الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بمجرد النية، بل بلفظ
(1)
تضمن التزامه ذلك، ونوى أنه لله، وحَلَفَ عليه باسم الله.
فإنَّ قولَه: إِنْ شَفَى الله مريضي فوالله لأفعلنَّ كذا = تضمن التزام هذا الفعل؛ فإذا قَصَدَ أَنْ يلتزمه لله فهذا هو النذر كما دَلَّ عليه القرآن.
وأَمَّا إِنْ قَصَدَ مجرد حَضَّ نفسه على الفعل من غير أَنْ يقصد التزامه لله بل قصد حض نفسه ومنعها فقط؛ كرجل قصد الحج فطلب منه أهله ألا يحج فحلف لَيَحُجَّنَّ؛ فهذا لم يقصد باليمين أن يلتزم لله، بل قصد توكيد عزمه عليه لما نهاه الناهون.
وكلام المجيب تضمن القسم الأول، فإنه قال:(وكذلك إِنْ كانت صيغته صيغة القسم ومقصوده اليمين أجزأته الكفارة، وإِنْ كان مقصوده النذر لزمه الوفاء، لقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} [التوبة: 75]).
وعلى هذا؛ ف
إذا حلف على أفعال بر ليفعلنها فقد نذرها
، يدخل فيه ما إذا حلف [141/ أ] ليفعلنها لله متقربًا بها إليه فيكون قد نذرها لله ووكَّد نذره بالقسم، كما إذا قال: إِنْ سَلَّمَ الله مالي تصدقت، أو والله إِنْ سَلَّمَ الله مالي لأتصدقنَّ.
ولو قال: إِنْ سَلَّمَ الله مالي فعليَّ صدقة، وإِنْ كلمت فلانًا أو زَوَّجْتُ فلانًا ونحو ذلك فعليَّ صدقة؛ فهذا حالف لا ناذر.
وإِنْ قال: والله لأتصدقنَّ؛ يقصد حَضَّ نفسه على الفعل فقط لا يقصد أن يلتزم ذلك لله؛ فهذا ــ أيضًا ــ حالفٌ.
(1)
في الأصل: (لفظ)، ولعل الصواب ما أثبتُّ.
فصلٌ
قال المعترض:
(قال ــ يعني: المجيب ــ:
الوجه الخامس: أَنَّ أحمد ــ رحمة الله عليه ــ في إحدى الروايتين عنه يقول فيمن قال: إن فعلت كذا فامرأتي طالق أو عبدي حر ثم فعله ناسيًا: لا يقع به طلاق ولا عتاق
(1)
، كقول المكيين والشافعي في أظهر قوليه، وهذا يقتضي أَنَّ هذا يمين لا تعليق محض، لأنه لو كان تعليقًا محضًا لوجد بوجود الصفة سواء كان ناسيًا أو لم يكن، فلمَّا لم يحنثه في إحدى الروايتين دَلَّ على أنه جعله حالفًا بذلك لا معلقًا له، وإذا كان حالفًا فالحنث لا يوجب وقوع المعلق به وإنما يوجب التكفير كسائر صور الأيمان.
وقوله في الرواية التي فَرَّقَ فيها بين الطلاق والعتاق واليمين المكفَّرة؛ مأخذه: أَنَّ العتق والطلاق فيه حَقٌّ لآدمي فلا ترتفع بالكفارة بخلاف الأيمان بغير ذلك؛ وهذا الفرق ضعيف، فإنه لو قال: فعليَّ أَنْ أُعْتِق أو أُطَلِّق أو فمالي صدقة ونحو ذلك أجزأته الكفارة، ولم يحنث مع النسيان، مع أَنَّ هذا مبسوطٌ في موضعه.
والمقصود هنا: أَنَّ هذا القول يُخَرَّجُ
(2)
على أصول أحمد من وجوه متعددة.
(1)
انظر: الجامع لعلوم الإمام أحمد (12/ 548).
(2)
في الأصل: (يجزئه)، والتصويب من «التحقيق» ، وسيأتي على الصواب.
قلت
(1)
: استنبط من كلام إمامه في إحدى الروايتين عنه أَنَّ هذا يمين لا تعليق محض؛ وذلك ليس محل النزاع.
ثم قال: فلما لم يحنثه في إحدى الروايتين دَلَّ على أنه جعله حالفًا بذلك لا معلقًا له.
