المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الثالث: جهود أتباع التابعين في حفظ السنة - السنة النبوية وحي - شيخة بنت مفرج

[شيخة بنت مفرج المفرج]

الفصل: ‌المبحث الثالث: جهود أتباع التابعين في حفظ السنة

‌المبحث الثالث: جهود أتباع التابعين في حفظ السنة

بعد أن أدى الصحابة والتابعون ما في وسعهم لحفظ السنة آتى هذا الجهد ُثماره يانعة في عهد أتباع التابعين الذين ساروا على خطى من سبقهم وذلك بأمرين:-

الأول: ما خرج للناس من مدونات حديثية مختلفة على يدي أبناء النصف الأول من القرن الثاني الهجري، وقد ظهرت تلك المصنفات والكتب في أوقات متقاربة، وفي مناطق مختلفة من الدولة الإسلامية، فبعد أن كان أهل الحديث يجمعون الأحاديث المختلفة في الصحف والكراريس، أصبحوا يرتبون الأحاديث على الأبواب، وكانت هذه المصنفات تشتمل على السنن وما يتعلق بها، وكان بعضها يسمى مصنفا وبعضها يسمى جامعا أو مجموعا وغير ذلك.

وقد اختلف في أول من صنف وبوب، فقيل عبد الملك بن عبد العزيز ابن جريج البصري (150هـ) بمكة، ومالك بن أنس (93-179هـ) أو محمد بن إسحاق (

-151هـ) بالمدينة المنورة، وصنف بها محمد ابن عبد الرحمن بن أبي ذئب (80-158هـ) موطأ أكبر من موطأ مالك، والربيع بن صبيح (

-160هـ) أو سعيد بن أبي عروبة (

-156هـ) أو حماد بن سلمة (

-167هـ) بالبصرة، وسفيان الثوري (97-161هـ) بالكوفة، وخالد بن جميل العبد، ومعمر

ص: 43

ابن راشد (59-153هـ) باليمن (1) ، والإمام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (88–157هـ) بالشام، وعبد الله بن المبارك (118-181هـ) بخرا سان، وهشيم بن بشير (104-183هـ) بواسط (2) ، وجرير بن عبد الحميد (110-188هـ) بالري، وعبد الله بن وهب (125-197هـ) بمصر (3) ، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم، وقد كان معظم هذه المصنفات، والمجاميع يضم الحديث الشريف وفتاوى الصحابة والتابعين، كما يتجلى لنا بعض هذا في موطأ الإمام مالك بن أنس (4) .

ثم رأى بعضهم أن تفرد أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في مؤلفات خاصة، فألفت المسانيد، وهي كتب تضم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسانيدها خالية من فتاوى الصحابة والتابعين تجمع فيها أحاديث كل صحابي ولو كانت في مواضيع مختلفة – تحت اسم مسند فلان ومسند فلان وهكذا.

وأول من ألف المسانيد أبو داود سليمان بن الجارود الطيالسي (33 -204هـ)(5) . وتبعه بعض من عاصره من أتباع التابعين وأتباعهم، فصنف أسد بن موسى الأموي (

-212هـ) وهو أول من صنف المسند بمصر، وعبيد الله بن موسى العبسي (

-213هـ) وقال ابن

(1) تدريب الراوي للسيوطي 1/89.

(2)

تاريخ بغداد 14/85.

(3)

تدريب الراوي للسيوطي 1/89.

(4)

الرسالة المستطرفة للكتاني ص 6-7.

(5)

الرسالة المستطرفة للكتاني ص 61.

ص: 44

عدي: هو أول من صنف المسند بالكوفة، ونعيم بن حماد الخزاعي المصري (

-228هـ) واقتفى الأئمة آثارهم كأحمد بن حنبل (164 -241هـ) وإسحاق بن راهويه (161-238هـ) وعثمان بن أبي شيبة (156-239هـ) وغيرهم (1) . ويعُدّ مسند الإمام أحمد بن حنبل – وهو من أتباع التابعين – أوفى تلك المسانيد وأوسعها.

جمع هؤلاء الحديث ودونوه بأسانيده. واجتنبوا الأحاديث الموضوعة وذكروا طرقا كثيرة لكل حديث، يتمكن بها جهابذة هذا العلم وصيارفته من معرفة الصحيح من الضعيف، والقوي من المعلول، مما لا يتيسر لكل طالب علم فرأى بعض الأئمة أن يصنفوا في الحديث الصحيح فقط، فصنفوا كتبهم على الأبواب واقتصروا فيها على الحديث الصحيح. ظهرت الكتب الستة في هذا العصر، عصر أتباع أتباع التابعين، وكان أول من صنف ذلك الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (194-256هـ) ، ثم الإمام مسلم بن الحجاج القشيري (204-261هـ) ، وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (202-275هـ) ، وأبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي (

-279هـ) وأحمد بن شعيب النسائي (215-303هـ) . ثم ابن ماجه وهو عبد الله بن محمد بن يزيد بن عبد الله بن ماجه القزويني (207-273هـ) ، وقد خدمت هذه الكتب بالشرح والتهذيب والاختصار والاستخراج عليها من قبل العلماء الذين جاؤوا بعدهم (2) .

