الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الروح الانهزامية في نفوسهم، وانتصر في هذه الحروب شانجه وهرب أخوه الفونسو (الاذفونش) ولجأ إلى طليطلة عند ملكها يحي بن إسماعيل بن ذي النون الملقب بالمأمون، فقابله بالترّحاب وبالغ في إكرامه، وأنزله داراً مجاورة لقصره، وجعل له داراً أخرى خارت المدينة ذات حدائق تكون متنزّهاً له ولمرافقيه، حيث قضى تسعة شهور درس فيها أحوال المدينة تمهيداً للاستيلاء عليها. وكان الأخ الثالث غرسيه قد لجأ إلى اشبيلية عند بني عباد. واغتيل شانجه عام 465هـ/1072م فاستدعي الفونسو لتولّي الحكم، بعد أن قطع الوعود للمأمون، وأصبح ملكاً لقشتالة وليون وجيليقية باسم الفونسو السادس (الاذفونش عند المسلمين) فتوحدّت أسبانيا النصرانية حيث قضى غرسيه الأخ الثالث بقيّة عمره في السجن لمدة سبعة عشر عاماً 1
من هذا العرض لأوضاع المغرب والأندلس نرى أن المغرب الإسلامي كان يمر في حركة تغيير شاملة على أسس إسلامية، وعلى يد المرابطين، وتنبعث فيه حياة جديدة، وقوة وثّابة، كالحركة التي شهدها المشرق الإسلامي على يد السلاجقة. في حين كانت الأندلس الِإسلامية تشهد حركة عكسية، حركَة يتوالى فيها تمزّق المسلمين، وتتوالى الانتكاسات، وتسرّبت إلى زعمائهم الروح الانهزامية أمام القوى النّصرانية الصّاعدة الحاقدة على الإسلام وأهله، والتي تجنّدها البابويّة من نصارى أسبانيا وأوربا.
وأمام فقدان المسلمين في الأندلس قوتهم الذاتية تلمّسوا حولهم، فوجدوا القوى الإسلامية في العدوة الأخرى، فاندفعوا للعمل للاتصال بالأخوة، وخاصة بعد قمة الفاجعة الأندلسية- سقوط طليطلة بيد النصارى.
1 الحجى- التاريخ الأندلسي ص 330.
ثالثاًَ: سقوط طليطلة- زلزلة الأندلس الإِسلامية
-:
كانت طليطلة من أجلّ المدن الإسلامية وأعظمها خطراً 1، ومن- أكبر بلاد الأندلس وأحصنها2، حكمها من الطوائف بنو ذي النون الهواري، وأوّلهم الأمير إسماعيل عام 420هـ، ثم تملّك المأمون بعد أبيه عام 435هـ 3، فعكف على اللذات والخلاعة، وصادر
1 ياقوت- معجم البلدان جـ4 ص40.
2 الكامل في التاريخ جـ8 ص138.
3سير أعلام النبلاء جـ18 ص221/ الكامل في التاريخ جـ9 ص288.
الرعيّة، وهادن العدوّ، فطمعت فيه الفرنجة بل في الأندلس، وأخذت عدّة حصون، وكان قد استعان بهم على تملّك مدائن الأندلس، وغدر به ملكهم، وأخذه رهينة حتّى أعطاه ما طلب من الحصون، وقرّر عليه مالاً كلّ سنة، وعاد ذليلاً مخذولاً وذلك بما قدّمت يداه، إلى أن توفي عام 460هـ 1 مقتولاً بيد القاضي ابن جحّاف، فخلفه القادر بن يحي في الحكم 2 الذي لجأ إلى بلاطه الفونسو السادس، وأقام فيه تسعة شهور، ولاقي الإكرام الزائد، والمجاملات الكثيرة إلى أن غادرها حاكماً للنّصارى، بعد أن ارتبط ببني ذي النون بروابط الصداقة وأعطى العهود والمواثيق.
