المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أخبار الدولة المظفرية وفتوحها - العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية - جـ ١

[علي بن الحسن الخزرجي]

الفصل: ‌أخبار الدولة المظفرية وفتوحها

‌الباب الثالث

‌أخبار الدولة المظفرية وفتوحها

قال علي ابن الحسن الخزرجي: لما توفي مولانا السلطان الملك المنصور نور الدين عمر بن علي بن رسول في التاريخ المذكور سار المماليك بأجمعهم إلى محروسة زبيد ثم ساروا منها إلى فشال: وكان فيها الأمير فخر الدين أبو بكر بن علي بن رسول مقطعاً بها من عمه السلطان الشهير نور الدين عمر بن علي بن رسول فلقبوه الملك المعظم وحلفوا له وقصدوا مدينة زبيد. وكان فيها يومئذ ذات الستر الرفيع الدار الشمسي كريمة مولانا السلطان الملك المظفر ووالدته والطواشي تاج الدين بدر الملقب بالصغير. وكان مسجوناً في سجن زبيد حبسته بنت حوزة لكونه كان محب الملك المظفر فأَخرجته الدار الشمسي من السجن وأعطته مالاً جزيلاً. فاستخدم الرجال وأمرته بإغلاق أبواب المدينة وحفظها وحراسة أَسوارها. فرتب المقاتلين على الدَّرب وحارب المماليك والأمير فخر الدين على كره من أمير المدينة وناظرها. وكان الأمير يومئذ مملوكُ اسمه قانمان والناظر غريب يعرف بالشرف. وكان السلطان الملك المظفر يومئذ غائباً في إقطاعه بالمهجم وكان غير طيب النفس من والده لما قدَّم عليه أخوته المفضل والفائز. وكانت أمهما بنت حوزة قد استمالته وغصبت عليه وأقصت ولده السلطان الملك المظفر وكريمته الدار الشمسي عن أبيهما حتى أنه حلَّف العسكر لولده المفضل. فهم السلطان الملك المظفر تلك السنة بالخروج عن اليمن والمسير إلى الخليفة المستعصم بالعراق. فلما بلغه الخبر بوفاة والده شق عليه وانثنى عزمه عن الخروج من اليمن وتحير في أنه ضاق ذرعاً لما عرض

ص: 87

له من الحوادث العظيمة والخطوب الجسيمة من فقد والده وانحياز المماليك بأَسرهم إلى ابن عمه فخر الدين وحصارهم لزبيد وأسد الدين على صنعاءَ وأعمالها وقيام الإمام أحمد بن الحسين في البلاد العليا وانتشار صيته واستيلائه على معظم البلاد العليا وحصونها واستيلاء أخويه المفضل والفائز على الحصون والمدائن والخزائن ولم يكن في يده إلا قائم سيفه إلا أن القلوب مملوءَة بمحبته.

قام مشمراً وجمع من معه من العسكر واستخدم من العرب خيلاً ورجلاً. وخرج من المهجم بإشارة الشيخ أبي الغيث بن جميل وسار إلى وبيد بجد وجد وتوفيق وسعد. وكان من دلائل سعادته أنه لما عزم على المسير أمر بتحميل آلته وخزانته فلما شرعوا في التحميل أخرجوا صندوقاً مملوءاً ذهباً ووضعوه ورجعوا للآخر. فمر رجلان من العرب فاحتملا الصندوق الأّول. فلما خرج الخزانون بالصندوق الآخر فقدوا الأول فلم يجدوه فوقفوا متحيرين فانتهى العلم بذلك إلى السلطان فطلب مشائخ العرب وأّمرهم باقتفاء الأثر: فخرجوا من فورهم يطلبون الأثر فما برحوا يقصون الأثر حتى وقفوا على اثر مبرك الجمل الذي حمل عليه الصندوق فوقفوا ينظرون يميناً وشمالاً فرأوا موضعاً هنالك على غير هيئة غيره: فنبشوه فوجدوا الصندوق ما فضَّ له خاتم فحملوه ورحبوا به فكان هذا من أعظم دلائل الفتح والسعادة.

وكان خروج السلطان من المهجم في عساكره المنصورة في 28 من ذي القعدة سنة 647 ولم يزل المحطة والحصار على زبيد إلى أن علموا أن السلطان قد صار في الطريق قاصداً زبيداً فارتفعوا حينئذ ولما خرج السلطان الملك المظفر من المهجم إلى زبيد كان كلما مرَّ بقبيلة من العرب استخدم خيلها ورجلها وسار في خدمته من رؤساء العرب علي بن عمران القرابلي والشيخ محمد بن ذكري الحدقي والشيخ أحمد بن أبي القاسم وكان شيخ مشائخ سرود وحضر الفقيه يحيى بن العمك وكان مقدم الرماة: وخرج الشيخ ذكري بن القرابلي على هجين راكباً: فقال له الشيخ علي بن

ص: 88

أبي بكر السودي وكان يلقب مخلص الدين وهو وزير مولانا السلطان. يا شيخ ذكري تكون من اكبر الجند وتركب على هجين وحق رأس مولانا السلطان لأركبن بغلة فخر الدين أن انعم الله بها على مولانا السلطان. قال له: قد انعم الله بها عليه. قال: فسوف نرى وكان جملة عسكر مولانا السلطان مائة وخمسين فارساً وألفي راجل وكان فخر الدين في ستمائة من المماليك وألف راجل ولما صار السلطان في أثناءِ الطريق لقيه بزوال من قال له هذا فخر الدين في الجم الغفير على عدوة الوادي قال فنهنه العسكر فركب السلطان حصاناً شديداً أشقر وأخذ قناة في يده. وكان فارساً حسناً فعطف رأُس حصانه وقال يا عرب أين تفرون عنا. أما ترضون أنفسنا بأنفسكم ثم جعل يقول أنا يوسف. قال: فوا الله لقد رأَيتكم في عسكر يتزايد إلى الإقدام كما يتزايد البحر.

ولما علم الأمير فخر الدين ومن معه من المماليك بمسير السلطان الملك المظفر نحوهم اضطربوا اضطراباً شديداً وعزم فخر الدين على طلوع الجبل واللحاق بأخيه إلى صنعاءَ فاجتمع رؤساء المماليك وأعيانهم الذين لا ذنب لهم وهم الأكثر وكتبوا إلى مولانا السلطان كتاباً يطلبون فيه الذمة فأذمَّ لهم السلطان على أن يلزموا الأمير فخر الدين والجماعة الذين قتلوا فأجابوا على ذلك ولزموا الأمير فخر الدين وهو في خيمته وقطعوا طنباً من إطنابه وكتفوه به وساروا بأجمعهم إلى السلطان بعد أن لزموا الجماعة الذين قتلوا السلطان هذه رواية الجندي وقال صاحب العقد الثمين كان السبب في لزمه أن فخر الدين لما علم بمسير مولانا السلطان نحوه كاتبه وراسله وبذل له الطاعة وتسليم المماليك وهو يقول: لا تجمعوا علينا بين قتل أبينا وإخراج الملك من أيدينا فامتثلوا أمره واستمعوا قوله وقيدوا فخر الدين وساروا به إليه.

ص: 89

وحكى صاحب العقد الثمين أيضاً قال. وسمعت من مولانا السلطان يقول: كان السبب في لزم المماليك للأمير فخر الدين انهم خرجوا من المحطة يتطلعون الأخبار فوافاهم بريد الأمير فخر الدين ومعه كتب منه إلينا بما يسؤهم. فعادوا إلى المحطة ولزموه ووصلوا به تحت الحفظ.

وكان الأمير شمس الدين علي بن يحيى العنسي ظاهره مع السلطان وباطنه مع الأمير أسد الدين وأخيه. وكان شاعراً فصيحاً كريماً واصله من عنس قبيلة من مذحج فكتب إليه الأمير أسد الدين يحثه فيه على القيام ويحرضه على فكاك أخيه فخر الدين وفيه يقول:

لو كنت تعلم يا محمد ما جرى

لشتتنها شعث النواصي ضمرا

ترمي بها دربي تَعِزَّ على الوحي

لتنال مجداً أو تشيد مفخرا

لابد أن تنجي أخاك حقيقة

منها وأما أن تموت فتعذرا

أن ابن برطاس تمكن فرصة

آهٍ على موت يباع ويشترى

صح يال حمزة تأْت واخصص احمدا

لتخص من بين النجوم الأزهرا

يعني الإمام أحمد بن الحسين والغالب عندي أنه غنما يعني الأمير شمس الدين أحمد بن الإمام المنصور عبد الله بن حمزة فإنه كان يومئذ رئيس بني حمزة. والله أعلم.

لما وصل المماليك بالأمير فخر الدين إلى السلطان الملك المظفر أذم عليهم وآنسهم من نفسه كثيراً. وسار يريد محروسة زبيد فكان دخوله زبيدا في 10 ذي الحجة سنة 647 في موكب عظيم وعليه جلالة الملك وأبهة السلطنة فلما قعد على السماط واستقر في دار الملك قامت الشعراءُ بالمدائح يهنئونه بالملك فانشد الشعراءُ شيئاً كثيراً وقام الفقيه سراج أبو بكر بن وعاس من جملة الحاضرين يهنئ السلطان بما فتح الله عليه فقال:

ص: 90

أن غاب أفق الملك عن أفق العلا

فانظر ضياءَ الشمس قد ملأ الملأ

أو كان جفن الملك أمسى ارمدا

فاليوم أصبح بالمظفر اكحلا

لا تجزع الدنيا لفقد مليكها

رزئت برضوي واستعاضت يذبلا

ما كان رزءُ الملك إلا غيهبا

غم الورى واتاه صبح فأنجلا

بالملك عاد الكسر جبراً وانثني

جيد العلا حالٍ وكان معطلا

هي دولة غرا وهذا مالك

أضحى الزمان به أغر محجلا

لم يرض غيرك يا أبا عمر لها

فاستجلها أن العرائس تجتلى

مازلت معترفاً بنعمة ربها

متضرعاً لقدومها متبتلا

أو ما تراها في زبيد تزدهي

وتميس في حلل المفاخر والحلا

أمهرتها وافي الصداق فما لها

كفوءُ سواك ولا تريد تبدلا

جاءتك طائعة ولم تهزز لها

رمحاً ولم تشهر عليها منصلا

فل للذي رام التملك جاهلا

وسعى فضلَّ عن الطريق وضللا

ما أنت والملك الذي لا سرُّه

باد عليك ولست فيه مؤَهلا

ارجع إلى كاس الطلا ودع الغلا

للمغمد الأسياف في هام الطلا

ولصاحب الجيش الذي سد الفضا

وفلا بحد السيف ناصية الفلا

وأعاد ريحك حين هبت أزيبا

نكبا بريح منه هبت شمالا

أولى الورى بالملك والده الذي

ما انفك في نسب المفاخر أولا

هي دولتي وأنا الذي أَملتها

والله يعطي عبده ما أملا

ولما قبض السلطان الملك المظفر على الأمير فخر الدين ودخل المدينة زبد كما ذكرنا واستقر ملكه فاجتمع له عسكر أبيه واحتملت حواصل التهائم وانشرح صدره وطابت نفسه استأْذنه مشايخ العرب في الرجوع إلى بلادهم فقعد لوداعهم في قاعة سيف الإسلام ودخلوا عليه للوداع فوهب للشيخ ذكرى بن القرابلي بغلا من دواب الأمير فخر الدين يسمى الدراج ووهب للشيخ علي بن عمران القرابلي بالمقصرية

ص: 91

وكتب للشيخ محمد بن أبي ذكرى بلعسان وكساهم وانعم عليهم واحسن جوائزهم فعادوا إلى أوطانهم فرحين مسرورين.

وفي سنة 648 استولى السلطان الملك المظفر على تهامة بأسرها وأطاعه أهلها وحملت إليه حواصلها وخرج من مدينة زبيد إلى عدن فسار طريق الساحل فاستولى عليها وعلى الحج وأبين في صفر من السنة 648 وتسلم حصن يمين ومنيف وحصون بلاد المعافر جميعها في صفر من السنة وكان أول بلد دخله من البلاد جباء فلقيه القاضي محمد بن أسعد الملقب بالبهاء واختطب له بها فهي أول بلد اختطب له فيها من الجبال.

