المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌النحاة إنما يهتمون بدفع الإلباس والإيهام - آثار عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني - جـ ٨

[عبد الرحمن المعلمي اليماني]

فهرس الكتاب

- ‌القسم الأول[فيما يتعلق بالقصة رواية ودراية]

- ‌ لم ينفرد ابن إسحاق بذكر ما يدل على عزم قريش أن لا يقاتلوا

- ‌ نجدة العرب وحميتهم

- ‌ قدوم أبرهة

- ‌أدلة على أن أهل مكة لم يقاتلوا أبرهة

- ‌الأمور التي نسبها المعلِّم إلى الفريق الأول:

- ‌ الأمور التي لخصها من الأشعار:

- ‌الجمع أو الترجيح فيما اختلفت فيه الروايات:

- ‌ استنتاج المعلم:

- ‌تحرير البحث:

- ‌(و)الباعث للمعلم ــ رحمه الله ــ على دعوى أن أهل مكة قاتلوا أهل الفيل أمران:

- ‌ الأمارة الأولى:

- ‌ الأمارة الثانية:

- ‌ الأمارة الثالثة:

- ‌ الأمارة الرابعة:

- ‌ الحكمة في عدم شرع الوقوف للدعاء عند جمرة العقبة

- ‌ القسم الثانيتفسير السورةوفيه: مقدمة وبابان

- ‌ الفاء عاطفة سببية

- ‌ الباب الثانيفي البحث مع المعلِّم رحمه الله تعالى في: {تَرْمِيهِمْ}

- ‌ فوائد وقواعد ينبني عليها البحث

- ‌النحاة إنّما يهتمّون بدفع الإلباس والإيهام

- ‌ لا حاجة بأهل السنّة إلى تعسّف الطعن في المجاز والتشكيك فيه

- ‌(5) الحال الذي هو زمن التكلم

- ‌(9) المصادر من حيث مدلولها على ضربين:

- ‌ 15] (10) الحال النحوية من شرطها الاقتران بعاملها في الزمن

- ‌ فصل

- ‌فهرس مراجع التحقيق

الفصل: ‌النحاة إنما يهتمون بدفع الإلباس والإيهام

[ص 1]

‌ الباب الثاني

في البحث مع المعلِّم رحمه الله تعالى في: {تَرْمِيهِمْ}

قد نبّهتُ في مقدمة هذا القسم الثاني وأثناء الباب الأول منه على مواضع مما خالفتُ فيه المعلم، ووجّهتُ ذلك بما فيه كفاية إن شاء الله تعالى، وأخّرتُ الكلام في {تَرْمِيهِمْ} لطوله. وأرى أن أقدِّم‌

‌ فوائد وقواعد ينبني عليها البحث

معه، فهاكها:

(1)

قال ابن الشجري: "قال أبو الفتح عثمان بن جنّي: قال لي أبو علي: سألت يومًا أبا بكر ــ يعني ابن السرّاج ــ عن الأفعال يقع بعضها موقع بعض، فقال: كان ينبغي للأفعال كلها أن تكون مثالًا واحدًا، لأنها لمعنى واحد، ولكن خولف بين صيغها لاختلاف أحوال الزمان. فإذا اقترن بالفعل ما يدل عليه من لفظ أو حال جاز وقوع بعضها في موقع بعض. قال أبو الفتح: وهذا كلام من أبي بكر عالٍ سديد"

(1)

.

قال عبد الرحمن: هؤلاء كلهم نحاة، ووضع الماضي موضع المضارع وعكسه لا يجوز إلا بأمرين: زوال المانع، وقيام المقتضى للعدول عن الأصل، والمانع هو الإلباس والإيهام، والمقتضي سيأتي بيانه عن أهل البيان. و‌

‌النحاة إنّما يهتمّون بدفع الإلباس والإيهام

كما سيأتي، ولا شأن لهم

(1)

أمالي ابن الشجري (1/ 304)، ونقله البغدادي في خزانة الأدب. [المؤلف]. وانظر: الأمالي نشرة الطناحي (2/ 35)، ونقله ابن الشجري في (2/ 453) أيضًا. وانظر:(1/ 68). وراجع: خزانة الأدب (10/ 4). والنص في الخصائص (3/ 331) بلفظ مختلف، ولعل مصدر ابن الشجري غير الخصائص.

ص: 143

بالمقتضي، إذ هو من فنّ آخر، فإجازتهم وضع الماضي موضع المضارع وعكسه إذا كانت قرينة تدل على حقيقة الزمان، إنما معناه أنه ليس هناك مانع نحوي إذ قد زال الإلباس والإيهام. ولا يلزم من زوال المانع النحوي الجواز مطلقًا، ولكن القوم إنما تكلموا بحسب فنّهم.

[ص 2] فممّا يمنعه النحاة لأجل الإلباس والإيهام: تقديم خبر المبتدأ إذا كانا معرفتين أو نكرتين ولا قرينة، لأنّ الأصل تقديم المبتدأ، فالسامع يحمل الكلام عليه، فمنعوا تقديم الخبر حينئذ لما فيه من الإيهام.

ومن ذلك أنهم اتفقوا على منع "زيدٌ بكرٌ ضاربُه" إذا أريد أنّ زيدًا هو الضارب، وأحبّوا أن يقال:"زيدٌ بكرٌ ضاربُه هو". وإذا قيل هكذا وجب أن تكون الهاء في "ضاربه" لبكر، وكلمة "هو" لزيد

(1)

.

