الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رواه البزار والطبراني في الكبير قال الهيثمي وإسناده صحيح.
ومنها ما رواه الإِمام أحمد أيضا وأبو داود وابن حبان في صحيحه عن أبي نملة الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله فإِن كان حقا لم تكذبوهم وإن كان باطلا لم تصدقوهم» زاد ابن حبان وقال «قاتل الله اليهود لقد أوتوا علما» .
ومنها ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإِسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
«لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم
وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم».
قال ابن كثير في النهاية وأما الأخبار الإِسرائيلية فيما يذكره كثير من المفسرين والمؤرخين فكثيرة جدا، ومنها ما هو صحيح موافق لما وقع. وكثير منها بل أكثرها مما يذكره القصاص مكذوب مفترى وضعته زنادقتهم وضلالهم، وهي ثلاثة أقسام منها ما هو صحيح لموافقته ما قصه الله في كتابه أو أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنها ما هو معلوم البطلان لمخالفته كتاب الله وسنة رسوله، ومنها ما يحتمل الصدق والكذب فهذا هو الذي أمرنا بالتوقف فيه فلا نصدقه ولا نكذبه. قال في التفسير ويجوز حكايته لما تقدم - يعني من قول النبي صلى الله عليه وسلم «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» .
قلت وما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث التي أخبر فيها عن الأمم الماضية من بني إسرائيل وغيرهم فهو حق لا ريب فيه قال الله تعالى (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) ومن كذّب بشيء من الأحاديث الصحيحة التي أخبر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بني إسرائيل أو عن غيرهم أو شك فيها فهو ممن يشك في إسلامه لأنه لم يحقق الشهادة بأن محمداً رسول الله ومن تحقيقها تصديقه صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به من أنباء الغيب مما مضى وما سيأتي.
وأما الأحاديث الصحيحة التي ليس فيها إخبار عن بني إسرائيل ولا عن غيرهم من الأمم الماضية ومع ذلك يزعم المؤلف الملحد أنها أحاديث إسرائيلية وأنها
مكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم فتلك مكابرة منه ومعارضة لأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله بمجرد الرأي والهوى. وقد قال الله تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا).
فصل
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخوف على أمته من المنافقين الذين يجادلون بالقرآن كما في الحديث الذي رواه البزار والطبراني عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم اللسان» قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح، وقد رواه ابن حبان في صحيحه ولفظه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أخوف ما أخاف عليكم جدال منافق عليم اللسان» .
وروى الإِمام أحمد والبزار وأبو يعلى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال «حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كل منافق عليم اللسان» قال الهيثمي رجاله موثقون.
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إني أخاف على أمتي اثنتين القرآن واللبن أما اللبن فيتبعون الريف ويتبعون الشهوات ويتركون الصلوات وأما القرآن فيتعلمه المنافقون فيجادلون به المؤمنين» رواه الإِمام أحمد والطبراني، قال الهيثمي وفيه دراج أبو السمح وهو ثقة مختلف في الاحتجاج به.
قلت قد صحح له ابن حبان والحاكم والذهبي، وعلى هذا فالحديث صحيح على شرط ابن حبان والحاكم، وقد رواه الإِمام أحمد أيضا عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقري حدثنا ابن لهيعة عن أبي قبيل قال لم أسمع من عقبة بن عامر إلا هذا الحديث. قال ابن لهيعة وحدثنيه يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «هلاك أمتي في الكتاب واللبن» قالوا يا رسول الله ما الكتاب واللبن قال «يتعلمون القرآن فيتأولونه على غير ما أنزل الله عز وجل ويحبون اللبن فيدعون الجماعات والجمع
ويبدون» ابن لهيعة حسن الحديث وفيه كلام وبقية رجاله ثقات.
ويروى عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إني أخاف عليك ثلاثاً وهن كائنات زلة عالم وجدال منافق بالقرآن ودنيا تفتح عليكم» رواه الطبراني بإِسناد ضعيف.
ويروى أيضا عن معاذ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إياكم وثلاثة زلة عالم وجدال منافق بالقرآن ودنيا تقطع أعناقكم» رواه الطبراني بإِسناد ضعيف.
ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أكثر ما أتخوف على أمتي من بعدي رجل يتأول القرآن يضعه على غير مواضعه» الحديث رواه الطبراني بإِسناد ضعيف.
وعن زياد بن حدير قال قال لي عمر رضي الله عنه هل تعرف ما يهدم الإِسلام قال قلت لا قال «يهدمه زلة العالم وجدال المنافق بالكتاب وحكم الأئمة المضلين» رواه الدارمي بإِسناد حسن وله حكم الرفع.
وهذه الأحاديث يشد بعضها بعضا وما فيها من ضعيف فالحسن منها يشهد له ويقويه، وهي تنطبق على المؤلف وعلى أمثاله من الزائغين الذين يجادلون بالقرآن ويتأولونه على غير تأويله ويضعونه على غير مواضعه.
فصل
قال القاضي عياض في كتابه الشفاء. اعلم وفقنا الله وإياك أن جميع من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو عابه أو ألحق به نقصاً في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرّض به أو شبهه بشيء على طريق السب له أو الإزراء أو التصغير لشأنه أو الغض منه والعيب له فهو ساب له والحكم فيه حكم السّاب يقتل وكذلك من لعنه أو دعا عليه أو تمنى مضرة له أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر ومنكر من القول وزور أو عيّرة بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه، وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن
الصحابة رضوان الله عليهم إلى هلم جرا.
قال أبو بكر ابن المنذر أجمع عوام أهل العلم على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم يقتل وممن قال ذلك مالك بن أنس والليث وأحمد وإسحاق وهو مذهب الشافعي. قال القاضي عياض وهو مقتضى قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه ولا تقبل توبته عند هولاء. وبمثله قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري وأهل الكوفة والأوزاعي في المسلمين لكنهم قالوا هي ردة وروى مثله الوليد بن مسلم عن مالك وحكى الطبري مثله عن أبي حنيفة وأصحابه فيمن تنقصه صلى الله عليه وسلم أو برئ منه أو كذبه. وقال سحنون فيمن سبه ذلك ردة كالزندقة. قال القاضي عياض ولا نعلم خلافا في استباحة دمه بين علماء الأمصار وسلف الأمة وقد ذكر غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره. قال محمد بن سحنون أجمع العلماء أن شاتم النبي صلى الله عليه وسلم المتنقص له كافر والوعيد جار عليه بعذاب الله له. وحكمه عند الأمة القتل ومن شك في كفره وعذابه كفر. وقال ابن القاسم في العتبية من سبه أو شتمه أو عابه أو تنقصه فإِنه يقتل وحكمه عند الأمة القتل كالزنديق.
