المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المطلب الثاني: ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم بعد البعثة - السنة النبوية ومكانتها - رقية نياز

[رقية بنت نصر الله نياز]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌المبحث الآول: مكانة السنة من حيث حجيتها

- ‌المطلب الأول: ثبوت حجية السنة بأدلة القرآن الكريم

- ‌المطلب الثاني: ثبوت حجية السنة بالإحاديث النبوية

- ‌المطلب الثالث: ثبوت حجية السنة بإجماع الآمة

- ‌المطلب الرابع: ثبوت حجية السنة بالدلبل العقلي

- ‌المبحث الثاني:مكانة السنة من حيث مرتبتها

- ‌المطلب الأول: إثبات أن السنة هي المصدر الثاني بإدلة القرآن الكريم

- ‌المطلب الثاني: إثبات أن السنة هي المصدر الثاني بالأحاديث النبوية

- ‌المطلب الثالث: إثبات أن السنة هي المصدر الثاني بالإجماع

- ‌الطلب الرابع: إثبات أن السنة هي المصدر الثاني بالمعقول

- ‌المبحث الثالث: مكانة السنة من حيث بيان الأحكام التشريعية

- ‌المطلب الأول: السنة مؤكدة ومقررة لما جاء في القرآن الكريم

- ‌المطلب الثاني: السنة مبينة لمجمل القرآن الكريم

- ‌المطلب الثالث: السنة مخصصة لعام القرآن الكريم

- ‌المطلب الرابع: السنة مقيدة لمطلق القرلآن الكريم

- ‌المطلب الخامس: السنة تثبيت أحكامها سكت عنها القرآن الكريم

- ‌المطلب السادس: السنة ناسخة لأحكام ثابتة في القرآن الكريم

- ‌المبحث الرابع: مكانة السنة من حيث العمل بها

- ‌المطلب الأول: ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم قبل البعثة

- ‌المطلب الثاني: ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم بعد البعثة

- ‌الخاتمة:

- ‌ مصادر ومراجع

الفصل: ‌المطلب الثاني: ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم بعد البعثة

‌المطلب الثاني: ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم بعد البعثة

يعد ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد البعثة المصدر الثاني من مصادر التشريع بعد القرآن الكريم، وينقسم ذلك إلى الأقسام التالية:

القسم الأول: ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم قولاً

وأقوال النبي صلى الله عليه وسلم هي عباراته، وكلماته، التي تلفظ بها.

والمراد بها: الأحاديث التي تلفظ بها الرسول صلى الله عليه وسلم تبعاً لمقتضيات الأحوال. والأحاديث القولية تمثل في الواقع جمهرة السنة وعليها مدار التوجيه والتشريع، وفيها يتجلى البيان النبوي، وتتمثل البلاغة المحمدية، بأجلى صورها، وفيها جوامع الكلم التي خص الله تعالى بها خاتم رسله.

أقسام أقوال النبي صلى الله عليه وسلم:

تنقسم أقوال النبي صلى الله عليه وسلم كما ينقسم كل كلام - إلى: خبر، وإنشاء.

أولاً: أخبار النبي صلى الله عليه وسلم:

وهذه الأخبار قد تكون عن الله سبحانه وتعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله كما في حديث أبي هريرة: "إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة"(1) وقد تكون أخبارا عن عالم الغيب

(1) رواه الإمام البخاري (2736) في كتاب الشروط، باب ما يجوز من الاشتراط والثنا والإقرار، والإمام مسلم (2677) في كتاب الذكر والدعاء، باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها.

ص: 43

مثل إخباره عن سؤال القبر ونعيمه وعذابه، وعن البعث والحشر والشفاعة، ومن أخباره أيضاً ما قصه علينا من سير الماضين من الأنبياء والصالحين، ويدخل في أخباره ما يذكره عن المستقبل مما أطلعه الله عليه.

ومما يدخل في دائرة الخبر من أقواله ما يذكره صلى الله عليه وسلم لبيان حقائق الأشياء وبيان قيمها ومراتبها وما فيها من ثواب وعقاب.

ومن الأخبار ما يتضمن توجيهات أخلاقية ترغيباً في الخير، وترهيباً من الشر. ومنها ما يتضمن تشريعاً ملزماً للفرد المسلم وللجماعة المسلمة وإن كان في صورة خبر كما في حديث:"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى"(1) وقوله صلى الله عليه وسلم "لا ضرر ولا ضرار"(2) .