ومنه منعهم تخفيف "إنّ" مكسورة الهمزة مشدّدة النون إذا خُشِيَ التباسها بـ"إنْ" الساكنة النافية.

ومنه منعهم تقديم المفعول حيث يلتبس بالفاعل نحو "ضربتْ سُعدى لُبنى".

ومن ذلك منعهم تقديم المبتدأ في نحو "إنما في الدار زيد"، والخبر في نحو "إنما زيد في الدار"، بل يجب تقديم المقصور على المقصور عليه. ومثله "إنما ضرب زيدٌ بكرًا"، و"إنما ضرب بكرًا زيدٌ".

وقالوا في كلِّ ما تجيز الصناعة حذفه كالمفعول به: إنما يجوز حيث لا إلباس. ومسائلهم المبنية على هذا الأصل كثيرة.

(1)

انظر: همع الهوامع (2/ 12).

ص: 144

والمقصود أن الحكاية السابقة المراد بالجواز فيها عدم المانع النحوي، وذلك لا يقتضي الجواز مطلقًا، بل لا بدّ من قيام المقتضي. وبيانه موكول إلى فنّ البيان، وسيأتي طرف منه إن شاء الله تعالى.

(2)

حكي عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني إنكار المجاز، وقال: كل ما يظن مجازًا فهو حقيقة. وحكى بعضهم مثله عن أبي علي الفارسي، وهو غلط عليه

(1)

. وحكي عن الظاهرية وابن القاصّ وابن خُوَيزمَنْداد إنكار وقوع المجاز في القرآن

(2)

.

وقد يتوهم أن مِن رأي هؤلاء جواز وقوع كل من الماضي والمضارع موقع الآخر مطلقًا، أو منعه مطلقًا، أو تأويل ما سمع منه بالحذف والتقدير. وليس الأمر كذلك، [ص 3] بل يفسّر هؤلاء كل ما وقع من ذلك في القرآن وغيره نحو تفسير الجمهور، إلّا أنّهم يأبون أن يُسمّوا ذلك مجازًا.

وقد تكلم العلماء في تفسير مذهب هؤلاء، فمنهم من رماهم بالجهل، ومنهم من رماهم بالمكابرة، ومنهم من يرى أنهم إنّما استشنعوا هذا الاصطلاح، إذ يلزمه أن يقال: إن في الكتاب والسنة كثيرًا من الألفاظ والجمل ليست على حقيقتها.

والذي يلوح لي أن الأستاذ سمع من كلام الذين اصطلحوا على تسمية هذا حقيقةً وهذا مجازًا ما فهم منه أنهم يرون أن المجاز لا حظّ له في الوضع العربي، كقولهم في استعمال الكلمة: "إن كان فيما وضعت له فهي حقيقة،

(1)

راجع: المزهر (1/ 175). [المؤلف]. نشرة البجاوي وزميليه (1/ 364، 366).

(2)

راجع: الإتقان (2/ 36). [المؤلف].

ص: 145

وإن كان في غير ما وضعت له فهي مجاز"، فرأى أن معنى هذا أنّ المجاز لا حظّ له في الوضع العربي البتة. وإذا كان كذلك فالألفاظ المجازية ليست بعربية، وقد ثبت أن القرآن عربي، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم عربي، وكل ما ثبت عن فصحاء العرب فهو عربي، فلا مجاز إذن في ذلك.

والقوم يثبتون للمجاز حظًّا في الوضع العربي، ولكنهم قسموا الوضع إلى تحقيقي كوضع "أسد" للسبع المعروف، ووضع "مضروب" لمن وقع عليه الضرب؛ وتأويلي وهو المجاز كوضع "أسد" للرجل الشجاع. قالوا: وأما إطلاقنا أنّ المجاز مستعمل فيما لم يوضع له، فمرادنا بالوضع هنا الوضع التحقيقي، وأطلقنا لأنّه المتبادر من كلمة الوضع

(1)

.

قال عبد الرحمن: فظنّي أنّ الأستاذ لو وقف على هذا البيان لما كان عنده خلاف، والله أعلم. وأما الظاهرية ومن وافقهم فقد يكون حالهم كحال الأستاذ، فإن صحّ ما حكي عنهم [ص 4] من قولهم: المجاز شبيه بالكذب، والاستعارة إنما يفزع إليها من عجز عن الحقيقة، فكأنهم يخصّون اسم المجاز بما فقدت قرينته أو ضعفت، أو فقدت علاقته أو ضعفت، أو لم يكن للعدول إليه فائدة لا تحصل بالحقيقة. فإن كان هذا فلا خلاف، فإن أهل العلم معهم على أن مثل هذا لم يقع في القرآن. وإنما الواقع فيه ما ظهرت قرينته، وقويت علاقته، وجلّت فائدته. فإن كانوا لا يسمّونه مجازًا فلا مشاحّة في الاصطلاح.

نعم، توسعت المبتدعة في دعوى المجاز، فحرّفوا كثيرًا من نصوص الكتاب والسنة، وزعموا أن نصوصهما لا تفيد إلا الظنّ. ويكفي في دحض

(1)

راجع: المطول (4/ 122 و 136). [المؤلف].

ص: 146