الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكان طوله عشر شبراً وكان إذا ركب مسحت قدمه الأرض وأدرك الإسلام فأسلم في أيام عمر رضي الله عنه ثم انتصر ولحق بالروم. وكان سبب تنصره أن رجلاً وطئَ على طرف ردائه وهو يطوف البيت. فالتفت إلى ذلك الرجل فلطمه لطمة هشمت انفه وكسرت سنه وخضرت عينه فاستعدى ذلك الرجل على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال له عمر أرضه أو أقيدهُ. فقال إني ملك وهو سوقة: فقال لهُ عمر أن الإسلام قد سوَّى بينكما. فقال: أمهلني إلى غدٍ. فأمهلهُ. فلما جنَّ الليل خرج في حشمه وعبيده ومن أطاعهُ من قومهٍ فلحق بالروم وتنصر. ثم ندم على ما كان منهُ. وهو الذي يقول:
تنصرت الأملاك من أجل لطمة
…
وما كان فيها لو صبَرتُ لها ضررْ
تكنفني فيها لجاجُ ونخوةُ
…
فكنت كمن باع الصحيحة بالعَوَرْ
فيا ليتَ أمي لم تَلدْني وليتني
…
رجعتُ إلى القول الذي قاله عمرْ
ويا ليتني أرْعى المَخَاض بقفرهِ
…
وكنت غريباً في ربيعةَ أو مُضَرْ
ويا ليت لي بالشام أدنى معيشةٍ
…
أجاورُ قومي ذاهبَ السمح والبصَرْ
أدينُ بما دانوا بهِ من شريعةٍ
…
وقد يصبرُ العَودُ الضَّجُورُ على الديَرْ
قال عليُّ بن الحسن الخزرجي. ومن ولد جبلة بن الأيهم بنو رسول ملوك اليمن في الإسلام وسأذكرهم في ال
فصل
الذي سأذكره بعد هذا أن شاء الله تعالى وبالله التوفيق.
فصلُ
ذكر بني رسول ملوك اليمن في الإسلام
قال عليُّ بن الحسن الخزرجي عاملهُ الله بإحسانهِ: كان اسمُ رسولٍ محمد بن هارون بن أبي الفتح بن يوحي بن رستم وهو من ذرية جبلة بن الأيهم بن الحارث بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة بن عمرو مزيقياءَ بن عامرٍ ماءِ السماء بن حارثة الغطريفِ بن امرئ
القيسِ البطريق بن ثعلبة البهلول ابن مازنٍ زاد السفر ويسمى قاتل الجوعِ أيضاً بن الأزدِ بن الغوث بن نبت بن مالكِ بن زيدِ بن كهلانَ بن سبأ بن يشجبَ بن يعربَ بن قحطانَ.
وكان من قضاء الله وقدرهِ السابق في عملهِ أنه لما تنصر جبلة بن الأيهم كما ذكرنا أولاً ولحق بالروم يومئذ أقام هنالك إلى أن هلك. قيل على شركه وقيل على الإسلام لان أبياته المذكورة التي يقول في أولها.
تنصرت الأشراف من أجل لطمةٍ. تشهد برغبته في الإسلام وندمه على مفارقته. والله اعلم بسريرته.
فلما هلك هنالك أقام ولدهُ بعدهُ ما شاء الله في بلاد الروم. ثم انتقل ولدهُ ومن انضم إليهم من قومهم إلى بلاد التركمان فسكنوا هنالك مع قبيلة من قبائل التركمان يقال لها مجك هي اشرف قبائل التركمان. فأقاموا بينهم وتكلموا بلغتهم وبعدوا عن العرب فانقطعت أخبارهم عن كثير من الناس. فكان كثير من الناس يظن أنهم من التركمان وهم مقيمون على أنسابهم. فلما خرج أهل هذا البيت إلى العراق نسبهم من يعرفهم إلى غسانً ونسبهم من لا يعرفهم إلى التركمان. وكانوا بيت شجاعة ورئاسة. وكان محمد بن هارون جليل القدر فيهم فأدناه الخليفة العباسي وأنس به واختصهُ برسالتهِ إلى الشام والى مصر ورفعَ الحجابَ فيما بينه وبينهُ فانطلق عليه اسم رسول وشهرَ بهِ وترك اسمهُ الحقيقي حتى جهلً. فلا عرفهُ إلا القليلُ من الناس. ثم انتقل من العراق إلى الشام ومن الشام إلى مصرَ فيمن معهُ من أولادهِ.
