المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌خط سير القوات الإسلامية إلى الزلاقة: - الزلاقة معركة من معارك الإسلام الحاسمة في الأندلس

[جميل عبد الله محمد المصري]

الفصل: ‌خط سير القوات الإسلامية إلى الزلاقة:

‌عبور المجاهدين:

عبرت الجيوش الإسلامية المجاز (مضيق جبل طارق) بقصد الجهاد سنة 479 هـ1، من سبتة إلى الجزيرة الخضراء تباعاًَ: فكان أوّلها قوةّ من الفرسان بقيادة داود بن عائشة، وآخرها موكب أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، يوم الخميس منتصف ربيع الأول عام 479 هـ/30 حزيران 1086 م 2.

ويذكر أنّه خلال العبور هبّت ريح عاصف أثارت أمواجاً عالية، فرفع الأمير يوسف يديه إلى السّماء يدعو الله عز ّوجل:

"اللهم إن كنت تعلم أنّ في جوازنا هذا خيراً وصلاحاً للمسلمين فسهّل علينا جواز هذا البحر، وإن كان غير ذلك فصعّبه حتى لا أجوزه". واستجاب الله دعاءه، "فسهّل له المركب، وقرّب المطلب"3. وما كاد يطأ بقدميه أرض الأندلس حتى سجد لله شكراً. وتلقّاه المعتمد بن عبّاد في وجوه من دولته، وقدّم إليه الهدايا والتّحف، وتسلّم الأمير قلعة الجزيرة الخضراء باحتفال حضره القضاة والفرسان والمعتمد، كما تسلّم عدّة قلاع وحصون أخرى، قام بإصلاحها، وأعاد تحصينها، أتمّ تحصين، ونظمها حسب رأيه وإستراتيجيته الخاصة، ورتب لها حامية مختارة من جنده لتسهر ِعليها، وشحنها بمقادير عظيمة من الأقوات، والذخائر، والمؤن، لكي تغدو ملاذاً أميناَ، يلتجيء إليه، إذا منيت الحملة بالفشل 4.

وفشا خبر عبور الأندلس فقوبل بالترحيب وانتعاش الآمال من قِبَل جميع المسلمين في الأندلس، وتحرّكت في نفوسهم روح الجهاد فتوافد إليه المتطوّعة من كلّ مكان، كما جاءته الوفود مرحّبة.

1 المؤنس ص 108.

2 عنان- دول الطوائف ص219.

3 دول الطوائف ص 447،319 /الحجي ص403 / التواتي ص291.

4 دول الطوائف ص320 /التواتي ص291.

ص: 185

‌خط سير القوات الإِسلامية إلى الزلاقة:

تحرّك يوسف بالجيش الِإسلامي من الجزيرة الخضراء باتّجاه الشّمال الشّرقي إلى اشبيلية، ولما وصلها نزل بظاهرها، وطلب إليه المعتمد أن يدخل حاضرة ملكه ليستريح فيها أياماً من وعثاء السفر، ومشقّة الطريق، قبل أن يلتقي بعدوه. فأبى يوسف الدّخول وقال:

ص: 185

"إنّما جئت ناوياً جهاد العدو، فحيثما كان العدوّ توجّهت، هلّم (إلى ما جئنا له من الجهاد) "1.

وأقام بظاهر أشبيلية ثمانية أيام، نظم فيها أموره، فتمّ التخلّص من كلّ ما لا حاجة إليه في ساحة المعركة، وتمّت دراسة الجوّ، والأوضاع والنفوس، وتمّ التئام جيوش المسلمين وأمراء الأندلس التي تقرّر أن تشارك في المعركة المنتَظَرة، وكانت قد سَرَت في مسلمي الأندلس قبل ذلك وخلاله روح جديدة، ذكرّتهم بأيام النّصر التّي سمعوا عنها الكثير، فشارك أمراء الطّوائف بقواتهم، وأعدّوا ما يمكن للمشاركة في البذل والتّضحية. (ولم يبقَ من ملوك الطوائف إلا من بادر أو أعان أو خرج، أو أخرج)2. فانضمّ المعتمد بقواته، وبعض قوات بعثها ابن صمادح صاحب المريّة الذي اعتذر عن عدم استطاعته الشّخوص بنفسه بسبب العدوّ الملاصق له بحصن لييط، من عمل لورقه، واعتذر بكبر السن مع الضعف. وساهم عبد الله بن بلكين صاحب غرناطة وأخوه تميم صاحب مالقة، وابن ذي النون، وانضمّ المتوكل بن الأفطس وكان أشدّهم حماساً، وقصدته المتطوّعة من سائر بلاد الأندلس 3. وكان يوسف خلال هذه الأيام صائم النّهار، وقائم اللّيل، في تهجّد، وتلاوة لآيات كتاب الله الكريم، وقد أكثر من الصّدقات، وأعمال البر، فتملّك نفوس أهل الأندلس، وكسب قلوب جنده بالنّصفة، وإيثار الحقّ، وإنشاء العدل. ووصله أثناء ذلك خبر موت ابنه أبي بكر، (فحيرّه حتى لهمّ بالانصراف عن وجهه. ثم آثر الجهاد، وانفذ مزدَلي (أحد قادته المشاهير) إلى مرّاكش) 4 للقيام بتنظيم الأمور هناك.

وقام يوسف بتنظيم الجيش للتّحرّك من ظاهر أشبيلية، فجعل القوات الأندلسية لوحدها في المقدمة بقيادة المعتمد بن عباد، لمعرفتها التّامّة بأرض الأندلس، في حين جعل الجيوش المرابطيّة في المؤخرّة، ثمّ أمر بالتّحرّك إلى بطليوس، فتلقّاهم المتوكلّ عمر بن محمد الأفطس بما يجب من الضّيافات والأقوات وبذل المجهود 5. فأقام الجيش هناك ثلاثة أيام للرِاحة في طرطوشة بالقرب من بطليوس 6.

1حسن إبراهيم- تاريخ الِإسلام جـ4 ص121/ المعجب للمراكشي ص 132.

2 نفح الطيب جـ4 ص 362.

3 الكامل في التاريخ جـ8 ص 142/ أشباخ- تاريخ الأندلس ص 80/ وانظر ما كتبه عبد الله بن بلقين في كتابه التبيان- الحجي ص 404.

4 انظر: الحجي ص 404، عن الحلة السيراء جـ2 ص 100/ راجع دول الطوائف ص 319 و447.

5 نفح الطيب جـ4 ص364.

6 انظر عن طرطوشة ياقوت جـ4 ص 30 وعن بطليوس: ياقوت جـ4 ص 447/ التواتي ص 294.

ص: 186

Image p (187)

ص: 187