وروى ابن وهب عن مالك من قال إن رداء النبي صلى الله عليه وسلم ويروى زر النبي صلى الله عليه وسلم وسخ أراد به عيبه قتل. وقال حبيب بن ربيع القروي مذهب مالك وأصحابه أن من قال فيه صلى الله عليه وسلم ما فيه نقص قتل دون استتابة. وقال ابن عتاب الكتاب والسنة موجبان أن من قصد النبي صلى الله عليه وسلم بأذى أو نقص معّرضا أو مصرحا وإن قلّ فقتله واجب. قال القاضي عياض فهذا الباب كله مما عده العلماء سباً أو تنقصاً يجب قتل قائله لم يختلف في ذلك متقدمهم ولا متأخرهم. وكذلك أقول حكم من غمصه أو عيّره برعاية الغنم أو السهو أو النسيان أو السحر أو ما أصابه من جرح أو هزيمة لبعض جيوشه أو أذى من عدوه أو شدة من زمنه أو بالميل إلى نسائه فحكم هذا كله لمن قصد به نقصه القتل انتهى ملخصا.
وذكر ابن حجر الهيتمي في كتاب الزواجر أن من استخف بالرسول صلى الله عليه وسلم أو استهزأ به أو بشيء من أفعاله كلحس الأصابع أو ألحق به نقصاً في نفسه أو نسبه أو دينه أو فعله أو عرّض بذلك أو شبهه بشيء على طريق الإزراء أو التصغير لشأنه والغض منه أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه أنه يكفر بواحد مما ذكر
إجماعا انتهى.
وإذا علم هذا فليعلم أيضا أن كتاب «الأضواء القرآنية» قد اشتمل على الشيء الكثير من الاستخفاف بالنبي صلى الله عليه وسلم والغض منه والعبث في جهته العزيزة بسخف الكلام ومنكر القول والاعتراض على كثير مما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من الأقوال والأفعال كما سيأتي التنبيه على ذلك في مواضعه من الرد على المؤلف إن شاء الله تعالى، فالحكم بردة المؤلف ثابت من عدة أوجه. والله المسئول أن يقيض له ولأشباهه من المارقين من يصنع بهم مثل ما صنع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالمنافق الذي لم يرض بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث ضربه عمر رضي الله عنه بالسيف فقتله.
فصل
وقد تجرأ المؤلف على بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر الطعن فيهم بالزور والبهتان كما سيأتي التنبيه على ذلك في مواضعه من الرد على المؤلف إن شاء الله تعالى.
والوقيعة في الصحابة وإساءة الظن بهم ليس بالأمر الهين، وقد روى الإِمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» هذا لفظ البخاري ولفظ مسلم «لا تسبوا أحداً من أصحابي فإِن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» وفي رواية الترمذي وإحدى الروايتين لأحمد «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. قال ومعنى قوله «نصيفه» يعني نصف المد وروى مسلم أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تسبوا أصحابي لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» . ورواه ابن ماجه بأسانيد صحيحة أحدها أحد أسانيد مسلم وليس في روايته تكرير قوله «لا تسبوا أصحابي» .
وروى ابن ماجه بإسناد حسن عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يقول
«لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره» .
وروى الترمذي بإِسناد ضعيف عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا «إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي فقولوا لعنة الله على شركم» .
وروى الإِمام أحمد والترمذي واللفظ له عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه» .
وروى الحاكم في مستدركه عن عويم بن ساعدة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن الله تبارك وتعالى اختارني واختار لي أصحابا فجعل لي منهم وزراء وأنصاراً وأصهاراً فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل» قال الحاكم صحيح الإِسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى أبو نعيم في الحلية عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «شرار أمتي أجراؤهم على صحابتي» .
وروى مسلم عن هشام بن عروة عن أبيه قال قالت لي عائشة رضي الله عنها يا ابن أختي أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبوهم.
وروى رزين عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قيل لعائشة رضي الله عنها إن ناسا يتناولون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى أبا بكر وعمر فقالت وما تعجبون من هذا انقطع عنهم العمل فأحب الله أن لا يقطع عنهم الأجر.
وروى الطبراني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا» .
وإذا علم ما في هذه الأحاديث من تحريم عيب الصحابة وسبهم وبغضهم وأذيتهم وأن شرار هذه الأمة أجرأهم على الصحابة رضي الله عنهم فليعلم أيضا أن المؤلف قد أخذ بنصيب وافر من أذية بعض الصحابة وعيبهم وسبهم كما سيأتي بيان ذلك في مواضعه من هذا الرد إن شاء الله تعالى، فبعداً للمؤلف ولأمثاله من المبغضين للصحابة
المتنقصين لهم بالزور والبهتان، والله المسئول أن يجازيهم على ذلك بعدله.
وقد قال الإِمام أحمد رحمه الله تعالى في الرسالة التي رواها عنه أبو العباس أحمد بن جعفر بن يعقوب الأصطخري وذكرها القاضي أبو الحسين في طبقات الحنابلة في ترجمة أبي العباس.
هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروقها المعروفين بها المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا وأدركت من أدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها فمن خالف شيئا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج من الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق» - ثم ذكر كثيرا من أقوال أهل السنة ومنها قوله.
ثم ذكر الإِمام أحمد رحمه الله تعالى أهل البدع وذكر بعض أقوالهم ومنهم الرافضة قال «وهم الذين يتبرءون من أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسبونهم وينتقصونهم، قال وليست الرافضة من الإِسلام في شيء» .