قال صاحبٌ السيرة المظفريةِ: فلما استوثق الملك لبني أيوب في مصر لم يزل معهم عصبة من بني رسول لعلمهم بتقدم منصبهم في الملك وعلق هممهم وشدة بسالتهم وثبوت آرائهم. فاجتمع رأي بني أيوب على أن يسلموا إليهمُ اليمن. فقال ذوو رأيهم إذا يستقون بها عليكم وينازعونكم في الشام. فأجمع رأيهم على تسييرهم إلى اليمن صحبة الملك المعظم تورانشاه بن أيوب. فخرجوا صحبته بعد أن استحلفهم له أخوهُ الملك الناصرُ يوسف بن أيوب وأوصاهم بحسن صحبته
والنصح في مسايرته وخدمته. وكان لهم في الديار المصرية جلالة ووجاهة وحظ ونباهة. وكانوا خمسة رجال يركبون من بيتٍ واحدٍ: 1 شمس الدين علي بن رسول: 2 بدرُ الدين الحسن بن علي بن رسولٍ: 3 نور الدين عمرُ بن علي بن رسول: 4 فخر الدين أبو بكر بن علي بن رسول: 5 شرف الدين موسى بن علي بن رسول. وكانوا غاية في الشجاعة والأقدام وحسن التدبير في الحرب. لاسيما أبوهم شمس الدين.
وكان ولده الأمير بدرُ الدين الحسن بن علي بن رسولٍ لا قوم لهُ في الحرب عدد وإن كثر. وكان نور الدين له عقل ثاقب ورأي صائب. وكان فخر الدين جواداً كريماً. وكان شرف الدين فارساً شاعراً فصيحاً وهو القائل في ذلك:
نكون حماتها ونذبُ عنها
…
ويأكل فضلها القومُ اللئام
معاذ اللهِ حتى ننتضيها
…
عقائق في العجاج لها ابتسامُ
فسمعه بعض المصريين فقال: خرجت اليمنُ من أيدي بني أيوب. وكان دخول الملك المعظمِ اليمن في سنة تسع وستين وخمسمائةٍ فأمام في اليمن السنة سبعين ثم رجع إلى مصرَ في سنةِ إحدى وسبعين. وترك في اليمن نواباً له يحملون خراجها إليه في كل سنةٍ إلى أن توفي في سنة ستٍ وسبعين وخمسمائة. فلما علم نوابهُ بموته اختلفوا فيما بينهم وتغلب كل واحدٍ منهم على ما تحت يدهِ. فلما علم الملك الناصرُ باختلافهم وتغلبهم على البلاد أرسل أخاهُ الملك العزيز طفتكين بن أيوبَ في قطعة من العساكر وكان دخوله اليمن في يوم السبت الثالث عسر من شوال سنة تسع وسبعين وخمسمائةٍ: فأقام في اليمن إلى أن توفي في السادس والعشرين من شوال سنة ثلاثٍ وتسعين وخمسمائة. فتولى الملك بعده ولدهُ المعزُ إسماعيل بن طفتكين بن أيوب فلم يزلْ بها إلى أن توفي مقتولاً بيد الأكراد يوم الأحد الثامن عشر من شهر رجب سنة ثمانٍ وتسعين وخمسمائة. فتولى الملكَ بعدهُ أخوهُ الناصر أيوب ابن طفتكين بن أيوب فلم يزل بها إلى أن توفي مسموماً ليلة الجمعة الثاني عشر من المحرم سنة عشر وستمائة. وقال الجندي: أول سنة إحدى عشرة وستمائة. وعندي أنه هو
الصحيح.