قلنا: لا مُعَلِّقًا له محضًا أو لا معلقًا له مطلقًا؟ الأول: مُسَلَّم ولا يفيدك، والثاني: ممنوع.
قوله: وإذا كان حالفًا فالحنث لا يوجب [141/ ب] وقوع المعلق به.
قلنا: متى؟ في الحلف المحض أو في الحلف الذي في ضمن التعليق؟ الأول: مُسَلَّم وليس محل النزاع، والثاني: ممنوع.
قوله: وإنما يوجب التكفير كسائر صور الأيمان.
قلنا: ما الجامع؟ فإنَّ الأيمان بالله ــ تعالى ــ وصفاته مَدركُ وجوب الكفارة فيها انتهاك الاسم المعظم وأنه غير موجود ههنا، وفي نذر اللجاج والغضب التزم شيئًا أوجبه على نفسه فأشبه اليمين بالله ــ تعالى ــ، وههنا ليس كذلك كما أشرنا إليه فيما تقدم، وسنزيده بيانًا ــ إن شاء الله ــ)
(2)
.
والجواب: قوله: (استنبط من كلام الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه أَنَّ هذا يمين لا تعليق محض، وذلك ليس محل النزاع).
فيقال: بل أصل محل النزاع أَنَّ الطلاق والعتاق المعلق الذي يقصد به
(1)
القائل هو: السبكي.
(2)
«التحقيق» (42/ ب).
اليمين هو من الأيمان حكمه حكم الأيمان، أم هو من باب الطلاق والعتاق المعلق على شرط؟
وأحمد ــ رحمة الله عليه ــ قد اختلف كلامه في ذلك كما اختلف كلام غيره، واختلف في ذلك السلف والخلف، لكن الثابت المشهور عن الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ أَنَّ هذا التعليق من باب الأيمان حكمه حكم الأيمان المكفَّرة، والمجيب لم يقصد تسمية هذا أيمانًا، فإنَّ هذا قد سلمه من ينازع في حكم هذه اليمين، بل قصده أَنَّ أحمد في إحدى الروايتين جعل حكمه حكم الأيمان لا حكم التعليقات التي ليست أيمانًا؛ فإنه لما فَرَّقَ بين أن يفعل المحلوف عليه ناسيًا أو جاهلًا وبين أن يفعل عمدًا = كان هذا [هو]
(1)
الفرق، لأنَّ الحض والمنع في الأيمان كالطاعة والمعصية في الأمر والنهي لا يكون عاصيًا إذا فعل المحلوف عليه ناسيًا = فكذلك لا يكون حانثًا، فلو كان تعليق الأيمان كالتعليق المحض لم يصح هذا، وإنما يصح إذا كان معنى اليمين معتبرًا في التعليق.
لكن لقائل أَنْ يقول: المعتبر هنا أنه قصد الحض والمنع ولم تحصل المخالفة عمدًا، وهذا أمر مشترك بين اليمين والوعيد وسائر صور الأمر والنهي، فلو قال: إن فعلتَ كذا فعلتُ بك وصنعتُ؛ لم يكن هذا يمينًا، ومع [142/ أ] هذا إذا فعله ناسيًا لم يستحق الوعيد.
وإذا كان المؤثِّر هنا هو أمرًا أعم من كونه يمينًا وهو الحض والمنع ــ وهو الذي يظنه المعترض معنى اليمين ــ لم يكن في هذا ما يدل على أَنَّ أحمد اعتبر في ذلك خصوص اليمين، وهو التزامٌ يكره لزومه له، لكن هذا
(1)
زيادة يقتضيها السياق.
يقتضي أَنَّ أحمد فَرَّقَ بين التعليق الذي فيه معنى الحض والمنع وما ليس كذلك، فجعل النسيان مؤثرًا في الأول دون الثاني، وليس في هذا أنه إذا فعل المحلوف عليه عمدًا لا [يلزمه به]
(1)
، فإنما فيه أنه عَذَرَهُ عند النسيان ولم يعذره عند العمد، ثم إذا لم يعذره فقد يجعل التعليق من جنس التعليق الذي يقصد به الحض والمنع مع قصده الوقوع عند وجود الشرط، وهذا ليس بيمين مكفرة عند أحد من العلماء، وإنْ ظَنَّ هذا المعترض ونحوه أنه مما يقول المجيب فيه بالكفارة = فهذا غلط كما تقدم غير مرة.