ثم ذكر الخشبية وهم رافضة قال «وهم فيما يزعمون ينتحلون حب آل محمد صلى الله عليه وسلم وكذبوا، بل هم المبغضون لآل محمد صلى الله عليه وسلم دون الناس، إنما الشيعة لآل محمد المتقون أهل السنة والأثر من كانوا وحيث كانوا الذين
يحبون آل محمد صلى الله عليه وسلم وجميع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولا يذكرون أحداً منهم بسوء ولا عيب ولا منقصة. فمن ذكر أحداً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بسوء أو طعن عليهم أو تبرأ من أحد منهم أو سبهم أو عرض بعيبهم فهو رافضي خبيث مخبث، انتهى المقصود من كلامه رحمه الله تعالى.
وقال أبو طالب سألت أحمد عمن شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال القتل أجبن عنه ولكن أضربه ضربا نكالا، وقال عبد الله سألت أبي عمن شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال أرى أن يضرب وقال ما أراه على الإِسلام، وقال الميموني سمعت أحمد يقول ما لهم وما لمعاوية، وقال لي يا أبا الحسن إذا رأيت أحداً يذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوء فاتهمه على الإِسلام، وقال إسحاق بن راهويه من شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعاقب ويحبس، وروى أبو بكر الخطيب في كتاب «الكفاية» بسنده عن أبي زرعة الرازي أنه قال إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق. وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق والقرآن حق وما جاء به حق وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة.
وذكر القاضي أبو الحسين في طبقات الحنابلة عن أبي محمد البربهاري أنه قال في «شرح كتاب السنة» إذا رأيت الرجل يحب أبا هريرة وأسيداً فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله، قال ومن تناول أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه أراد محمداً صلى الله عليه وسلم وقد آذاه في قبره.
وذكر عن سفيان بن عيينة أنه قال من نطق في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمة فهو صاحب هوى انتهى.
وذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري عن ابن السمعاني أنه قال في «الاصطلام» التعرض إلى جانب الصحابة علامة على خذلان فاعله بل هو بدعة وضلالة انتهى ذكره الحافظ في «باب النهي للبايع أن لا يحفل الإِبل والبقر والغنم» .
فصل
قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح في «المقدمة» أول من صنف الصحيح البخاري وتلاه مسلم بن الحجاج، وكتابهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز.
ثم إن كتاب البخاري أصح الكتابين صحيحا وأكثرهما فوائد. وذكر عن الحافظ أبي نصر الوائلي السجزي أنه قال أجمع أهل العلم الفقهاء وغيرهم أن رجلا لو حلف بالطلاق أن جميع ما في كتاب البخاري مما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صح عنه ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاله لا شك فيه لا يحنث والمرأة بحالها في حبالته انتهى. وذكر الشيخ أبو عمرو أيضا اتفاق الأمة على تلقي ما اتفق عليه البخاري ومسلم بالقبول، قال وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته والعلم اليقيني النظري واقع به.
وذكر أيضا أن ما انفرد به البخاري أو مسلم مندرج في قبيل ما يقطع بصحته لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول انتهى.
وقال النووي في شرح مسلم اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة.
ونقل النووي عن الشيخ أبي عمرو ابن الصلاح أنه قال جميع ما حكم مسلم رحمه الله بصحته في هذا الباب فهو مقطوع بصحته والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر. وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه وذلك لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول سوى من لا يعتد بخلافه ووفاقه في الإجماع.
ونقل النووي أيضا عن إمام الحرمين أنه قال لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته من قول النبي صلى الله عليه وسلم لما ألرمته الطلاق ولا حنثته لإِجماع علماء المسلمين على صحتهما انتهى.
وقال الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» في ترجمة البخاري «كتابه الصحيح يستقى بقراءته الغمام وأجمع العلماء على قبوله وصحة ما فيه وكذلك سائر أهل الإِسلام انتهى.
وفيما قاله أبو نصر السجري وإمام الحرمين وابن الصلاح والنووي وابن كثير أبلغ رد على صالح أبي بكر وعلى أمثاله من زنادقة العصريين الذين شذوا عن المسلمين وخالفوا إجماع العلماء فتصدوا لتكذيب الأحاديث الثابتة في الصحيحين أو في أحدهما ومعارضتها بالشبه والآراء وحمل القرآن على غير محامله. ولا شك أن هذا من المحادة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وقد قال الله تعالى (إن الذين يحادون الله
ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين. يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد) وقال تعالى (إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين. كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز) وقال تعالى (ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فان له نار جهنم خالداً فيها ذلك الخزي العظيم) وقال تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا).
فصل
وهذا أوان الشروع في الرد على أباطيل المؤلف وترهاته قال في الصفحة الأولى ما نصه.
كتابنا هذا أضواء نلقيها على قضية الحديث وعلى أمثلة من الإسرائيليات الدخيلة على صحيح البخاري وتتلخص الغاية منه في أمرين، الأمر الأول هو أن لا نصدق بكلام يخالف كلام الله وهدي رسوله فنقع في خطيئة الشرك العلمي وذلك بمنازعة الله في حق الكلمة والتشريع. الأمر الثاني أن لا نحقق للشيطان مأربه فنبعد عن الحق المنزل من الله بسبب قبولنا لما دسه علينا أعداء الإِسلام من أحاديث باطلة. ووصولا إلى تلك الغاية صار تكوين الكتاب من جزئين، الجزء الأول قضية الحديث ومراجعها العلمية منذ الخلافة الأولى إلى عصرنا هذا. الجزء الثاني نماذج من الأحاديث الإسرائيلية المدسوسة على البخاري والتعقيب القرآني على كل منها بالنفي وببراءة النبي والبخاري منها. وقد كانت الحكمة في أن يكون البخاري هو الكتاب الذي أخذنا منه تلك الأحاديث هي أن يكون الرجوع بأحاديث غيره إلى القرآن أولى وأهم باعتبار أنه عمدة المراجع لأصح الأحاديث.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال ليس في كتاب المؤلف شيء من الأضواء البتة. وإنما هو ظلمات بعضها فوق بعض أراد بها هدم السنة وتنفير الناس منها. وقد ذكرت في أول فصول الكتاب تشديد العلماء في رد الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم والحكم على من فعل ذلك بالكفر فلتراجع أقوالهم (1) ففيها أبلغ رد على المؤلف.
(1) ص: 13 - 22.