وكان الملك الناصر صاحب مصر قد توفي وتولى الملك في الديار المصرية أخوهُ الملك العادل أبو بكر بن أيوب. فلما بلغه علم ما جرى في اليمن من قتل المعز وسم أخيه الناصر. وهما معاً ابنا أخيهِ العزيز. جهز ابن ابنهِ الملكَ المسعود صلاحَ الدين يوسف بن الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب في جيش كثيف إلى اليمن وموال كثيرة وحالة كبيرة. وكان يومئذ في سن البلوغ. وكتب إلى الأمير شمس الدين علي بن رسول والى سائر الأمراء المصريين باليمن يأمرهم بحسن صحبته والقيام بما يجب من خدمته. وكان دخول الملك المسعود زبيداً يوم السبت الثاني من المحرم سنة اثنتي عشرة وستمائة. وكان قد قدم قبلهُ سليمان بن تقي الدين عمر بن شاهنشاهَ بن أيوب المعروف بالصوفي ومعهُ جماعة في زي الصوفية وكان قدومهُ بعد وفاة الناصر أيوب بن طفتكينَ. فاستدعته أم الناصر المذكور لما علمت به وكانت يومئذٍ في حصن تعز فقالت لهُ: إنا نخشى أن يطمع فينا العرب ونحن نساء لا حيلة لنا وقد ساقك الله إلينا فقم بملكِ ابن عملك. فأجاب إلى ذلك فأطلعوه الحصن وأجلسوهُ على سرير الملك وحلف الجندُ. وكان ضعيفاً لا درية له بالملك. فاشتغل بالشراب واللعب حتى تصعصع الملك واستولى الإمام المنصور عبد الله بن حمزة على صنعاء وذمار وفسد الأطرافُ. فلما وصل الملكُ المسعود إلى زبيدٍ في التاريخ المذكور واستقر في الدار السلطانية بزبيد وقد ضعف عسكرهُ وكلتْ دوابه أرسل إلى سليمان بن تقي الدين وكان يومئذ في حصن تعز من يخاطبهُ بالصلح على أن يكون الجبالُ لسليمان والتهائم للمسعود. فلما سمع بذلك الأمير بدر الدين الحسن بن علي بن رسول نزل إلى الملك المسعود وحثه على الطلوع إلى تعز. فطلع وحطَّ على حصنِ تعز ولقيهُ عساكر اليمن بأسرها. فقال له الأمير بدر الدين. أرى أن تكتب إلى الجند الذين هم في حصن تعز كتاباً تقول فيه: أقسم باللهِ تعالى لئن لم تمسكوا
سليمان بن تقي الدين لا أصبتم مني عافية. ففعل. فلما وصل كتابهُ إلى الجند نهضوا بأجمعهم إلى سليمان بن تقي الدين فأغلقوا باب المجلس وأمروا إلى الملك المسعود رسولاً يعلمهُ بذلك. فلما علم بذلك أرسل نائبه فطلع فأمسك سليمان وقيدهُ. ثم طلع الملك المسعودُ حصن تعز وكان طلوعهُ يوم الأحد عاشر صفر من سنة اثنتي عشرة وستمائة. واستولى على اليمن بأسره من التاريخ المذكور. وأرسل سليمان بن تقي الدين إلى مصر مقيداً. ولم يزل الأمير شمس الدين عليُّ بن رسول وأولادهُ مقيمين في اليمن مع بني أيوب على أحسن سيرة. وكان الأمير شمسُ الدين عاقلاً كاملاً صالحاً تقياً لهُ رأي ورئاسة ونظرُ وسياسة. وكان له عند سيف الإسلام المحلُّ الأعلى والقدحُ المعلى حتى أن نساء سيف الإسلام لم يكن يحتجبن منهُ لصلاحهِ وحسن سيرتهِ والتماس بركتهِ.
ولما كتب الظاهر بيبرسُ صاحب الديار المصرية إلى الملك المظفرِ رحمه الله كتاباً يهددهُ فيه ويتوعدهُ أجابهُ الملك المظفرُ رحمة الله عليه بما معناهُ نحن محفوظون ببركة جدنا ولا نخافُ ضرا بحمد الله وبركةِ جدنا رحمه الله. وكان الأمير شمس الدين رحمه الله يسكن في ناحية جبلة ومن مآثره قصر عومان هنالك. وكثيرُ من ذريته يسكنون هنالك إلى يومنا هذا. وكان يحب العلماء والصالحين ويحبونه لحسن سيرته وصلاح سريرته وكان كثيراً ما يتولى في الجهات الخيسية وصحبَ الفقيه الصالح حسن بن أبي بكرٍ الشيبانيَّ. وكان الفقيهُ حسن الشيباني من الصالحين الكبار وكان يرشدهُ لأفعال الخير والرفق بالرعيةِ. فلا يخالفهُ. وكان الشيباني مدعواً له كثيراً. وربما بشره بمصير الملك إلى ذريتهِ: وكانت وفاته رحمه الله في شهر صفر سنة أربع عشرة وستمائة. وقد رأس أولادهُ وانتشر ذكرهم وبعد صيتهم وظهر من شجاعتهم وبراعتهم ما لم يكن في ظن أحد من الناس واشتهروا في البلاد وعرفهم الحاضر والبادي.