ثانياً: الإنشاء.

والإنشاء بمعنى الطلب، من أقواله صلى الله عليه وسلم فيشمل الأمر، والنهي، والدعاء، فتمثل الأمر قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"(3) .

ومثل النهي قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب

(1) رواه الإمام البخاري (1189) في كتاب الجمعة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، والإمام مسلم (1397) في كتاب الحج، باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد.

(2)

رواه عن أبي سعيد الخدري الدارقطني 3/77 و 4/288، وصححه الحاكم 2/57-58. وقد روي عن جماعة من الصحابة. قال ابن رجب الحنبلي: إن بعض طرقه تُقوّى ببعض. انظر جامع العلوم والحكم 2/210.

(3)

رواه من حديث الحسن بن علي: الإمام أحمد 1/200، والإمام النسائي 8/327 في كتاب الأشربة، باب الحث على ترك الشبهات، والإمام الترمذي (2518) في كتاب في صفة القيامة، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وصححه ابن حبان (722) ، والحاكم (2/13 و 4/99) .

ص: 44

الحديث" (1) .

ومن أمثلة الدعاء: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي"(2) .

حجية أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم

الأصل في حجية أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم ما تقدم من الأدلة العامة على حجية السنة؛ لأن الأقوال قسم من أقسام السنة بالإضافة إلى الأدلة التي تدل على وجوب التأسي والمتابعة والاقتداء في أقواله ومن ذلك:

قوله تعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الأحزاب: 21] .

وجه الدلالة: حيث ذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية: أن هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله (3) .

ولما كان التأسي بأقواله صلى الله عليه وسلم أمرًا واجبًا، لهذا فقد عنى المسلمون بنقل أقوال النبي صلى الله عليه وسلم أيما عناية، وقسموا (4) الأقوال المقبولة المتصلة السند إلى

(1) رواه عن أبي هريرة الإمام البخاري (5143) في كتاب النكاح، باب لا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع، والإمام مسلم (2563) في كتاب البر والصلة، باب تحريم الظن والتجسس والتنافس والتناجش ونحوها.

(2)

رواه من حديث أبي هريرة: الإمام مسلم (2720) في كتاب الذكر والدعاء، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل.

(3)

انظر: تفسير القرآن العظيم / ابن كثير (جـ 3/ 483) .

(4)

قسم العلماء: الحديث إلى قسمين: متواتر، وآحاد، والمشهور قسم من أقسامه عند المحدثين، كما ذكر الحافظ ابن حجر في شرح النخبة /29-30.

ص: 45

أحاديث قولية متواترة، ومشهورة، وآحاد، فقالوا: إن الأحاديث القولية المتواترة توجب العلم والعمل، ولا مجال للشك فيها.

أمّا الأحاديث القولية المشهورة فإنها تفيد علم الطمأنينة، وهو الظن القريب من اليقين، وتوجب العمل بها بالإجماع.

أما الأحاديث القولية الآحاد فاختلف فيها، هل تفيد العلم أو تفيد الظن؟ والراجح أنها تفيد العلم، لأن العلماء أجمعوا على وجوب العمل بأخبار الآحاد.. فكيف يوجب العمل وهي غير مفيدة للعلم؟ فالعمل فرع عن تصور العلم، وبالتالي فهي توجب العلم والعمل.

وتقسيم (1) السنة إلى: متواتر، ومشهور، وآحاد تقسيم حادث، وليس من منهج الصحابة والسلف الصالح، وإنما كان منهجهم هو وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع أقواله (2) .

القسم الثاني: ما صدر عنه فعلاً صلى الله عليه وسلم

الأفعال: جمع فِعْل، والفعل هو الهيئة العارضة للمؤثر في غيره، بسبب التأثير كالهيئة الحاصلة للقاطع بسبب كونه قاطعاً

ومنه الفعل العلاجي

(1) انظر الحاشية السابقة.

(2)

انظر: الموضوع بالتفصيل في: شرح الكوكب المنير / للفتوحي الحنبلي المعروف بابن النجار (جـ 2/345) دار الفكر ت دمشق 1400?. وروضة الناظر / لابن قدامة (جـ 1/260) مطابع الرياض 1397?. والكفاية في علم الرواية / للخطيب البغدادي (ص 48) دار الكتاب العربي – بيروت 1406?.وأصول الفقه للبرديسي (ص 194 -195) ط. الثالثة 1969 دار النهضة. وأصول الفقه/ لمحمد أبو زهرة (ص 99) دار الفكر العربي - القاهرة. وأصول الأحكام الإسلامية (ص 108، 111، 113، 122) .