الوجه الثاني أن يقال ليس في صحيح البخاري شيء من الأحاديث الدخيلة - أي المدسوسة - كما زعمه المؤلف كذبا وزوراً، وما جاء فيه من الأحاديث عن بني إسرائيل وعن غيرهم من الأمم الماضية فكله حق وصدق لثبوت ذلك عن النبي صلى الله علي وسلم بالأسانيد الصحيحة. وقد قال الله تعالى (وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى).
الوجه الثالث أن يقال ليس في صحيح البخاري ولا في غيره من الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يخالف كلام الله تعالى وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم بوجه من الوجوه. ولا غيره بما يهذو به المؤلف وأشباهه من الجهلة الأغبياء الذين يتبعون المتشابه ويلبسون الحق بالباطل ويلحدون في آيات الله تعالى ويتأولونها على غير تأويلها.
الوجه الرابع أن يقال إذا كان المؤلف لا يصدق بالأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم مما خرجه البخاري في صحيحه وما خرجه غيره من أهل الصحاح والسنن والمسانيد ويزعم أنها أحاديث إسرائيلية وأنها تخالف كلام الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم فأهل الإِيمان على خلاف ما هو عليه فهم يؤمنون بكل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يردون من ذلك شيئا ولا يتركون من الأحاديث الصحيحة شيئا إلا حديثا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم آخر يخالفه فيأخذون بالأصح منهما أو يجمعون بينهما إذا أمكن الجمع.
الوجه الخامس أن المؤلف قد وقع في شر مما فر منه فإِنه قد فر من خطيئة الشرك العلمي كما زعم ذلك ووقع فيما يهدم الإِسلام من أصله وذلك في أمور وقعت منه أحدها مناقضته لشهادة أن محمداً رسول الله فإِنه قد كذب بكثير مما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم برواية الثقات الأثبات. ومن كذب بشيء مما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو لم يحقق الشهادة بأن محمداً رسول الله. ومن لم يحققها فليس بمسلم. ولا بد في تحقيقها من أربعة أمور. أحدها طاعته صلى الله عليه وسلم فيما أمر. والثاني تصديقه فيما أخبر، والثالث اجتناب ما عنه نهى وزجر. والرابع أن لا يعبد الله إلا بما شرع، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإِذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي
الله عنه، فقد أخبر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح أن عصمة الدم والمال لا تتم إلا بشيئين، أحدهما شهادة أن لا إله إلا الله، وثانيهما الإِيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، والمؤلف لم يؤمن بكثير مما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فكان بهذا حلال الدم والمال.
الأمر الثاني والثالث والرابع ما اشتمل عليه كتابه من الاستخفاف بالنبي صلى الله عليه وسلم والغض منه والعبث في جهته العزيزة بسخف الكلام ومنكر القول. وسيأتي بيان ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى. وقد تقدم حكاية الإِجماع على كفر من صدر منه شيء من هذه الأمور (1).
الوجه السادس أن المؤلف قد حقق للشيطان مأربه حيث أبعد عن كثير من الحق المنزل من الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وحث الناس على الإِبعاد عنه. وقد تقدم حديث المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه» وفي رواية ابن حبان «إني أوتيت الكتاب وما يعدله» فثبت بهذا الحديث الصحيح أن السنة كانت تنزل على النبي صلى الله عليه وسلم كما ينزل عليه القرآن. وتقدم عن حسان بن عطية أحد التابعين أنه قال «كان جبريل ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل بالقرآن» ويدل لهذا قول الله تعالى (وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد القوى) وقد نفى المؤلف عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً من أقواله وأفعاله الثابتة عنه برواية الثقات الأثبات. وكذب بكثير من المعجزات وخوارق العادات وسماها قصصا خيالية وخوارق خرافية وحث الناس على رفضها واطراحها. فقد تلاعب الشيطان بالمؤلف غاية التلاعب وأراه الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق وجعله من دعاته وجنوده وهذا غاية مأرب الشيطان.
الوجه السابع أن الله تعالى أقام للسنة جهابذة نقاداً ميزوا الأحاديث الصحيحة الثابتة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة وميزوا الثقات من رجال
(1) ص: 27 - 29.
الأحاديث من المجروحين منهم وقد أجمعوا على قبول الصحيحين ولم يقل أحد منهم أن فيهما شيئا من الأحاديث الباطلة التي دسها علينا أعداء الإِسلام فما زعمه المؤلف من دس الأحاديث الباطلة في الصحيحين أو في غيرهما من الصحاح فهو قول باطل مردود.
الوجه الثامن أن يقال قد اتضح من كلام المؤلف أنه من ألد الأعداء لكتب السنة وذلك أنه عمد إلى أصحها فطعن فيه وشن الحملة على جملة من أحاديثه التي لا مطعن فيها بوجه من الوجوه فزعم أنها دخيلة عليه ومدسوسة فيه ثم ختم كلامه بما يقتضي أن غير صحيح البخاري من كتب السنة أولى عنده بشن الحملة والمعارضة. وقد ذكرت في الفصل الذي قبل هذا الفصل أن هذا من المحادة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم واتباع غير سبيل المؤمنين. وقد جاء الوعيد الشديد على هذا كما تقدم ذكره (1)
فصل
وقال المؤلف في صفحة (3) ما نصه «تعريف الكتاب في بنود رئيسية»
أولا العرض الكامل لقضية الحديث وأقوال العلماء فيها ابتداء من الخليفة الأول لرسول الله (ص) إلى آخر عالم مارس التحصيل والبيان في هذا المجال حتى يعلم المسلمون أساليب الكيد التي حيكت لدينهم ممن يعادونه ومن اليهود بنوع خاص.
والجواب أن يقال ليس في الصحيحين ولا في غيرهما من الأحاديث الصحيحة شيء من أساليب الكيد التي حيكت لدين الإِسلام من أعدائه كما زعم ذلك المؤلف كذباً وزوراً، ولكن المؤلف هو الذي أراد الدس على المسلمين وتشكيكهم فيما ثبت عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، وهو الذي حاك أساليب الكيد للإِسلام والمسلمين وأظهر ذلك في قالب الإِصلاح فهو في الحقيقة شر على الإِسلام والمسلمين من اليهود ومن غيرهم من أعداء الإِسلام والمسلمين.