فهذا القسم يعذر أحمد فيه بالنسيان والجهل على إحدى الروايتين، وليست يمينًا مكفرة عند المجيب = فعلم أَنَّ عذر الناسي والجاهل لكونه ممنوعًا ومحضوضًا لا لكون ذلك من باب الأيمان المكفرة، فلو ذكر المعترض مثل هذا الكلام لكان فيه منع التخريج من هذا الوجه على أصل أحمد، لكنه لا يمكنه ذكر ذلك، فإنه لا يفرق في التعليق الذي يقصد به الحض والمنع بين من يقصد وقوع الجزاء وبين [من يكره]
(2)
وقوع الجزاء، بل يظن الجميع من الأيمان التي نازع فيها المجيب.
ومع هذا؛ فقد يقال: أحمد لما راعى قصد المعلق في الشرط فينبغي ــ أيضًا ــ أَنْ يُرَاعِيَ قصده في الجزاء؛ فإذا كان قَصْدُهُ الحض والمنع جعله كالآمر الناهي يعذر المنهي إذا خالفه ناسيًا، فكذلك في الجزاء إذا قصد إيقاع الجزاء كان موقعًا وإن كان كارهًا لإيقاع الجزاء كان حالفًا، فأصوله ونصوصه تقتضي أنه يعتبر المقاصد والنيات في جميع العقود، ويكون بهذا
(1)
ما بين المعقوفتين غير واضحة تحتمل ما أثبتُّ.
(2)
في الأصل: (ذكره)، والصواب ما أثبتُّ.
المعلق إذا كان إنما قصد اليمين وهو كارهٌ لوقوع الجزاء، فهو من الحالفين حكمه حكم الحالفين ليس من الموقعين، وعلى هذا الوجه فيتم التخريج [142/ ب] على أصول أحمد رحمه الله ونصوصه من هذا الوجه ــ أيضًا ــ.
فصلٌ
قال: (قال المجيب: فلمَّا لم يحنثه في إحدى الروايتين دَلَّ على أنه جعله حالفًا بذلك لا معلقًا له).
قال المعترض: قلنا: لا معلقًا له محضًا ولا معلقًا له مطلقًا؛ الأول مُسَلَّم ولا يفيدك، والثاني ممنوع).
فيقال: بل المراد هو المسَلَّم، وهو أنه ليس تعليقًا محضًا بل تعليقًا فيه معنى الحض والمنع، وهذا حالف إذا كان كارهًا لوقوع الصفة عند المخالفة، وإلا فهو معلقٌ حاضٌّ مانعٌ وليس بحالف يمينًا مكفرة.
قال: (قوله: وإذا كان حالفًا فالحنث لا يوجب وقوع المعلق به
(1)
. قلنا: متى؟ في الحلف المحض أو في الحلف الذي في ضمن التعليق؛ الأول مُسَلَّم وليس محل النزاع، والثاني ممنوع).
قلنا: بل في كل حالف؛ سواء كان حالفًا بصيغة التعليق أو صيغة القسم، كما أَنَّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلوا التعليق الذي يقصد به اليمين يمينًا مكفرة، وكذلك جمهور التابعين، ولأنَّ الصحابة والتابعون جميعهم سَمَّوا هذا التعليق يمينًا، ولم يسموا ما يقصد به الإيقاع يمينًا، فيدخل في قوله
(1)
في الأصل: (المحلوف)، وفي «التحقيق» ما أثبتُّ، وقد تقدم على الصواب في (ص 523).
تعالى: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: 89]، ولأنه في معنى النذر.
= سَلَّمَ الجمهور الفرق بين التعليق الذي يقصد به اليمين فجعلوا فيه الكفارة، والتعليق الذي يقصد به لزوم المنذور فلم يُجَوِّزوا تكفيره، بل جعلوا المعلَّق فيه لازمًا، وهذا المعنى موجود في تعليق الطلاق والعتاق، فَإِنْ قَصَدَ به اليمين كانت فيه الكفارة وإن قصد به وقوع المعلق لم يكن فيه كفارة، ولأنَّ المعنى الذي جُعِلَ لأجله هذا يمينًا مكفرة موجود في هذا، وهو أنه التزم عند المخالفة ما يكره لزومه له، بخلاف من يقصد الإيقاع فإنه لم يلتزم عند المخالفة ما يكره لزومه، بل ما يريد لزومه كتعليق الإيقاع وتعليق الوعيد، ولأنَّ القرآن والسنة إنما عَلَّقا
(1)
التكفير بمسمى حلف المؤمنين وأيمانهم، وهذا المعنى موجود في أي صورة [143/ أ] كانت.