ثم حط على حصن تعز في شهر ربيع الأول من السنة 648 وكانت محطته في الموضع بدار السعيدة وهو بالجبل فيما بين الجاهدية وعسق وكتب إلى الشيخ علوان بن سعيد الجحدري يطلب منه رجالاً من مذحج فوصله بجيش جرار فأقام محاصراً للحصن إلى أن تسلمه في شهر جمادى الأولى من السنة 648 بخديعة منه وذلك أنه قبض في يوم من الأيام بريداً جاءَ من المفضل ووالدته من الدملؤَة إلى أمير الحصن وزمانه وكان أمير الحصن يومئذ علم الدين الشعبي والزمام أستاذ يقال له عنبر فلما قبض البريد أخذ ما معه من الكتب وفضها وأمر من زوَّر على الخط حتى القنه ثم كتب إلى الأمير علم الدين الشعبي على لسان المفضل ووالدته أن يقبض الزمام ويسجنه وكتب إلى الزمام بمثل ذلك وجعلت أوراقه بين أوراق البريد ووهب للبريد ما أرضاه ووعده بالخير وتقدم البريد بالكتب إلى الحصن فلما قبض الأمير والزمام على ما كتب به إليه همَّ كل واحد منهما بصاحبه وكانا متصافيين ثم انهما اجتمعا واطلع كل واحد مهما على ما عنده فاتفقا على أن يكتبا معاً إلى المظفر ويتوثقا لأنفسهما منه ففعلا وسلما إليه الحصن في جمادى الأولى من السنة 648 فجعل الخادم زماماً لبنت أسد الدين وكان خادماً فيه خير ونال الشعبي عنده حظوة عظيمة ثم أنه أَقطعه صنعاءَ فلم يزل بها إلى أن توفي وقيل أقام السلطان محاصراً للحصن نحو ستة اشهر

ص: 92

فلما طال مقامه كتب إلى خالته بنت حوزة يسألها أن تسلم إليه حصن تعز ويكون ولده الأشرف معها وأخوه وأمهما رهائن عندها وأرسل بهم إليها فكتبت إلى الأمير بتسليم الحصن إليه فتسلمه منه ثم تسلم حصن حب في رجب من السنة 648 وفي ذلك يقول الأديب جمال الدين محمد بن حمير حيث يقول

وان ملك ولي فذي دولة ابنه

وفي يوسف نعم الخليفة عن عمر

أغاربها من بكن ملحاءَ غافق

محجلة الأرساغ واضحة الغرر

ونادت زبيد يا مظفر مرحباً

أَضاءَ بك النادي وقربك المقر

وسار إلى حب وحبُّ يحبه

وما حب يعصيه ولو شاءَ ما قدر

حصون أَتته وهي بالشرع إرثه

وبالسيف ليس السيف إلا لمن قهر

وفي أثناءِ هذه المدة المذكورة اتفق الإمام أحمد بن الحسين والأمير شمس الدين أحمد بن الإمام عبد الله بن حمزة وقصدا الأمير أسد الدين محمد ابن الحسن إلى صنعاءَ فخرج منها وطلع حصن براش وكان خروجه من صنعاء يوم الثاني من جمادى الأولى من السنة 648 ودخل الإمام صنعاء يوم السابع من الشهر المذكور ودخل معه كافة الإشراف وأجابته القبائل واستولى على صنعاء وأعمالها ثم على ذمار وجهاتها وكان الأمراء الحميريون وهو غير واثق بهم وهم كذلك.

قال صاحب العقد الثمين وأقام الأمام في صنعاء نحواً من سنة والأمير أسد الدين في براشٍ يغاديهم بالقتال ويراوحهم وقد اجتمعت عليه العرب مع الإمام فلما طال عليه الأمد واشتد عله الأمر راسل الأمير شمس الدين أحمد ابن الإمام على أن يصلح بينه وبين الإمام فأشار عليه الأمير شمس الدين بالرجوع إلى مولانا السلطان وملازمته والارتسام تحت أمره ثم التقى الأمير أسد الدين والأمير شمس الدين إلى الجبوب واتفقوا على أن الأمير شمس الدين يسعى في الصلح بين الأمير أسد الدين

ص: 93

وبين الإمام وإن الإمام يجهز الأمير أسد الدين إلى اليمن لحرب ابن عمه السلطان الملك المظفر فإذا صار قريباً من السلطان سعى من سعى في الصلح بينه وبين السلطان فاتفق الأمر على ذلك وسعى من سعى في الصلح بينه وبين الإمام فاصطلحوا على ذلك واتفقوا وانتزم الأمر وتجهز الأمير أسد الدين وسار في صحبة الأمير أحمد بن علوان وغيره من بني حاتم وجهز الإمام معه أيضاً الأمير عبد الله بن سليمان بن موسى في مائة فارس وخرج الأمير أسد الدين في عسكر عظيم ولم يزل سائراً حتى حط في الشوافي فلما علم به السلطان الملك المظفر خرج في عسكره حتى حط مقابلاً له فسعي بينهم في الصلح بنو حاتم وغيرهم حتى انتظم وغيرهم حتى انتظم أمر الصلح وكان اللقاء في الموسعة وركب السلطان فرسه المشمر واقبل في جلال ملكه واحتفال جنده وكثرة عسكره واقبل الأمير أسد الدين يمشي راجلاً فلما قرب ترجل له السلطان وتسالما وهما راجلان ثم ركب السلطان وسار الأمير أسد الدين قدامه راجلاً وحمل الغاشية بين يديه حتى دخل على السماط فلما بلغوا المرتبة الشريفة قال السلطان للأمير أسد الدين بسم الله يا أمير فقال: حاشاك يا مولانا هذا موضعك وموضع أبيك وهذا موضعي وموضع أبي. ثم انتزم الأمر على ما شرعوه من الصلح وخرج له من الأنعام العميم ما هالهُ حتى قال ليت شعري هل أبقى مولانا السلطان في خزائنه شيئاً.

ثم أن السلطان رحمه الله عليه جهز مادة مائة فارس إلى صنعاء وجعل مقدمهم الناسف اليحييّ ثم ورد أمره على الأمير أسد الدين بالعود إلى صنعاءَ فسار مبادراً في عسكره وأصحابه ولما بلغ الإمام العلم بذلك جهز عسكره إلى نقيل الغائرة وظن أنهم يمنعون عسكر السلطان من طلوع النقيل فلم يقم عسكره في وجه العسكر المظفري ساعة واحدة فلما علم الإمام بوصول أسد الدين في العساكر المظفرية خرج من صنعاء إلى سباع بعد أن أخرب قصر الأمير أسد الدين وقصر أخيه الأمير فخر الدين وترك السيد الحسن بن الوهاس الحمزي وأخاه وغيرهما من الأشراف والعرب رتبة في صفوة فقصدهم الأمير أسد الدين في العساكر السلطانية فأخذهم برقابهم وأطلعهم

ص: 94

حصن براشٍ ثم طلع السلطان صنعاء في ذي الحجة من سنة 648 وفي سنة 649 رجع السلطان من صنعاء إلى اليمن وفيها تسلم حصن التعكر في أول المحرم سنة 649.

وفي آخر الشهر المذكور وصل العلم بقدوم الأمير بدر الدين الحسن بن علي بن رسول من مصر وقدوم أخيه فخر الدين أبي بكر بن علي بن رسول فأوجب ذلك الصلح بين السلطان وبين الإمام فاصطلحا.

ثم أن مولانا السلطان كتب إلى كافة النواب بالتهائم بإكرام عميه وألقيتم بحالهما وكتب إلى عمته المعروفة بالنجمية وهي يومئذ بالتعكر يقول لها أن رأيت أن تلقى اخوتك فافعلي ففرحت بوصولهما فرحاً شديداً لأنها كانت تبرُّ أهلها خاصة والناس عامة وكان محمد بن خضر قد صار من خلف السلطان وأمه زهراءَ بنت الأمير بدر الدين وكانت من أعيان النساء حازمة لبيبة وهي التي ابتنت المدرسة المنسوبة إلى بني خضر بقرية الحبال وفيها قبرها وقبورهم وكان محمد بن خضر قد أساءَ إلى السلطان وخالف عليه خلافاً ظاهراً ثم عاد عن ذلك فقال له السلطان يا محمد انزل مع جدتك والق جديك فنزل مع الدار النجمي وجهزها السلطان أتم جهاز ولما نزلوا نزل السلطان بعهم فلقي عميه في حيس فخرجا في لقائه قلما توجهوا ترجل بعضهم لبعض وتسالموا ثم ركبوا خيولهم ودخلوا إلى مدينة حيس فلما استقرَّ بهم القرار أمر السلطان بالقبض على عميه المذكورين بدر الدين وفخر الدين وعلي محمد خضر وقيدهم وطلع بهم مقيدين ثم تمثل بقول الأول

أقول كما يقول حمار سوءٍ

وقد ساموه حملاً لا يطيق

سأصبر والأمور لها اتساع

كما أن الأمور لها مضيق

فأما أن أموت أو المكاوي

وأما ينقضي عني الطريق

ص: 95

فلما دخلوا دار الأدب المذكور وجدوا فيه الأمير فخر الدين الصغير أبا بكر بن الحسن بن علي بن رسول وكان أول من سجن منهم فكتب الأمير شمس الدين علي بن يحيى إلى الأمير شمس الدين يحقق له ما كان من الأمر وفي أثناء ذلك يقول:

ودادي ذلك الود القديم

وعهدي ذلك العهد القديم

وبين جوانحي مما أراه

جحيم منه تحترق الجحيم

وقلت قدوم بدر الدين فيه

لنا فرح فما نفع القدوم

فبلغ خبره إلى مولانا السلطان فأغضى عنه وكان يكرمه ويقطعه الإقطاعات النفيسة ولا يظهر له شيئاً مما يبلغه. وفي هذه السنة 649 تقدم المجد بن أبي القاسم برسالة الشريفة المظفرية إلى المواقف المطهرة العباسية ببغداد وقيل كان الرسول إلى بغداد الأمير عز الدين جعفر بن أبي القاسم فسار على طريق براقش إلى العراق واتخذ الأدلة من البادية وسلك طريق الرمل على الرواحل البحرية فحكى ابن أخيه ساروا من براقش إلى العراق أربعة عشر يوماً فلما حضر مقام الخليفة ببغداد عرض الكتاب وقرأه الخليفة المستعصم ودعا لمولانا السلطان الملك المظفر فأمر الخليفة أن يكتب له منشور وولاهُ العهد.

ثم قال الخليفة انظروا كم جائزة صاحب اليمن فقالوا عشرة آلاف دينار فقال عز الدين بن أبي القاسم وكم جائزة صاحب مصر فقالوا أربعين ألفاً فقال لا أقبل لمخدومي دونها فقال له الوزير أن إقليم مصر أكبر من إقليم اليمن فقال عز الدين ما كان في اليمن من نقص فإن أوصاف مخدومي يجبره فقال الخليفة لقد سررنا بمقالتك ثم التفت إلى الوزير وقال اخبروه بجائزة صاحب مصر.

ثم كتب الخليفة إلى السلطان كتاباً يأمره فيه باستئصال الإمام أحمد ابن الحسين وأكد الوصية على الأمير عز الدين في ذلك ثم سار ابن أبي القاسم وسار معه رسول

ص: 96

الخليفة فلما وصل إلى السلطان البسه الخلعة وقرأَ له المنشور وولاهُ العهد بوكالة المستعصم له في ذلك وسلم له الإجازة وأقام في دار الضيافة فحمل له السلطان ما يستغرق الجائزة وغيرها.

ولما قتل الإمام أحمد بن الحسين كما سيأتي ذكره أن شاءَ الله تعالى كتب مولانا السلطان إلى الخليفة يعلمه بذلك فلما بلغ الرسول براقش لقيه الخبر بقتل الخليفة ودخول التتر ببغداد.

وفي هذه السنة اصطلح السلطان الملك المظفر وأخواه المفضل والفائز وأقطعهما لحجاً وأبين.

وفي آخر السنة كان وصول رسول الخليفة إلى مكة المشرفة بكسوة الكعبة وتشريفه المظفر الذي تقدم ذكرها وبالنيابة المذكورة فكسى البيت وتقدم إلى اليمن فوصل إلى السلطان بالتشريفة والنيابة.

وفي سنة 650 اصطلح الإمام والأمير أسد الدين محمد بن الحسن بن علي بن رسول. ودخل الأمير أسد الدين في طاعة الإمام وباع عليه حصن براش بمائتي ألف درهم وانتفض ما بين الإمام والسلطان من الصلح وذلك في رجب من سنة 650. وسيره في عسكر جرار إلى ذمار وجهز معه عسكراً من قبله وجعل عليهم الشريف عز الدين هبة بن الفضل العلوي. فلما اتصل العلم بمولانا السلطان جرد لهم الطواشي تاج الدين بدراً والأمير شمس الدين علي بن يحيى. فوقع بين الأمير شمس الدين علي بن يحيى وبين الطواشي تاج الدين مشاجرة فرجع الأمير شمس الدين علي بن يحيى إلى الأبواب الكريمة الشريفة وسار الطواشي تاج الدين وحده في العساكر المظفرية. فلما رأى الأمير أسد الدين والشريف عز الدين هبة بن الفضل ما هالهم من العساكر المظفرية هربوا إلى السواد ولزموا الجبل وأرسلوا إلى الإمام يطلبون منه المدد فأمدهم الأمير شمس الدين أحمد بن الإمام وجميع العرب من بني شهاب وسنحان وأهل حضور وغيرهم فحصل بينهم العساكر المظفرية. فلما رأى الأمير أسد الدين والشريف عز الدين هبة بن الفضل ما هالهم من العساكر المظفرية هربوا إلى السواد ولزموا الجبل وأرسلوا إلى الإمام يطلبون منه المدد فأمدهم الأمير شمس الدين أحمد بن الإمام وجميع العرب من بني شهاب وسنحان وأَهل حضور وغيرهم فحصل بينهم وبين العساكر المظفرية عدة وقائع

ص: 97

ظهرت فيها بسالة المماليك. ثم أن الإمام تابع الإمداد إليهم ولم يترك أًحداً من القبائل الأَجهزة إليهم. فلما رأَى الأمير أسد الدين تكاثف عسكر الإمام وتواتر الإمداد إليه أدركته الحمية العربية وعطفته الأواصر اليعربية فانذره الطواشي تاج الدين وصوب له العودة وقال له: انك إذا رجعت بهذا المعسكر سالماً وافراً طلع به مولانا السلطان فلا يقوم في وجهه واحد. فعاد الطواشي إلى ذمار ثم سار إلى اليمن.