ص: 46

وهو ما يحتاج حدوثه إلى تحريك عضو كالضرب والشتم (1) .

والمراد بأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم هو كل ما يعمله صلى الله عليه وسلم ببدنه فيدخل في ذلك الإشارة باليد وبالرأس؛ لأنها حركة بعضو من أعضاء البدن ويدخل أيضاً في الأفعال كتاباته صلى الله عليه وسلم إلى الملوك.

أقسام أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم:

اختلف العلماء في تقسيم أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وحصرها وعدها، فمنهم من حصرها في سبعة أقسام كالزركشي والشوكاني (2) . ومنهم من حصرها في ضربين كالشيرازي (3) ومنهم من قسمها دون حصر لعددها كأبي الحسين البصري (4) .

وهذه التقسيمات مستحدثة لم تكن إلا بعد عصر الأئمة، ولا ينبني على ذلك التقسيم فائدة، ولكن هذا التقسيم يوضح ما يستحب فيه المتابعة، وما يمتنع وما يجوز، لذلك ستقسم أفعال النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتضح الأمر إلى ما يلي:

أولاً: أفعال جِبِلِّيَّة وهذا القسم على نوعين:

1 -

أفعال تقع من الرسول اضطراراً دون قصد منه لإيقاعه مطلقاً،

(1) التعريفات للجرحاني/57.

(2)

البحر المحيط للزركشي (جـ 6/29) وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - الكويت ط. الثانية 1413?. إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول / 30.

(3)

شرح اللمع في أصول الفقه / لأبي إسحاق الشيرازي (جـ 1/ 545) دار الغرب الإسلامي – بيروت 1408?

(4)

المعتمد لأبي الحسين البصري (جـ 1/ 385) دار الكتب العلمية – بيروت.

ص: 47

وذلك كما في سرور الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه إذا سُرَّ استنار وجهه كأنه قطعة قمر (1) . وكان إذا كره شيئاً رُئي في وجهه.

وهذا النوع من الأفعال لا يتعلق به متابعة أو تأثر أو اهتداء لوقوعه دون قصد منه.

2 -

أفعال تقع منه اختياراً، وهي ما يفعله الرسول عن قصد وإرادة ولكنها أفعال تدعو إليها الضرورة والحاجة من حيث هو بشر، ويوقعها الإنسان قصداً عند شعوره بتلك الضرورة، إلا أن اتباعها تابع لإرادته وقصده بحيث يستطيع الامتناع عن ذلك في وقت دون وقت.

وذلك كالقيام والقعود وهواجس النفس وحركة اليد أثناء المشي ونومه وأكله وشربه، وهذا النوع أيضاً لا يتعلق به متابعة أو تأسٍّ أو اقتداء. ولكن إن واظب الرسول صلى الله عليه وسلم على إيقاع هذا الفعل الجِبِلِّي على هيئة مخصوصة ووجه معروف كوضع يده اليمنى تحت خده عند النوم ونومه على جنبه الأيمن وأكله بثلاث أصابع، فهذا يندب التأسي فيه؛ لأن الغالب من أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم التشريع، إذ هو بعث لبيان الشرعيات (2) .

وقيل: يستحب المحافظة عليها والأخذ بها ما أمكن تدريباً للنفس وتمريناً لها على أخلاق صاحب الشرع، فإن النفس مهما سومحت في اليسير تشوقت إلى المسامحة فيما فوقه، وكان ابن عمر رضي الله عنهما

(1) رواه عن كعب بن مالك الإمام البخاري (3556) في كتاب المناقب، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم. والإمام مسلم (2769) في كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه.

(2)

البحر المحيط (جـ 6/23) شرح تنقيح الفصول للإمام القرافي / 288. مكتبة الكليات الأزهرية.

ص: 48

يأخذ نفسه بالمحافظة على جميع آثار الرسول صلى الله عليه وسلم. قال نافع: لو نظرت إلى ابن عمر إذا اتبع آثار الرسول صلى الله عليه وسلم لقلت هذا مجنون (1) .

