المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أحدهما: نذر التبرر - الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق - جـ ٢

[ابن تيمية]

الفصل: ‌أحدهما: نذر التبرر

الأول، وقد لا يكون مريدًا بل يكون كارهًا لذلك الفعل الثاني الذي حلف عليه، سواء وجد الفعل أو لم يوجد، لكن إذا كان يعتقد لزوم الجزاء كمن يعتقد أَنَّ نذرَ اليمين لازم، وكما قيل: إنهم كانوا يعتقدون في شرع من قبلنا وصدر الإسلام: أن اليمين تُوجب وتُحَرِّم؛ فهنا يعتقد أنه إذا فعل الأول لزمه الثاني، وَإِنْ كان كارهًا للزومه له، كما يلزمه وَإِنْ لم يكن كارهًا للزومه له.

والإنسان قد يقول لامرأته: إِنْ فعلتِ كذا فوالله لأطلقنَّك أو لأضربنَّك، وهو يريد طلاقها وضربها إذا عصته، وقد يقول ذلك وهو لا يريد لا تطليقها ولا ضربها وإن فعلت ذلك، بل حلف ليفعلنَّه إِنْ فعلت، مريدًا نهيها عن الأول، معتقدًا أنها لا تخالفه، ولو عَلِمَ أنها تخالفه لم يحلف إذا خالفته أَنْ يفعل هذا، وقد يكون مريدًا إذا خالفته أَنْ يفعل هذا الثاني؛ وإذا عُرِفَ هذا الفرق فيما إذا كان المعلق يمينًا= فكذلك إذا كان المعلق نذرًا أو طلاقًا.

[فهو إذا قال]

(1)

وتصير الأقسام المعلقة بصيغة النذر مع كونها نوعين:

‌أحدهما: نذر التبرر

؛ وهو ظاهر أَنْ يكون مقصودُهُ وجودَ الشرطِ، ووجودُ الجزاءِ عنده ضمنًا وتبعًا.

والثاني: نذر اليمين؛ فهذا على وجهين: فإنه تارة يكون يمينًا، وتارة يكون نذرًا، لكن نذرًا قَصَدَ به منع نفسه من الأول، فيكون في معنى اليمين ــ أيضًا ــ لكونه لم يَقصد لزومه له على تقدير الأول، فإنه إذا قال: لله عليَّ أَنْ أحج؛ قد يقصد حَضَّ نفسه فقط لغرضٍ له في الحج؛ إما مباحٍ كتجارة أو [269/ أ] غير مباح، وقد يقصد التقرب إلى الله ــ تعالى ــ بالحج المنذور؛

(1)

كذا في الأصل.

ص: 935

فهذا الثاني ناذر والأول حالف.

فإذا حلف بصيغة النذر فقال: إِنْ فعلتم بي كذا فلله عليَّ أَنْ أَحُجَّ وأفارقكم، أو فلله عليَّ أَنْ أَخْرُجَ من مالي وأصير فقيرًا، أو فلله عليَّ أَنْ أطلق بنتكم، أو فنذرٌ عليَّ أن أقتل فلانًا أو أطلق فلانة ونحو ذلك= فهنا إنما حَلَفَ يمينًا على تقدير الفعل، كما لو قال: إِنْ فعلتم فوالله لأفعلنَّ؛ وهنا سواء كان قصده وجود ما حلف عليه إذا وجد الشرط أو لم يكن مقصوده وجوده؛ على التقديرين هو حالف يكفر يمينه.

وأبو حنيفة يُسَلِّمُ أنه في مثل هذا عليه كفارة يمين مع قوله: (إن في نذر اللجاج والغضب الوفاء)؛ فإنَّ هذا لو لم يكن معلَّقًا عنده أجزأت فيه الكفارة، فإذا كان معلقًا كان أولى.

والثاني: أَنْ يُعَلِّقَ لله ما يلزم الوفاء به إذا نذره، لكن لم يقصد أَنْ يكون لازمًا له لا لله ولا لغير الله، كما لو حلف ليفعلنَّه وهو لا يريد أَنْ يفعله، فصار حالفًا بالله على ذلك؛ فهو فيما قبله لم يقصد عند وجود الفعل الأول إلا حَضَّ نفسه ومنعها من الفعل

(1)

الثاني، لم يقصد أَنْ يلتزم شيئًا لله.

فلا فَرْقَ بين قوله: إِنْ فعلتم فلله عليَّ أَنْ أُطَلِّقَهَا، وبين قوله: فوالله لأطلقنَّها؛ كلاهما لم يقصد أَنْ يلتزم شيئًا لله، وإنما يقصد أَنْ يَحُضَّ نفسه على الطلاق؛ وإذا كان هذا المعنى قَصْدُهُ فسواء قال: والله لأطلقنها، أو قال: لله عليَّ أَنْ أُطَلِّقَهَا

(2)

؛ فلهذا يقول هنا بإجزاء الكفارة أو لزومها مَنْ لا يقول

(1)

في الأصل زيادة: (على الفعل)، ولعلها زائدة.

(2)

في الأصل: (أطلقنها)، ولعل الصواب ما أثبتُّ.

ص: 936

به

(1)

، إذ كان قد التزم لله ما يلزم بالنذر على ذلك التقدير، مثل أَنْ يقول: إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ الحجُّ أو فمالي صدقة، فإنه هنا ليس قصده أَنْ يحضَّ نفسَهُ على الحج والصدقة على ذلك التقدير، بل قَصْدُهُ أَنْ يجعله واجبًا لله على ذلك التقدير، ولكن لم يقصد إيجابه لله، بل هو كاره لإيجابه ووجوبه، وَعَلَّقَهُ بالفعل الأول ليمنع الأول لامتناعه من التزام هذا الإيجاب، فلما التزم عند الشرط ما يكره لزومه له كان يمينًا بهذا الاعتبار، فلم يكن هذا المعلَّق يمينًا إلا مع الشرط، ولو تجرد لم يكن يمينًا، بل لم يكن إلا نذرًا محضًا بخلاف النوع [269/ ب] الأول، فإنَّ المعلَّق فيه لو انفرد عن الأول لكان يمينًا، فإذا اقترن به صار يمينًا معلقة على الحنث في الفعل؛ ولهذا فَرَّقَ الشافعي رضي الله عنه بين قوله: لله عليَّ نذر، وبين قوله: إِنْ فعلتُ فلله عليَّ نذر

(2)

.

وهذه المعاني من تدبرها تبين له الفروق الغامضة على كثير من الناس في هذا الموضع الذي اشتبه على كثير من الناس؛ فالناذر الذي يلزمه الوفاء إنما يكون ناذرًا بثلاثة شروط: أَنْ يقصد الالتزام، وَأَنْ يلتزم لله ــ تعالى ــ وَإِنْ لم يقل بلسانه لله، وَأَنْ يكون ما التزمه طاعة لله ــ تعالى ــ؛ فإذا لم يلتزم طاعةً لله ــ سبحانه ــ لم يلزمه سواء كان منهيًا عنه أو مباحًا، وفي لزوم الكفارة نزاع وتفصيل، وإِنْ كان طاعة ولم يقصد أَنْ يلتزمه ليتقرب به إلى الله، بل لأجل حَضِّ نفسه أو غيره أو منع نفسه أو غيره منه فهذا حالف

(3)

.

(1)

كذا في الأصل!

(2)

الأم (3/ 655).

(3)

قاعدة العقود (1/ 106، 206).

ص: 937

فإذا قال: والله إن استوفيت مالي لأحجنَّ العام ليتجر بمكة أو ليحج، ولكن ليس مقصوده أَنْ يوجب عليه لله شيئًا، بل قصده حَضُّ نفسه على الفعل؛ فهذا حالفٌ ــ أيضًا ــ تجزئه كفارة يمين.