وفي هذه السنة استولى السلطان على حصن الدُّملؤّة. وكان سبب ذلك أنه أرسل بولده الأشرف وأخيه وأمهما وبالطواشي ياقوت إلى خالته بنت حوزة وجعلهم عندها رهائن. فسلموا الأمر وعاملوا الرتبة وقيل: بل طلعت الدار الشمسي كريمة مولانا السلطان مغاضبة لأبيها وشاكية منه إلى أخويها وخالتها بنت حوزة وأظهرت الشكوى من أبيه االمظفر. وكان معها الطواشي ياقوت وأَقامت عندهم أياماً وهي تستميل الخدام وتصلح أَحوالهم وتستخدم الرتبة إلى أن أحكمت الأمر. ثم قيل لبنت حوزة أن البقرة الفلانية في الجوة ولدت عجلاً برأْسين. فأرادت النزول إلى الجوة لتنظر البقرة وعزمت على الدار الشمسي أن تنزل معهم. فاشتكت مرضاً فلم تنزل فنزلت بنت حوزة وأولادها. فلما نزلوا أوقد الطواشي ياقوت النار في رأْس الحصن. وكانت الإمارة بينه وبين السلطان الملك المظفر أن يوقد ناراً في أعلى الحصن. فلما رآها السلطان نزل من فورة وكان السلطان يومئذ في حصن حبَ. وقيل في تعكر. فركب في مائة نفر وسار فقطع أكثرهم في الطريق. وثبت معه جماعة منهم النقيب منصور. فلما صار السلطان قريباً من باب الحصن نزل والنقيب منصور قائم بين يديه. فقال من هذا: فقال عبدك منصور. فتفاءَل به حينئذ وانعم عليه وكساه ورفع مرتبته وولَاّه بعد ذلك بعض الجهات.

قال المصنف رحمه الله. وكان النقيب منصور رئيساً كاملاً هماماً عاقلاً ولم

ص: 98

تزل الرياسة في ولده وولد ولده إلى يومنا هذا. وكان منهم الأمير شجاع الدين عمر بن يوسف بن منصور. انتهت به الرياسة إلى أن صار نائب السلطان الملك المجاهد في المملكة اليمنية بأسرها. ومنهم الأمير عز الدين هبة بن محمد بن أبي بكر بن يوسف بن منصور. وكان أميراً بزبيد وكذلك ابن عمه الأمير نجم الدين محمد بن إبراهيم أيضاً تولى مدينة زبيد مدة طويلة. وسنذكر من لابد من ذكره. ولما وصل السلطان إلى باب الحصن بالدملؤَة وجد أخاه الفائز قائماً على باب الحصن ولم يفتح له. فقال له: هذا وسبعون الحصون لا معنا ولا معكم. وساق عنه ففتحوا له الباب فدخل ودخل معه من وصل حينئذ من غلمانه وخدمه. وكان ذلك يوم التاسع عشر من القعدة. وقيل يوم الخامس والعشرين منه في السنة المذكورة.

وفي هذه السنة توفي الفقيه الإمام العالم العامل أبو الحسن علي بن مسعود ابن علي بن عبد الله بن المحرم بن أحمد الساعي ثم الكتبي. وكان إماماً كبيراً ذا فنون كثيرة. واشتغل في أول عمره بالقراءات السبع حتى أتقنها. ةتفقه في قراءَته بحراز ثم عاد إلى بلده وقصد الفقيه أبا عبد الله محمد بن عبد الله بن يربل إلى جبل تيس فقرأ عليه المهذب ثم ارتحل إلى جبا فاخذ البيان عن الفقيه أبي بكر بن يحيى وأخذ عن أبي بكر الحجوزي. ثم عاد إلى المخلافة فرأَس بها ودرَّس فلما ظهر الإمام عبد الله بن حمزة وغلب أمره في تلك الناحية خرج الفقيه المذكور في جمع من الطلبة نحو من ستين طالباً وقصد تهامة فأقام بها مدة. فلما توفي الإمام عبد الله بن حمزة وهدأّت الفتن عاد الفقيهُ إلى بلده المخلافة أيضاً فلبث بها مدة. وقدم الشيخ الصالح أبو الغيث بن جميل إلى بلد الفقيه وابتني هنالك رباطاً وأقاما متعاضدين فلما ظهر الإمام أحمد بن الحسين واشتدت شوكة الزيدية انتقلا عن المخلافة وعاد إلى تهامة. فنزل الشيخ أبو الغيث مع الفقيه عطاءٍ وهو الذي تنسب إليه القرية الفقيه عمرو ولم يزل هنالك إلى أن توفي في السنة المذكورة. وكان إماماً جليل القدر تفقه به خلق كثير. وانتشر

ص: 99

عنه الفقه في جهة حجة وغيرها انتشاراً عظيماً. ولما تولي كما ذكرنا وصل الشيخ أبو الغيث معرباً به إلى تلميذه الفقيه عمرو ومن حضر من أهله وكان زاهداً ورعاً يرى أنه ما قبض ديناراً ولا درهماً أو كمال قال. ويرى أن حلقته كانت تجمع ثمانين متفقهاً أكثرهم ذو فقر وحاجة وإيثار. ويحكى أنه حصلت عليهم أزمة فتضرروا بها ضرراً عظيماً. فعلم بذلك بعض أهل القرية ولم يكن في قدرته ما يقع موقعاً من كفايتهم فبعث بقُرص من الطعام لشخص منهم فاثر ذلك الشخص به صاحباً له ثم اثر ذلك الشخص به آخر ثم اثر الآخر آخر حتى عتاد القُرص إلى الذي حصل له ابتداءً فأخذه ووصل به إلى الفقيه واخبره بالأمير فأعجبه ذلك وقال الحمد لله الذي جعل في أصحابي صفة من صفات أصحاب الصفة وأنصار نبيه صلى الله عليه وسلم حيث قال تعالى ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصائصة ومن يوق شحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون. ثم جمع الدرسة وقسم القُرص على عدد رؤُوسهم لقمةً لقمة.

وفي سنة إحدى وخمسين رجع الأمير أسد الدين بمن معه من لعسكر إلى البلاد العليا وفسد ما بينه وبين الإمام. وذلك أنه لم يحصل له من قيمة براش إلا الشيءُ اليسير ولم يف له الإمام بما عاهدوه عليه من أمر البلاد. فسار نحو البهيمة في طريق المشرق. وكان في صحبته الأمير عليب بن وهاس في جماعة من خيله حتى بلغ عمقين وجرذان وهي أودية بالمشرق. فضاقت عليهم المسالك هو والأمير علي بن وهاس واشتدت بهم الحال وقصدتهم العساكر المظفرية ولم يروا بدّاً من قصد الشيخ علوان بن عبد الله الجخدري على ما بين الأمير أسد الدين والشيخ علوان بن عبد الله الجخدري من العداوة والبغضاء في أيام الدولة المنصورية. فلما نزلوا عليه لقيهم بالرحب والسعة وأنزلهم في العروسين وحمل إليهم الضيافات وأَجارهم. فقصدهم السلطان وحط في بلاد الشيخ علوان واخرب منها مواضع

ص: 100

كثيرة واحرق مواضع أخرى. ولم يزل الشيخ علوان يلاطف السلطان ويراجعه ويسأله الذّمة للأمير أسد الدين حتى أذمَّ له على يده. فقال الشيخ علوان في ذلك وكان من فصحاء العرب:

سلام على الدار التي في عراصها

معاهد قوم لا يذم لهم عهد

أناخوا علينا نازلين وفيهم

طوال القنا والمشرفية والجردُ

ليوث شرى خاضوا الرمال فذل

لوا مقاولها فارتاع من خوفهم نجد

رموا موضع الشمس احتساباً بالأن

فس أمانتها موت، على العزأَ وحمد

إلى أن سرى البرق اليماني لامعاً

بدملؤَه العز التي ما لها ندُّ

فراموا له بزل الركاب على الوجى

وقادوا إليه الخيل من فوقها الأسد

يقودهم الملك الذي في يمينه

عوارف منهن المنية والرفد

تحف به القوم الذين سيوفهم

عقائق حمر لا يلائمها غمد

رأَوا مورداً عذباً فلما دنوا له

وقد اشرعوا قلن المقادير لا ورد

قضى أسد الدين القضاءَ برمحه

إلى علم زهر المجوم له عقد

فجاش عليهم للمظفر عارض

له البيض برق والطبول به رعد

همام أبي أن يسلم الملك فانبرى

وحوليه أرباب الزعامة والجند

يسوقهم سوق السحاب يحثها

نسيم الصبا حتى أَلم بنا الوفد

أكارم كانوا لي عدواً فاصبحوا

ينادون يا علوان هل ذهب الحقد

فقلت لهم في فرع تيماءَ فانزلوا

أَلا مرحباً هذا السمؤَل والفرد

مددت لهم ظل العروسين دائماً

بسطت لهم أيدي الرخاء الذي مدوا

فشكراً لمن أدنى ركاب محمد

إِليَّ وأهداه لي الفلك والسعد

فاصبح أرباب الزعامة حولنا

وما رابني منها الوعيد ولا الوعد

ملوك دنا بعض لبعض فأصبحت

كتائب عزمي وهي بينهم سد

وأسد إلى أسد تدانت فصدها

على حنق ما بينها الأسد الورد

فمن الفخار العرب مثلي ومن لها

كمثل مقامي في المكاره أن عدُّوا

ص: 101

فحسبي إني الحرُّ من آل يعرب

وإني لمن آوى إلى كينفي عبد

ولما أذم السلطان الملك المظفر للأمير أسد الدين كما ذكرنا نزل الأمير أسد الدين فيمن معه من أصحابه إلى السلطان فلقيه بالموسعة فأكرمه وأنصفه وسار الأمير أسد الدين ماشياً بين يدي السلطان بسيفه على عاتقه. فلما دخلوا على السماط وقف وخدم. ثم أن السلطان حمل إليه أموالاً جليلة وأمده بعسكر كثيف. وأمره بالمسير إلى صنعاء. فسار أسد الدين في العسكر إلى صنعاء فعلم به الإمام فخرج من صنعاء ودخلها أسد الدين. ثم طلع السلطان إلى صنعاءَ في رجب من السنة المذكورة وطلع صحبته الأمير علم الدين علي بن وهاس فحط في درب عبد الله.

وكان الإمام يومئذ في تسارع فخرج من تسارع فاخرب السلطان تسارع وبساتينها وعاد إلى اليمن فتسلم حصن دروان من الشيخ الورد بن محمد ابن ناجي. وفي هذه السنة قتل الشريف أبو سعد بمكة وكان مدة ولايته عليها أربع سنين إلا شهراً. فدخل بنو عمه إلى داره فقتلوه في وسط الدار وكان الذي قتله حماد بن حسن وحج بالناس في ذلك العام وأقام بمكة. وفي هذه السنة اختلف الإِمام والأمير شمس الدين أحمد ابن الإِمام عبد اله بن حمزة وبنو عمه من بني حمزة واستنصروا بالسلطان فأمد السلطان على الأمير أسد الدين يوم الخامس من ذي الحجة وقد وصلت الخزائن السعيدة إليه فالتقى الأمير شمس الدين في براقش بعد أن رجع الأمير شمس الدين من مأرب ثم ساروا جميعاً فحطوا على الزهراء فأخذوه. وأخرجوه.

وفي هذه السنة توفي الشيخ الصالح المشهور أبو الغيث بن جميل الملقب بشمس الشموس. قال بعض العلماء وهذا لقب على ملقب باستحقاق وكان في بدايته قاطع الطريق وكان سبب توبته أنه صعد شجرة يريد أن ينظر السفر إذا أقبلوا فبينما هو على الشجرة يتأمل الطرق إذ سمع قائلاً يقول يا صاحب العين عليك العين فوقر ذلك في قلبه فنزل عن الشجرة مستكن القلب ونفسه تنازعه في الإنابة. فلم

ص: 102

يجد لذلك غير الشيخ أبي الحسن علي بن عبد الملك بن أفلح بزبيد فوصل إليه وعرض عليه أمرهُ وسأَله أن يأخذ عليه اليد فاخذ عليه اليد وأّلزمه الخدمة للزاوية فأقام يخدمها بالحطب والماءِ وفي بيت الخلاءِ دهراً ثم تقدم المراوعة بعد ذلك إلى الشيخ علي الأهذل فأقام عنده أياماً هذبه فيها تهذيباً مرضيّاً فكان يقول خرجت من أبن أفلح لؤلؤةً عجماء فثقبني الأّهذل. ثم طلع الجبال الشامية بعد ذلك فظهر له فيها أحوال خارقة فمال إليه عالم عظيم من العامة والرؤَساءِ وصحبه جماعة من الفقهاء. فلما ظهر الإمام عبد الله بن حمزة وقوي أمر الزيدية بالجبال الشامية نزل الشيخ إلى تهامة ونزل بنزوله الإمام العلامة الفقيه علي بن مسعود المذكور أولا فسكن الشيخ أبو الغيث رحمه الله مع الفيه عطا على كره من أهله. ثم قام الأمام أحمد بن الحسين وبلغهُ أن الشيخ مقبول الإشارة مسموع القول كتب إليه طمعاً في ميله وميل أهل تهامة كتاباً صدره) قل يا أهل الكتاب تعالواْ إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم إلا نعبدَ إلا الله ولا نشرك بهِ شيئاً ولا يتخذَ بعضنا بعضاً أرباباً من دون اللهِ فإن توَلواْ فقُولوا اشهدوا بأَنَّا مسلمون (. ثم قال القصد يا شيخ الاجتماع على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسلام.