ثانياً: أفعال صدرت منه على وفق العادات (2) كأحواله صلى الله عليه وسلم في المأكل والمشرب والملبس وطريقة مشيته وطريقة كلامه. فهذه الأفعال مباحة لأنه لم يقصد به التشريع ولم نتعبد به ولم تقع تلك الأفعال على سبيل الطاعة. لكن لو تأسى به متأس فلا بأس، وإن تركه لا رغبة عنه ولا استكباراً فلا بأس ويثاب على قصده التأسي، فقد ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما كان يلبس النعال السبتية ويصبغ بالصفرة، فسئل عن ذلك فقال:"وأما النعال السبتية فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس النعال التي ليس فيها شعر ويتوضأ فيها، فأنا أحب أن ألبسها. وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها فأنا أحب أن أصبغ بها"(3) .

ثالثاً: أفعال لم يتبين أمرها ولم يوجد دليل على وقوعها قربة أو عبادة، ولكن لها علاقة بالعبادة، سواء وقعت في أثناء العبادة أو في وسيلتها أو قبلها أو بعدها. كنزوله بالمحصب ليلة النفر، وجلسة الاستراحة في الصلاة، ودخوله مكة من طريق كدي، وخروجه من طريق

(1) شرح الكوكب المنير لابن النجار (جـ 2/179) دار الفكر – دمشق 1400?. البحر المحيط (جـ 6/24) .

(2)

المهذب في علم أصول الفقه / للدكتور عبد الكريم النملة (جـ 2/830) مكتبة الرشد، ط. الأولى 1420?.

(3)

رواه الإمام البخاري (166) في كتاب الوضوء، باب غسل الرجلين في النعلين، والإمام مسلم (1187) في كتاب الحج، باب الإهلال من حيث تنبعث الراحلة.

ص: 49

كداء، ودخوله المسجد الحرام من باب بني شيبة. فقد اختلف العلماء في ذلك، والراجح هو ما ذهب إليه جمهور العلماء: وهو أنه يستحب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأفعال ويُنْدَبُ إلى ذلك ولا يجب (1) .

رابعاً: أفعال بيانية، فإن كان المبين واجباً كان الفعل المبين له واجباً، وإن كان مندوباً فمندوب؛ لأن البيان لا يتعدى رتبة المبيَّن، ومتى تعداه لا يكون بيانا له.

خامساً: الأفعال الخاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم التي ثبت بالدليل اختصاصه بها، كالجمع بين تسع نسوة، فهذا القسم يحرم التأسي فيه (2) .

ومن خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم التبرك بأثره والاستشفاء به، فقد نقل أنه صلى الله عليه وسلم دعا بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه ومجَّ فيه ثم قال لأبي موسى وبلال رضي الله عنهما: اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما (3) . وتوضأ وشرب جابر بن سمرة رضي الله عنه من وضوئه (4) ، وجمعت أم سليم رضي الله عنها عرقه لتتطيب (5) ، وشرب بعضهم دم حجامته (6) .

(1) شرح الكوكب المنير (جـ 2/181) . المهذب للدكتور/ عبد الكريم النملة (جـ 2/ 832) .

(2)

معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة للجيزاني (ص 130) دار ابن الجوزي، ط. الثانية 1419?.

(3)

رواه عن أبي موسى: الإمام البخاري (188) في كتاب الوضوء، باب استعمال فضل وضوء الناس، ومسلم (2497) في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعريين.

(4)

رواه الإمام البخاري (190) في كتاب الوضوء، والإمام مسلم (2345) في كتاب الفضائل، باب إثبات خاتم النبوة وصفته ومحله من جسده صلى الله عليه وسلم.

(5)

رواه الإمام البخاري (6281) في كتاب الاستئذان، باب من زار قوما فقال عندهم، والإمام مسلم (2331) في كتاب الفضائل، باب طيب عرقه صلى الله عليه وسلم والتبرك به.

(6)

هو عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، والحديث رواه الدارقطني (1/288) ، وأبو نعيم في حلية الأولياء (1/330) ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (8/270) وعزاه إلى الطبراني والبزار، وقال: رجال البزار رجال الصحيح غير هنيد بن القاسم (أحد رواته) وهو ثقة.

ص: 50

والدليل على أن هذا من خصائصه أن الصحابة لم يتبركوا بأفاضلهم، وليس في الأمة بعد نبيها أفضل من أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم، ولم ينقل عن أحد منهم ولو حادثة واحدة أنهم تبركوا بهؤلاء الأولياء الأربعة فهذا إجماع على الترك (1) .