وكذلك لو قصد هذا المعنى بقوله: إِنْ استوفيتُ مالي فلله عليَّ أَنْ أحج؛ ولم يلتزم هذا لله ــ سبحانه ــ شكرًا له على تخليصه منه وقصدًا للتقرب به إلى الله، بل قَصَدَ بذلك ما يقصده الحالف، وَإِنْ كان لم يقصد الالتزام البتة مع جعله لازمًا له ــ وهو نذر اللجاج والغضب ــ؛ فهذا أبعد عن أَنْ يكون قد التزم شيئًا لله، فإنه لم يقصد أَنْ يلزمه شيءٌ البتة، وإذا فَعَلَ ما نذره لم يفعله ليتقرب بفعله إلى الله ــ تعالى ــ، بل لكونه لزمه بغير قصد منه للزومه له.

فصلٌ

وقوله: (فهذه مدحضة يجب النظر فيها؛ والذي ظهر لي ما رَمزت إليه، ولكني قليل الهجوم على ما لم أسبق إليه)

(1)

.

فيقال له: لو استعملت ترك الهجوم على ما لم تسبق إليه في كثيرٍ مما ذكرته في هذا الاعتراض نقلًا وبحثًا= لم نحتج إلى بيانِ كثيرٍ من بيان غلطك نقلًا وبحثًا، [و]

(2)

لكان ذلك مغنيًا عن رَدِّ ما هجمتَ عليه من مخالفةِ العلماء قاطبة في تعليل آثار تلقوها بالقبول والتصديق لم يعللها أحد قبلك، وَمِنْ نَقْلِ أقوالٍ عن الصحابة والتابعين ــ رضوان الله عليهم ــ لم ينقلها عنهم

(1)

«التحقيق» (48/ أ).

(2)

إضافة يقتضيها السياق.

ص: 938

أحدٌ [270/ أ] قبلك، ومن تأويل ألفاظ صريحة عنهم بتأويلات قرمطية لم يَسبقك إليها أحد قبلك.

وَهَبْ أنك وافقت كثيرًا من أعيان العلماء في حكم مسألة، لكن أولئك لم يُذْكَر لهم من النقول والبحوث المخالفة لقولهم ما قيل لك، ثم تكلفوا من رَدِّ الحق وإبطاله ما تكلفته، ولكن مَثَلُكَ في ذلك مَثَلُ مَنْ ينصر طائفةً من أعيانِ العلماء المشهورين في مسألة خَفِيَ عليه فيها الأدلة الشرعية، كأحاديث صحيحة في المسألة لو بلغتهم لم يعدلوا عنها، فجاء المتعصبون لهم يتكلفون لهم من رَدِّ الحق بالباطل ما نَزَّهَ الله ــ تعالى ــ عنه أولئك الأئمة.

كمن يتكلف نَصْرَ قولِ أهل الكوفة في حِلِّ النبيذ المتنازع فيه، أو نَصْرَ قولِ بعضهم في إبطال الصلاة في الاستسقاء، أو كمن ظَنَّ أَنَّ الكسوف [لا]

(1)

تُصَلَّى بركوعين في كل ركعة، أو أَنَّ المدينة ليس لها حَرَمٌ، أو أن الوتر لا يجوز بركعة مفصولة ونحو ذلك، أو مَنْ ينصرُ بعض قول أهل المدينة في أَنَّ المفصَّل ليس فيه سجود تلاوة، أو أَنَّ الطيرَ ليس فيها شيء محرَّم، أو أَنَّ الحاجَّ لا يُلَبِّي إذا أفاض من عرفة إلى مزدلفة ولا من مزدلفة إلى منى، أو ينصر قول من يقول: المُحْرِمُ إذا مات فُعِلَ به ما يُفعل بالحلال، أو أَنَّ الصلاة على القبور لا تجوز، أو أَنْ ينصر قول بعض العلماء في وجوب قَسْمِ كل ما فتحه الأئمة، وفي وجوب تخميس الفيء، وفي وجوب قسمةِ الخُمُس على خمسة أسهم متساوية أو ثلاثة، أو أَنَّ التيمم لا يكون إلا بضربتين إلى المرفقين، أو أَنَّ القنوتَ في الفجر منسوخٌ أو أنه سنة راتبة، أو ينصر قول من يوجب الصوم في الشك في الغيم أو الصحو ونحو ذلك من

(1)

زيادة لا يستقيم نسبة هذا القول إلى الحنفية إلا بها. انظر: المبسوط (2/ 75).

ص: 939

الأقوال التي دلت الأدلة الشرعية فيها على قولٍ قال بعض العلماء خلافه، ولو ثبت عنده ما دلت

(1)

عليه النصوص الشرعية لم يعدل عنه، لكن كان معذورًا في عدوله عنه.

ثم مَنْ يتعصب لقوله إذا نَصَرَهُ وقد ظهرت الأدلة الشرعية بخلافه= احتاجَ أَنْ يتكلف له من رَدِّ الحق الظاهر والاحتجاج بالباطل ما يظهر معه أنه خارج بذلك عن طريقة أهل العلم المتقدمين والسلف [270/ ب] الماضين، وعما أوجبه الله ــ سبحانه وتعالى ــ على المسلمين حيث يقول تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59].

فصلٌ

وقوله: (ونَشَأَ مما قلته: أَنَّ النذر هاهنا يكون بمثابة اليمين المعلقة على [ذلك] الفعل)

(2)

كلامٌ من أجود ما قاله المعترض في هذا الباب، ولكن لا بُدَّ له من تمام، وهو شيئان:

أحدهما: أَنَّ هذا المعلِّق قَصَدَ الحض أو المنع من الفعل الأول بالتزام هذا النذر الذي جعله كاليمين، فصار كلامه متضمنًا يمينين في يمين، كما في مثل قول القائل: إِنْ صمتُ فوالله لأحجنَّ هذا العام.

الثاني: أَنَّ تعليق الالتزام هنا في قوله: إِنْ فعلتُ فعليَّ الحجُّ؛ لم يَقصد به أن يلزمه نذر لله، ولا قَصَدَ به حَضَّ نفسه ومنعها على هذا الحج، كما لو

(1)

في الأصل: (دلَّ)، ولعل الصواب ما أثبتُّ.

(2)

«التحقيق» (48/ أ)، وما بين المعقوفتين منه.

ص: 940

قال: والله لأحجنَّ، وإنما جعل الحج لازمًا له على ذلك التقدير مع كراهته للزومه له ليمتنع بلزومه عن الشرط، فصار حالفًا بالمجموع المركَّب لا بأحدهما، بخلاف قول القائل: إِنْ فعلتُ فوالله لأحجنَّ؛ فإنَّ هذه اليمين لو تجردت عن الشرط لكانت يمينًا في يمين، سواء قصد أن يحج إذا وجد الشرط، أو قصد ألا يحج ولكن حلف مع كراهته أن يحج، وأما هناك فلا يكون حالفًا إلا إذا كان الجزاء المعلَّق مكروهًا له عند وجود الشرط؛ إذ لم يعلق هناك ما يكون بمجرده يمينًا وإنما صار بالتعليق يمينًا، للتزامه

(1)

لله ما يكره لزومه له؛ فهو عند التعليق كارهٌ للزومه له، بخلاف من لا يكون عند عقد اليمين كارهًا لفعل المحلوف عليه.

فصلٌ

وأما قوله: (وينشأ عليه: أَنَّ التكفير قبل فوات الفعل بمنزلة التكفير قبل الحنث، ولكن لعله يترجح هنا ليعلم أنه قد خَلَصَ مما وجب عليه بالنذر، وَأَنَّ التكفير قبل دخول الدار ــ مَثَلًا ــ بمنزلةِ التكفير قبل انعقاد اليمين؛ فلا يصح، ولم أر في شيء من ذلك نقلًا؛ فهذا ما ظهر لي في ذلك، وهو خلافُ ما يَسبق إلى الفهم من كلامِ كثيرٍ من الأصحاب أَبْدَيْتُهُ لِيُنْظَرَ فيه)

(2)

.