فلما وصل الكتاب مع بعض الشيعة قال الشيخ لرجل من أصحابه اقرأْ كتاب الشريف. فلما قرأَه وفرغ من قراءَته قال لهُ الشيخ اكتب) أن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون (. الحمد لله فالق الإصباح. ومرسل نسيم الرياح. إلى فسحة مبدأ عالم الأشباح والصلاة والسلام على سيد الأنام ومصباح الظلام وعلى آله وصحبه السادة الكرام.) أما بعد (فقد وصلنا كتاب السيد الشريف يدعونا لإجابته ولعمري إنها طريق سلكها الأولون واقبل عليها الأكثرون. غير أنا نقر منذ سمعنا قوله تعالى) له دعوة الحق (لم يبقِ فيها متسع لإجابة الخلق. فليس لأحد منا أن يشهر سيفه على غير نفسه ولا أن يفرط في يومه بعد أمسه. فليعلم السيد قلة فراغنا لما رتم وليبسط العذر والسلام " فذكروا أن رسول الشريف وقف مع الشيخ وبعث بالكتاب رسولاً. ويروى أنه كتب إليه الشيخ أحمد بن علوان الذي يأْتي

ص: 103

ذكره فيما بعد أن شاءَ الله تعالى كتاباً يقول فيه. أَما بعد فإني أخبرك:

جزت الصفوف إلى الحروف إلى الهجا

حتى عرفت مراتب الإبداع

لا باسم ليلى استعين على السرى

كلا ولا ليلى تقل شراعي

فأجابه الشيخ أبو الغيث بن جميل: من الفقير إلى الله تعالى أبي الغيث أبن جمي أغذي نعمة الله في محل الحضرة إما بعد فإني أخبرك

حلَّى في الاسم القديم باسمه

واشتقت الأسماء من أسمائي

وحباني الملك المهيمن وارتضى

فالأرض ارضي والسماءُ سمائي

يا ابن علوان أبت المراهم الشافية أن تقع على جرحك الخبيث حتى تعدم بمرر العقاقير. وكان الشيخ رحمه الله كير القدر شهير الذكر صاحب ترقية ومجاهدة قلَّ أن يوجد لهُ نظير. وفضائله أكثر من أن تحصى واشهر من أن تذكر. ومن كلامهِ قوله شكوتك إلى ما في يديك دليل على قلة ثقتك بالله ورجوعك في حال الشدة إلى المخلوقين دليل على انك لا تعرف الله وفرحك بشيءٍ تناله من الجنيا دليل على بعدك من الله. وقد قيل أن هذا من كلام أبي يزيد البسطامي أو أحد نظرائه والله أعلم.

وسئل الشيخ رحمه الله عن المستحق لاسم الصوفي فقال هو من صفا سرُّهُ من الكدر وامتلأَ قلبهُ من العبر وانقطع إلى الله عن البشر واستوى عنده الذهب والمدر.

وسئل مرة أخرى عن ذلك فقال الصوفي من كان بعهد الله موف. ومن دعائه اللهم إني أَسأَلك يا روح روح الروح ويا لب لب اللب ويا قلب قلب القلب هب لي قلباً أعيش به معك فد خلقت كلما هو دونك لأجلك فاجعلني ممن شئت من هذه الجملة.

وروي عن الفقيه الإمام الصالح إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الحضرمي أنه قال جري بيني وبين بعض أصحاب الشيخ أبي الغيث بن جميل كلام من اجله فقلت

ص: 104

له قد كان الشيخ يخطئ في بعض كلامهِ في المجالس فقال لا وأنكر عليَّ إنكاراً شديداً فلما كان الليل رأيت الشيخ بعد العشاءِ تمثلت لي صورته فقال لي أخطأْنا كثيراً ووقعنا كثيراً ولكن قلت منا العزائم وصفحت عنا الجرائم وسامبني البدع الموصوفون بضرهم إلا من كان فيه أربع خصال أن يكون لله لا له للناس لا لنفسه سالكاً طريقةً وهي طريقة واحدةُ تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام. ثم قال لي أحذر بنات الطريق فإنهن يلتمسن اللمحة والنظرة. فسئل الفقيه عن بنات الطريق فقال هي الكرامات التي تعرض للسالك في طريقه الذي لاحظها حجب عن مقصوده. وكانت وفاة الشيخ على الحال المرضي عازفاً عن السماع منذ مدة نهار الأربعاءِ لخمس بقين من جمادى الأولى من السنة المذكورة. وتربته مشهورة في بيت عطا وهي قرية من أعمال سردد وجعل عليه التاجر بن الخطبا قبة عظيمة والله أعلم.

وخلف الشيخ فيروز وكان فيروز كبير القدر وهو من أصحاب الشيخ محمد بن أبي بكر الحكمي صاحب عواجه. وكانت وفاته في سنة اثنتين وتسعين وستمائة. وفي هذه السنة المذكورة أيضاً توفي الأديب جمال الدين محمد بن حمير الشاعر المشهور. وكان أوحد شعراء عصره وهو من شعراءِ الدولة المنصورية وكان يصحب الشيخ والفقيه صاحبي عواجه وله فيهما عدة قصائد وشعره فيهما وفي غيرهما كثير مشهور متداول وله ديوان شعر جيد وهو عزيز الوجود. ورأيت بخط الفقيه الإمام العلامة أبي العباس أحمد بن عثمان بن بصيص النحوي بيتين من الشعر وهما

أَما قصائد قاسم بن هتيملٍ

فمذاقها أحلى من الصهباءِ

هو شاعر في عصره فطن ول

كن ابن حمير اشعر الشعراء

ويقال أن هذين البيتين لابن سحبان قالهما وقد سئل أي الشاعرين المذكورين اَفصح. وكانت وفاة ابن حمير في مدينة زبيد ودفن في مقبرة باب سهام شرقي قبر الشيخ الصالح مرزوق ابن حسن الصوفي بينهما الطريق هنالك إلى قرية المخريف

ص: 105

وغيرها من وادي رمِع والله أعلم.

وفي سنة اثنتين وخمسين سار الأمير أسد الدين محمد بن الحسن ابن علي بن رسول. والأمير شمس الدين أحمد بن الإمام المنصور عبد الله ابن حمزة والعساكر المظفرية إلى مدينة صعده. وكان الإمام أحمد بن الحسين يومئذٍ في صعدة فلم يكن بأسرع من دخول الأميرين المذكورين في العساكر المظفرية إلى مخلاف صعده فهرب الإمام إلى غلاف. وجعل السيد الشريف الحسن بن وهاس ذمةً في صعدة في نصف العسكر وسار في النصف الثاني إلى علاف فأقامت المحطة على صعدة نحواً من شهرٍ. والشريف شمس الدين والأمير أسد الدين يغاديانهم ويراوحانهم القتال حتى انقطعت عنهم المادة. وفي أثناءِ هذه المدة فقئت عين الشريف جمال الدين علي بن عبد الله بن الحسن بن حمزة. ثم فتحت صعدة وأسر الشريف السيد الحسن بن وهاس. وكانت المدينة محشوَّة بأهلها فنهبت منها أموال جمة وأخذت منها غنائم عظيمة وأَخذوا سبعين رأساً من الخيل واجار الأمير أسد الدين أجزل الناس وستر النساءَ. وشحن براش صعدة شحنة عظيمة. ورتبا في صعدة الأمير عز الدين محمد بن الأمير شمس الدين أحمد بن الإمام وهبة ابن الفضل ورجع الأميران إلى صنعاءَ. وفي ذلك يقول الأمير عز الدين عزان بن سعيد بن نسر بن حاتم على لسان الأمير شمس الدين أحمد بن الإمام ممتدحاً السلطان الملك المظفر بقصيدة من القصائد الطنانة وهي

سلام مشوق وده ما تصرما

يزورك من نجد وإن كنت متهما

سلام كنشر الروض باكرهُ الحيا

فأضحى أنيقاً مشرقاً متبسما

يخصط من قربٍ وإن كنت نائياً

ويهدي تحياتي فرادى وتوأما

فيا أيها الملك المظفر والذي

حمى قصاب الملك أن تتهدَّما

ويا دافعَ الجلَّي إذا الخطب مبهمُ

وقد جنَّ ليل الحادثات واظلما

ويا مخجل الأنواءِ والبرق خلَّبُ

إذا جاد برقُ من نوالٍ واسحما

ص: 106

ملكت فلم تفخر ونلت فلم تظل

وجدت فلم تترك على الأرض معدماً

وصلُت فلم تترك عليها معانداً

ولو أنه يرقى إلى الجو سُلَّما

إليك أبا المنصور أهديت أحرفاً

أبثك أخباراً وإن كنت أعلما

وإني لما أوليتني من صنائع

لاستنجد الأخبار كي اشفي الظما

واستنهض العزم السعيد وطالما

حللت بهِ عقداً من الهمّ مبرما

لأنعم ناراً أو لا كبت حاسداً

وأفضي لبانات النفوس وانعما

فشمر لشيد المجد إذ أنت أهلهُ

وتمم على اسم الله تُدْعَ متمما

فلم يبق في الأقوام إلا حُثالة

تهبُّ بها ريح الصبا أن تبسما

نهضنا بجيش منك يطموا عبابه

يضيق به رحب الفضا حيث يمما

يجول بقاع الأرض شرقاً ومغرباً

ويطوي رباها محرماً ثم محرما

ويغشى لظى الحرب العوان كانهُ

طنين ذبابٍ عندهُ أن ترنما

نزلنا بوادي الحوف نرعى جميلهُ

ونذكر عهداً كان فيه تقدما

فلما قضينا نحوهُ كل حاجةٍ

وجئنا المراسي وهو كان محرما

صعدت بنا أَعمال صعدة شبحاً

تبارى كأمثال الشموس تهتما

ولاحت على الأقطار أعلام يوسف

كان شعاع الشمس منها تسنما

وصاحت طيور السعد في كل وجهة

تبادر بالترحاب إذ كنَّ وُجَّما

فلا ملكُ إلا وأرخى قيادهُ

ولا قائمُ إلا تولى وأَحجما

ولا حيَّ إلا استيقظوا بعد هجعة

وكانوا سكارى قبل وذاك ونُوَّما

ولله دَرّ الأريحي محمد

شقيقك محمود الثنا مانع الحما

فوا الله ما جشمتهُ لملمةٍ

على مثل حد الشيف إلا تجشما

ولا قلت مهلاً يا خليلي وقد بدا

به الشر؟ ُّ إلا كفَّ ثم تبسما

فيا ابن الملوك الغر من آل جفنه

غدا مجدهم فوق السماك مُخيما

لأّنت صفي الود إذ أنت أهلهُ

ولا ارتضي الَاّك ركباً ومغنما

ص: 107

ولا يقطعن بيني وبينك قاطعُ

إلى أن نزور جنة الخاد فأعلما

خلفت برب الناس حلفة صادق

مؤَكدة لم أخشَ في ذاك مأثماً

وبالمصطفى جدي وبالمرتضى أبي

ومن طاف بالبيت العتيق واحرما

لوَ أنّي رأَيت الدين لله خالصاً

وأعطيت ملكاً يملأُ الأرض والسما

لما سمحت نفسي بدين محمد

ولو لم أدق من بارد الماء مطعما

فلما رأيت الحق ملقى زمامه

وليس سوى الدنيا مراداً ومشتما

تنكست عن تلك السبيل ولم أعج

عليها ولا في رفضها متندما

وعدت أرعى سوامه

ولم أذَّكر نجداً ولا أَبرق الحما

ويممت محمود الطرائق يوسفا

فلله ملكاً ما أعزَّ واكرما

لقد فخرت غسان منهُ بماجدٍ

حماها وأعلاها سماكاً ومرزما

مجيباً إلى داعي التكرم والندى

وان هو لم يدع ابتدا وتكرما

فصام قرير العين في خقض عيشه

ولا زال مأْوى للوفود ومنتما

ولما عاد الأميران شمس الدين وأسد الدين إلى صنعاء بمن معهما من الإسراء كان دخولهم صنعاء يوم الجمعة الثاني عشر من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة. ولما دخل شهر شعبان من السنة المذكورة وصلت الخزائن السعيدة والأوامر الشريفة المظفرية بخروج الأمير أسد الدين صحبة الأمير شمس الدين إلى الطاهر فتجهز الأميران وخرجا بالعساكر المصورة المظفرية وقصدوا بلاد حاشد وهو مخلاف ابن وهاس فخرجوا فيها مواضع ثم نهضوا إلى مصنعة بني القديم فأخذوها ونهضوا إلى النواب ثم إلى الطاهر فأخذوا موضعاً يسمى الأبرق. ثم قصدوا الإمام أحمد بن الحسين إلى موضع من بلاد حمير يسمى الهجر وكان قد جمع جموعاً كثيرة إلى نقيل الخضاب وأمرهم بحفظ ذلك الموضع. ففرق الأميران عساكرهما في جوانب النقيل فقطعوا الطريق على عساكر وهزموهم هزمة شنيعة وقتلوا منه مقتلة عظيمة.