حجية أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم:

الأصل في حجية أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ما تقدم سابقا من الأدلة العامة على حجية السنة، لأن الأفعال من أقسام السنة، بالإضافة إلى الأدلة التي تدل على وجوب التأسي والاقتداء بأفعاله على وجه الخصوص، مثال ذلك:

قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] .

وجه الدلالة: حيث عبر الله عز وجل بالمصدر {أُسْوَة} أي تأسوا به والتأسي هو أن نفعل مثل فعله على وجهه لأجل فعله (2) .

ويشترط في التأسي والمتابعة شرطان:

الأول: المتابعة في صورة العمل.

الثاني: المتابعة في القصد.

فإذا طاف صلى الله عليه وسلم حول الكعبة واستلم الحجر وصلى خلف المقام، كان التأسي والاقتداء به أن يفعل هذا الفعل، وأن يقصد به العبادة، لأنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك وقصد به العبادة.

(1) الاعتصام للشاطبي (جـ 2/ 1106) .

(2)

أصول الفقه للمقدسي (جـ 1/ 335) .

ص: 51

أما ما فعله صلى الله عليه وسلم بحكم الاتفاق ولم يقصده، مثل أن ينزل بمكان ويصلي فيه لكونه نزله لا قصداً منه صلى الله عليه وسلم لتخصيصه بالصلاة والنزول فيه، فإن تخصيص ذلك المكان بالصلاة لا يكون تأسياً به صلى الله عليه وسلم، لأنه لم يقصد ذلك المكان بالعبادة، ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"وهذا هو الأصل، فإن المتابعة في السنة أبلغ من المتابعة في صورة العمل ولهذا لما اشتبه على كثير من العلماء جلسة الاستراحة: هل فعل استحباباً أو لحاجة عارضة تنازعوا فيها، وكذلك نزوله بالمحصب عند الخروج من منى لما اشتبه عليه، هل فعله لأنه أسمح لخروجه، أو لكونه سنة تنازعوا في ذلك"(1) .

القسم الثالث: ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم تقريراً

والمراد بالسنة التقريرية: هي ما أقره الرسول صلى الله عليه وسلم مما صدر من بعض الصحابة من أقوال وأفعال بسكوت منه وعدم إنكاره أو بموافقته وإظهار استحسانه وتأييده (2) .

والمقصود بالتقرير: هو أن يفعل أحد الصحابة بحضرته فعلاً أو يقول قولاً فيمسك صلى الله عليه وسلم عن الإنكار ويسكت (3) .

أمثلة للسنة التقريرية:

1 -

ما رواه أبو سعيد الخدري أنه خرج رجلان في سفر وليس معهما

(1) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام بن تيمية (جـ 1/ 281) .

(2)

علم أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف/ 26.

(3)

شرح الكوكب المنير (جـ 2/ 166) .

ص: 52

ماء فعرضت الصلاة فتيمما صعيداً طيباً فصلَّيا، ثم وجد الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يُعد الآخر، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك فقال للذي لم يعد. أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذي توضأ وأعاد:"ولك الأجر مرتين"(1) .

2 -

احتلم عمرو بن العاص رضي الله عنه في غزوة ذات السلاسل فلم يغتسل خوفاً من الهلاك لشدة البرد، بل تيمم وصلى بأصحابه الصبح، فلما ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فقال له عمرو: إني سمعت الله يقول: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} [النساء: 29] ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً (2) وهذا إقرار منه صلى الله عليه وسلم لعمرو في اجتهاده.

3 -

إقراره لاجتهاد الصحابة في صلاة العصر في غزوة بني قريظة حين قال لهم: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" ففهم بعضهم هذا النهي على حقيقته فلم يصل إلا في بني قريظة بعد المغرب، وقالوا: لا نصلي حتى نأتيها. وفهم البعض أن المقصود الحث على

(1) حديث حسن. رواه أبو داود (338) في كتاب الطهارة، باب في المُتَيمِّم يجد الماء بعدما يُصلى، في الوقت. والإمام النسائي (1/213) في كتاب الغسل، باب التيمم لمن لم يجد الماء بعد الصلاة، وهذا لفظ أبي داود.

(2)

حديث صحيح. رواه أبو داود (334) في كتاب الطهارة، باب إذا خاف الجنب البرد أن يتيمم، والإمام أحمد (4/203) ، وصححه الحاكم (1/177-178) .

ص: 53

الإسراع فصلَاّها في وقتها. وبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ما فعل الفريقان فأقرهما، ولم يعنف أحدهما (1) .