(1) ص: 33.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (3) ما نصه
ثانيا الدعوة العملية إلى تقسيم الحديث المنسوب إلى النبي (ص) إلى ثلاثة أنواع. النوع الأول حديث يوافق القرآن في مضمونه أو في معناه، والنوع الثاني هو حديث يأتينا بفضائل الأعمال ولا يعارضه القرآن. وهذان النوعان يفرض الله تبارك وتعالى الإِيمان بهما كجزء من رسالة النبي عليه الصلاة والسلام، ونوع ثلاث يأتينا بمعان أو أحكام أو قصص تخالف القرآن في مضمونه أو في معناه، وهذا النوع يجب رفضه وتبرئة النبي (ص) منه وذلك عملا على تطهير ديننا من شوائب الدس الإسرائيلي حتى يعود إليه الرونق الجميل الذي يحمل العالم على احترامه والدخول فيه.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال ليس في الأحاديث الصحيحة ما يخالف القرآن بوجه من الوجوه، ومن زعم أن شيئا من الأحاديث الصحيحة يخالف القرآن فذلك من سوء فهمه للقرآن والأحاديث الصحيحة. وربما يكون ذلك لزيغ في قلبه فيتأول القرآن على غير تأويله ويعارض به الأحاديث الصحيحة كما فعل ذلك المؤلف، وقد جمع في فعله بين أمرين ذميمين أحدهما تحريف الكلم عن مواضعه، والثاني رد الأحاديث الصحيحة واطراحها. وقد قال الله تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) قال الإِمام أحمد رحمه الله تعالى أتدري ما الفتنة. الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. وقال تعالى (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) قالت عائشة رضي الله عنها تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) إلى قوله (أولو الألباب) قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» رواه الإِمام أحمد وأبو داود الطيالسي والشيخان وأهل السنن إلا النسائي وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
وقد تقدم قول ابن القيم رحمه الله تعالى في الذين يعارضون السنن بظاهر
القرآن ويردون الأحاديث الصحيحة بذلك. قال وهذا فعل الذين يستمسكون بالمتشابه في رد المحكم فإِن لم يجدوا لفظا متشابها غير المحكم يردونه به استخرجوا من المحكم وصفا متشابها وردوه به انتهى.
الوجه الثاني أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا بلغهم الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تمسكوا به وقابلوه بالقبول والتسليم، وكذلك التابعون وأئمة العلم والهدى من بعدهم فإِنهم كانوا إذا بلغهم شيء من الأحاديث المروية بالأسانيد الصحيحة تمسكوا به وقابلوه بالقبول والتسليم، ولم يكن الصحابة والتابعون وأئمة العلم والهدى من بعدهم يرفضون شيئا من الأحاديث الصحيحة أو يعارضونها بالقرآن. فمن رفض شيئا من الأحاديث الصحيحة أو حث على رفضها وزعم أن ذلك واجب فلا شك أنه مشاق للرسول صلى الله عليه وسلم ومتبع لغير سبيل المؤمنين وقد قال الله تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا).
الوجه الثالث أن تبرئة النبي صلى الله عليه وسلم مما ثبت عنه بالأسانيد الصحيحة لا يقول بها عاقل لأن تبرئته مما ثبت عنه حاصلها تكذيبه ورد قوله، ولا يصدر ذلك من مسلم يؤمن بالله ورسوله.
الوجه الرابع أن تطهير الدين لا يكون برفض الأحاديث الصحيحة وردها وإنما يكون ذلك برد البدع ومحاربة المبتدعين الزائغين عن الحق المتبعين لغير سبيل المؤمنين، ومنهم الذين يعارضون الأحاديث الصحيحة بالمتشابه من القرآن وبآرائهم وآراء شيوخهم ومن يعظمونه من أهل البدع.
الوجه الخامس أن تكذيب الأحاديث الصحيحة ورفضها ليس هو الذي يعود على دين الإِسلام بالرونق الجميل كما زعم ذلك المؤلف المفتون. وإنما يعود عليه بالشكوك والظنون السيئة وعدم الثقة فهو في الحقيقة تشويه للدين وتدنيس له وليس تطهيراً له كما قد زعم ذلك من أعمى الله بصيرته.
الوجه السادس أن يقال قد كان الدين محترما حينما كان المسلمون يحكمون بالكتاب والسنة ويحترمون القرآن والأحاديث الصحيحة وكتب السلف وأئمة الخلف ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويجاهدون في سبيل الله ويفعلون ما أمر الله به
ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلما استهان الأكثرون بالكتاب والسنة واستبدلوا عن الأحكام الشرعية بالنظم والقوانين الوضعية واستهانوا بكتب الحديث والفقه والتفسير وغيرها من الكتب النافعة وسموها الكتاب الصفراء واستبدلوا عنها بالصحف والمجلات وما أشبهها من الكتب التي لا خير فيها وتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله وتركوا كثيراً من الأوامر وارتكبوا كثيراً من المحرمات عاد رونق الدين غير جميل عند الأكثرين وقلّ احترام العالم له وقلّ الدخول فيه. ولا يعود إلى الدين رونقه الجميل الذي يحمل العالم على احترامه والدخول فيه إلا بالتمسك بالكتاب والسنة واحترامهما والعمل بهما في كل قليل وكثير واحترام كتب السلف وأئمة الخلف مع القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله وفعل ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم واجتناب ما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم فحينئذ يعود رونق الدين وجماله كما كان في أول الأمر. والله المسئول أن يعيده كما كان في صدر هذه الأمة وما ذلك على الله بعزيز.
الوجه السابع أن القول برفض الأحاديث الصحيحة وردها يلزم منه أحد أمرين كل منهما سيء ذميم. أحدهما الطعن في الثقات الأثبات ورميهم بوضع الأحاديث والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال الله تعالى (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثماً مبيناً).