فيقال: بل النقل في ذلك [271/ أ] موجود بخلاف ما قلته، ولستَ في ذلك مخالفًا لأصحاب الشافعي وحدهم، بل ولأصحاب أحمد وغيرهم من الصحابة والتابعين، وجمهور السلف والخلف الذين يقولون بإجزاء

(1)

في الأصل: (لالتزامه)، والصواب ما أثبتُّ.

(2)

«التحقيق» (48/ أ).

ص: 941

الكفارة، فإنهم أمروا بالتكفير بعد عَقْدِ هذه اليمين وقبل وجود الفعل الأول؛ كما تقدم قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمن قال لأخيه: إِنْ عُدْتَ تذكر القسمةَ لم أكلمك أبدًا، وكل مالي في رتاج الكعبة. فقال له عمر: كَفِّرْ عن يمينك، وَكَلِّم أخاك

(1)

. قال هذا له قبل أن يذكر ذاك القسمة، وقبل أَنْ يكلمه هذا.

وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما لما سُئِلَ عن امرأة أهدت ثوبها إِنْ لبسته. فقال: لتكفر عن يمينها، ولتلبس ثوبها

(2)

.

وكذلك ابن عمر وحفصة وزينب ومن ذُكِرَ معهم رضي الله عنهم قالوا لمن قالت: إِنْ لم أُفَرِّق بينك وبين امرأتك فمالي هدي وما معه. قالوا: كَفِّري يمينك، وَخَلِّي بين الرجل وامرأته

(3)

، مع أنه لم يفت الفعلَ الأولَ وقتُ التفريق.

وأما إجزاء الكفارة إذا وجد الفعل الأول، فلم يختلف فيه أَحَدٌ ممن قال بالكفارة في هذا النوع، سواء كان مذهبه جواز الكفارة قبل الحنث أو لم يكن، وسواء فَرَّقَ بين التكفير بالعبادات البدنية والمالية أو لم يُفَرِّق، بل جميع ما نقل عن الصحابة والتابعين في هذا الباب يتضمن إجزاء الكفارة إذا وجد الفعل الأول، وما علمت في ذلك نزاعًا بين العلماء.

ولو كان الذي ذكره هذا أو قاله قائل لكان ضَعْفُهُ من جنس ضعف

(1)

تقدم تخريجه في (ص 225).

(2)

تقدم تخريجه في (ص 263 - 264).

(3)

تقدم تخريجه في (ص 201 - 209).

ص: 942

أمثاله، فإنَّ الأكثرين يُسَوِّغُونَ التكفير قبل الحنث مطلقًا، وهو مذهب مالكٍ وأحمدَ، والشافعيُّ يجوِّزُ التكفير بالمال كالعتق والصدقة دون الصيام؛ ومع هذا فهو يقول وأصحابه إنه إذا وجد الفعل الأول جاز التكفير بالصيام كما يجوز بالمال، ولم يقل أَحَدٌ منهم إنه إذا كَفَّرَ بالصيام لم يجز إلا إذا فات الفعل الثاني، فلو لم يكن حانثًا عندهم إلا بفوات الفعل الثاني لم يجز بالصيام عندهم إلا بفوات الفعل الثاني، وكذلك أبو حنيفة لا يجوز عنده التكفير قبل الحنث، وهو في إحدى الروايتين عنه التي اختارها محمد يقول بإجزاء [271/ ب] الكفارة في هذا كما قاله جمهور العلماء، ولم يقولوا إنه يجب تأخير الكفارة إلى أَنْ يفوت ما التزمه من حج وغيره، ولو قالوا هذا لم يجز التكفير حتى يتعذر عليه ما التزمه من حج وصدقة وغير ذلك.

فتبيَّن أَنَّ ما ذكره هذا من أَنَّ التكفير قبل فوات الفعل الثاني تكفير

(1)

قبل الحنث، وأَنَّ التكفير قبل وجود الشرط تكفير قبل انعقاد اليمين= قولٌ لم يقله أحد قبله، بل هو خلاف الإجماع إِنْ كان في مثل هذا إجماع، ولكن هذا القول يقابل قول من يقول: تجب الكفارة عينًا ولو فعل ما التزمه.

وشبهة القولين: أنهم ظنوا أَنَّ هذه يمين واحدة ليس فيها إلا حنثٌ واحد، ثم ظَنَّ ذلك أَنَّ الحنث فيها وجود الشرط فتتعين الكفارة، وَظَنَّ هذا أنه لا حنث فيها إلا بفوات الجزاء وأنه لا يمين فيها إلا إذا وجد الشرط؛ وكلاهما غلط، لكنْ غلطه هو لم يسبقه إليه أحد فيما علمته.

ثم قوله هذا يناقض قوله في هذه غير مرة: إنَّ اليمين فيها لكونه منع نفسه من الفعل، وقد التزم بذلك للمجيب غير مرة، والمجيب يقول: إنما

(1)

في الأصل: (يكفر)، والصواب ما أثبت.

ص: 943

يكون حالفًا إذا كان الجزاء مما يكره وقوعه عند الشرط.

وفي الجملة؛ فهذا الموضع الذي غَلِطَ فيه هذا غَلِطَ فيه قبله خَلْقٌ كثير ظنوا ذلك يمينًا واحدة كسائر الأيمان، لكن غلطه بمنعه التكفير قبل وجود الشرط مما لم أعرف أحدًا سبقه إليه.

فصلٌ

قال: (ولو صَحَّ لي هذا المعنى كنتُ [أقول بالكفارة عينًا]

(1)

؛ على معنى أنها تجعل يمينًا محضًا، فإنَّ مقتضاها الالتزام الذي تخلصه الكفارة من غير إيجابٍ لما التزمه ولا تحريمٍ لما امتنع منه)

(2)

.

فيقال: لا نزاعَ بين القائلين بالتكفير في أَنَّ الكفارة تجب عينًا إذا وجد الشرط وَتَعَذَّرَ وجودُ الجزاء، فإذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فلله عليَّ أَنْ أحج هذا العام أو أعتق هذا العبد، فلم يحج ومات العبد أنه تتعين الكفارة في مثل هذا.

وقوله: إِنْ فعلت الحج

(3)

؛ هو التزامٌ تُخَلِّصُهُ الكفارةُ من غير إيجابٍ لما التزمه ولا تحريمٍ لما امتنع منه؛ فهذا يقول به جميع مَنْ قال بالكفارة في هذه اليمين، مع قولهم ــ أيضًا ــ بأنه: يجزئه التكفير إذا وجد الفعل الأول دون [272/ أ] الثاني خلاف الأصل الذي بنى عليه، فإنه ظَنَّ أَنَّ هذا إنما يلزم على هذا الأصل الفاسد؛ وليس الأمر كذلك، وإنما نزاعهم إذا وجد الجزاء هل عليه مع ذلك كفارة؟ فالذي عليه الجماهير أنه لا كفارة عليه في ذلك،

(1)

في «التحقيق» : (أترك القول بالكفارة).

(2)

«التحقيق» (48/ أ).

(3)

كذا في الأصل، ولعلها اختصار من قوله:(إن فعلت كذا فعليَّ الحج).

ص: 944

وذكره أحمد إجماعًا، وخالف فيه بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي، وحُكِيَ قولًا له ورواية عن أحمد.