وكان في جملة من قتل الفقيه حميد بن أحمد المحلي الزيدية

ص: 108

وفضلائها ولهُ من التصانيف الجامعة والرسائل المفردة إلى الملوك والعلماء ما ليس لأحد وقتل معهُ من الفقهاءِ والشيعة كثير واسر شمس الدين أحمد بن يحيى بن حمزة وكان خلفاء الإمام علي بن حمزة وهرب الإمام بعد أن اشرف على الهلاك ثم تحصن في حصن طلب المصانع. ثم رجع الأميران إلى الطاهر وأرادا التقدم إلى حوب فاختلف عليهما العسكر فقفلوا إلى صنعاء في شهر رمضان من السنة المذكورة.

وفي هذه السنة أخرج الشريف حماد بن حسن من مكة أخرجه الشريف راجح وأبو نمي وإدريس فأقام بها راجح ثلاثة أشهر ثم أخرجه ولده غانم وأقام بها إلى شوال فأخرجه منها أبو نمى إدريس فأقاما بها شهر شوال.

وفي شوال جهز السلطان الأمير مبارز الدين الحسين بن علي بن رطاش إلى مكة المشرفة في مائة فارس فلقيه الأشراف على باب مكة فكسرهم وقاتل منهم جماعة ودخل مكة وحج بالناس. وفي شوال أيضاً تجهز الأمير شمس الدين أحمد بن الإمام عبد الله بن حمزة إلى الأبواب الشريفة السلطانية هو وأخوه داود بن الإمام وجماعة من بني حمزة وكان السلطان يومئذ في محروسة زبيد. فلما وصلوا خرج السلطان في لقائهم وأكرمهم وانصفهم وكان له من المقابلة والإتحاف ما لم يسمع بمثله وضربت لهم الخيام والمطامح على باب الشبارق من زبيد مدة أفادتهم فاجتمعوا بالسلطان ثلاثة أيام وكانت أقامتهم شهرا وأظل عيد الأضحى وهم بالباب الشريف وقال الأمير شمس الدين يمدح السلطان الملك المظفر رحمهما الله

لعلّ الليالي الماضيات تعودُ

وتبدو نجوم الدهر وهي سعود

على منزل ما بين نعمان واللوى

وجرَّت عليه الرامسات برود

وكانت به العين الغواني أوانساً

فأضحت به العين الوحوش ترود

تجرُّ أنابيب الرماح ومبتنى

قباب طباءٍ ريقهن برود

فيا دارنا بين العنينة والحمى

هل الروض روض والزرود زرود

فكيف بمن أضحى ظفار محله

ومن بات قد حالت عليه زبيد

ص: 109

هوايَ بنجدٍ والمنى بتهامةٍ

متى نلتقي بالمتهمين نجود

وان فتى دامت مواثيق عهده

على مثل ما لاقيتهُ لجليد

ولما سرى البرق الشآمي هاج لي

جوى واشتياقاً ليس فيه مزيد

فهل لجنوب الريح أن تلثم الثرى

بنشر تحيات لهنَّ صعود

على أربع بين الصعيد وصعدة

وبين براشٍ لي بهنَّ عهود

مشاعر حج الطالبين فلا الأّذى

قريب ولا نجح الرجاء بعيد

كرمن فلا يخشى النوائب عندها

منيب ولا يخشى الهوان طريد

ملاعب أمهار الجياد وملتقى

مجامع لا يشقى بهنّ وفود

وأبراج أشباه المها في كِناسها

عليهنّ من نسج العفاف برود

نعمنا أيام لا البغيُ نافث

بنارٍ ولا بين الرجال حقود

ظلالي فيها للورى غير قالص

وبري حوض لست عنها أذود

وقومي قوم الروع جن وفي الندى

بحور وحلماً كالجبال ركود

فنحن نطول الناس عزّاً وتنتهي

إلى الأفق أيدينا ونحن قعود

إلى أن دعى داعٍ إلى البغي للورى

وأعلن منهم كاشحُ وحسود

ودلّ علي الحلم قومي وأُسست

ممالك لم تنظم لهنَّ عقود

وأنكر إحساني الذين خلودهم

عليهم إذا استشهدتن شهود

فكم مات من قوم فحيوا بحلمنا

وكم أخلفت سحبُ ونحن نجود

بسطنا على العرب المكارم بسطة

لنا أبطوتهم والطلول جحود

ولما صبرنا ظنت الناس أننا

ذللنا وإنا سادرون سمود

فما سنَّ فينا الناس إلا ظلامةً

كما سنَّ في قتل الحسين يزيد

لقد أنكرتنا الناس كل فضيلةٍ

كأَنَّا نصارى ملةً ويهود

لما قصدت الملك ذا التاج يوسفاً

علمت بان الهم ليس يعود

دعوتُ فلباني فتىً لا مزبد

ملولُ ولا واهي اليدين بليد

ص: 110

ومالي لا أُرخي الركاب إلى ذرى

به الشهب شهب والصعيد صعيد

وألقيتُ كفي في أنامل لم تخن

عهوداً ولم تخلف لهنَّ وعود

وما ابن أبي عفص بجون الذي له

الحميري الملك وهو فريد

مكارم سنتها الملوك ويوسفُ

لآثار ما سنَّ الملوك يشيد

فسوحك مقصود وكفك قاهر

وجدّك منصورُ وأنتَ حميد

صبرت على حمل العظائم فانتهت

إليك العلي أن الصبور سعيد

وفي كل يوم أنت تبدو على العدى

بخطب وتبدي في الندى وتعيد

سبيل فتى لا الموت يطرق همهُ

ولا الموت فيما يتقي فيحيد

ويعلم أن الدهر ليس بدائم

وإن خلود المكرمات مفيد

أنخنا بك الآمال وهي ركائب

لإرسائها لطف الإله يعود

وقد كنت عرَّبت الرواحل برهة

وأطرقت حتى لا يقالُ مريد

وداويت لابن العم داءً وجدتهُ

على الصبر ينمو خطبه ويزيد

فأدنيت من أمواج بحرك غمرة

أصول بها فيمن بغى فيبيد

وخف بسرجي الترك والعرب فاغتدى

بعونك ركني اليوم وهو شديد

كذا يستعيد الحرُّ بالحرِّ واثقاً

بربٍّ لهُ كل الملوكِ عبيد

بمن نصر المظلوم في كلماته

بنصرٍ لهُ أهل السماءِ جنود

فدم في ظلال الملك ما هبت الصبا

وما جنَّ في جنح الظلام وعود

ولما عزم الأمير شمس الدين على الرجوع إلى بلاده حمل إليه السلطان من الأموال والخيول والكساوي والطرف مالا يعلمه إلا الله. واقطعه مدينة القحمة وجهز معهُ مائة فرس من المماليك والحلقة فتقدم الأمير شمس الدين إلى الجوف واستباحه. وكانت له وقعات عظيمة وفي هذه السنة توفي الفقيه أبو عبد الله محمد بن

ص: 111

يحيى بن إسحاق بن علي إسحاق العياني ثم السكسكي. وكان فقيهاً فاضلاً تفقه بأخيه أبي بكر بن يحيى بن اسحق المقدم ذكره وأخذ عن الإمام سيف السنة. وكان جداً صالحاً يغلب عليه الاشتغال بكتب الحديث. وكان بوفاته لثلاث بقين من شعبان من السنة المذكورة. وفيها توفي الفقيه أبو السعود بن الحسن بن مسلم بن علي بن عمر المفضلي الهمداني. وكان فقيهاً ماهراً تفقه بابن مضمون وأبي عبد الله العمرانيين وأخذ عن علي بن أبي بكر التباعي. وارتحل إلى عدن وأخذها عن القاضي إبراهيم بن أحمد القرنطي. وكان زميله في القراءة حسين العديني وسفين الأبيني وولده أبو بكر والسبتي الشحري وغيرهم. وهو والد الفقيه حسين صاحب الفراوي واحد شيوخ القاضي عبد الله العرشاني. ودرس بعكار بعض المبادئ إلى أن توفي في ذي القعدة من السنة المذكورة وفيها توفي الشيخ الإمام أبو الربيع سليمان بن موسى بن سليمان بن علي بن الجون الأشعري الفقيه الحنفي. وكان فقيهاً فاضلاً عارفاً بالفقه والنحو واللغة وعلم الأدب. وله صفات حسان منها شرح الخمر طاشية وهو شرح جيد سماه الرياض الأدبية يروى أنه صنفهُ وهو ابن ثماني عشرة سنة. وكان آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر. ولما ظهرت السبوت في زبيد وعمل فيها المنكر هاجر إلى الحبشة فأقام بها إلى أن توفي في السنة المذكورة في قرية يقال لها رون بضم الراء الأولى. ولما توفي في التاريخ المذكور كتب الفقيه أبو بكر بن دعاس إلى الفقيه أبي بكر بن حنكاش يعزيه عنه بأبيات يقول فيها

غير أنا نقولُ ما دامَ فينا

نجل عيسى لم نُرْزفي في نجل موسى

ولعمري يوسى عليه ولكن

ببقاءِ الإمام ذا الجرح يوسى

وفي سنة ثلاث وخمسين جمع إشراف مكة جمعاً عظيماً وقصدوا الأمير مبارز الدين الحسين بن علي بن رطاس وحاصروه في مكة حصاراً شديداً ودخلوا عليه مكة من رؤوس الجبال وقاتلهم في وسط مكة فكسره وقتلوا جماعة من أصحابه ولزموه فاشترى نفسه منهم وعاد إلى اليمن هو والجد الذين كانوا معهُ.

ص: 112

وفي سنة أربع وخمسين توفي الطواشي تاج الدين بدر بن عبد الله المظفري. وكان ذا همة عالية ونفس أبية وكان خادماً للحرة بنت حوزة إلا أنه كان متظاهراً في أيام السلطان نور الدين بحب الظفر فأمرت به سيدته فحبس في جبس زبيد فلم يزل إلى أن وصل العلم بقتل السلطان نور الدين فلما علم بذلك خرج من السجن قهراً على السجان وصار إلى والدة السلطان الملك المظفر وكريمته. وكانوا عليهم يومئذٍ في زبيد فحرض والدة السلطان وأخته على القيام بحفظ زبيد. واستخدم الرجال وحفظ الأبواب وقبض مفاتيح أبواب المدينة وشاجر الوالي يومئذٍ. وكان الوالي الذي في زبيد اسمه قائماز وشمر تشميراً تاماً. وقاتل المماليك عن منها فلما دخلها الملك المظفر احسن إليه وحمل له طيلخاته واقطعهُ إقطاعات جيدة. وكان شجاعاً فارساً عاملاً رئيساً حسن السيرة له آثار محمودة. ومن مآثره الحسنة المدرسة التي بزبيد المعروفة بالتاجية وهي التي تسمى في وقتنا هذا بمدرسة المبردعين وإنما سميت بذلك لان المبردعين كانوا يعملون البرادع عندها وهي مختصة بالفقه. وله أيضاً المدرسة المعروفة بمدرسة القرّاء بزبيد وقفها على قراّء القرآن السبعة. وفيها مدرسة للحديث النبوي. وفي كل مدرسة من هذه المدارس الثلاث مدرس وطلبة وأمام ومؤَذن في أوقات الصلاة الخمسة وأوقف عليهن وقفاً جيداً يقوم بكفاية الجميع منهم. وله أيضاً دار مضيف لإطعام الطعام فيه شيخ ونقيب وقيم لإطعام الواردين وأمام ومؤَذن للقيام بالصلوات الخمس في أوقاتها. وله وقف أيضاً يقوم بكفاية الجميع وجميع ذلك بزبيد. وله في الجبل مدرسة في قرية الوجيز.

وكانت وفاته في مدينة تعز في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة تحقيقاً وقيل تقريباً. ويقال أنه مات مسموماً والله أعلم.

وفيها توفي الفقيه الصالح عبد الرحمن بن علي بن إسماعيل بن إبراهيم بن

ص: 113

حديث وكانت ولادته سنة تسعين وخمسمائة. وكان فقيهاً نبيهاً عارفاً محققاً قائلاً بالحق عاملاً به.

ويروى أن السلطان نور الدين عمر بن علي بن رسول وجبت عليه كفارة جماع في شهر رمضان بالنهار. وكان يومئذٍ في الجند فأمر الوالي أن يجمع له الفقهاء من الجند وأعمالها فاستدعاهم الوالي فحضروا وحضر هذا الفقيه من جملتهم فقعد لهم السلطان قعوداً خاصاً وادخلوا عليه جميعاً فلما اطمأن بهم المجلس سئلوا عن المسأَلة فأجابوا بما يجاب عليه سائر الناس. ولم يتكلم الفقيه عبد الرحمن معهم بشيء في ذلك فقيل لهُ لم لا تتحدث كما تتحدث الجماعة فقال اشتهي اعرف صاحب المسأَلة فقيل له هو مولانا السلطان فقال لا يجزيه إلا صوم شهرين وإما الإطعام والإعتاق فلا يجزيه. فنازعه الفقهاءُ الحاضرون في ذلك فقال الغرض بالكفارة حسم مادة معاودة الذنب ولا تنحسم مادة معاودة الذنب في هذا الفعل من مولانا السلطان إلا بذلك فاعجب به السلطان. والله أعلم.