الأمر الثاني رمي ذوي العقول والنباهة بالغباوة والتغفيل بحيث يروج عليهم ما يدسه الزنادقة من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد جاء في كلام المؤلف كل من الأمرين كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
ولا شك أن المؤلف وأشياخه الذين يعتمد على أقوالهم في معارضة الأحاديث الصحيحة ورفضها أولى بالأوصاف الذميمة من رجال الصحيحين وغيرهم من رواة الأحاديث الصحيحة.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (3) ما نصه
ثالثا تقديم حصيلة الفحص الدقيق للأحاديث المعارضة للقرآن والمنافية لما يليق بالله وبرسوله والتي جمعناها من صحيح البخاري باعتباره عمدة المراجع في هذا
المجال وعددها مائة وعشرون حديثا. والتعقيب القرآني على كل منها بما يثبت أنها دخيلة على كلام النبي (ص) وبما لا يسيء إلى البخاري الذي حسبه عند ربه صدق نيته وإخلاصه حتى يعلم المسلمون كيف استطاع الشيطان أن يستخدم أعوانه من كفار الإِنس في الكيد للإِسلام والمسلمين. مع التأكيد مرة أخرى على براءة البخاري رحمه الله من هذا الحزب اللعين، ولا يعتبر هذا العدد حصراً لكل ما يعارضه القرآن وإنما هو مثال ضوئي يدعو إلى جعل القرآن سنداً أساسيا لكل حديث ينسب إلى رسول الله.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال ليس في صحيح البخاري ما يعارض القرآن بوجه من الوجوه وليس فيه حديث ينافي ما يليق بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وليس فيه حديث دخيل على كلام النبي صلى الله عليه وسلم كما قد زعم ذلك من استزله الشيطان وزين له معارضة الأحاديث الصحيحة واطراحها والتهاون بشأنها.
الوجه الثاني أن المؤلف قد أساء إلى البخاري إساءة عظيمة ثم زعم أن فعله لا يسيء إلى البخاري. وهذه المنافقة والمراوغة لا تخفى على عاقل. وإساءته إلى البخاري واضحة من جهتين. الأولى صولته على كتابه الصحيح واستهانته به ومحاولته الحط من قدره عند الناس وأنه لا ينبغي الاعتماد عليه، وأي إساءة أعظم من هذه الإِساءة لو كان المؤلف الجاهل يعقل.
الثانية محاولته الحط من قدر البخاري وإلحاقه بالأغبياء المغفلين الذين تروج عليهم دسائس الزنادقة الوضاعين. وهذه الإساءة العظيمة لا تؤثر في قدر البخاري عند أهل السنة والجماعة لأنهم يعلمون بطلانها ويعلمون ما جعل الله في البخاري من العقل الرزين والنباهة العظيمة بحيث لا يستطيع المبطلون أن يدسوا عليه شيئا أبدا.
وقد قال الخطيب البغدادي في تاريخه حدثني محمد بن أبي الحسن الساحلي قال أنبانا أحمد بن الحسن الرازي قال سمعت أبا أحمد بن عدي يقول سمعت عدة مشايخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد فسمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا الإِسناد لإِسناد آخر وإسناد هذا المتن لمتن آخر ودفعوها إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة أحاديث وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوا ذلك على البخاري وأخذوا الموعد
للمجلس فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرها ومن البغداديين فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه رجل من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال البخاري لا أعرفه فسأله عن آخر فقال لا أعرفه فما زال يلقي عليه واحداً بعد واحد حتى فرغ من عشرته والبخاري يقول لا أعرفه فكان الفهماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون الرجل فهم. ومن كان منهم غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم. ثم انتدب رجل آخر من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة فقال البخاري لا أعرفه فسأله عن آخر فقال لا أعرفه فسأله عن آخر فقال لا أعرفه، فلم يزل يلقي عليه واحداً بعد آخر حتى فرغ من عشرته والبخاري يقول لا أعرفه، ثم انتدب إليه الثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من إلقاء تلك الأحاديث المقلوبة والبخاري لا يزيدهم على «لا أعرفه» فلما علم البخاري أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال أما حديثك الأول فهو كذا وحديثك الثاني فهو كذا والثالث والرابع على الولاء حتى أتى على تمام العشرة فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه وفعل بالآخرين مثل ذلك ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها فأقر له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري بعد أن ذكر هذه القصة رواية عن الخطيب، قلت هنا يخضع للبخاري فما العجب من رده الخطأ إلى الصواب فإِنه كان حافظا بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه من مرة واحدة.
قال الحافظ وقال أبو الأزهر كان بسمرقند أربعمائة محدث فتجمعوا وأحبوا أن يغالطوا محمد بن إسماعيل فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق وإسناد العراق في إسناد الشام وإسناد الحرم في إسناد اليمن فما استطاعوا مع ذلك أن يتعلقوا عليه بسقطة انتهى ما ذكره الحافظ ابن حجر وفيه أبلغ رد على من استهان بالبخاري وحاول الغض منه وإلحاقه بالأغبياء المغفلين.
الوجه الثالث أن إساءة المؤلف ليست مقصورة على البخاري رحمه الله تعالى بل إنه قد حاد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بمعارضته للأحاديث الصحيحة ورفضها. وقد أساء إلى الصحابة الذين حفظوا أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وبلغوها إلى من بعدهم. وقد أساء إلى الثقات الأثبات الذين حفظوا الأحاديث
الصحيحة وبلغوها إلى من بعدهم حتى وصلت إلى البخاري وغيره من الأئمة الذين دونوا الأحاديث الصحيحة وحفظوها على الأمة الإسلامية.
الوجه الرابع أن يقال أن رجال الجامع الصحيح كلهم ثقات عدول من لدن الصحابة إلى شيوخ البخاري وليس فيهم كذاب ولا وضاع ولامتهم ولا مجروح بجرح يؤثر في حديثه. وليس فيهم أحد من الأغبياء المغفلين الذين يقبلون التلقين، ومع هذا يقول المؤلف إن الشيطان استطاع أن يستخدم أعوانه من كفار الإِنس في الكيد للإسلام والمسلمين ثم يؤكد براءة البخاري من هذا الحزب اللعين. فهل يقول المؤلف أن رجال البخاري أو بعضهم كانوا من كفار الإنس وأعوان الشيطان الذين استخدمهم في الكيد للإسلام والمسلمين وأنهم من الحزب اللعين كما هو ظاهر كلامه. أم ماذا يجيب به عن تهوره وجراءته القبيحة.
الوجه الخامس أن يقال الواقع في الحقيقة أن الشيطان استطاع أن يستخدم المؤلف في معارضة الأحاديث الصحيحة ورفضها وفي الكيد للإسلام والمسلمين وذلك بتشكيك المسلمين في الأحاديث الصحيحة وحثهم على رفضها واطراحها فهو من أكبر أعوان الشيطان وجنوده.