فصل

قال: (ولهذا ذهب بعض الأصحاب إلى أَنَّا وَإِنْ قلنا الواجب الكفارة، فله فعل ما التزم؛ [وهذا الوجه ضعيفٌ في المذهب]، وَنَسَبَهُ الإمام إلى الزلل، وأوجب له ذلك: الالتزام بأصله

(1)

الذي هو وجوب الكفارة عينًا بتفسيرهم)

(2)

.

فيقال: لعل هذا القائل لم يُفهم ــ والله أعلم ــ مراده؛ فإنه لا يقول عاقل إنه تجب الكفارة عينًا، وإنه مع ذلك له فعل ما التزم بلا كفارة؛ بل هذا جمعٌ بين النقيضين.

بل قائل هذا قد يكون مراده أَنَّ له مع التكفير أَنْ يفعل هذه العبادات الملتزمة، ولا ريب أَنَّ هذا جائز بلا نزاع، أو أنه أَطْلَقَ القولَ بوجوب الكفارة عينًا وأَرادَ به وجوبها إذا لم يفعل ما التزمه؛ وهذا متفقٌ عليه عند القائلين بالتكفير؛ لم يُرِدْ أنها تجب عينًا عند الفعل الأول، وأنه مع ذلك له أَنْ يفعل؛ فلا تجب الكفارة.

فإنْ لم يكن في كلامه تصريحٌ بما يوجب غلطه؛ فالمغلِّطُ له ــ والله أعلم ــ هو الغالط، وإنما أراد وجوبها إذا وُجِدَ الشرط ولم يوجد الجزاء وهو الحنث الثاني، ولهذا قال:(وله مع ذلك فعل ما التزم)، وهذا كلام صحيح.

(1)

في الأصل: (بأصليه)، والمثبت من «التحقيق» .

(2)

«التحقيق» (48/ أ)، وما بين معقوفين منه.

ص: 945

فصلٌ

قال: (ولا شَكَّ أنه متى ثبت ذلك كان التفريع عليه زللًا

(1)

)

(2)

وهذا كما قال، فإنه مَنْ قال: إِنَّ الكفارةَ تجب عينًا إذا وجد الشرط، وقال مع ذلك:[له]

(3)

فعل ما التزم ولا كفارة عليه= كان كلامًا متناقضًا، لكن ما أحسب أحدًا قال هذا.

فصلٌ

قال: (ولكنَّ الشأن في ثبوته؛ [وكنت أترك القول]

(4)

بالتخيير على أنه ثبت الملتزم

(5)

في ذمته، فإنْ فعله وقع بصفة الوجوب، وإلا سقط بالكفارة)

(6)

.

فيقال: هذا ــ أيضًا ــ قولٌ باطلٌ، وهو أَنْ يقال: وجبَ المنذور في ذمته، وله إسقاطه بالكفارة، فإنَّ ما وجب في الذمة لم يسقط إلا بفعله، ولكن يقال: هو واجب وجوب [272/ ب] تخيير؛ فالواجب أَحَدُ أمرين: إما التكفير وإما فعل ما التزم، ولا يقال: إِنَّ فِعْلَ ما التزم هو الواجب عينًا وله إسقاطه بالتكفير، فإنَّ هذا قول متناقض؛ كيف يسقط ما وجب في الذمة بدون براءة الذمة منه مع القدرة على فعله وإبراء الذمة منه؟!

(1)

في الأصل: (دليلًا)، والمثبت من «التحقيق» .

(2)

«التحقيق» (48/ أ).

(3)

إضافة يقتضيها السياق.

(4)

زيادة من «التحقيق» .

(5)

في الأصل: (الملزوم).

(6)

«التحقيق» (48/ أ).

ص: 946

فصلٌ

قال: (والألفاظُ الواردةُ عن السلف في الكفارة كثيرٌ منها يمكن تأويله بأنها تجزئ لا أنها متحتمة

(1)

)

(2)

.

فيقال له: لا ريب أَنَّ السلف لم يقصدوا أَنَّ الكفارة تَلزم مع فعل ما التزم، وقد ذكر أحمد رحمه الله إجماعهم على أنه إذا فعل ما التزم لم يَبْقَ عليه شيء، ولكن أمروا بها لأنَّ ما التزمه لم يَقصد أَنْ يلزمه، فلم يلتزمه لله، فلم يكن له في فعله حسبة لله.

وأيضًا؛ فقد علموا مِنْ قصد السائل أنه لا يختار أَنْ يفعل ما التزمه إلا أن يكون واجبًا عليه، فأما إذا لم يكن واجبًا عليه، فليس له غرض

(3)

في فعله على وجه التقرب به إلى الله ــ تعالى ــ، بل إنما يقصد فعله مع ثقله عليه براءة ذمته، فإذا كانت ذمته تبرأ بالكفارة فهو أحب إليه؛ فإنَّ الملتزمات تكون في العادة أكثر من الكفارة؛ وهذا مما ألزمه أبو يوسف رحمه الله لمن قال بالكفارة. فقال: كيف يكون الرجل مخيرًا بين أداء الكفارة وبين ما هو أكثر منها؟!

وأجابوه بأنَّ جهة وجوب هذا غير جهة وجوب هذا؛ وحقيقةُ الأمر: أنه لا يجب عليه ما التزمه، لكن تجزئه الكفارة، فإنْ فعل ما التزمه فلا كفارة عليه؛ كما لو قال: والله لأعتقنَّ مائةَ عبد اليوم؛ فإنَّ له أَنْ يحنث ويعتق عبدًا واحدًا، ولا يجب عليه عتقٌ أكثر منه، وَإِنْ كان هذا قد تضمن التخيير بين أَنْ يحنث ويعتق عبدًا وبين أَنْ يَبَرَّ فيعتق مائة عبد= فهكذا إذا قال: إِنْ فعلتُ كذا

(1)

في الأصل: (محتمة)، والمثبت من «التحقيق» .

(2)

«التحقيق» (48/ أ).

(3)

في الأصل: (عوض)، ولعل الصواب ما أثبت.

ص: 947

فلله عليَّ عِتْقُ مائةِ عَبْدٍ، فله أَنْ يحنث وَيُكَفِّر فيعتق عبدًا واحدًا، وَإِنْ أعتق مائةَ عبد لم يحنث فلا كفارة عليه.

وسبب هذا: أَنَّ التخيير ليس من الشارع ابتداء، ولكن هو حَلَفَ يمينًا، والشارع لا يجعل اليمين توجبه ولا تحرمه، فللإنسان أَنْ [273/ أ] يفعل ما التزمه بيمينه وله أَنْ يُكَفِّر يمينه؛ فجاء التخيير من كونه مخيرًا في عقد اليمين بين أَنْ يحنث ويكفر وبين ألا يحنث، وإن كان ما يلزمه بالحنث أعظم مما يلزمه إذا حنث وكفر، وهذا موجودٌ [في]

(1)

كثيرٍ من الأيمان، وهذا من الحنيفية السمحة التي بعث الله بها محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يجعل اليمين موجبة ولا محرمة بل إما أن تكفر [

]

(2)

.

فصلٌ

قال: (ومتى قلنا: إِنَّ قَصْدَ الحثِّ أو المنع مانعٌ من ثبوت الملتزم، وأنه ناقلٌ للكلام عن معنى نَذْرِ الإعتاق مثلًا إلى معنى الحلف على ذلك الفعل لا غير= يقال ذلك ــ أيضًا ــ في: إِنْ فَعَلْتُ فامرأتي طالق؛ إِنَّ قصد المنع ناقل له إلى

(3)

معنى الحلف على الفعل خاصة فتجب الكفارة؛ فَمَنْ سَلَّمَ ذلك يلزمه

(4)

أَنْ ينفصل عن هذا)

(5)

.

(1)

إضافة يقتضيها السياق.