4 -

إقراره صلى الله عليه وسلم إنشاد الشعر المباح (2) .

حجية السنة التقريرية:

أولاً: الدليل على أن إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم حجة هو أنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إذ سكوته يدل على جواز ذلك بخلاف سكوت غيره (3) .

ثانياً: أن من خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم وجوب إنكار المنكر، لا يسقط عنه بالخوف على نفسه لقوله تعالى:{وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة:67](4) .

ثالثاً: احتجاج الشافعية والحنابلة في إثبات النسب بالقيافة، فحديث عائشة رضي الله عنها أن مجززاً المدلجي رأى زيد بن حارثة وابنه أسامة فقال هذه الأقدام بعضها من بعض (5) فَسُرَّ النبيُّ، وأعجبه ذلك.

رابعاً: إجماع المسلمين على أن ما صدر من الرسول صلى الله عليه وسلم من قول، أو

(1) انظر: صحيح الإمام البخاري (946) كتاب الجمعة، باب صلاة الطالب والمطلوب راكباً وإيماءً، والإمام مسلم (177) في كتاب الجهاد والسير، باب المبادرة بالغزو وتقديم أهم الأمرين المتعارضين.

(2)

انظر: صحيح الإمام البخاري (3212) كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، والإمام مسلم (2485) كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل حسان بن ثابت رضي الله عنه.

(3)

أصول الفقه للإمام المقدسي (جـ 1/ 354) . شرح الكوكب المنير (جـ 2/ 166) .

(4)

انظر: تفسير القرآن العظيم. ابن كثير (جـ 2/ 165) .

(5)

معالم أصول الفقه للجيزاني (133) .

ص: 54

فعل، أو تقرير وكان مقصوداً به التشريع والاقتداء، ونقل إلينا بسند صحيح يفيد القطع أو الظن الراجح بصدقه يكون حجة على المسلمين، ومصدرًا تشريعياً يستنبط منه المجتهدون الأحكام الشرعية لأفعال المكلفين (1) .

شروط الاحتجاج بالسنة التقريرية

ويكون سكوت الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم إنكاره حجة ودليلاً على الجواز بشروط:

أولاً: أن يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم بوقوع الفعل أو القول فإما أن يقع ذلك بحضرته، أو في زمنه، وهو عالم به لانتشاره انتشاراً يبعد معه ألا يعلمه صلى الله عليه وسلم (2) .

ثانياً: ألا يكون الفعل الذي سكت عنه سبق تحريمه، فإن سبق تحريمه يكون نسخاً، لئلا يكون سكوته محرما (3) .

ثالثاً: ألا يكون الفعل الذي سكت عنه صادراً من كافر كمضيه إلى كنيسة، وبالتالي فلا أثر لسكوته اتفاقاً، وإلا دل على جوازه (4) .

ولأن إنكاره صلى الله عليه وسلم لما يفعله الكفار معلوم ضرورة، فالعبرة في فعل أحد المسلمين.

(1) علم أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف/ 37.

(2)

معالم أصول الفقه للجيزاني / 133. أصول الفقه للمقدسي (1/ 354) .

(3)

أصول الفقه للمقدسي (جـ 1/ 354) .

(4)

المرجع السابق.

ص: 55

القسم الرابع: ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم اجتهاداً

وقد ألحق أكثر العلماء اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أقره الله سبحانه وتعالى عليه بالسنة التشريعية لذلك أدرجناه هنا.

ومسألة اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم من المسائل التي اختلف فيها العلماء ولكن الرأي الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور من أن العقل يُجَوِّز اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم وواقع مطلقاً.

فيقول صاحب تيسير التحرير: ((وأكثر أهل العلم على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مأموراً بالاجتهاد مطلقاً في الأحكام الشرعية، والحروب، والأمور الدينية، من غير تقييد بشيء منها. أو من غير تقييد بانتظار الوحي، وهو مذهب عامة الأصوليين ومالك والشافعي وأحمد وعامة أهل الحديث)) (1) .

ولاشك في أن نزول الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمنع من كونه أقوى الناس قريحة، وأشدهم حذقاً، وأثقبهم بصيرة، وأصوبهم رأياً، وأحدهم ذكاء، وأكثرهم فهماً لمقاصد التشريع ولمصالح المؤمنين. كيف وهو أتقى الناس وأورعهم وأشدهم خشية لله؟ كما أنه صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وقد وصفه الله عز وجل بأنه:{عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128] . وكل هذه الأمور أدوات يستعين بها المجتهد في

(1) تيسير التحرير لمحمد أمين (جـ 4/ 185) دار الكتب العلمية – بيروت.