الوجه السادس أن يقال ما ذهب إليه المؤلف من جعل القرآن سنداً أساسيا لكل حديث ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعارض قول الله تعالى في صفة رسوله صلى الله عليه وسلم (وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى) وقوله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وقوله تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى أتدري ما الفتنة. الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.
ويعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه» رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة من حديث المقدام بن معد يكرب الكندي رضي الله عنه وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب وصححه الحاكم وأقره الذهبي.
ويعارض أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وصححه أيضا ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى مالك في الموطأ بلاغا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله» وقد رواه الحاكم في مستدركه موصولا من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وصححه وأقره الذهبي.
وورى الحاكم أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض» .
وما عارض قول الله تعالى وقول رسوله صلى الله عليه وسلم فهو مردود على قائله كائنا من كان.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (4) ما نصه
رابعا تقديم التذكرة لأصحاب العقول الناضجة من المسلمين كي ينفضوا عن دينهم وعن عقائدهم غبار الزيف الذي ران على الجمال الإسلامي والصفاء المحمدي حتى ملأ المراجع الدينية بما لا يقتضيه عقل من القصص الخيالي والتشريع المبتدع. وأصل ذلك الحديث الباطل الذي أصابنا بغباره القبيح في عقائدنا وعبادتنا وماسنه الله لنا من تشريع.
والجواب أن يقال إن أصحاب العقول السليمة من المسلمين قد نفضوا عن دينهم وعن عقائدهم غبار الزيف الذي أحدثه أهل الأهواء والبدع من الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة والجهمية والمعتزلة والفلاسفة وغيرهم من أهل الكلام الباطل الذين ذمه السلف وحذروا منه. ونفض أصحاب العقول السليمة من المسلمين عن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس منها من أحاديث الكذابين والوضاعين. وميزوا الأحاديث الصحيحة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وميزوا الثقات من رجال الأحاديث من المجروحين، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء فقد تركوا الأمر واضحا جليا لمن أراد الله هدايته.
وقد خالفهم أهل القلوب المريضة والعقول الناقصة من العصريين ومنهم المؤلف الجاهل وأشياخه الذين يعتمد على أقوالهم في معارضة الأحاديث الصحيحة ورفضها وتنفير الناس منها.
وقد أظهر المؤلف كيده للإسلام والمسلمين في قالب النصيحة لأصحاب العقول الناضجة من المسلمين ليكون لقوله الباطل موقع وقبول عند الجهلة الأغبياء.
ومراده بغبار الزيف الذي يحث المسلمين على نفضه عن دينهم وعقائدهم وكذلك مراده بالحديث الباطل إلى آخر كلامه ما جمعه من صحيح البخاري وزعم كذبا وزورا أنها أحاديث إسرائيلية دخيلة على صحيح البخاري. وما ذكره قبل ذلك في الجزء الأول من الأحاديث الصحيحة وعارضه وحث على رفضه واطراحه.
وسيأتي الكلام على ما لا يقتضيه عقله الناقص وما زعم كذبا وزورا أنه من القصص الخيالي والتشريع المبتدع في موضعه إن شاء الله تعالى.
والواقع في الحقيقة أن المؤلف الجاهل نفض عن دينه وعقيدته جملة كثيرة من الأحاديث الصحيحة وحث الناس على نفضها وأظهر ذلك في قالب النصيحة والإصلاح فأشبه الذي كاد الأبوين وغرهما وقال الله تعالى فيه (وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين) وأشبه الذي قال لقومه (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) وأشبه الذين قال الله فيهم (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون. ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون. وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون).
فصل
وقال المؤلف في صفحة (4) ما نصه
خامسا القضاء على منازعة الحديث الباطل للقرآن الكريم وإبعاد كتب التحصيل والتخريج الفني التي تحمل كلاما يخالف المفاهيم القرآنية وحذفها من مستوى المعادلة لكتاب الله قبل أن يتقادم الزمن فتنزل هذه الكتب من القرآن منازل النسخ العديدة لأي كتاب من كتب السماء السابقة والتي أقرها تقادم الزمن فتبوأت منازل التقديس، مع ما بينها وبين الأصول المنزلة من خلاف في الحكم والمعنى مثل ما حدث للتوراة الأصلية وما تعدد بعدها من نسخ طفيلية تختلف معها في النص والمعنى.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال ليس في صحيح البخاري ولا في غيره من الصحاح حديث باطل وليس فيها حديث ينازع القرآن وليس فيها ما يخالف مفهوم القرآن كما زعم ذلك المؤلف كذبا وزوراً. فالحث على إبعاد كتب التحصيل والتخريج التي هي الصحاح والسنن والمسانيد لا يدعو إليه أحد يؤمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
الوجه الثاني أن الله تعالى تكفل بحفظ القرآن فقال تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) فلا يتطرق إلى القرآن تحريف ولا تغيير ولا زيادة ولا نقصان ولا معادلة من شيء من الكتب. وقد مضى بعد نزول القرآن قريب من أربعة عشر قرنا ولا يزال القرآن غضا طريا مصونا محفوظا بحفظ الله له. ولا يزال كذلك ما دام في الأرض إلى أن يسرى عليه في آخر الزمان ويرفع إلى السماء كما جاء ذلك في أحاديث صحيحة. فمن ظن أن شيئا من كتب السنة ينازع القرآن أو يعادله أو ينزل منه مع طول الزمان منزلة النسخ العديدة للكتب المتقدمة فقد ظن بالله ظن السوء ولم يؤمن بقوله (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وقد رام بعض أعداء الله إدخال التغيير على القرآن فأبطل الله كيدهم وصان كتابه من أعمالهم السيئة.
الوجه الثالث أن النبي صلى الله عليه وسلم حث أمته على التمسك بسنته وأمرهم بتبليغ أحاديثه ودعا لمن بلغها بالرحمة والنضارة، وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة. منها ما رواه الإِمام أحمد وأهل السنن من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإِن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وصححه ابن حبان والحاكم وقال ليس له علة ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ومنها ما رواه مالك في الموطأ بلاغا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله» وقد رواه الحاكم في مستدركه موصولا من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وصححه وأقره الذهبي.
ومنها ما رواه الحاكم أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض» .