وأيضًا؛ فالمنازع لا يخص الكلام بصورة التعليق، بل لو حلف عنده بصيغة القسم، فقال: الطلاق يلزمني لأفعلنَّ كذا، أو امرأتي طالق لأفعلنَّ كذا؛ فهذا صيغة قسم تُلُقِّيَ
(2)
الجواب فيه بلام القسم، ومع هذا لا يجعله يمينًا مكفرة.
فإنْ قال: هذا معنى كلامه معنى كلام المعلق، وإن كانت صفته صفة القسم؛ فألحقته بالمعلق.
قيل له: عكست الشريعة؛ فإنَّ الواجب أَنْ تجعل المنصوص أصلًا
(1)
في الأصل: (عَلَّقَ)، ولعل الصواب ما أثبتُّ.
(2)
في الأصل: تلقا.
وتلحق به غير المنصوص، والنص ورد في أيمان المسلمين، فالواجب أَن تثبت الحكم في جميع أيمان المسلمين، والصيغة التي يظن أنها ليست صيغة يمين إذا كان معناها معنى اليمين ألحقتها
(1)
بها، وأنتَ جعلتَ صيغةَ التعليق هي الأصل وألحقت بها صيغة القسم.
وصيغة التعليق لم يعلِّق الله بها ولا رسوله صلى الله عليه وسلم حكمًا من الأحكام، لا نفيًا ولا إثباتًا، بل يُرَدُّ إلى معناها؛ فإن كان معناها نذرًا فهي نذر، وإن كان جعالة فهي جعالة، وإن كان وكالة فهي وكالة، وإن كان عتقًا أو طلاقًا فهي عتق أو طلاق، وإن كان خلعًا فهي خلع
(2)
.
فقولنا: صيغة تعليق مثل قولنا صيغة خبر وأمر، وجملة شرطية وسلبية وثبوتية ونحو ذلك؛ هو: اسم لصورة اللفظ المتضمن تعليق الثاني بالأول، وهذا المعنى ليس وصفًا مؤثرًا في الأحكام الشرعية، ولا عَلَّقَ الشارع بذلك حكمًا من الأحكام، بل تختلف أحكامه بحسب تنوع أقسامه ومعانيه.
ولهذا؛ لَمَّا كان تعليق النذر تارة نذرًا وتارة يمينًا جعل النذر نذرًا واليمين يمينًا؛ كذلك تعليق الطلاق إذا كان تارة يمينًا وتارة تطليقًا، فاليمين يمين والطلاق طلاق = فتبين صحة قول المجيب.
وإذا كان حالفًا؛ فالحنث لا يوجب وقوع المحلوف به، وإنما يوجب التكفير كسائر صور الأيمان.
(1)
في الأصل: (ألحقتا).
(2)
مجموع الفتاوى (35/ 246 وما بعدها)، الفتاوى الكبرى (4/ 112 وما بعدها)، القواعد الكلية (ص 451 وما بعدها).
وانظر: (ص 97 وما بعدها، 951).
قول المعترض: (متى لا يوجب الحنث وقوع المحلوف به في الحلف المحض أو في الحلف الذي في ضمن التعليق؟).
يقال له: ليس معك في كتاب ولا [143/ ب] سنة ولا إجماع ولا قياس أَنَّ الحانث يلزمه طلاق ولا عتاق، بل النصوص كلها تدل على أَنَّ الحالف الحانث إنما عليه التكفير، وتفريقك بين حانث وحانث بمجرد حكاية مذهب وقولك: إنَّ هذا ممنوع = لا فائدة لك فيه، فإنه قد علم أنك تمنعه، لكن الشأن في أن تجيب عن أدلة المستدل أو تقيم
(1)
دليلًا على هذا الفرق إما مُعَارِضًا به وإما مبتدئًا به، وكلا الأمرين منتفٍ، فلا ينفعك مجرد المنع مع قيام حجة المنازع من الكتاب والسنة والاعتبار على أن التكفير بالحنث في أيمان المسلمين. قال تعالى:{ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: 89]، وقال تعالى:{قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2]، فجعل التَّحِلَّة لمسمى أيمان المسلمين؛ فَعُلِمَ أَنَّ المعنى [المؤثر في تحلة
(2)
اليمين]
(3)
كونها يمينًا من أيمان المسلمين.