وكان أتابكُ الملك المسعود في أيام دخولهِ اليمن جمالَ الدين فليتاً. فجهزه إلى صنعاء لحربٍ الإمامِ المنصور عبد الله بن حمزة في شهر جمادى الأولى من سنة اثنتي
عشرة وستمائةٍ. فلم يزل الحرب بينهما إلى أن توفيَ الإمامُ عبد الله بن حمزة. وكانت وفائهُ يوم الخميس الثاني عشر من شهر المحرم سنة أربع عشرة وستمائة. ثم توفي الأتابكُ بعدهُ. وكانت وفاته يوم الخميس سلخ شهر ربيع الأول من السنة المذكورة عند بئر الخولانيّ وقبر في صنعاء يوم الجمعة عشرة شهر بيع الآخر. فلما علم الملك المسعود بوفاة الأتابك فليت خرج إلى صنعاء فدخلها يوم السبت الثامن من شهر جمادى الأولى: وتسلم حصن كوكبان يوم الخميس في الخامس من شهر جمادى الآخرة وفي هذا التاريخ اصطلح السلطانُ الملكُ المسعودُ والإشراف. وعاد الملك المسعود من صنعاء إلى اليمن في شهر رجب من السنة المذكورة وهو مقيم ببني رسول وقد وثق بهم وأنس إليهم وولاهم الولايات الجليلة وأعجبه من حسن طاعتهم وشدة بسالتهم. فولى الأمير بدر الدين صنعاء وجعلها إقطاعاً لهُ. وولى الأمير نور الدين الحصون الوصابية. فأقام فيها مدة. ثم ولاه مكة المشرفة فأقام فيها مدة. وفي مدة ولايته فيها ظهر ابنه الملك المظفر يوسفُ بن عمر فيها وكان يسمى المكي. وكان ظهوره في سنة تسع عشرة وستمائة. ولما فصله من ولاية مكة جعله أتابكه ومتولي أمر عساكره وأموره كلها فلما تقررت الأحوال وهدأت الحروب والفتن تجهز الملك المسعود إلى مصر. وكان خروجه من زبيد يوم النصف من شهر رمضان من سنة عشرين وستمائة. وترك في اليمن نور الدين عمر بن علي بن رسول نائباً نيابة عامة. وترك أخاه بدر الدين في صنعاء خاصة. وحلف لهما الجند المقيمون. وتقدم في التاريخ المذكور. فقام يزعم الصوفي في الحقل وبلاد زبيد. وجبل بني مسلم المسمى سحَّمَر. بفتح السين وأحاء المهملتين وتشديد الميم المفتوحة وآخره راء. فدعا الناس إلى نفسه وأخبرهم أنه داع لإمام حق. فإنصاف إليه من غوغاء الناس وطغامهم جم غفير. فسار إليه نور الدين ومعه راشد بن مظفِّر بن الهرشِ. فقال يرعمُ الصوفي لمن معه. أن قانونا في غد هزمناهم وقتلنا راشد بن مظفر. فوقع القتال فكان كما قال اتفاقاً. فازداد الناس له محبة وصدقاً. وكانت وقعة يزعم الصوفي في سنة اثنتين وعشرين وستمائة. ثم تلاشت أموره وظهر الناس كثير من
كذبه وفساد مذهبه. فخرج هارباً من بلد إلى بلد ثم كانت وقعة عُصْرٍ بين الأمير بدر الدين حسن بت علي بن رسول وبين الشريف عزّ الدين محمد الإمام المنصور عبد الله بن حمزة فجمع الشريف عزُّ الدين جموعه من الخيل والرجل. فكانت خيلة سبعمائة فارس وكان رجله ألفي راجل. فقصد بِهمْ صنعاءَ بعد خروج الأمير بدر الدين منها إلى ذرْوان ممداً لأخيه نور الدين بعد الهزيمة. وكان خروج الأمير بدر الدين من صنعاء إلى ذروان يوم الأحد السادس عشر من رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة. فوصل ذروان يوم الاثنين أسابع عشر من الشهر المذكور. فلما بلغه العلم بخروج الشيف عز الدين إلى صنعاءَ ورجع معه أخوه نور الدين على الفور فوصلوا وقد وصل الأمير سالم بن عليّ بن حاتم والأمير عُلْوان بن بشْر بن حاتم إلى صنعاءَ في