وفيها توفي الفقيه الصالح أحمد بن محمد الشكيل بن سليمان بن أبي السعود الطوسي. وكان مولده سنة ثمان وخمسين وخمسمائة وفي سنة ولادته توفي صاحب البيان. وكان المذكور فقيهاً عارفاً صالحاً ذا دعوة مستجابة تفقه بأحمد بن مقيل. ثم بالحسن بن راشد من العماقي. ثم بأحمد الصواري ونسخ بيده عدة كتب واشترى كذلك ووقفها على طلبة العلم ببلده من ذريته وغيرهم. وتزوج امرأة من بني ايمن من أهل العماقي وهي أم ولديه مسعود وعبد الله. وكانت وفاته في صفر من السنة المذكورة. وقبره مشهور مقصود للزيارة وطلب الحوائج يسمع ليلة الجمعة فيه من يقراُ القرآن في كثير من الأوقات. وكان ولده مسعود بن أحمد من عباد الله الصالحين عارفاً بالفقه ورعاً زاهداً عابداً لم يعرف له صبوة.

ويروى أن جماعة من أترابه تذاكروا النساءَ وهو حاضر معهم فقال أما تستحون من الله عن نظرهن فوا الله ما أكاد أحقق لون أمي. ولم يزل على أحسن

ص: 114

حال. واكمل سيرة إلى أن توفي قبل أبيه يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة من سنة اثنين وأربعين وستمائة والله أعلم.

وفي سنة خمس وخمسين وقع قحط عظيم فارتفع سعر الطعام ارتفاعاً كليّاً في صنعاء وصعدة والطاهر ومات كثير من الناس جوعاً. وأقام ستة اشهر فأكل كل الناس الكلاب والسباع.

وفي هذه السنة اجتمع علماء الزيدية وفيهم الشيخ محمد بن أحمد بن الرصاص فعابوا على الإمام أحمد بن الحسين أشياء من سيرته وطعنوا عليه وأنكروا أفعاله إنكاراً عظيماً فأمر بإخافتهم فلحقوا بالمعازب. وقيل خرجوا من جوب على وجه الغضب إلى بلاد صفي الدين فأرسل الإمام إليهم الحسن بن وهاس ليسمع ما عابوا عليه فقال له خواصه لا ترسله إليهم فانهم يستميلونه فخالفهم وإرساله. فلما وصل إليهم ناظروه فاستمالوه وصار واحداً منهم فاجتمعت كلمتهم وصار رأسهم فكاتبهم الأمير شمس الدين أحمد بن الإمام يطلب منهم الاتفاق على حرب الإمام فأجابوه إلى ذلك فسرَّ سروراً عظيماً وخرج من صنعاء وطلعوا إليه من المعازب فاجتمعوا بالبون وصارت كلمتهم واحدة واجمعوا على قتاله بعد أن سألوه المناظرة فيما عابوه من سيرته. فكتب الأمير شمس الدين إلى مولانا السلطان يعلمه بميل الشيعة عن الإمام واستمده بمال فأَرسل إليه بمائة ألف درهم مع الشريف علم الدين حمزة بن الحسن فوافاهم بالمال قبل الوقعة بساعة فكانت الكاشات مطروحة بين الخيام حتى كان ما كان.

وفي هذه السنة توفي الفقيه الإمام البارع عبد الله بن محمد بن قاسم ابن محمد بن أحمد بن حسان الخزرجي الأنصاري وكان فقيهاً صالحاً تفقه بمحمد بن حسين الأصابي وأخذ عنه شرح اللمع لموسى بن أحمد بن يوسف الأصابي كما أخذه عن مصنفه. وأخذ عن الشيخ نطال بن أحمد بن علي السرددي ودرس بذي هريم في

ص: 115

المدرسة التي أحدثها الطواشي نظام الدين مختص. وكانت وفاته ليلة الجمعة ثامن عشر رمضان من السنة المذكورة.

وفيها توفي الصالح أبو عبد الله محمد بن علي بن منصور المعروف بحزب بكسر الحاءِ المهملة وسكون الزاي وآخره باءُ موحدة. وكان فقيهاً صوفيّاً ناسكاً سعيداً صلى الصبح بوضوءِ العشاءِ ثلاثين سنة وتوفي على الطريق المرضي صبح يوم الجمعة الخامس عشر من جمادى الآخرة من السنة المذكورة والله أعلم.

وفي سنة ست وخمسين اجتمع الأشراف والشيعة على قتال الإمام أحمد ابن الحسين وكان اجتماعهم لسواد فخرج الإمام في عسكره ومضى من حصن مدع نحوهم. وكان ظاهر الأمر من الفريقين اللقاء للمناظرة لا للحرب. فحط الإمام في موضع قريب منهم يقال له المنظر فوق سوان فاعترضه طلائع الأشراف دونها ووقع الطراد وتذامرت عليه الأشراف من كل جانب وفشل عسكره ولم يثبتوا وكانوا ثلاثمائة فارس ونحواً من ألفي راجل وكان بنو حمزة يومئذٍ ثمانين فارساً وأربعمائة راجل. فلما رأى الإمام انهزام عسكره عدل إلى موضع قريب منهُ فاستقام فيه وظن الناس يقاتلون عنهُ فهربوا عنه وأسلموه فريداً فعقرب فرسهُ حينئذٍ وتولى قتاله رجالة رأسهُ وجاءوا به إلى الأمير شمس الدين والى ابن الرصاص وسائر فقهاء الشيعة. ثم حمل بعد ذلك إلى ظفار وطيف به الحصون والأسواق ثم إلى أن الأمير علي بن موسى بن عبد الله أمر بتكفينه ودفنه في المشهد فصده عن ذلك أهل المشهد فقبر تحت حصن القاهرة في موضع الكنف والأزبال حتى أمر الأمير شمس الدين بإنزاله إلى سواية وقبره مع جبلة فقبر في موضع يسمى المشرعة من غيل سوايه فأقام في ذلك الموضع ثلاث سنين. ثن نقل إلى دسين فهو هنالك إلى يومنا هذا وقبره معروف يزار ويتبرك به.

ص: 116

قال الجندي واخبر الثقة أن موضع قبره الأول بسواية يوجد عنده رائحة المسك. وكان قتلهُ يوم الأربعاء سلخ شهر صفر من السنة المذكورة ويقال أنه قتل في اليوم الذي قتل فيه الخليفة المستعصم في بغداد. قالهُ الجندي. وكان الخليفة المستعصم قد كتب إلى السلطان الملك المظفر يأمره بأحمد بن الحسين حين بلغه ظهوره وإقبال الناس عليه ووعده على ذلك إقطاع مصر. وكان الإمام أحمد بن الحسين رحمه الله امثل أئمة الزيدية المتأخرين علماً وجوداً وكرماً. وللعشم بن هتميل فيه غرر المدائح الحسان موجودة في ديوانه.

ولما قتل الإمام أحمد بن الحسين كما ذكرنا في تاريخه المذكور كتب الأمير شمس الدين أحمد بن الإمام عبد الله بن حمزة إلى السلطان الملك المظفر كتاباً يخبره فيه بذلك وأرسل بالكتاب رسولاً على الفور معجلاً وكانت نسخة الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم يحدد الخدمة ويشكر النعمة لله تعالى ثم للمقام السلطاني خلد الله ملكه. وينهى صدورها من المصف بسواية ورأس أحمد بن الحسين بين يديه " شعر "

وأبيض ذي تاج أشاطت رماحنا

بمعترك بين الفوارس أقتما

هوى بين أيدي الخيل إذ فتكت به

صدور العاولي تنضح المسك والدما

ولما كان يوم الجمعة ثالث قتل الإمام دعا الشريف أبو محمد الحسن وهاس إلى نفسه الإمامة فبايعه الشيعة والأشراف وبعض عامة الزيدية. وتأخر الباقون. فلما بايعهُ ممن ذكرنا سار إلى صعدة وسار أيضاً الأمير شمس الدين على اثر الوقعة إلى الجوف ثم إلى جهة صعدة في كافة أصحابه واقتسم هو والشريف حسن بن وهاس الحصون والبلاد نصفين.

ولما علم السلطان ببيعة الحسن بن وهاس خرج في عساكره المنصورة إلى الموسعة. ثم أسل الأمير أحمد بن علوان إلى الأمير شمس الدين أحمد بن الإمام إلى صعدة وقد ظن به الظنون فرجع الأمير أحمد بن علوان بما أرضاه من العلم فرجع إلى تعز المحروس.

ص: 117

وفي هذه السنة جهزَّ السلطان عساكره المنصورة صحبة الأمير مبارز الدين الحسن بن علي بن رطاس إلى مخالف حجة. فاستولى على بعض حصونها.

وفي هذه السنة اشتد القحط والغلاء بعد قتل الإمام أحمد بن الحسين ومات كثير من الناس ولا سيما فقهاء الزيدية والحمزيين. وكان أول من مات منهم الأمير شمس الدين أحمد بن الإمام عبد الله بن حمزة. وكان سيد الجمزيين في زمانه لا يساميه أحد منهم في رئاسته ولا سيادته.

توفي في شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة. وقيل في الثالث عشر من جمادى الأولى. وكانت وفاته بصعدة فتولى رئاسة الحمزيين بعده أخوه الأمير نجم الدين موسى بن الإمام عبد الله بن حمزة فلم يلبث أن هلك بعد أخيه شمس الدين. ثم مات أخوهما الحسن بن الإمام عبد الله بن حمزة ومات طائفة من أولاد وهاس سليمان وعبد الله والمؤيد إبراهيم. فقام برئاسة الحمزيين الأمير صارم الدين داود بن الإمام واتفق هو والإمام الحسن بن وهاس مدة وحالف عليهما محمد سليمان بن موسى بن داود بن علي بن حمزة وسليمان ابن حمزة. فمال إلى خدمة مولانا السلطان. ولما رجع الأمير مبارز الدين ابن رطاس من مخرج حجة إلى أبواب السلطانية جهز السلطان إلى حجة أيضاً الأمير شمس الدين بن علي بن يحيى في جيش كثيف. وكان فيها الأمير أبو الحسن أحمد بن قاسم بن عم الإمام أحمد بن الحسين. فلما وصل الأمير شمس الدين علي بن يحيى إلى مفرق وهو واد بين المحلافة وحجة كتب الأمير شمس الدين علي بن يحيى إلى الأمير أبي الحسن أحمد بن قاسم بيتاً واحداً وهو:

أبا حسن ما جئت مفرق طالباً

لمفرق لكن غير مفرق اطلب

فأجابه الفقيه نظام الدين قاسم بن أحمد الشاكري على لسان الأمير أبي الحسن أحمد بن قاسم ببيت واحد وهو:

أبا حسن قد يجلب اليوم ما ترى

وقد ربما احتكتِ بالأفْعَاءِ عقرب

ص: 118

ولم يلبث الأمير شمس الدين علي بن يحيى أن يرجع إلى الأبواب الشريفة السلطانية وتسلم السلطان حصن اسبح في ذي الحجة من السنة المذكورة ثم أمر السلطان بالمحطة على حصن الكميم. فحط عليه الأمير أسد الدين محمد بن سليمان بن موسى والأمير شمس الدين علي بن يحيى في العساكر السلطانية.

وفي سنة تسع وخمسين تسلم السلطان حجة وحصونها وحسن الريعة وتسلم هَدَاد وفيها تسلم حصن الكميم. وكان الأمير أسد الدين محمد بن سليمان بن موسى قد مال إلى خدمة السلطان كما ذكرنا. وبنى في وضع يسمى الروق في بلاد بني ضرار فضاق الأمير محمد بن الحسن بن علي بن رسول منهُ. فأخذه مملوكه الأمير جمال الدين أقوس الألفي فحط على الورق حتى كاد يأخذه ثم طلع مولانا السلطان إلى مخلاف ذمار فأخذ باش قهراً بالسبق فأخربهُ واستأسر ولد الأمير أسد الدين في جماعة كثيرة. ثم أخذ أروق وأخربهُ أيضاً. ولما خالف الأمير أسد الدين محمد بن سليمان بن موسى على الإمام الحسن بن وهاس استولى على الحوف. فسار إليه الأمير صارم الدين داود بن الإمام في عسكره والأمير علم الديم علي بن وهاس في عسكر أخيه. وكان محمد بن سليمان في سوق دعام. فلما وصله العسكر قاتلهم فكسروه ودخلوا عليه الدرب قهراً فالتجأَ إلى دار فيه فدخلها فدخل عليه السحن بن محمد الحجافي فقتلهُ وثؤر بأبيه محمد بن حجاف. وكان سليمان ابن موسى قد اسر محمد بن حجاف في جماعة من أصحابه ثم ضرب أعناقهم صبراً. فظفر ابنه في هذا اليوم بمحمد بن سليمان فقتله بأبيه. وكانت جملة القتلى في هذه الوقعة نحواً من مائة رجل. ولم يبث الأمير صارم الدين داود بن الأمام. والإمام الحسن بن وهاس أن اقترفا وصار بينهما تباعد اشد التباعد.

وفي هذه السنة وقعت الزلزلة في صنعاء يوم الرابع من ذي الحجة ولم تخرب شيئاً. ثم وقعت زلزلة أخرى بالمغرب أخرجت جبالاً وهدمت مواضع كثيرة.

ص: 119

وكانت في الثاني والعشرين من ذي الحجة أيضاً.

وفي هذه السنة تولى السلطان أمر الحرم الشريف وعمارته. وأقام منارة وخدمة وجوامك خدامة.

وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح أبو الحسن علي بن الحسين الأصابي وكان فقيهاً أصوليّاً نحويّاً لغويّاً كامل الفضل عارفاً بالحديث والتفسير. ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة. وتفقه بمحمد بن جديل من أهل سهعنة ويحيى بن فضل وغيرهما. ولما ابتنى السلطان الملك مدرسته التي في معزية تعز رتب فيها مدرساً فهو أول مدرس ترتب فيها. ثم لم يقف بها غير اشهرٍ قلائل وتوجع فرجع إلى السحول. وكان يسكن قرية يقال لها المعيرير بعين مهملة ورائين مهملتين بينهما ياءُ ساكنة على وزن مفيعيل وهو ناحية من نواحي المخادر. وتوفي بها في السنة المذكورة وحمل على أعناق الرجال إلى المحفد ودفن قبلي المدرسة. وقبره اشهر من أن يزار. ويجد الزائر عند قبره رائحة المسك خصوصاً ليلة الجمعة.

قال الجندي وهو أول من سن الأذان لمن يسد اللحد على الميت وقد اعتمد ذلك كثير من الناس. قال وسألت شيخنا أبا الحسن الصبحي عن معناهُ فقال هو معناهُ عن الفقيه أبي الحسن علي بن الحسن الأصابي وكان فقيهاً عالماً ولعله أخذ من الأذان في إذن المولود ويقول أول خروجه من الدنيا وهذا أول خروجه إلى الآخرة. وتفقه به خلق كثير منهم عمر السهوي وأبو بكر بن عبادي وغيرهما وله مصنفات في الأصول منها كتاب ضمنه الرد على الزيدية وكتاب ضمنه الرد على من يكفر بأول الصلاة.

قال الجندي رحمه الله قرأته على محمد بن أبي الرجا بروايته عن مصنفه المذكور. ويروى عنه أنه قال حججت سنة فبلغني أن الشيخ أبا الغيث قد تكلم بتفسير القرآن على المشكل منه فانتخبت من وسيط الواحدي عشرة مسائل واستثبت حقائقها. فلما رجعت من الحج مررت ببيت عطا فدخلت على الشيخ فوجدت

ص: 120

الناس يتغدون والشيخ قاعد على سرير في طرف الرباط فامرني النقيب بالقعود والغداء ففعلت. ثم لما فرغ الناس وتفرقوا قلت أريد أن اسأَل الشيخ ففتشت أول مسأَلة فلم أجد ثم الثانية ثم الثالثة حتى أتيت على العشرة فكأَني لم أُحط بشيءٍ منها علماً والشيخ مطرق فحين لم أجد شيئاً رفع الشيخ رأْسه إليَّ ثم قال ليتأَدب بعض الناس. فغلب على ظني أنه عناني فقمت إليه فقبلت كفه واستأْذنته في السفر فأذن لي فسافرت.

وفي سنة ثمان وخمسين طلع السلطان بن علي بن رسول في ذمرمر المذكورة. وكان الأمير أسد الدين محمد بن الحسن بن علي بن رسول في ذمرمر فطلب من مولانا السلطان أن يجهزه إلى حضرموت فساعده إلى ذلك وزوَّده فخرج إلى الخوف فلقيه حصن بن محمد بن حجاف وعبد الله بن منصور بم ضيغم فطلبوا منه النصرة على آل راشد بن منيف فأجابهم فكانوا خلف مولانا السلطان فوقعت الحرب بينهم فقتل طوق بن حمدان في جماعة من آل راشد. فلما اتصل العلم بمولانا السلطان ضاق صدره على الأمير أسد الدين وتعذر على الأمير أسد الدين المسير إلى حضرموت فتوجه نحو ظفار الأَشراف فأقام فيه أياماً ثم خرج الأمير صارم الدين داود بن الإمام في عساكره والأمير أسد الدين محمد لن الحسن فيمن بقي من مماليكه وقد كان لحق أكبرهم بالسلطان وتأَهبوا لحرب الإمام الحسن بن وهاس فالتقوا بعصافر فانهزم أصحاب الإمام وثبت هو ثباتاً حسناً وقاتل قتالاً شديداً. وكان فارساً شجاعاً من الشجعان المشهورين فانهزم عنهُ أصحابه ولم ينهزم. وكان لا ينهزم أبداً وكذلك أسر ثلاث مرات هذه المرة الثالثة وفي كلها يأسره الأمير أسد الدين محمد بن الحسن وهذا من عجائب الاتفاق.

فلما أُسر الإمام كما ذكرنا سجنه الأمير صارم الدين داود بن الإمام فأقام عنده في الأسر عشر سنين. ثم أخرجه بعد عشر على ما سنذكره أن شاء الله وأقام السلطان في صنعاء ونواحيها إلى شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة. ثم بعده إلى اليمن وترك

ص: 121

الأمير شمس الدين علي بن يحيى في صنعاء مقطعاً بها وبأعمالها فلم يقم إلا قليلاً حتى وصل الأمير أسد الدين محمد بن الحسن فحط في المدورة فوق الحمراء وكان يغير إلى صنعاءَ فأغِارت خية عشية إلى صنعاءَ فخرج العسكر لقتالهم فقتل مملوكه الأمير جمال الدين أفوس الألفي أُصيب بسهم. وكان الذي رماه الأشقر أحد مماليك أسد الدين أيضاً ولكنه قد صار من جملة العسكر السلطاني. وكان الألفي أحد الشجعان المشهورين بالشجاعة والكرم.

ولما علم السلطان بما كان من أسد الدين جهز الأمير علم الدين سنجر الشعبي معبراً إلى صنعاءَ فارتحل أسد الدين من محطته ولحق ببلاد الأشراف ولم تقم له راية بعد لذلك. وأعاد الأمير علم الدين المحاط على براش ولقي الأمير أسد الدين يتردد من ظفار إلى طفر ثم لحقته مضرة شديدة حتى أنه باع ثيابه ثم كتب إلى السلطان كتاباً يقوله فيه:

فان كنت مأْكولاً فكن أنت آكلي

وإلَاّ فأدركني ولما أمزّق

فأمر السلطان علي بن يحيى والأمير عبد الله بن العباس إلى الأمير أسد الدين فما زالا بهِ حتى نزل معهما إلى السلطان وإنما أرسل إليه السلطان الأمير شمس الدين علي بن يحيى لما يعلم بينهما من المحبة والصداقة فلما وصل الأمير شمس الدين إلى الأمير أسد الدين بكى عنده وتأّلم من القبض على أبيه وأخيه فقال له لعلك في القرب انفع لهم من البعد. ولعلنا ننتظر فرصة من الدهر فنكون كذا وكذا فنقل ذلك إلى السلطان. وكان السلطان يومئذ في محروسة زبيد. فلما وصلوا زبيد أمر السلطان بالقبض عليه وعلى علي بن يحيى فقيدهما وأرسلهما إلى حصن تعز فقال في ذلك القاضي سراج الدين أبو بكر بن دعاس.

ما دان في فلك الأيام ذا أبداً

كلاّ ولا دار للأقوام في خلد

أن الكسوف جميعاً والخسوف معاً

في ساعة في نزول الشمس في الأسد

ص: 122

فلما دخل الأمير أسد الدين على أبيه وعمه وأخيه وابن عمه وابن أخته محمد بن حصر جعلوا يعاتبونه ويخاصمونه فقال لهم يا قوم لا نكون مثل أهل جهنم كلما دخلت أمي لعنت أختها. فلم يزالوا في اسجن حتى توفوا إلى رحمة الله تعالى. ولما قبض الأمير شمس الدين علي بن يحيى كما ذكرنا. وكان مقطعاً في صنعاء طلع الطواشي نظام الدين مختص عقيب ذلك فأقام في صنعاءَ ورجعت المحاط على مدة وتراش وطفر.

ثم طلع بعد ذلك فيروز فأقام أياماً قلائل. ثم طلع الأمير هبة بن الفضل مستخلصاً للأموال فاستخلصها على أثم ما يكون. ثم تسلم الحصن حصن حيرة في شهر رجب. وكان بناه بنو وهاس فاخرب بعد التسليم ثن تسلم حصن مدة في ذي الحجة من السنة المذكورة.

وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح أبو الخطاب عمر بن مسعود ابن محمد بن سالم الحميري نسباً إلا يبني بلداً. وكان فقيهاً صالحاً متورعاً متعففاً ملازماً للسنة تفقه بمحمد بن إسماعيل الحضرمي وعلي بن قاسم الحكمي وبطال بن أحمد الركبي وعلي بن عمر الحضرمي وإبراهيم بن علي بن عجيل وغيرهم. وعرف بصحبته الحضر كثيراً. وكان مدرساً بذي هريم بالمدرسة النظامية وتفقه به جمع كثير. ويقال أنه خرج من أصحابه أربعون مدرساً منهم محمد بن سالم اليابه وإبراهيم بن عيسى الجندي ومحمد بن محمود السفالي وسعد بن انعم بن مصنعة وغيرهم. ولم يزل على الطريق المرضي إلى أن توفي رحمة الله عليه في الثامن من شوال من السنة المذكورة وقبر في مقبرة صينية في ناحية من نواحي مدينة تعز ولما توفي في التاريخ المذكور خلفه تلميذه سعيد بن منصور بن محمد بن أحمد الجيشي بجيم وياء مثناة من تحتها ساكنة ثم شين معجمة. وكان واده يلقب بأنعم واصل بلده مصنعة سير. وكان فقيهاً محققاً درس بعد شيخه في المدرسة المذكورة إلى أن توفي سنة أربع وسبعين وستمائة وقبر إلى جنب قبر شيخه ثم خلفه ابن شيخه عبد الله بن الفقيه عمر بن مسعود فلم تطل

ص: 123

مدته فتوفي في سنة خمس وسبعين والله أعلم.

وفي سنة تسع وخمسين تسلم السلطان رحمه الله حصن عصدان في المحرم من السنة المذكورة. ثم تسلم حصن براش في رجب من الشريف أحمد بن محمد العلوي وعوضه عنه المصنعة وعزان من بلاد حمير ومالا أعطاه إياه. وفي شهر رمضان من السنة المذكورة طلع الأمير علم الدين سنجر الشعبي إلى صنعاء مقطعاَ لها ولأَعمالها وقد تأَهب الركاب العالي إلى مكة المشرفة لأداءِ فريضة الحج فخرج في حصن تعز في شوال من أسنة المذكورة. وكان له من الصدقات أتى مكة في البحر والبر ما لا يعمله إلا الله وكان رحمه الله يسير في البر والمراكب تسايره في أبحر بالعلوفات والأطعمة فلما قارب مكة حرسها اله تعالى خرج الشريفان عنها إدريس ابن قتادة وأبو نمي بن أبي سعد بن علي بن قتادة خوفاً منهُ ثم دخل مكة في عساكره وجنوده داعياً ملبياً خاشعاً متضرعاً عاري الرأس والجسد حتى قضى حق الطواف. ثم تقدمت العساكر والجنود فحطت في الحجون ولم تزل إلى أن قضى ما يجب عليه من الوقوف بعرفة فوقف في ناحية الصخرات وطلعت أعلامه الشريفة وأعلام صاحب مصر فقال له الأمير عز الدين محمد بن أحمد بن الإمام هلا اطلعت أعلامك يا مولانا السلطان قبل إعلام المصريين فقال له أتراني أؤَخر أعلام ملك كسر التتر بالأَمس أقدم أعلامي لأَجل حضوري ثم مضى في حجه حتى أتمهُ ثم قصد البيت الشريف وحلَّ لهُ ما حرّم عليه. ولم يزل مدة إقامته بمكة يصلي المغرب على قبة زمزم ثم يطوف وارداً وصادراً وخدم البيت الشريف وأخذ المكسحة وتأبط القربة وغسلهُ ثم ضخمهُ بالغوالي الفاخرة

مقام يحق لذي الكبريا

ءِ أن يبدلهُ بالخضوع

رأينا به الملك رب الفخار

أبا عمر ذا النوال الهموع

ص: 124

خشوعاً مروعاً لتقوى الإِله

وما كان من قبله بالمروع

ثم أقام في مكة عشرة أيام بعد الحج يفرّق الصدقات المبرورة حتى وصلت صدقاته إلى كل منزل بمكة وعمت جميع الحجاج على اختلاف أنواعهم وجهز حاج مصر بالأنعام العام والأزواد والمراكب وكسى البيت المعظم وأنعم على رؤَساءِ الحرم بالتشريفات ونثر على البيت الذهب والفضة.

ولما أزمع الرحيل تقدمت الاستاق المباركة إلى البير المعروفة بالبيضاء ثم ودع البيت باكياً مستعبراً وعاد سعيداً مقبولاً ولم يزل يوالي البر وينشر العرف في كل محطة حتى وصل بلاده.

وفي هذه السنة توفي الفقيه العالم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مصباح بن عبد الرحيم الأحولي العنسي. وكان مولده سنة سبع وخمسمائة أخذ عن إسماعيل بن سيف السنة وعن محمد بن مضمون وأبي حديد وغيرهم. ثم لما سمع بمعمر ارتحل إليه فوجده قد توفي قبل قدومه بقليل. فدخل بلد يزد فاخذ عن الفقيه محمد بن إبراهيم اليزدي ثم عاد إلى جبلة فأقام بها ببيع العطر وهو يشتغل بقراءَة الكتب. فلما ابتنى الدار النجمي المسجد الذي تنسب إليهم في جبلة جعلوه مدروساً فيه حتى توفي. وعند أخذ جمع كبير وقُصد من الأماكن البعيدة لعلو سنده وغرر روايته. وكان رجلاً صالحاً لما أهل له من التدريس. وممن أخذ عنهُ الفقه عمر بن سعد العقيني. ولم تزل ذريته يتوارثون تدريس المسجد بعده لا يعسر ذلك عليهم وكانت وفاته لأربع بقين من ذي القعدة من السنة المذكورة.