(2)

بياض مقدار كلمتين أو ثلاث، ولعلها:(أو يَفعل ما التزمه).

(3)

في الأصل: (أَنَّ)، والمثبت من «التحقيق» .

(4)

في «التحقيق» زيادة: (طريق الانفصال بأنَّ الطلاق حكمٌ وليس التزامًا، وهي بخلاف نذر اللجاج، وما ليس إلزامًا لا يكون كاليمين، فإنَّ اليمين إنما تكون في الإلزام أنْ ينفصل عن هذا).

(5)

«التحقيق» (48/ أ).

ص: 948

فيقال: هذا اعترافٌ منه بأنَّ لزومَ الكفارةِ في الحلف بالطلاق تلزم عامةَ العلماءِ الذين جعلوه إذا فعل حانثًا تلزمه الكفارة، وقد اعترف بأنَّ كلام عامة الأصحاب وغيرهم من القائلين بالتخيير تباين ما ذَكَرَهُ، فإنهم يجعلون الفعل الذي امتنع منه بمنزلة الحنث، وأنه يوجب إما الكفارة وإما الوفاء، وقد اعترف هنا أَنَّ من قال ذلك يلزمه أَنْ يقول مثل ذلك في قوله: إِنْ فعلتُ كذا فامرأتي طالق، وَأَنَّ هؤلاء جعلوا قصد الحث والمنع مانعًا

(1)

من ثبوت الملتزم، وأنه ناقلٌ للكلام عن معنى نذر الإعتاق ــ مثلًا ــ إلى معنى الحلف على ذلك الفعل لا غير.

وهذا اعتراف منه بصحة نظر المجيب، واستقامة ما ذكره، وأنه موجب القياس على هذا الأصل الذي يسلمه الأصحاب وجمهور العلماء؛ وهذا هو المقصود، وقد بَيَّنَ المجيبُ ذلك في مواضع

(2)

غير هذا، وذكر كلام أئمة أصحاب الشافعي وأحمد ــ رحمهم الله ــ في هذه المسألة نقلًا وبحثًا، وأن ما ذكروه يقتضي إجزاء الكفارة في الحلف بالطلاق والعتاق بلا ريب، وأنه ليس بينهما فرقٌ مؤثر، وتكلم على ما ذكروه من الفرق وَبَيَّنَ ضعفه، كما اعترف هذا المعترض بلزوم ذلك لهم هنا [273/ ب].

وأما قوله: (إنه ناقلٌ للكلام عن معنى نذر الإعتاق إلى معنى الحلف على ذلك الفعل لا غير).

فيقال له: لا تحتاج أَنْ تقول: لا غير؛ بل الكلام تضمن معنى يمينين: تضمن الحلف على ذلك الفعل، وتضمن ــ أيضًا ــ أنه إنما تتعين الكفارة عليه إذا وجد الأول دون الثاني، وأنه إذا وجد ما التزمه فلا كفارة عليه.

(1)

في الأصل: (مانع)، والوجه ما أثبتُّ.

(2)

في الأصل: (المواضع)، والصواب ما أثبت.

ص: 949

ففي هذه التعليقات هذان المعنيان فلا بُدَّ من رعايتهما، وإنما يغلط هو بِرَعْي أحدهما دون الآخر كما يصيب المعترض؛ تارة يَرعى الأول فقط وتارة يَرعى الثاني فقط، وكلا النظرين نَظَرٌ ناقص.

وكذلك مَنْ أوجب الكفارة عينًا لم يراع [إلا]

(1)

الحنث الأول فقط، ومن ألزمه بما التزمه لم يَرْعَ في ذلك معنى اليمين، بل جعله ناذرًا محضًا، وهو ــ أيضًا ــ غلط، ومن لم يُلْزِمْهُ كفارة أصلًا جعل يمينه من جنس الحلف بالمخلوقات، وهو ــ أيضًا ــ غالطٌ.

ولكن كل قول من هذه الأقوال قاله طائفة من علماء المسلمين رضي الله عنهم، وكل مَنِ اجتهد واتقى الله ــ تعالى ــ ما استطاع= فهو مثاب مأجور، وَإِنْ خَفِيَ عليه ما بينه الله لغيره، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

وأهل العلم والدين يَعرفون الحق ويرحمون الخلق، ويعذرون من خالفهم مع جزمهم بأنه أخطأ ولم يفهم، وأهل الأهواء والبدع يخطئون ويذمون من خالفهم، ويتكلمون فيه بالباطل؛ فتارة يكفرونه وتارة يفسقونه، كما يفعل الخوارج والروافض وغيرهم من أهل البدع.

ولهذا لمَّا تَكَلَّمَ مَنْ تكلم بالحق الذي دَلَّ عليه الكتاب والسنة في هذه المسألة؛ صار الجاهلون الذين تكلموا فيها بلا علم من جنس أهل البدع الذين يُكَفِّرون أو يُفَسِّقُون من اتبع الكتاب والسنة، وَإِنْ كانوا لا يعتقدون أنه موافق للكتاب والسنة، ليس كلامهم من جنس كلام أهل العلم الذين تكلموا بالأدلة الشرعية، ويعتصمون بالكتاب والسنة مع العلم بذلك والعناية به.

(1)

إضافة يقتضيها السياق.

ص: 950

وكذلك قوله: (إنه ناقل للكلام عن معنى نذر الإعتاق إلى معنى الحلف على ذلك الفعل) لا يُحتاجُ إليه، فإنَّ هذا إنما يقال لو كان مثل هذه المادة لم تضعه العرب إلا فيمن قَصَدَ النذر دون من قصد اليمين، وليس الأمر كذلك، بل صيغةُ التعليق [274/ أ] تستعملها العرب والعجم فيما يُقصد به وقوع الجزاء عند الشرط، وفيما يُقصد به اليمين لا يراد به وقوع الجزاء، وإن جعل لازمًا فإنما قَصَدَ بلزومه أَنْ يكون لزومه مانعًا من الشرط، لكن قد يقول كونه كارهًا للجزاء عند الشرط أَمْرٌ واردٌ على أصلِ التعليق، فإنَّ أَصْلَ التعليقِ إنما وُضِعَ لمن يقصد وقوع الجزاء؛ لكن هذا ممنوع، بل صيغةُ التعليقِ موضوعةٌ لمجرد الربط، وهو جَعْلُ الجزاء لازمًا للشرط.

أما كون المعلِّق قاصدًا للزوم أو كارهًا له؛ فهذا لا يدل عليه جنس التعليق لا بنفي ولا إثبات، والعرب لم تضع جنس التعليق مجردًا عن المواد المعينة، بل تكلموا بصيغةِ تعليقٍ يرادُ بها هذا، وصيغةِ تعليقٍ أُخَر يراد بها هذا؛ أي: لا يجتمع قَصْدُ هذا وهذا في تعليق مُعَيَّن، كما في صيغة اليمين.

فإنه لو قال: إِنْ فعلتِ فوالله لأطلقنَّك؛ فهذه الصيغة إنما تتضمن الحلف على أن يطلقها إذا وجد ذلك الفعل، أَمَّا كونه إذا وجد الفعل يريد أَنْ يطلقها أو لا يريد أَنْ يطلقها إذا فعلتْه، بل حلف معتقدًا أنها لا تفعل ولا تجعله حانثًا ليطلقها

(1)

= فهذا لا يدل عليه الوضع لا بنفي ولا إثبات، ولا يقال: إذا كان مراده أحدهما أَنَّ الكلام نُقِلَ عن معناه إلى معنى آخر.

وكثيرًا ما يحلف الرجل: إِنْ فعلتَ كذا لأفعلنَّ بك كذا، ويظن أنه لا

(1)

في الأصل: (حالفًا ليطلقنَّها)، ولعل الصواب ما أثبتُّ.