خيل ورجل من ذمرمر والعروس وحفظوا المدينة. وقد حط الأمير عزُّ الدين في عُصر وتجهز للقتال. ونزل قاصداً صنعاءَ فخرجت الرتبة ومن معها من همذان. ووقع بينهم الطراد بكرة يوم الأربعاء السادس والعشرين من رجب المذكور فاقتتلوا إلى وقت الغداة. وبيناهم في القتال إذ وصل الأمير بدر الدين وأخوه نور الدين ومن معهما. والناس متلازمون في القتال. وقد وقع القتل في الفريقين وكلُّ حافظ لأصحابه. فدخل الأميران القصر وتغذى الناس على السماط. ثم قال الأمير بدر الدين. نستريح أولاً ثم ندخل الحمام أن شاءَ الله ثم نخرج. فوفقوا في القصر قليلاً ثم دخلوا الحمام فلما خرجوا منه حرك الرياح واجتمع العسكر الذين وصلوا معهما وهم مائة فارس يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً. فلما خرجوا من الباب وقف نور الدين في بعض الخيل ذكراً وفئة يرجع الناس إليه أن انهزموا. وتقدم الأمير بدر الدين في الباقين والناس متلازمون في القتال. فرتب أصحابه وحرضهم على صدق القتال والتفت فيهم يمنياً وشمالاً وقال: هَيّ هَيَ. فقالواك هيّ هيّ. وكان هذا شعاره في عسكره
وحمل في القوم وصمم فيهم. وحمل سائر أصحابه وصمموا معه. ومنحهم الله النصر والظفر فانهزم جيش الأشراف ولم يقم منهم أحد وولوا
مدبرين. وقتل فيهم قتلاً ذريعاً حتى قيل أنه كسر ثلاثة أرماح وانقطع السيف الذي كان في يده وإطار خيارة الدبوس ولم يرجع من المعركة إلَاّ في يده عرقة الركاب بركابها. ويرى أنه قتل يومئذ فارساً بفارس صرع أحدهما بالآخر. ولم يزل القتل والأسر فيهم إلى أن دخل الليل وغشيهم الظلام. وقتل الشيخ مخلص الدين جابر بن مقبل بعد أن أبلى بلاءً حسناً. وقتل من وجوه العرب جماعة. ووقع في الشريف عزّ الدين نشاب في عينه بعد أن قاتل هو ومن حضر من اخوته وباتوا ليلتهم سائرين قاصدين ثُليَّ ولم ينزلوا عن ظهور خيلهم حتى وصلوا ثُلَّى وقد تفرَّق جمعهم ولم يبق معهم غير أربعين فارساً وهم الأشراف وعبيدهم. وفي هذه الواقعة يقول العمادي السيزري وكان شاعر الملك المسعود رحمه الله
ألا هكذا للُملك تعلو المراتب
…
وتسمو على رغم العداة المناقبُ
فُتوح سرت في الأرض حتى تضوَّعت
…
مشارقها من ظيبها والمغاربُ
بسيف الجواد ابن الرسول توطدت
…
قواعد ملك ربُّه عنه غائبُ
فولَّوا ومن طعن القنا في ظهورهم
…
عيون ومن ضرب السيوف حواجبُ
وكتب السلطان عُلوان بن بشر بن حاتم النامي إلى الشريف عزِّ الدين محمد بن الأمام المنصور عبد الله بن حمزة بن سليمان بن حمزة
أسادات الورى من كل حيَ
…
وأسمى في المعالي من يسامي
وأربطها لدى الهيجاء بأساً
…
وأحمامها إذا عدم المُحامي
أُهنئكم قدوم العيد فرضاً
…
عليَّ فعدتم في كل عام
وأهدي نحوكم أزكى سلامي
…
إلى المأموم منكم والإمام
وأُسمعكم أحقاً ما سمعنا
…
فما يشفي سوى صدق الكلام
بأن جموعكم طارت شعاعاً
…
ولَّما تخش عاقبة الملام
وولت غير كاسبة ثناءً
…
فراراً لم تكر ولم تحامي
سوى عشر فحياً الله عشراً
…
تحامت من بني حام وسام
ولم يحضر من الأُمراء إلآً
…
شهاب الدين محمود المقام
ونور الدين والبدر المرجى
…
ليوث الحرب في يوم الصدام
وخيلهم إلى مائة وعشر
…
وهم ما بين رُمَّاح ورامي
فماذا تصنعون إذا اَّلَّمت