أصبح شغل الفونسو الشاّغل الاستيلاء على هذا البلد الذي آواه وأكرمه، وكان قد درس وسائل احتلالها أثناء لجوئه، بل وتذكر بعض الروايات أنه استمع ذات يوم وهو متظاهر بالنوم إلى حديث المأمون مع وزرائه في كيفية الدفاع عن طليطلة إذا هاجمها النصارى، وقد أجاب بعضهم: أن النّصارى لا يستطيعون الاستيلاء عليها وهي المدينة الحصينة إلا إذا أنفقوا سبعة أعوام على الأقلّ في تخريب أحوازها وإنتساف قوتها 3، وتمكن الفونسو من الإطلاع على عوراتها 4. فأخذ بالإغارة على أراضيها وعاث فيها سفكاً وتخريباً، وانتسف مزارعها، بالاتفاق (ياللأسف) مع ابن عباد أمير اشبيلية، وأعظم ملوك الطوائف، الذي تحالف معه وتعهّد بمعاونته بالجند والمرتزقة ضد جميع المسلمين مقابل ألاّ يتعرض لمشروعه في مهاجمة طليطلة، فضحّى المعتمد بمعقل الأندلس المسلمة مقابل وعود خدّاعة، ودفع للادفونش الجزية 5
استمرّ الفونسو في غاراته على أراضي طليطلة دون أن يجد من يردعه، وبعد أن أنهكها تقدّم لحصارها، واستمرّ في حصارها سبع سنوات 6 وارتكب بها وبأهلها الأفاعيل وأُنزلت الآثامٍ، وتمثّلت النزّعة الصّليبيّة واضحة في هذا الحصار، فقد ضمّت القوات النّصرانيّة جنوداً من جميع أسبانيا النّصرانية من قشتاله وليون وارغون، ومتطوعين نصارى من المغامرين من فرنسا وألمانيا وإنكلترا وغيرها من أوربا النصرانية 7، تباركهم الكنيسة. في
1 نفح الطيب جـ4 ص352.
2 نفح الطيب جـ4 ص352.
3 دول الطوائف ص391، وهي قصة لا تخلو من الخيال، ولكنها ذات مغزى يرمي إلى تصوير مدى غفلة الأمير، وثقته بأعدائه، وركونه إليهم.
4 ابن الخطيب- أعمال الأعلام جـ2 ص330.
5 الذهبي-العبرجـ2 ص338.
6 نفح الطيب جـ4 ص353/ العبر جـ2 ص339/ الكامل في التاريخ جـ8 ص138.
7 عنان- دول الطوائف ص396.
حين بقيت طليطلة المسلمة وحيدة تصارع هذه القوى، وأمراء الطوائف جامدون لا يتحرّكون، وكأن الأمر لا يخصهم، بل ارتمى بعضهم كزعيمهم ابن عباد على اعتاب الفونسو، وتغافلوا عن الحقيقة:(إن النصارى لا يفرّقون بين طليطلة وغيرها من القواعد الإسلامية) ولم يقم بواجب نجدتها إلا المتوكّل على الله عمر بن محمد بن الافطس أمير بطليوس الذي وقف مجاهداً عن الإسلام وأهله كوالده الذي كان قد دعا إلى وحدة الأندلس للوقوف في وجه النصارى، وأنحى باللائمة على ابن عباد الذي مالأ الاذفونش، وبينّ أن سبب تكالب الأفرنج على بلاد المسلمين يكمن في ذنوبهم وتفرّقهمِ 1، واستمرّ في جهاده إلى وفاته سنة 470هـ. فكان ابنه المتوكل هذا لا يقلّ عنه جهاداً، وقد ثار أهل طليطلة عام 472 هـ ضد القادر وخلعوه لتعاونه معِ الاذفونش وخياناته، واستدعوا المتوكّل ليتولىّ أمرها، فقبل مكرهاً، وأقام عندهم نحواً من عشرة أشهر ليعود إلى بطليوس حين علم باستعانة القادر بالاذفونش وتقدّمهما نحو طليطلة 2.
يئس أهل طليطلة من نجدات المسلمين، ففاوضوا الاذفونش من أجل التّسليم، وكالعادة أعطى لأهلها الأمان لضمان حرّيّاتهم، واحترام شعائر دينهم، وحقوقهم، وحرمة مساجدهم، وكعادته أيضاً نقض هذه العهود بعد شهرين فقط، وحوّل مسجدها الجامع إلى كنيسة، وحطّم المحراب ليقام الهيكل مكانه 3،وارتكب بأهلها الأفاعيل وأنزل بها الآثام 4،تباركه الكنيسة في ذلك، واتّخذها عاصمة لأسبانيا النّصرانيّة. وكان سقوطها في منتصف المحرم سنة 478هـ5.
وأسفر سقوط طليطلة عن نتائج هامة:
فقد اشتدّ طمع النّصارى في بلاد الأندلس الإسلامية، فشنّ الأذفونش الغارات على جميع الأندلس المسلمة، وفاز باستخلاص جميع أقطار ابن ذي النون واستئصالها، وذلك
1 انظر رسالته للأذفونش بهذه المعاني/ سير أعلام، النبلاء، ج18 ص595-596 وفيها تظهر عزة المسلم حينما يلجأ إلى الله سبحانه ويستمد منه قوته.
2 انظر: الحجي- التاريخ الأندلسي ص 337.
3 نفح الطيب جـ4 ص447/ عنان- دول الطوائف ص113.
4 نفح الطيب جـ4 ص354.
5 نفح الطيب جـ4 ص354/العبر جـ2 ص 338/ الكامل جـ8 ص138.