ومنها ما رواه الإِمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «نضر الله امرءاً سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه فربّ مبلغ أحفظ له من سامع» هذا لفظ أحمد وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ورواه ابن حبان في صحيحه ولفظه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول «رحم الله من سمع منا حديثا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع» .
قال ابن الأثير في جامع الأصول «نضر الله امرءاً» دعاء له بالنضارة وهي النعمة والبهجة انتهى.
ومنها ما رواه الإِمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وابن حبان في صحيحه عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «نضر الله امرءاً سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه» قال الترمذي هذا حديث حسن. قال وفي الباب عن عبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وجبير بن مطعم وأبي الدرداء وأنس رضي الله عنهم.
قلت قد روى ابن ماجه حديثي جبير بن مطعم وأنس رضي الله عنهما. وفي الباب أيضا عن أبي سعيد الخدري وعبيد بن عمير والنعمان بن بشير وأبيه وأبي قرصافة وجابر وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم.
وإذا علم ما ذكرنا من الأحاديث التي يصدق بعضها بعضا فلا يخفى ما في الحث على إبعاد كتب التحصيل والتخريج من المعارضة لما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم من التمسك بسنته وتبليغ أحاديثه. وما عارض أمر النبي صلى الله عليه وسلم فهو مردود على قائله كائنا من كان.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (4) ما نصه
سادسا إدراك العواقب المترتبة على ترك الأحاديث المخالفة للقرآن الكريم دون تجريح وإظهار لعيوبها حتى لا تزداد عقائد الناس انحرافا عن عقيدة نبيهم بسبب تركها بغير كشف يفصل بين الحديث الصحيح الذي يستند إلى القرآن وبين الحديث الخرافي
الذي نسجه الخيال الإسرائيلي وردده المسلمون بحسن قصد.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال أن الأحاديث التي أشار إليها المؤلف وجمعها من صحيح البخاري كلها أحاديث صحيحة ولا مطعن فيها بوجه من الوجوه وليس فيها ما يخالف القرآن وليس فيها شيء من الخرافات وما نسجه الخيال الإسرائيلي. ولكن المؤلف كان زائغ القلب فاسد التصور فلهذا تخيل في الأحاديث الصحيحة ما تخيل ورام تجريحها وإلصاق العيوب بها كذبا وزورا. وقد قال الله تعالى (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون) وهذه الآية الكريمة مطابقة لحال المؤلف غاية المطابقة. وكذلك قوله تعالى (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين).
الوجه الثاني ظاهر كلام المؤلف أن عقائد الناس قد انحرفت عن عقيدة نبيهم بسبب قبولهم لما في صحيح البخاري وغيره من الأحاديث الصحيحة التي تخالف رأيه الفاسد وعقله الناقص فهو لذلك يهاجمها بالتجريح وإلصاق العيوب بها حتى لا تزداد عقائد الناس انحرافا عن عقيدة نبيهم على حد زعمه الكاذب فهو يزعم لنفسه أنه مصلح لما فسد من عقائد الناس. والأمر في الحقيقة والواقع بعكس ما يقول فإِنه فاسد العقيدة ومفسد لعقائد الذين يقبلون كلامه الباطل في تجريح الأحاديث الصحيحة. وإنه لينطبق على المؤلف قول الله تعالى (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون).
الوجه الثالث أن يقال إن المسلمين في العقائد على قسمين. القسم الأول أهل السنة والجماعة والقسم الثاني أهل البدعة والضلالة، فأما أهل السنة والجماعة فإِنهم لم يزالوا على عقيدة نبيهم صلى الله عليه وسلم وعقيدة أصحابه والتابعين لهم بإِحسان، وأما أهل البدعة والضلالة فهم الذين انحرفت عقائدهم عن عقيدة نبيهم وأصحابه وهم متفاوتون في الانحراف فمستقل منه ومستكثر، وقد ذكر الله القسمين في قوله تعالى (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب) ومن هاجم الأحاديث الصحيحة ورام تجريحها وإلصاق العيوب بها فهو من الزائغين بلا شك قال الله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر
بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما).
الوجه الرابع أن المؤلف الجاهل رمى المسلمين بالغباوة والتغفيل كما رمى الأحاديث الصحيحة بأنها أحاديث خرافة نسجها الخيال الإِسرائيلي ورددها المسلمون بحسن قصد. والجواب أن يقال (سبحانك هذا بهتان عظيم)(كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا) والمؤلف وأشباهه من الزائغين أولى بوصف الغباوة والتغفيل لأنهم انخدعوا للشيطان وصاروا من حزبه ودعاته.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (4) ما نصه
سابعا الاستكشاف الفعلي لانحراف عقائد من سبقونا من أمم الدراويش وجماعات التنسك الشكلي وأصحاب الدعاوي بخروج بشريتهم أو بشرية شيوخهم على سنن الله في خلقه ادعاءاً للكرامات المصطنعة وزعما للمعجزات الخيالية التي ملأت المدونات الصفراء وليس لهم فيها من سند ولا أصل إلا أحاديث الخيال المفتراة على رسول الله (ص) تلك التي استقرت في كتب الأحاديث المعتمدة لدى المسلمين بحسن القصد من الناشرين والمستطلعين.
والجواب أن يقال هذه الجملة في أول كتاب المؤلف الجاهل كافية في بيان عداوته للرسول صلى الله عليه وسلم وللسلف الصالح من الصحابة والتابعين وأئمة العلم والهدى من بعدهم، وبيان ذلك من وجوه.
أحدها زعمه أن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم خيالية وأن كراماته وكرامات غيره من أنبياء الله وأوليائه مصطنعة. وهذا قول أعداء الله تعالى من الإفرنج وغيرهم من أمم الكفر والضلال. وقد تلقاه هذا الجاهل وأشباهه من زنادقة العصريين بالقبول والرضا. وهذا القدر كاف في الحكم بردة المؤلف وخروجه من الإِسلام.
وقد أجمع العلماء على تكفير من عبث في جهة النبي صلى الله عليه وسلم بسخف من الكلام وهجر ومنكر من القول وزور. وأجمعوا على تكفير من استخف بالرسول صلى الله عليه وسلم أو استهزأ به أو بشيء من أفعاله أو نسب إليه ما لا يليق