أثيم. يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم. وإذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزواً أولئك لهم عذاب مهين} (الجاثية: 7-9) .

‌ثانياً: الحكم بغير ما أنزل الله عز وجل

ما دام أن الله سبحانه وتعالى قد أنزل تشريعه لعباده ليلتزموا به، وأنه لم يخيرهم سبحانه وتعالى في الأخذ به أو تركه وإنما فرض هذا وألزمه، وأخبر سبحانه أن هذا هو المقصود من خلقهم حتى لا يكون خلقهم عبثاً ولا هملاً، فإن مقتضى الإيمان به هو تنفيذ أمره ونهيه، فإذا كان معنى لا إله إلا الله لا مطاع طاعة مطلقة إلا الله ولا مشرع للناس في شئون حياتهم إلا الله، أقول ما دام أن أمر الإيمان كذلك فإن هذا الأمر ينتقض بالتعالي عن أمره، والخروج عن حكمه، وإبطال شريعته والحكم بغيرها، وقد نص الله على هذا الأمر

ص: 58

في كتابه بنصوص صريحة واضحة، قال تعالى:{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} .

وكان هذا تعقيباً على اليهود الذين أرادوا إبطال حكم الرجم الثابت في توراتهم وذلك بسؤال الرسول عن هذا الحكم لعله يفتي بخلافه أو بحكم أخف من الرجم فيكون لهم مندوحة عند الله في زعمهم - في التنصل من هذا الحكم. قال تعالى: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} (المائدة: 44) .

وها أنت ترى أن الله سبحانه وتعالى قد ختم الآية -وإن كانت في شأن اليهود- بحكم عام يشمل كل أمة لها رسالة وتشريع. {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} (فمن) من صيغ العموم وهي تعم كل من اتصف بهذه الصفة.

وهناك سؤال معروف: هل يعد كافراً كل من حكم في قضية ما بحكم غير حكم الله تبارك وتعالى؟

ص: 59

والجواب على ذلك أن هناك صوراً ثلاثاً لهذا الأمر:

الأولى: أن يحكم بغير ما أنزل معتقداً أن ما حكم به هو الأفضل، وهذا كفر بإجماع المسلمين ولا مخالف لذلك.

الثانية: أن يحكم بغير ما أنزل الله معتقداً أن ما حكم به متساو مع حكم الله وأن هذا مثل هذا. وهذا أيضاً كفر بالإجماع لأنه يساوي الله بخلقه. كما قال تعالى: {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} (الأنعام: 1) .

الثالثة: أن يعتقد أن حكم الله هو الخير وهو الحق، وكل حكم يخالفه مرجوح باطل، ولكنه يحكم به بدافع من شهوة، أو رشوة، أو منصب أو غير ذلك. وهذا الذي قال فيه ابن عباس رضي الله عنهما. (كفر دون كفر) أي كفره لا يخرجه من ملة الإسلام ومن جماعة المسلمين.

وبهذا يكون الحاكم واضحاً في شأن الذين يجعلون شريعة الله على قدم المساواة مع شريعة أنفسهم أو من يتبعونهم من الكفار وفي شأن الذين يصفون

ص: 60