…
جنود الملك في يمن وشام
ولاحت راية المسعود فيها
…
كلائحة على أرحام طام
هنالك تندمون ولا محيص
…
إذا حُمَّ القضاء لدى الحمام
فإن تقبل نصيحة ذي واداد
…
فإن النصح من شيم الكرام
أتيتم طائعين إلى مليك
…
شريف النفس ذي منن جسام
فتى هُزّت بنو أيوب منِهُ
…
حسامُ مَصىً يفُلُّ شبا الحسام
وقُلّدت الأمور إليه لما
…
غدا لا بالدَّدان ولا الكهام
وقالت عند ذلك قول فذّ
…
أديب شاعر حسن النظام
فأعظ القوس باريها ودعها
…
فقد أَودعتها في كف رام
فذبَّ برأُيه والسيف عنهم
…
وقام بملكهم أوفى قيام
فأجابه عز الدين محمد بن الإمام المنصور عبد الله بن حمزة بن سليمان أبن حمزة يقول
أمن برق تأَلق بابتسام
…
أرقت ولم تذق طعم المنام
لذكر الوصل أو لفراق غيد
…
تضيءُ وجوهها جنح الظلام
رعى الله الديار وساكنيها
…
وروّى ربعها صوب الغمام
فلا تعجب لتذكاري فإني
…
ذكرت منازل الحي الكرام
واعجب من تذكر وصل هند
…
كتاب جاءنا من ملك نام
سليلهم المتوّج أرضعوه
…
لبان المجد من قبل الفطام
وأودعه السلام فلا عدمنا
…
أنامل نممت أزكى سلامي
ويخبر عن طراد الخيل قولاً
…
أحقاَ ما يقال من الكلام
بأن جموعنا طارت شعاعاً
…
وولَّت لم تكرّ ولم تحامي
سوى عشر أغارت غير نُكرٍ
…
فعادت جنَّحاً مثل السهام
ولو كان الأمير النَّدب فيها
…
عماد الدين محمود المقام
لزارت بينتنا عُصَبُ عِصابُ
…
بكل مهنَّد عَضب حسام
ولكن تعدُّ هذا القول عنا
…
فلم يحضر ويوم الروع حام
وكيف تعدُّ هذا القول نصحاً
…
وقد صدعت له صمُّ السِلاّم
فوا عجباً تدافع عن حمانا
…
وتنُسبنا إلى فعل اللئام
وإن كانوا لعمر أبيك أسداً
…
بني لدى الوقائع بالصُّرام
وقال السلطان مدرك بن حاتم بن بشر بن حاتم على لسان الأمير بدر الدين حسن بن عليّ بن رسول ونور الدين عمر بن عليّ بن رسول وأرسلا بها إلى الديار المصرية
سلا ذات سمط الدروالمارن الأقنى
…
لدى عُصُر من أصدق الضرب والطعنا
ومن شهدت صنعاء لولا بلاؤه
…
لما فارقت رعباً ولا وافقت أمنا
وقد كانت البيض الخارئد خيفة السبا من أعادنا أساءَ بنا الظنا
فلما تدانا الفيلقان عشيَّة
…
عدى الهام فيها منهم والظبا منا
ورُحنا إلى قصر القُليس نصافح الكوؤس يُغنينا النديم الذي غَنَّا
وخيل غَشَنا بالأسنة بعد ما
…
تكَدسَّ من هَنَّا علينا ومن هَنَّا
ضُرِبْنَ الينا بالسّياط جهالة
…
فلما تعارفنا ضُرِبْنَ بها عنا
وشيمتنا وَصْلُ السيوف بخَطْونا
…
إذا قصرت حتى تبيد العدى طحنا
ونحن متى شئنا دسرنا عدوَّنا
…
ولا نحتقد حقداً دفيناً ولا ضغنا
فلا زالت الأخبار منكم تسرًُنا
…
كما سرَّكم في مصر مخبركم عنا
فلما اتصل علم هذه الواقعة بالملك المسعود وبني أيوب إلى الديار المصرية رجع الملك المسعود سريعاً إلى اليمن ولم يستقر له قرار هنالك فكان دخوله حصن تعزَّ يوم الاثنين السابع عشر من شهر صفر من سنة أربع وعشرين وستمائة. فأقام فيها بقيّة صفر وشهر ربيع الأول والثاني وجُمادى الأُولى والأخرى وأياماً من رجب. ثم تقدَّم إلى الجند. فلما كان اليوم الخامس عشر من شهر رجب وثب الملك المسعود على بني رسول فقبض بدر الدين حسن أبن علّيِ وفخر الدين بن عليّ وشرف الدين موسى أبن عليّ فقيدهم وأودعهم السجن.
