المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الفصل الثاني: كيف حفظت السنة ؟؟ ‌ ‌المبحث الأول: جهود الصحابة في حفظ - السنة النبوية وحي - شيخة بنت مفرج

[شيخة بنت مفرج المفرج]

الفصل: ‌ ‌الفصل الثاني: كيف حفظت السنة ؟؟ ‌ ‌المبحث الأول: جهود الصحابة في حفظ

‌الفصل الثاني: كيف حفظت السنة

؟؟

‌المبحث الأول: جهود الصحابة في حفظ السنة في النبي صلى الله عليه وسلم

‌مدخل

الفصل الثاني: كيف حفظت السنة؟؟

المبحث الأول: جهود الصحابة في حفظ السنة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

كان من رحمة الله بالإنسانية جمعاء أن بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة. وهذا الرسول هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب أشرف الناس نسباً وأكرم قريش أصلاً.

بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعوة إلى الله سرّاً حتى لا يفجأ القوم بها وهم غارقون في جهلهم هائمون في غيهم.فتبعه منهم نفر قلائل لا يتجاوزون أصابع اليد، ثم جهر بالدعوة إلى الله عز وجل فدخل في الدين من علية القوم كثير، دخلوا الإسلام على بينة من أمره واستمعوا إلى كتاب الله وسنة نبيهم فخالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، ولاسيما وهم متعطشون إلى ما ينقذهم من ظلمات الشرك ويهديهم إلى سبل السلام فصادف الإسلام قلوباً مستعدة ونفوساً متلهفة متهيأة فتمكن منها كل التمكن وجرى الإيمان فيهم مجرى الدم في عروقهم.

ذلك أنهم عرفوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذا الدين هو منبع سعادتهم ومعقد عزهم وسبب نهضتهم فعقدوا عليه خناصرهم وأحبوا رسول الله حباً يعلو على حب الآباء والأبناء وانكبوا على ما جاءهم به من القرآن يحفظونه وعلى ما حدثهم به من بيان للكتاب

ص: 18

أو تشريع للأحكام فجمعوه في صدورهم وطبقوه على جميع أحوالهم، ثم كانت الهجرة إلى المدينة فانفسح المجال لاستماع القرآن وحضور مجالس النبي صلى الله عليه وسلم.

علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم للسنة مكانها من الدين وأنها الركن الثاني في بنائه القويم بعد الكتاب العزيز كما علموا وصية الله تعالى باتباعها وتحذيره الشديد من مخالفتها، وأن من فَرَّطَ في أمرها أو تهاون بشأنها فهو محروم، ومن حفظها وعمل بها فهو سعيد مشكور.

ولم يخف عليهم أن القرآن العزيز رفع من شأن العلم والعلماء وحط من شأن الجهل والجهلاء فقال: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} [الزمر:9] وقال: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة:11] وحث على التفقه في الدين وتبليغه إلى الناس فقال: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة:122] .

كما لم يخف عليهم الوعيد الشديد على كتمان العلم في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة:159] .

وكما جاءت الآيات القرآنية حاثة لهم على تعلم الدين وأحكامه ودرسه ونشره كذلك جاءت الأحاديث النبوية محببة إليهم حمل العلم والتفقه في الدين محذرةً لهم من كتمانه حاضةً على تبليغه إلى الناس فقال

ص: 19

صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين"(1)"الدنيا ملعونة. ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً ومتعلماً"(2) .

"نضر الله امرأً سمع منا شيئاً فَبَلَّغهُ كما سمعهُ فَرُبَّ مُبلَّغٍ أوعى من سامع"(3)"من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة"(4)"من سُئل عن علمٍ فكتمه جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من نار"(5) والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة شهيرة.

ملكت هذه الآيات والأحاديث على الصحابة مشاعرهم وأخذت عليهم ألبابهم وأفعمت قلوبهم حباً لله ورسوله صلى الله عليه وسلم وألهبت نفوسهم نشاطاً نحو العلم والعمل فلم يدخروا وسعاً في حفظ الأحكام والسنن، وضحوا في سبيل ذلك بأموالهم وأنفسهم. وإلى جانب هذه الحمية الدينية استعداد فطري ونشاط طبيعي هو استعداد الحافظة ونشاط الذاكرة وسرعة الخاطر وقوة الذكاء وكمال العبقرية، فالصحابة

(1) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح 1/164، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ح 71، وأخرجه مسلم 2/718، كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة ح 98 (1037) .

(2)

أخرجه ابن ماجه 2/1377، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، ح 4112، وحسنه الألباني كما في صحيح سنن ابن ماجه 2/395، ح 3320.

(3)

أخرجه الترمذي 5/ 34، كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، ح 2657، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

(4)

أخرجه مسلم 4/ 2074، كتاب الذكر، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر ح 38 (2699) .

(5)

أخرجه أحمد بن حنبل في المسند 2/ 296 و 495، مسند أبى هريرة، وقال أحمد شاكر - في تحقيقه للمسند 14/5، ح 7561 -: إسناده صحيح.

ص: 20

عرب خلص أكثرهم أميون لا يقرؤون ولا يكتبون فكل اعتمادهم على ملكتهم في الحفظ وقوة شأنهم فيه، واعتبر ذلك بحالهم في الجاهلية فقد حفظوا أنسابهم ومناقبهم وأشعارهم وخطبهم وكثيراً ما كانت تقع بينهم المفاخرة بالأنساب والأحساب فلا يسعفهم غير اللسان يثيرون به ما حفظوه من أخبارهم وأخبار خصومهم مما يرفع من شأنهم ويحط من شأن أعدائهم، فكان كل امرئٍ منهم على مقدار حفظه وقوة وعيه ترجمان قبيلته يرفع من قدرها ويتحدث عن مفاخرها وأحسابها والقوم من ورائه كأنهم سجل مليء بالحوادث والأخبار وكتاب شحن بالتواريخ والآثار، ساعدهم حبهم للتفاخر بالأحساب والأنساب والتنابز بالمثالب والألقاب مع ما رسخ فيهم من عصبية قبلية على إجادة الحفظ والضبط ونشاط في الذاكرة لم يتوافر في أمة من الأمم.

وكأن الله تعالت قدرته هيأ هذه الأمة العربية على هذا الاستعداد الهائل إرهاصاً لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فكانت هذه الصدور الحافظة مهدا لآي الذكر الحكيم، وكانت هذه القلوب الواعية أوعية لحديث النبي الكريم فاندفع هؤلاء الصحابة الأجلاء إلى تلقي حديث رسول الله بِنَهَم عظيم وشوق كبير، وأظهر الله بهم دينه على الدين كله، وكان أمر الله قدراً مقدورا.

نعم تظاهر هذان العاملان

العامل الروحي والعامل الفطري فأتى القوم بمالم تأت به أمة من يوم أن بعث الله تعالى رسله إلى الخلق فحفظوا كتاب ربهم وسنة نبيهم واتخذوا شريعته نبراساً في أمر معاشهم ومعادهم وبلغوها إلى الناس على وجهها غضةً طريةً.

ص: 21