وكذلك قوله تعالى: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} يقتضي أَنَّ هذا كفارة لما هو من أيمان المسلمين، فالمؤثر في جواز الكفارة = كون العقد يمينًا من أيمان المسلمين، والكفارة في اليمين له أن يكفر قبل الحنث وبعده، ولهذا سماه الله تحلة، وتحليلها قبل الحنث أوكد، لكن إنما يجب إذا حنث.
(1)
غير واضحة في الأصل، ولعل ما أثبتُّ هو الصواب.
(2)
وتحتمل: (تحليل).
(3)
هكذا قرأتها.
ولا تحتاج الآية إلى إضمار كما يقوله بعضهم
(1)
: إذا حلفتم فحنثتم، فإنه لم يوجب الكفارة لمجرد اليمين، بل بَيَّنَ أن هذا كفارة اليمين المحلوف بها، وهي كفارة لها سواء كَفَّرَ أو لم يكفر، لكن إِنْ كَفَّر انحلت يمينه وإلا فهي معقودة.
والمكفِّر إنما يكفر يمينه، فيزيل بالكفارة ما كانت اليمين سببًا له من الإثم الذي أوجبه عقدها إذا حنث، والحنث شرط في وجوب الكفارة، كما أَنَّ العَوْدَ شرطٌ في استقرار كفارة الظهار.
وقول المجيب: إنما يوجب الحنثُ التكفيرَ كسائر صور الأيمان؛ لم يذكره لمجرد القياس، بل لأن نصوص الكتاب والسنة بينت أَنَّ الحنث في الأيمان إنما يوجب التكفير في جميع صور أيمان المسلمين، لم تفرق النصوص بين يمين ويمين، ولا بين صيغة وصيغة إذا كانت الأيمان من أيمان المسلمين المعقودة [144/ أ] المحترمة، وهي ما يقصد بها تعظيم الله بعقدها به أو له، دون ما يقصد بها تعظيم المخلوق بأن يعقد به أو له، فإنه يمين غير محترمة ولا كفارة في الحنث فيها؛ فصارت هذه الأيمان داخلة في نصوص الكتاب والسنة لفظًا ومعنى.
وأيضًا؛ فلو ذكر ذلك قياسًا، فالجامع بينهما هو الجامع بين نذر اليمين وبين الحلف باسم الله، وهو أنه هَتَكَ حرمة أيمانه بالله بالحنث حيث عقد لله أو بالله عقدًا ولم يوف به، وهذا المعنى هو المؤثر في الشرع بدليل ثابت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«كفارة النذر كفارة يمين» رواه مسلم
(2)
،
(1)
هو أبو ثور؛ كما تقدم في (ص 7).
(2)
تقدم في (ص 92).
وقال عقبة بن عامر ــ راوي الحديث ــ: النذر حَلْفَةٌ
(1)
.
وحينئذٍ؛ فقوله: «كفارة النذر كفارة يمين» إما أَنْ يراد به أن النذر نوع من اليمين؛ فيكون لفظ اليمين المكفَّرة يتناول الالتزام لله والالتزام بالله، وإما أن يراد به أن النذر كاليمين في أنه كفارته كفارة اليمين بالله = فهذا دليل على أَنَّ المعنى المشترك بين اليمين والنذر هو الموجب للكفارة؛ فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم جَعَلَ النذر كاليمين في ذلك، فلو لم يكن المشترك هو الموجب للكفارة لكان الموجب ما يختص باليمين، ولو كان الموجب مختصًا باليمين لم تكن كفارة النذر كفارة اليمين؛ فَعُلِمَ أَنَّ الموجب يشترك بينهما.
وحينئذٍ؛ فقول القائل: فحروف القسم مختصة بالقسم، فلا يجوز أن يكون شرطًا في التكفير، بل المؤثر في التكفير معنى يشترك فيه النذر واليمين؛ وحينئذٍ فما يذكره المعترض وغيره من خصائص اليمين المكفرة عندهم هي منتفية في النذر؛ فعلم أنها عديمة التأثير، وأنها ليست شرطًا في التكفير، بل المقتضي له أعم منها.
ومعلوم أَنَّ النذر يكون بصيغة التعليق بالنص والإجماع؛ فعلم أَنَّ كون الصيغة تعليقًا لا يمنع من كونه مكفرًا كفارة اليمين إذا وجد فيه المعنى المشترك بين النذر واليمين، ومن المعلوم أنهما يشتركان في المعنى المشترك بين العقد لله وبالله، [144/ ب] وإن شئت قلت: في التزام العقد لله أو بالله، فيكون العقد إما لله وإما بالله لا بُدَّ أَنْ يوجد في النذر واليمين.