قال صاحب العقد: واشتد خوف بني أيوب على ملك اليمن من بني رسول ولم يخافوا أحداً من العرب ولا من الغُزّ كخوفهم منهم. وذلك لما شاهدوه فيهم من الشجاعة والإقدام وعلة الهمة وبُعد الصيت وحسن السياسة وتمام المكارم الأخلاق واجتياز السيادة وأبتناءِ المجد. واكتساب الحمد. ولأجل ذلك ثمَّ عليهم منهم ما كان الكسر فيه مجبوراً والخصم فيه مقهوراً. وكان أمراً مقدوراً. ويُقال أنه قبض نور الدين أيضاً. فلما صاروا جميعاً تحت الاعتقال أطلقه من يومه واستخلصه وكان تأنس به كثيراً ولذلك استنابه في سفرته الأولى وفي الثانية وجعله أتابك عسكره وبعث بإخوته مقيدين إلى عدن قم أرسب بهم في البحر إلى الديار المصرية تحت الحفظ والاعتقال. وكان نور الدين في غاية من العقل والدهاء والجود والكرم وشرف النفس وحسن السياسة وكمال الرياسة. فقلده المسعود أموره كلها. وطلع إلى حقل يحصبُ فأَخذ بلد بني سيف وذلك في ذي الحجة من سنة أربع وعشرين فأقام في الحقل حواً من ثلاثة أشهر: ثم عاد إلى حصن تعزَّ فأقام فيه مدة. ثم عزم إلى العود إلى الديار المصرية. فتجهز لذلك ونزل إلى محوسة زبيد ثم خرج منها متوجهاً إلى الشام في شهر ربيع الأول من سنة ست وعشرين وستمائة قالع الحاتميُّ: وقال الجنديُّ في سنة خمس وعشرين وستمائة انتهى
وكان سبب عودته إلى الديار المصرة أن عمَّه الملك المعظم عيسى ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب إلى رحمة الله تعالى وكان يومئذ صاحب دمشق. فكتب إليه ولده الملك الكامل السلطان يستدعيه إليه ليعطيه دمشق. ففرح فرحاً شديداً حتى أنه سافر وقد أبتدأ به المرض. فطلب أتابكه نور الدين عمر بن عليّ بن رسول وقال له: قد عزمت على السفر وقد جعلتك نائبي في اليمن فإن مت فأَنت أولى بمُلك اليمن من اخوتي لأنك خدمتني وعرفت منك النصيحة والاجتهاد وإن عشت فأَنت على حالك وإياك تترك أحداً يدخل اليمن من أهلي ولو جاءك الملك الكامل ولدي مطوياً في كتاب. فإذا ألح عليك أعلمتني حتى أجتمع أنا وعمي الأشرفُ عليه ونحاربه ونُشغله. فقال له نور الدين: أخشى أن اخوتي يعارضوني. فقال له الملك سعود: أنا أكفيك أمرهم. فقيدهم حينئذ. وقيل أنه لم يقيدهم حتى أمر العسكر بالركوب. وخشي حدوث شيءٍ منهم لميل أكثر العسكر إليهم.
وذكر أبو المظفر سبط بن الجوزيّ في كتابه مرآة الزمان أن الملك المسعود تجهز بجهاز عظيم لم يسبقه إليه ملك. من جملته ألف خصي وخمسمائة صندوق من فاخر الأقمشة والملبوس وثلاثمائة بهار من العود الرطب ومن العنبر الفاخر وأربعمائة سرِيّة. ومن الجواهر واللآلئ والأحجار النفيسة ما لا ينحصر وسبعون ألف ثوب صيني معلم بالذهب ومن الصنائع ما لا ينحصر عدده. حتى قيل أن المراكب التي أقلت هذا سبعون مركباً. وذلك أنه صاح في البنادر. من أراد السفر إلى الديار المصرية فليسافر مع الملك المسعود قبل سفره بمدَّة. فأقبلت التجار من كل ناحية بأنواع التجارات والبضائع فاجتمع بهم في ثغر عدن. وقال لهم بيعوني هذه البضائع التي عندكم لتسلموا من العشور. فباعوا عليه فأخذها منهم وكتب لهم بأثمانها إلى اليمن وأحال لهم بجوالات إلى كل ناحية. فصاحوا بالويل والثبور. فلم يلتفت إليهم ولم يحصل لأكثرهم شيء. وعدد الجوزيّ الأصناف التي سافر بها وعظمها حتى أن السامع لا يكاد يصدق بها ولهذا تركت ذكرها. قال: وكان ظالماً شديد
الظلم سيئ السيرة في رعيته سفاكاً للدماء حتى قيل أنه قتل في اليمن ثمانمائة سيف من أولاد الحسنين: هكذا ذكر في مرآة الزمان والعهدة عليه.