ص: 56

الوصول إلى إظهار حكم الله في الحادثة وهو يفترق عن سائر الناس بتأييده بالوحي الذي يقره على الصواب ويوجهه إلى الأولى.

واجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقع في موطن واحد، أو مكان واحد، أو موضوع واحد، وإنما تعددت المواطن والأمكنة والموضوعات.

لذلك سنحصر مواطن اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم حتى نعرف ما هو تشريع، وما هو ليس بتشريع.

أولاً: اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم في الأمور الدنيوية:

كما في مسألة تأبير النخل: لما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة فوجد أهلها يلقحون النخل فقال: "ما تصنعون؟ " قالوا: كنا نصنعه. قال: "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا"

فتركوه. فنفضت أو فنقصت. قال: فذكروا ذلك له، فقال:"إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر"(1) .

وفي رواية عائشة وأنس رضى الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون فقال: لو لم تفعلوا لصلح، قال فخرج شِيْصاً. فمرَّ بهم فقال: ما لنخلكم؟ قالوا: قلت: كذا وكذا، قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم"(2) .

وهذا النوع من الاجتهاد لا يعد تشريعاً؛ لأنه قول في أمور المعايش من طب وزراعة بما يقول به الناس، ناتج عن تجارب وعادة وهذا فيما لا

(1) رواه من حديث رافع بن خديج: الإمام مسلم (2362) في كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره من معايش الدنيا على سبيل الرأي.

(2)

رواه الإمام مسلم (2363) في كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره من معايش الدنيا على سبيل الرأي.

ص: 57

وحي فيه (1) . وقول الرسول صلى الله عليه وسلم " أنتم أعلم بأمور دنياكم" ينطق صراحة بأن الأمور التي ترجع إلى الخبرة والتجربة والشؤون الدنيوية كبعض الأفعال الخاصة بالتجارة والزراعة لا يجب الاقتداء فيها والناس أدرى بأحوالهم ومجريات أمورهم (2) .

ثانياً: اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم في الأمور الحربية:

كما حصل في يوم بدر وموافقته لرأي الحباب بن المنذر رضى الله عنه: قال ابن اسحاق: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر يبادر قريشاً إلى الماء حتى إذا جاء أدنى ماء من بدر نزل به. فجاء الحباب رضي الله عنه بين الجموع. قال يا رسول الله: "أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء، من القوم فننزله ونغور ما وراءه من القُلَب، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد أشرت بالرأي" وفعل ما أشار به الحباب بن المنذر رضي الله عنه (3) .

وهذا النوع من الاجتهاد فيه دلالة صريحة على أنه ليس تشريعاً؛ لأنه

(1) شرح النووي على صحيح مسلم (5/15/116) دار الريان، ط. الأولى 1407?.

(2)

أصول الفقه للبرديسي / 209.

(3)

انظر: سيرة ابن هشام (2/312-313) مكتبة المنار، ط. الأولى 1409? والمستدك للحاكم (3/446-447) والسنة النبوية في ضوء المصادر الأصلية / د. مهدي رزق الله (ص 345) مركز الملك فيصل للبحوث 1412? ط. الأولى.

ص: 58

لو كان تشريعاً ما رجع الرسول صلى الله عليه وسلم عن رأيه، وأخذ برأي الحباب بن المنذر ونفذ الرسول صلى الله عليه وسلم رغبة الحباب رضي الله عنه.

ثالثاً: اجتهاده صلى الله عليه وسلم في الأقضية:

والرسول صلى الله عليه وسلم يجتهد في الأقضية بالإجماع (1) . وقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئاً، فإنما أقطع له قطعة من النار"(2) .

وفي الحديث دلالة على الحالة البشرية، وأن البشر لا يعلمون من الغيب وبواطن الأمور شيئاً، إلا أن يطلعهم الله تعالى على شيء من ذلك، وأنه يجوز عليه في أمور الأحكام ما يجوز على الناس وأنه إنما يحكم بين الناس بالظاهر والله يتولى السرائر، فيحكم صلى الله عليه وسلم بالبينة واليمين، ونحو ذلك من أحكام الظاهر مع إمكان كونه في الباطن على خلاف ذلك، ولكنه إنما كُلف بحكم الظاهر (3) .