(1) الرسالة المستطرفة للكتاني ص 61 – 63.

(2)

جمعت مادة المبحثين الثاني والثالث من كتاب أصول الحديث وعلومه ومصطلحه للدكتور محمد عجاج الخطيب من ص 79 إلى ص 185 بتصرف شديد وإضافات.

ص: 45

الثاني: علم الرجال أو ما يسمى بالجرح والتعديل وقد ظهر هذا العلم في عصر الصحابة والتابعين ولكن اشتدت الحاجة إليه في عصر أتباع التابعين، حيث كان التابعون وأتباعهم وأهل العلم من بعدهم يبينون أحوال الرواة وينقدونهم ويعدلونهم حسبة لله، لا تأخذهم خشية أحد ولا تتملكهم عاطفة، فليس أحد من نقاد الحديث ورجاله يحابي في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أباه ولا أخاه ولا ولده، وقد قصد الجميع خدمة الشريعة الإسلامية وحفظ مصادرها، فصدقوا القول وأخلصوا النية.

فهذا شعبة بن الحجاج (82-160هـ) يُسأل عن حديث حكيم ابن جبير فيقول (أخاف النار)(1) وكان شديداً على الكذابين، ولهذا قال الإمام الشافعي:(لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق)(2) .

وقد كان أئمة الحديث يدققون في حكمهم على الرواة، يعرفون كل محدث ما له وما عليه

قال الإمام الشعبي: (والله لو أصبت تسعاً وتسعين مرة وأخطأت مرة لعدو علي تلك الواحدة)(3)

وقال يحيى بن سعيد القطان: (سألت سفيان الثوري وشعبة ومالكاً وابن عيينةَ عن الرجل يكون ثبتاً في الحديث، فيأتيني الرجل فيسألني عنه، قالوا أخبر عنه أنه ليس بثبت)(4)

(1) الجرح والتعديل 1/140.

(2)

تذكرة الحفاظ 1/193.

(3)

تذكرة الحفاظ 1/82.

(4)

ضعفاء العقيلي 1/14.

ص: 46

وقد أكد العلماء ضرورة بيان أحوال الرواة، وأنه ليس في هذا غيبة، بل في ذلك حفظ السنة، وصيانتها عن الدخيل، وبيان الصحيح من الضعيف، والمقبول من المردود، قال ابن المبارك:(المعلى بن هلال هو، إلا أنه إذا جاء الحديث يكذب، فقال له بعض الصوفية: يا أبا عبد الرحمن، تغتاب؟ فقال: اسكت، إذا لم نبين، كيف يعرف الحق من الباطل؟)(1)

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: (جاء أبو تراب النخشبي إلى أبي فجعل أبي يقول: فلان ضعيف، فلان ثقة، فقال أبو تراب: يا شيخ، لا تغتب العلماء، فالتفت أبي إليه، فقال له: ويحك

هذا نصيحة وليس هذا غيبة) (2)

وكانت غاية العلماء في كل هذا بيان الحق بكل أمانة وإخلاص، وكانوا يرون الأمانة في الذهب والفضة أيسر

من الأمانة في الحديث، فكانوا أمناء في كل هذا ولولا ضرورة التثبت والبحث ما خاضوا هذا الميدان الخطير، وما قاسوا المكاره والصعاب.

وقيل ليحيىبن سعيد القطان: (أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءَك عند الله؟ قال: لأن يكون هؤلاء خصمائي أحب إليَّ من أن يكون خصمي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: لم حدثت عني حديثاً ترى أنه كذب؟)(3)

(1) الكفاية للخطيب البغدادي ص 45.

(2)

الكفاية للخطيب البغدادي ص 45.

(3)

تدريب الراوي 2/369.

ص: 47

وهكذا قام هؤلاء العلماء بهذه الجهود المباركة لما فيها من نصح للمسلمين، وحفظ لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقامة لقواعد الدين استجابة لقول الله عز وجل:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب:70 – 71]

فجزى الله هؤلاء الرجال الأفذاذ خير الجزاء على ما قدموه من جهود جبارة لخدمة هذا الدين وجعلها في موازين أعمالهم.. آمين.

ص: 48