وأما قول المعترض: (فإنَّ الأيمان بالله وصفاته مَدْرَكُ وجوب الكفارةِ
(1)
تقدم في (ص 118).
انتهاكُ الاسم المعظَّم، وأنه غير موجود هاهنا).
فيقال: هذه دعوى مجردة، لم يذكر عليها حجة أصلًا، لا بينة ولا شبهة، ويكفي في ذلك المنع؛ فيقال: لا نسلِّم أنَّ هذا مدرك وجوب الكفارة.
ثم نقول: من المعلوم أَنَّ جمهور العلماء، بل جميعهم على خلاف ذلك، وأَنَّ الكفارة تجب بدون انتهاك الاسم المعظم.
أما مالك وأبو حنيفة وأحمد في منصوصه وظاهر مذهبه؛ فإن اليمين بالله تنعقد عندهم بالكنايات، فلو قال: أُقسم أو أَحلف ولم يذكر اسم الله البتة كانت يمينًا عند الثلاثة وأكثر العلماء، لكن عند مالك وأحمد في إحدى الروايتين هي كناية فلا بُدَّ أن ينوي اليمين، وعند أبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى هي يمين عند الإطلاق، فهي صريح في اليمين.
ولو قال: إِنْ فعلت كذا فعليَّ نذر أو يمين وحنث وجبت الكفارة أيضًا.
ولو قال: عليَّ نذر لزمته كفارة يمين أو أكثر منها عند عامة السلف والخلف، وذكر بعضهم هذا إجماعًا، وفي [
…
]
(1)
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من نذر نذرًا ولم يُسَمِّهِ، فكفارته كفارة يمين»
(2)
وإنما نازع في هذا الشافعي.
ثم الشافعي رضي الله عنه يوجب كفارة اليمين من غير انتهاكٍ لاسم الله
(1)
بياض في الأصل مقدار كلمة أو كلمتين، ولعله اسم أحد كتب السنة التي روت الحديث.
(2)
تقدم تخريجه في (ص 362 - 363).
ــ تعالى ــ كما يوجبها في نذر اللجاج والغضب، وكما يوجبها في تحريم أمته، وكما ذكر أصحابه ــ رحمة الله عليهم ــ إيجابها فيما إذا قال: إِنْ فعلت كذا فعليَّ أَنْ أُطَلِّق امرأتي، وفيما إذا قصد بالنذر اليمين فقال: عليَّ أَنْ أشرب أو أقتل فلانًا = فذكر الخراسانيون أَنَّ عليه كفارة يمين، فهو الذي اشترط من بين الأئمة أَنْ تكون اليمين المكفَّرة بصريح اسم الله، وجعل العلة انتهاك حرمة الاسم [145/ أ] المعظَّم، ومع هذا فجعل هذا الوصف عديم التأثير، فأوجب الكفارة ــ كفارة اليمين ــ في غير موضع بدون هذا.
= فتبيَّن أَنَّ جَعْلَ كفارة اليمين مختصةً بهذا خلافُ إجماعِ الأئمة، بل خلاف إجماع الأمة، وهو خلاف نص الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه قال:«كفارة النذر كفارة يمين»
(1)
فأوجب فيه كفارة يمين وإن لم يذكر هناك اسمٌ معظَّمٌ.
وأيضًا؛ فنحن نُسَلِّم أنه إذا انتهك حرمة الاسم المعظَّم بالحنث كان عليه كفارة يمين؛ لكن لخصوص انتهاك حرمة الاسم، أو لِمَا في ذلك من انتهاك حرمة المسمى؟
ومعلوم أَنَّ الاسم إنما صار له حرمة لحرمة المسمى سبحانه، فإنَّ هذا هو المقصود الأصلي، وانتهاك حرمة الاسم تابعة له
(2)
.
ولهذا كان الذي أفتى به الصحابة رضي الله عنهم وهو قول الأكثرين أنه إذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فأنا يهودي أو نصراني وحنث= أنه يلزمه الكفارة، لأنه لما التزم الكفر عند الحنث ــ وفي الكفر من انتهاك حرمة الإيمان بالله أعظم
(1)
تقدم تخريجه في (ص 92)، وهو في صحيح مسلم.
(2)
قاعدة العقود (1/ 181 - 182)، زاد المعاد (5/ 316).