وقضاء الرسول صلى الله عليه وسلم يكون في القضية قبل نزول الوحي، فإن نزل القرآن بعد ذلك بغير ما كان قضى به، فيترك ما قضي به على حاله، ويستقبل ما نزل به القرآنُ الكريم، ولذلك فقضاؤه بغير الوحي إنما هو عن اجتهاد منه.

(1) شرح الأسنوي على المنهاج لجمال الدين عبد الرحيم (جـ 2/ 172) ط. صبيح.

(2)

رواه من حديث أم سلمة: الإمام البخاري (2458) في كتاب المظالم، باب (إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه، والإمام مسلم (1713) في كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة.

(3)

اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم د. نادية العمري / 98. مؤسسة الرسالة.

ص: 59

وقد ورد أيضاً عن أمِّ سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله: صلى الله عليه وسلم "إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل عليَّ فيه"(1) .

ومن اجتهاداته صلى الله عليه وسلم قضاؤه لفاطمة بنت قيس أن تعتد عند أم شريك ثم رجوعه عن ذلك بقضاء آخر لمصلحة رآها (2) .

رابعاً: اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم في الأحكام الشرعية:

اختلف العلماء في اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم في الأحكام الشرعية والفتاوي في الأمور الدينية، ولكن للرسول صلى الله عليه وسلم أن يجتهد في الأحكام الشرعية والفتاوي في الأمور الدينية عندما ينقطع طمعه في العثور على النص، ولولم يرد الله سبحانه له الاجتهاد لبادر بالوحي في كل حادثة تَعْرِض له، ولسارع بجوابه في كل سؤال يوجه إليه. ولكن الوحي يتأخر، والحادثة ملحَّة تطلب الحل، ولا يجد الرسول صلى الله عليه وسلم أمامه إلا الاجتهاد في إطار ما نزل عليه من النصوص، وما فهمه من مقاصد الشريعة، ويجتهد ويصيب حكم الله في كثير من الوقائع التي اجتهد فيها، وقليلاً ما كان يغلب على ظنه حكم يكون غيره أولى منه، ومع هذا لا يغلق الله أمامه باب الاجتهاد بإنزال النص، بل يتركه يمارس الاجتهاد، ويُقَلِّب الآراء، بل ويصدر الحكم. فيأتي بعد هذا وحيُ الله إليه منبهاً له إلى الحكم الأفضل، فلا يُقَرُّ على الخطأ، ولكن الله يبين له وجه الحق والصواب في مثل هذه

(1) هذه الرواية من حديث أم سلمة رضي الله عنها أخرجها أبو داود (3583) في كتاب الأقضية، باب في قضاء القاضي إذا أخطأ، وأصل الحديث في الصحيحين كما في التعليق السابق.

(2)

إشارة إلى حديث رواه الإمام مسلم (2942) في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب قصة الجسّاسة.

ص: 60

الاجتهادات (1) . ومن أمثلة اجتهاد الرسول في الأحكام الشرعية:

اجتهاده صلى الله عليه وسلم في الهمِّ بإيقاعه العذاب على المتخلفين عن صلاة الجماعة، ورجوعه عن قراره هذا، فقد ورد عن أبي هريرة أنه قال:"إن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ناساً في بعض الصلوات فقال: لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عنها، فآمر بهم، فيحرِّقوا عليهم بحُزَم الحطَب بيوتهم، ولو علم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً لشهدها. يعني صلاة العشاء"(2) .

ومن ذلك: إقراره لمن صلى العصر قبل الغروب وبعده يوم قريظة (3) .

وحاصل الأمر أن ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم اجتهادا في الأحكام الشرعية بعد إقرار الله عليه فهو تشريع، ويجب العمل به، أما الحكم الذي صدر منه صلى الله عليه وسلم قبل الإقرار فلا يعد تشريعاً، ولا يجب العمل به.

(1) الاجتهاد في الشريعة الإسلامية / للدكتور حسن مرعي / 55.

(2)

رواه من حديث أبي هريرة: الإمام البخاري (644) في كتاب الأذان، باب وجوب صلاة الجماعة، والإمام مسلم (651) في كتاب المساجد، باب فضل صلاة الجماعة، وبيان التشديد في التخلف عنها، وهذا لفظ الإمام مسلم.

(3)

تقدم تخريجه في هذا البحث.

ص: 61