قال عليُّ بن الحسن الخزرجي: هذا شيء لا يقبله العقل ولا يصدقه النقل: ولا يوجد في اليمن كله من أعيانِ الأشراف الحسنين مائة رجل ولا ذكر هذا ولا ما يشابهه أحد من علماء التاريخ باليمن: والله اعلم ولما سافر الملك المسعود من اليمن كما ذكرنا وصل إلى مكة المشرفة وقد اشتد به الألم: فأقام في مكة أياماً إلى أن توفي بها في يوم الاثنين الرابع عشر من شهر جمادى الأولى من سنة ست وعشرين " وستمائة ": وقال الجندي توفي في مكة مسموماً في رجب وقيل في شعبان سنة 635: وقال ابن عبد المجيد: توفي الملك المسعود في شهر ربيع الأول من سنة 626 وكذا قال الشريف إدريس. قال الحاتمي: وأوصي أن لا يهلب عليه الخيل ولا تقلب السروج وإن يقبر بين الغرباء بمكة قال: ويروى أنه استوهب ثوبين برسم الكفن من بعض الناس: وكان عمره يوم توفي سبعاً وعشرين سنة. والله أعلم.
وكان قد حمل معه جميع خراج ملك اليمن من البيضاء والصفراء والجواهر الغالية والطرف والغلمان والجواري فتقدم مملوكه الأمير حسام الدين لؤلؤ بأولاد سيده وحاشيته وأمواله وحشمهِ وآلتهِ كلها من مصر: وكان قد جعل في صنعاء الأمير نجم الدين أحمد بن أبي زَكرّيٍ واستناب الأمير نور الدين عمر بن علي بن رسولٍ على اليمن كلهِ سهلهِ ووَعره برّه وبحره وكان ذلك ما أراده الله تعالى وقدّرهُ من إظهار كلمة الملك الرسولي وتمكين بسطته ونشر جناح عدله على الخلق ونفاذ صولته وتقليص ظل الملك الأيوبي وزوال دولته.
وفي هذه السنة المذكورة سنة ست وعشرين وستمائة توفي القاضي سري الدين إبراهيم بن أبي بكر بن علي بن معاذ بن مبارك بن تبع بن يوسف فضل الفَرَساني
يجتمع مع الحافظ في تبع بن يوسف وكان فقيهاً فاضلاً أُصولياً وله مصنفات في الأُصول على مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري وكان قاضياً بصنعاءَ. وفي أيامه بن الأمير ورد سار المنارتين بجامع صنعاءَ وأصلحه وبنى الجبانة أيضاً. وهو الذي بنى المطاهير والبركة في جامع صنعاء ولم يكونا قبل ذلك. وكان أول عمارته لذلك في شعبان من سنة ست وستمائة. وكان أحد القضاة الأخيار. ذكر أُلو المعرفة بأيامه أن سيرته كانت محمودة.
ويروى أنه اشترى أرضاً فيها شجر كرم ثم حضر عنده خصمان في حكومة بينهما فاتجه الحكم على أحدهما فحكم عليه الحاكم ثم أن المحكوم عليه وصل إلى بيت القاضي ليلاً وناداه فأجابه. فقال يا سيدنا أنا فلان ومعي شريم من صفته كذا وكذا وهاأنا متقدم إلى حضرتك لأقطعها بهذا الشريم مكافأة لحكمك عليَّ فاستوقفه القاضي ثم خرج إليه ولاطفه وربما غرم له ما حكم به عليه. فلما أصبح سعى في ربيع الأرض التي له وقال لا يصلح لحاكم مزرعة. وكانت وفاته على القضاء في سنة ست وعشرين " وستمائة " المذكورة. رحمه الله تعالى.