ص: 951

يفعله، فلا يكون حالفًا ليفعلنَّه

(1)

، ولو عَرَفَ أنه يفعل لم يحلف على عقوبته، فإذا فعله صار حالفًا على الفعل حلفًا لا يريد معه الفعل، لكن يختار أَنْ يكفر يمينه ولا يفعل، ولو علم ابتداءً أَنَّ ذلك يخالفه فيفعل ما نهاه عنه؛ لم يحلف على هذا التقدير.

فصلٌ

قوله: (ويمكن أَنْ يقال فيه: إنَّا إنما نَجعلُ قَصْدَ المنعِ صارفًا لما صورتُهُ صورةُ النذر، وتعليق الطلاق والعتاق ليس صورته صورة النذر)

(2)

.

فيقال: هذا ليس فيه إلا مجرد حكاية المذهب، فإنَّ المُفَرِّقِيْنَ بين التعليق على وجه اليمين بين الطلاق والعتاق وبين تعليق النذر هذا قولهم، لكن ليس في حكاية المذهب حجة

(3)

.

بل يقال: إذا كان قَصْدُ [المنع]

(4)

موجودًا في الموضعين؛ فإما أَنْ يكون مؤثرًا وإما ألا يكون مؤثرًا، وقد ثبت تأثيره بالكتاب والسنة؛ فيجب أَنْ يكون مانعًا من [274/ ب] اللزوم، وقد بسط الكلام على حجة النفاة وحجج المفرقين في غير هذا الموضع

(5)

، وإنما المقصود الكلام على ما ذكره هنا.

(1)

كذا في الأصل، والكلام مستقيم بدونها.

(2)

«التحقيق» (48/ ب).

(3)

تنبيه الرجل العاقل (1/ 96)، جامع المسائل (4/ 402)(7/ 462 - 465).

(4)

إضافة يقتضيها السياق.

(5)

انظر ما تقدم في (ص 60 وما بعدها).

ص: 952

فصلٌ

قال: (ولقد أجاد الماوردي

(1)

حيث لم يَحْكِ وجوبَ الكفارة عينًا عن أحدٍ عند حكايته مذاهب العلماء في المسألة، وجعل التخيير منسوبًا لعمر وغيره من الصحابة، وعطاء وغيره من التابعين)

(2)

.

فيقال: ليس هذا طريقة الماوردي وحده، بل طريقة عامة المتقدمين، وهذه طريقة الشيخ أبي حامد والقاضي، وكذلك طريقة القاضي أبي يعلى وأبي الخطاب وغيرهما، وقد ذكر الإمام أحمد الإجماع على أنه إذا فعل ما التزمه فلا كفارة عليه.

فصلٌ

قال: (وَيُحْكَى أَنَّ القَفَّالَ

(3)

كان ينكر كونَ تعيين الكفارة قولًا للشافعي حتى نقله له الإيلاقي

(4)

عن الحَليمي

(5)

، فكشف فوجده منصوصًا؛ فهذه

(1)

في الحاوي (15/ 299 وما بعدها).

(2)

«التحقيق» (48/ ب).

(3)

هو: أبو بكر عبد الله بن أحمد بن عبد الله القفَّال المروزي إمامُ طريقة الخراسانيين، وهو غير القفال الكبير، توفي سنة (417).

انظر في ترجمته: طبقات الشافعية لابن الصلاح (1/ 496)، وفيات الأعيان (3/ 46)، سير أعلام النبلاء (17/ 405).

(4)

هو: أبو الربيع طاهر بن عبد الله الإيلاقي التركي، من كبار الشافعية في بلده، وله وجهٌ في المذهب، توفي سنة (465).

انظر في ترجمته: تهذيب الأسماء واللغات (2/ 230)، سير أعلام النبلاء (18/ 326)، طبقات الشافعية لابن كثير (1/ 415)، طبقات الشافعية الكبرى (5/ 50).

(5)

هو: أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد الحَليمي الجرجاني، من أصحاب الوجوه في المذهب الشافعي، ولد سنة (338)، وتوفي سنة (403).

انظر في ترجمته: تاريخ جرجان (ص 198)، سير أعلام النبلاء (17/ 231)، طبقات الشافعية الكبرى (4/ 333).

ص: 953

مباحثُ انجرَّ الكلامُ إليها ولم يكن من شرط المباحثة مع المصنف)

(1)

.

فيقال: أما كونه منصوصًا للشافعي ــ رحمة الله عليه ــ نَصًّا بَيِّنًا ففيه نظر، فقد رأيتُ كلام الشافعي في هذه المسألة مبسوطًا في الأم

(2)

وغيرها، فما رأيتُ قولَهُ إلا قولَ مَنْ تقدمه من السلف؛ قولُ عائشة رضي الله عنها وعدة من الصحابة رضي الله عنهم، وقول عطاء.

وكذلك أحمد بن حنبل ــ أيضًا ــ قولُهُ فيها قولُ هؤلاء، وقد ذكر أحمد ــ رحمة الله عليه ــ الإجماعَ على أنه لا شيء عليه إذا فعل ما التزمه، ومع هذا حكى بعض المتأخرين روايةً عنه بلزوم الكفارة، وهذه الرواية قطعًا ليست منصوصة عن أحمد نَصًّا بَيِّنًا، لكن أَخَذَها مَنْ أخذها مِنْ أَمْرِهِ بالتكفير ونحو ذلك مما ظَنَّهُ يدل على ذلك.

وكذلك ــ والله أعلم ــ أُخِذَ هذا القول من كلام الشافعي، وإلا فالشافعي أَجَلُّ قدرًا مِنْ أَنْ يقول مثل هذا، وكذلك أحمد أجل قدرًا من أن يقول قولًا يحكي الإجماع على خلافه.

(1)

«التحقيق» (48/ ب).

(2)

(3/ 656).

ص: 954

فصلٌ

(رجعنا إلى مقصودنا؛ وهو مَنْعُ أَنَّ نذر اللجاج والغضب يسمى يمينًا، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم:«كفارة النذر كفارة يمين»

(1)

فإنه غاير بينه وبين اليمين، وجعل موجبه موجبها، والجمهور حملوا ذلك على نذر اللجاج)

(2)

.

والجواب [275/ أ]: أنه قد تقدم ما يدل على أَنَّ هذا يمين، وَبَيَّنَّا ذلك بالأدلة المتعددة، وَبَيَّنَّا أَنَّ ذلك إجماع السلف والأئمة والعامة

(3)

.

وأما قوله: «كفارة النذر كفارة يمين» فإما أَنْ يراد به أَنَّ النذر نوعٌ من اليمين فكفارته كفارة اليمين؛ كما يقال: نبيذ التمر والزبيب إذا اشتد خَمْرٌ، وَحَدُّهُ حَدُّ الخَمْرِ. وكما يقال: زكاة البخاتي زكاةُ الإبل، وزكاةُ الجواميس زكاةُ البقر. وكما يقال: حُكْمُ السَّامِرَةِ حكمُ اليهود أو حكمُ أهل الكتاب. ويقال: ذبائحُ بني تغلب كذبائح النصارى ونحو ذلك.

وإِمَّا أَنْ يراد به أَنَّ النذر مثل اليمين وَإِنْ لم يُسَمَّ يمينًا، وقد يراد في مثل ذلك أنه يُسمى يمينًا مع التقييد فيكون حكمه حكم ما يسمى يمينًا عند الإطلاق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله وقد أحرم بعمرة وعليه جُبَّةٌ وهو متضمخٌ بخلوقٍ. فقال: «اغسل عنك أثر الخلوق، وانزع عنك الجبة، واصنع

(1)

تقدم تخريجه في (ص 92).

(2)

«التحقيق» (48/ ب).

(3)

مجموع الفتاوى (33/ 54)، الفتاوى الكبرى (4/ 110، 120)، الصارم المسلول (2/ 41 وما بعدها)، القواعد الكلية (ص 445، 448 ــ 449).

وانظر ما تقدم (ص 18 وما بعدها).

ص: 955

في عمرتك ما كنت صانعًا في حجك»

(1)

فجعل عَمَلَ العمرة مثل عمل الحج، مع قوله: إِنَّ العمرة هي الحج الأصغر

(2)

،

وقد اختلف الناس هل دخلت في قوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] على قولين، والأظهر: أنها لا تدخل في الحج المطلق، فإنها إذا أريدت معه ذكرت باسمها الخاص، كما في قوله:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]، وقوله:{فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158].

وعلى هذا فالنذر مع اليمين كالعمرة مع الحج، له اسم خاص وهو يمينٌ مقيدة، وكفارته كفارة اليمين؛ وعلى هذا فلا حجة له في هذا الحديث، فإنَّ نذر اللجاج والغضب هو عند الجمهور من السلف والخلف من باب الأيمان المطلقة لا من باب النذور، ولهذا لم يوجبوا الوفاء به، ولو كان نذرًا لوجب الوفاء به.

وأما قوله: (الجمهور حملوا ذلك على نذر اللجاج والغضب).

(1)

تقدم تخريجه في (ص 338).

(2)

أخرج أبو داود في المراسيل (ص 122)، وابن حبان في صحيحه (6559)، والحاكم في المستدرك (1/ 552 ــ 553) وغيرهم في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم رضي الله عنه، وفيه:«الحج الأصغر العمرة» ثم قال أبو داود: رُوِيَ هذا الحديث مسندًا ولا يصح.

وفي البخاري (3177) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ أبا بكر بَعَثَهُ لِيُؤذن في الحجة التي سبقت حجة الوداع: ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحجِّ الأكبر يوم النحر. قال أبو هريرة: وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس: الحجُّ الأصغر.

ص: 956

فيقال له: ليس في الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين مَنْ حَمَلَ ذلك على نذر اللجاج والغضب، ولكن بعض الفقهاء المتأخرين حملوا ذلك عليه، مع أَنَّ محققيهم جعلوا الحديث متناولًا له لا مختصًّا به، وأما أصحاب أحمد فليس فيهم مَنْ يجعل الحديث [275/ ب] مختصًّا بنذر اللجاج والغضب، بل ولا أصحاب أبي حنيفة ولا مالك، وأما أصحاب الشافعي المحتجين بهذا الحديث فَأَجَلُّهُم أو مَنْ هو مِنْ أجلهم الشيخ أبو حامد، وجعل الحديث عامًّا فيه وفي غيره لا مختصًّا به

(1)

.

وقد تقدم أنه لا يجوز أَنْ يراد بذلك مجرد نذر اللجاج والغضب، لأنه قال:«كفارة النذر» فذكر النذر مُعَرَّفًا بالألف واللام وهذا عام مطلق، ونذر اللجاج والغضب إما ألا يكون نذرًا البتة بل هو يمين كما عليه جمهور السلف، وإما أَنْ يكونَ نوعًا من النذر؛ وعلى التقديرين فلا يجوز أَنْ يكون قوله:«كفارة النذر» مختصًّا به، أَمَّا على الأول فإنه ليس بنذر، وأما على الثاني فلأنه يَعُمُّهُ وغيره، وإنما خَصَّهُ بذلك بعض متأخري أصحاب الشافعي الذين يقولون: لا كفارة في شيءٍ من النذر إلا في هذا الذي يُسَمَّى نَذْرَ اللجاج والغضب.

وهؤلاء وأمثالهم ممن يجعل النصوص النبوية تابعة لمذاهبهم

(2)

، وإذا تأمله وانتقده

(3)

لنفسه كان فاسدًا مردودًا؛ قال

(4)

: (على أن هذا القول

(1)

انظر: البيان للعمراني (4/ 476 ــ 477).

(2)

الفتاوى الكبرى (3/ 487)، الإيمان (ص 32).

(3)

كذا في الأصل.

(4)

أي: المعترض.

ص: 957

بالتحرير الذي يقوله المتأخرون، وهو أَنَّ الواجب الكفارة عينًا، بحيث لو أتى بالذي التزمه لا يكفي= لستُ أَعرفُ الآن دليلًا عليه لا من خبر ولا من نظر.

أما الخبر: فهم يستدلون له بقوله صلى الله عليه وسلم: «كفارة النذر كفارة يمين»

(1)

. قال

(2)

:

وقد تأملتُ معنى هذا الحديث، والذي فهمته منه يبين كفارة النذر، كما بَيَّنَ الله كفارة اليمين في كتابه العزيز، وَلَمَّا لم يقتضِ ذلك إيجاب كفارة اليمين مطلقًا بل بشرط مخالفتها، والحنث كذلك؛ لا يقتضي هذا وجوب كفارة النذر مطلقًا، بل بشرط ألا يفي به، وَمَتى وَفَّى به فقد وَفَّى بمقتضى التزامه، فهو بمنزلة ما لو بَرَّ في يمينه فلا يحتاج إلى تكفير؛ فكيف يقال: إنه إذا أتى بالمنذور لا يكفي، ويقول: لم لا يأت به بل يكفر

(3)

. قال: فَإِنْ قلتَ هذا عند القائلين بوجوب الكفارة عينًا ليس بنذر ولكنه يمين. قلتُ: فيبطل احتجاجهم عليه بقوله: «كفارة النذر كفارة يمين» فإنه جعل نذرًا).

وأيضًا؛ فصاحب المذهب ــ الإمام الشافعي نفسه ــ قد جَعَلَ هذا من باب الأيمان لا من باب النذور، وهو لم يحتج على الكفارة فيه [276/ أ] بهذا الحديث.

فقد تبين أَنَّ قوله: «كفارة النذر كفارة يمين» إما أَنْ يجعل النذر نوعًا من

(1)

تقدم تخريجه في (ص 92).

(2)

القائل هو السبكي. وينتهي النقل عنه بنهاية هذه الفقرة، وقد تقدم هذا النقل في (ص 897).

انظر: «التحقيق» (47/ب).

(3)

في «التحقيق» : (ونقول له: الا [وضع الناسخ فوقها حرف (ظ)] تأت به، بل كَفِّر، والله ــ تعالى ــ قد مَدَحَ على الوفاء بالنذر).

ص: 958

اليمين أو يشبهها باليمين؛ فإنْ كان الأول فالنذور كلها أيمان، وَإِنْ كان الثاني لم يُسَلَّم أَنَّ نذر اللجاج دخل في قوله:«كفارة النذر كفارة يمين» ، بل إنما دخل ما هو نذر حقيقة إذا لم يَفِ به، وَأَمَّا هذا فإنما هو داخل في نصوص الأيمان لا في نصوص النذور.

وليس مع المعترض حجة أَنَّ التعليق القَسَمِي الذي هو يمين مكفَّرة عند الجمهور ــ ويُسميه بعض الناس نذر اللجاج والغضب ــ داخلٌ في مسمى النذر؛ كيف والصحابة والتابعون قد سموه يمينًا؟ بل وأَثبتَ له جمهورهم حكم اليمين، ولم يُعْرَفْ عن أَحَدٍ منهم أنه قال: ليس هو بيمين. وَمَنْ جَعَلَهُ لازمًا يقول هو نذر ويمين، لم يقل أحد إنه نذر ليس يمين، بل أكثرهم يقولون هو يمين وليس بنذر، وآخرون يسمونه نذرًا ويمينًا.

وبكل حال؛ فمنعه أَنْ يُسَمَّى يمينًا مَنْعٌ لِمَا ثَبَتَ خلافُهُ، بل لما انعقد إجماع السلف على خلافِهِ، مع أَنَّ مثل هذا لا يُحتاج فيه إلى إجماع، فإنه ليس حكمًا شرعيًّا إنما هو إثبات لغة، وذلك يكفي فيه استعمال أهل اللغة، فكيف وقد تواتر به استعمال الصحابة رضي الله عنهم والتابعين والعلماء والعامة وجميع الأمم؟!

* * * *

ص: 959

فصلٌ

قال: (وأما التعليق المتنازع [فيه]: وهو ما يكون المشروط فيه وقوع طلاق أو عتق لا التزامهما فأبعدُ عَنِ الشَّبَهِ، لأنه لا التزام فيه كما تقدم، فإذا سُمِّيَ يمينًا إنما يكون ذلك على وجه المجاز، وقد يشتهر المجاز فيصير حقيقة عرفية، ولا يجب حمل كلام الشرع عليه؛ فمن ادعى أَنَّ إِطلاقَ اسمِ اليمين حقيقة لغوية أو شرعية فعليه إقامة الدليل على ذلك)

(1)

.

والجواب: أنه قد تقدم تقرير هذا من غير وجه

(2)

، وَبَيَّنَّا أَنَّ الصحابة والتابعين لهم بإحسان ومن بعدهم سَمَّوا هذا التعليق يمينًا ــ تعليق العتق المحلوف به ــ، ولم يقل أَحَدٌ منهم إنَّ هذا ليس بيمين، وكذلك سمى من ذكر تعليق الطلاق المحلوف به ولم يقل أَحَدٌ إنه ليس بيمين، كما سموا تعليق النذر المحلوف به يمينًا ولم يقل أَحَدٌ إنه ليس بيمين، وأنهم إنما تنازعوا في الحكم لا في الاسم، وأكثرهم [276/ ب] جعلوه يمينًا داخلة في قوله تعالى:{قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2] وهم أول من خوطب بالقرآن وبلغتهم نزل، والتابعون بعدهم كذلك، وأَنَّ العلماء قاطبة والعامة يسمون ذلك يمينًا، والأصل بقاء اللغة وتقريرها لا نقلها وتغيرها، والأصل في الإطلاق هو الحقيقة دون المجاز

(3)

.

وَبَيَّنَّا أَنَّ هذا يمين في لغات جميع الأمم، وَأَنَّ معنى اليمين هو كمعنى

(1)

«التحقيق» (48/ ب)، وما بين المعقوفتين من «التحقيق» .

(2)

انظر ما تقدم (ص 135 وما بعدها).

(3)

انظر ما تقدم (ص 310).

ص: 960

الأمر والنهي؛ أَمْرٌ عقليٌ لا يختلف باختلاف اللغات، وأنه لم يقل أَحَدٌ من العلماء إن اليمين المذكورة حكمها في كتاب الله ــ تعالى ــ أو الكلام الذي تسميه العرب يمينًا، أو المعنى المعقول دون لفظ اليمين من شرطه أن يكون بالحروف التي يسميها النحاة حروف القَسَم، كما أنه ليس من شرط ما يسمى استغاثة وندبًا أَنْ يكون بالصيغة التي تسميها النحاة استغاثة وندبًا

(1)

.

وليس مِنْ شَرْطِ ما يكون أمرًا أن يكون بالصيغة التي يسميها النحاة صيغة الأمر، بل لو قال:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58] كان هذا أمرًا باتفاق المسلمين

(2)

. والنحاة يجعلون صيغة الأمر قوله: افعل ولتفعل فقط، بل قد يستعملون اللفظ في غير موضوعه في اللغة؛ كلفظ الكلمة هي في اصطلاحهم اللفظ المفرد، مثل الاسم والفعل والحرف الذي جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل، ولفظ الكلمة في لغة العرب لا يُعْرَف إلا للجملة التامة كالمبتدأ والخبر وكالفعل والفاعل، لا يسمى المفرد كلمة

(3)

.

وقوله: (فمن ادعى أَنَّ إطلاق اسم اليمين حقيقة لغوية أو شرعية فعليه إقامة الدليل على ذلك).

فيقال له: لو لم يُعرف الإطلاق إلا من كلام العلماء، ولم يعرف أنهم غيروا اللغة لكان الأصل بقاء اللغة، ولوجب أَنْ يجعل ذلك حقيقة لغوية ما لم يقم دليل بخلاف ذلك، ولكان مُدَّعِي المجاز هو الذي عليه الدليل،

(1)

انظر ما تقدم (ص 884).

(2)

حيث إنَّ الأمر مجموع اللفظ والمعنى. انظر: المسوَّدة (1/ 92).

(3)

الدراسات اللغوية والنحوية في مؤلفات ابن تيمية (ص 411)، واختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية وتقريراته في النحو والصرف (ص 63).

ص: 961

فكيف إذا ثبت الاستعمال في كلام الصحابة والتابعين؟! بل وثبت أنهم جعلوها يمينًا مكفَّرة، وقالوا: هي يمين يكفرها ما يكفر اليمين، وقد تقدم أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم سَمَّى التعليق الذي يُقصد به اليمين يمينًا في قوله:«مَنْ حَلَفَ بملةٍ سوى الإسلام كاذبًا فهو كما قال»

(1)

.

فصلٌ

وأما قوله: (وقد صَرَّحَ في مبسوط الحنفية

(2)

أَنَّ أهل اللغة لا يعرفون [277/ أ] ذلك)

(3)

فقد قدمنا أَنَّ أصحاب أبي حنيفة وطائفة من أصحاب أحمد يقولون: إذا قال: (إِنْ حلفتُ يمينًا بالطلاق فعليَّ كذا)؛ فإنَّ هذا يتناول عندهم كُلَّ تعليقٍ للطلاق، سواء قصد به الحض والمنع، أو كان تعليقًا محضًا أو توقيتًا كقوله: إذا طلعتِ الشمسُ فأنتِ طالق.

ولكنْ أبو حنيفة وبعض أصحاب أحمد استثنوا من ذلك ما له اسم خاص كطلاق السنة والبدعة، فلما جعل هؤلاء كل تعليق يمينًا قالوا: إِنَّ أهل اللغة لا يَعرفون ذلك، وهو كما قالوا، فإنَّ أهل اللغة لا يسمون كل تعليق يمينًا، بل ولا كل تعليق قصد به الحض والمنع، بل إنما يسمون يمينًا ما كان لزوم الجزاء فيه غير مقصود وَإِنْ وُجِدَ الشرط؛ فهذا هو الذي سماه الصحابة والتابعون لهم بإحسان يمينًا، وهو الذي جعلوه يمينًا مكفَّرة، وهو الذي يوجد فيه معنى اليمين المعقول الذي يَعقل جميع الناس أنه يمين.

(1)

تقدم تخريجه في (ص 42).

(2)

(8/ 126).

(3)

«التحقيق» (48/ ب).

ص: 962

واليمين لا تقبل النيابة، فلا يُوَكِّلُ الرجل غيره في اليمين، ولا يحلف الولي عن موليه، بخلاف الطلاق والعتاق فإنه يقبل النيابة، فإذا عُلِّقَ تعليقًا يقصد به اليمين لم يقبل النيابة، وإذا لم يقصد به اليمين قبل النيابة؛ فتبين أَنَّ هذا يمين وهذا ليس بيمين.

والطلاق المعلَّق بالصفة إذا قصد إيقاعه عند الصفة يقبل النيابة، وتعليق الطلاق الذي يقصد به اليمين لا يقبل النيابة؛ فَدَلَّ على أَنَّ هذا يمين لا نيابة فيه، وذاك طلاق يقبل النيابة

(1)

.

* * * *

(1)

انظر ما تقدم (ص 879).

ص: 963