وأما معمر المذكور الذي كان في الهند وقصد الفقيه زيارته كما ذكرنا فكان أسمه براءٍ مفتوحة وتاءٍ مثناة من فوقها وآخره نون على وزن وثن مفتوح أوله وثانيه. قيل أنه توفي سنة إحدى عشرة وستمائة في جزيرة بالهند تسمى فروزاً اخبرني من أثق به أنه وجد هكذا مكتوباً بخط الفقيه الإمام القطب أحمد بن موسى بن

ص: 125

عجيل. قال حكى لي من حضر موته في التاريخ المذكور قلت وأما الحفاظ فلا يثبتونه

وقال الحافظ الذهبي لا حقيقة لهُ في الوجود. وإن صح وجوده فإنه شيطان يبدو للناس ليفتنهم. لان مثل هذا لتواتر الدواعي إلى نقلهِ ولتواتر الأخبار عنهُ. هذا لفظه بعينه ذكره في كتابه المغني والله أعلم وفي هذه السنة توفي الفقيه أبو الحسن علي بن أحمد بن الحسن الحواري. وكان مولاده في مدينة زبيد وبها تفقه ثم صار إلى عدن وصحب الفقيه إبراهيم السرددي وآخاه ثم لما توفي أنزله قبره بعد أن اضطجع فيه قبله وكأنه فعل ذلك تأَسيساً بما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بام علي بن أبي طالب حين أراد دفنها. وهو ممن أخذ عن الصنعاني وكانت وفاته في السنة المذكورة. وقيل في سنة ثمان وخمسين والله أعلم.

وفي سنة ستين وستمائة رجع السلطان من حجته المبرورة فدخل مدينة زبيد في أحسن زي واكمل آلة ذلك في شهر صفر من السنة المذكورة. وكان الشريف يحيى بن محمد السراجي قد دعا إلى نفسه في ناحية حصور وما والاها في آخر سنة تسع وخمسين وستمائة فأجابه اجزل أهل تلك الناحية. فخرج إليه الأمير علم الدين سنجر الشعبي مواثباً له فانهزم العسكر إلى المغرب وعاد الأمير إلى صنعاءَ فسار الشريف يحيى إلى بلد بني فاهم فامسكوه وسلموه إلى الأمير علم الدين فكحله في ذي الحجة من السنة المذكورة سنة ستين وستمائة.

وفي هذه السنة توفي الفقيه علي بن عمر بن مسعود وكان فقيهاً جيداً صالحاً ولي قضاء صنعاءَ برهة من الزمن وكان الفقيه عمر بن سعيد أخاه لأمه فاستعفى السلطان نور الدين فأّعفاه وحج في آخر عمره. فلما رجع من الحج إلى مدينة زبيد. توفي بها في صفر من السنة المذكورة. وفيها توفي الفقيه الصالح

ص: 126

سعيد بن الفقيه منصور بن علي بن عبد الله بن إسماعيل ابن أبي الخير بن مسكين. وكان في نهاية من الزهد والورع والعبادة مع الاشتغال بالقراءَة.

قال الجندي أخبرني الفقيه الخبير بأحوال الناس من أهل جيله خاصة قال كان هذا سعيد بن منصور مصاحباً لابن مصباح واتفقا على أن من كان لهُ في شيءٍ من الكتب سماع أسمهُ صاحبه وانتزم ذلك بينهما. وكان بين ألفيه سعيد وبين الفقيه عمر بن سعيد صحبة ومؤَاخاة ومعاقدة أن من مات منهما قبل صاحبه حضرهُ الآخر وتولى غسلهُ والصلاة عليه. فلما مات الفقيه سعيد في بلده دلال. وكان قد أوصى أن يرسل إلى الفقيه رسولاً يعلمهُ بموته عند أن يموت. فلما توفي بادر الوصي أرسل رسولاً إلى الفقيه عمر بن سعيد يعلمهُ بموته. فلما بلغ الرسول الطريق لقي الفقيه عمر بن سعيد مقبلاً. فلما واجه الرسول قال له مات الفقيه قال نعم.

ومن كراماته ما يروى أن زريعاً الحداد. وكان زريع من الصالحين المتورعين دخل على الفقيه سعيد بن منصور يوماً عقيب عي عرفه فقال يا سيدي رأّيت ما أَحلى الحج هذه السنة فنظره القيه نظرة بزورار ففهم زريع كراهة الفقيه لذلك فسكت مستحيياً ثم جعل الفقيه يغالط الحاضرين بكلام آخر ففهم الحاضرون المعنى فوقف حتى انصرف الحاضرون جميعاً عن مجل الفقيه. ثم قال يا سيدي سبحان الله نحن نحبكم وصحبنا كم ويحصل لكم هذا النصيب الوافر ولا تشركوننا فيه ولا في بعضه. فأراد الفقيه مدافعته بالكلام وإنكار ما أراد فلم يقبل من الفقيه ذلك الكلام وكان يأْنس بالفقيه كثيراً ثم قال لهُ سأَلتك بالله يا سيدي إلا ما أخبرتني كيف تفعلون هل هو طيران أم خطو أم ما ذلك. فقال الفقيه هو شيءُ لا يستطيع تكييفه وإنما هو قدرة من قدرة الله تعالى يختص برحمته من يشاءُ من عباده وبالله التوفيق.

وفي هذه السنة توفي الشيخ الرئيس الماجد علوان بن عبد الله بن سعيد الجحدري ثم المذحجي المعروف بالكردي لقباً وكان قيلاً من أقيال اليمن وأوحد أعيان مشايخ الزمن. وكان كريماً شجاعاً مقداماً مطعاماً مطعاناً عفيف الأزرار مجتهداً

ص: 127

فيطلب الأجر والثناء وملك ناحية عظيمة من شرق اليمن وهي حجر ونواحيها وتغلب على حصون كثيرة منها العروسين ووعل والبورة ونعمان شرقي الجند وحارب ملوك الغز ولم يظفروا منه بطائل. وكان السلطان نور الدين في مدته قد حط عليه عدة محاط بالمقطعين من أُمرائه وطلخاناتهم إذا جاءَ وقت ما يضربون النوبة ترتج الأرض وترتعب النفوس فيقول علوان لقومه يا مدجح لا تفزعوا فإنما هي جلود بقز وله قصيدة في التأليب على حرب السلطان نور الدين يقول فيها:

من تاب عن حرب نور الدين من جزع

فإنني عنهُ ما عمرتُ لم أَتبِ

وكاتب السلطان الملك الكامل إلى الديار المصرية وسأَل منه الإعانة في حرب نور الدين فأعانه بأموال جمة. ولم يزل السلطان نور الدين يتطلف به ويبذل فيه الرغائب حتى أُتي به إليه أسيراً فحسبه في حصن جب فلما صار في السجن أكثر التضرع إلى الله تعالى والدعاء بالخلاص فيقال أنه رأَى في النوم قائلاً يقول لهُ ادع الله بهذه الكلمات: اللهم إني أسأَلك بما ألهمت به عيسى من معرفتك وما علمته من أسمائك التي صعد بها إلى سماواتك وبما علمتهُ من ربوبيتك ووحدانيتك إلا فككت أسري برحمتك وكرَّر ذلك حتى حفظه فلم يزل يدعو بهذا الدعاء أياماً حتى أطلقهُ الله وأعاد إليه حصونه.

ومن محاسن أفعاله أنه كان متى بلغه أن يتميمه قد بلغت الزواج ولم تتزوج ولم يُرغب خطبها هو واحضر لها مالاً له قدر فإذا خلا بها طلقها وربما يطلقها قبل أن يخلو بها فتُرغب من بعده إما للمال أو شحاً على زوجاته لها بعده وكان هذا دأْبه. ولما توفي السلطان نور الدين في تاريخه المذكور وطلع ولده السلطان الملك المظفر من تهامة استعان به على أحد تعز فأَقبل إليه بنحو من عشرين ألف رجل من مذحج. وكان شاعراً فصيحاً حسن الشعر ومن شعره قوله:

والله لا استوطنت أرضاً تربها

مسك إذا حظي بها مقسومُ

ص: 128

وعلام أُوطنها وعرضي وافرُ

والرزق من أُفق السما مقسومُ

لا آمن الأيام وهي معارةُ

فوق التراب فحسبيَ القيومُ

ومن شعره قوله أيضاً

إذا كان قول الحق والحق قولهُ

بمحكمة والملك في آية الملكِ

معزُّ لمن شا والمذلُّ لمن يشا

فكيف اعتراضي قوله الصدق بالشك

ونفسك فاتركها عن الهم والأذى

فراحتك العظمى لك الله في الترك

فما الأمر إلا للذي صيَّرَ الورى

وتسييرهم في لجنة البحر بالفلك

وموجدهمُ من غير وجدان سابقٍ

ومفنيهمُ بعد التكاثرِ بالهلكِ

ولا تشك ما لاقيت من غير منصف

إلى مثلهِ لكن إلى منصفٍ تشكي

ولما تاب وحسنت توبته قال يعاقب نفسهُ:

وقد كان ظني الغي واللهو إِنما

يكونان في عصر الشباب العرانق

فلما أتاني الشيب وانقرض الصبي

نظرت وذاك الغي غير مفارق

فقال بلى لكن رأَيتك ربما

تكون بإحدى الحالتين موافقي

فقلت له لا مرحباً بك بعدها

وانك مني طالق وابن طالق

فقال سمعنا ما حلفت بهِ لنا

وكم مثله قد قلتهُ غير صادق

فقلت أَمن بعد الطلاق فقال لي

وأَي طلاق للنساءِ الطوالق

فقلت له لي منك جار يجيرني

فقال ومن هو قلت ذو الطول خالقي

فوَلى لهُ مني ضجيجُ فقلتُ لا

تضجُّ وبادر نحو كل منافق

وشعرهُ كثير وديوانه مجلد ضخم والغالب عليه الجزالة وهو عزيز الوجود وكانت وفاته في السنة المذكورة على اصح ما قيل وقبر في موضع من بلده يعرف بالمرجانة والله أعلم.

ص: 129

وفيها توفي الفقيه الصالح أبو العتيق أبو بكر عبد الله بن محمد بن عمر بن محمد بن أبي عمران الملقب بالصوفي. وكان فقيهاً زاهداً صالحاً ورعاً متفنناً متقناً درس ببلده ثم درس ببلد صهبان ولم يزل بها حتى دنت وفاته فعاد إلى بلده فتوفي بها في السنة المذكورة والله أعلم.

وفي سنة إحدى وستين تسلم السلطان حصن الجاهلي اشتراه من الشريف أحمد بن قاسم القاسمي في شهر بيع الأول. ثم تسلم حصن السوا في شهر رجب من السنة المذكورة. ثم تبارت العساكر المنصورة في شوال إلى حصن دمرمر فكانت محطة في الحصن الأبيض ومحطة في الحصن الأحمر ومحطة في أكمة ابن سنية ومحطة في الهامة. ووصل الأمير عز الدين محمد ابن أحمد بن الإمام والأمير عز الدين هبة بن الفضل وبذلوا لأهل دمرمر مائة ألف دينار وحصن بريس وحصن فده ووادي طهر وغير ذلك من الكسى والأنعامات فلم يقبلوا فأصابهم مرض لم يسمعوا بمثله كان إذا أصاب أَحداً سقطت أضراسه كلها فيقيم بعد ذلك نحواً من خمسة عشر يوماً ثم يموت. فهلك منهم طائفة في مدة يسيرة.

وفي هذه السنة أرسل السلطان بكسوة البيت وكسوة الحجرة الشريفة على صاحبها افضل الصلاة والسلام. وفيها توفي الفقيه الإمام أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن علي بن عبد العزيز بن عبد الرحمن الفَشلَي. وكان فقيهاً كبيراً محدثا مولده في الرابع عشر من شعبان سنة خمس وثمانين وخمسمائة وأخذ عن جماعة الأكابر كالشريف أبي حديد وابن حروبه الموصلي وغيرهما وارتحل إلى مكة والمدينة وأخذ عن أعيان المشايخ هنالك كابن أبي الضيف وعمر بن عبد المجيد القرشي وغيرهما. وأخذ عنه كثير من أهل اليمن وغلب عليه علم الحديث فكان إماماً فيه وهو أحد مشايخ أبي الخير بن منصور وممن أخذ عنه أحمد بن علي السرددي وغيرهُ. وكانت له مكانة عند الملك المنصور نور الدين ثم عند ولده السلطان الملك المظفر. وسمع عليه عدة من كتب الحديث. وكانت وفاته يوم الأربعاء عاشر شهر رمضان

ص: 130

من السنة المذكورة. ركب دابتهُ يوماً في مدينة زبيد يريد بعض حوائجه فمرَّت الدابة عند كلب فنبحها فجفلت منهُ فوقع الفقيهُ من ظهرها على الأرض ميتاً في التاريخ المذكور.

أَما والده إبراهيم القشلي فكان رجلاً صالحاً ذا عادات وكرامات وهو شيخ الشيخ أحمد الصياد والذي كان يدله على الطريق إلى الله تعالى بحيث حكى صاحب سيرته عنهُ أنه قال لما فتح الله عليَّ بما فتح لم يسلم لي الفقهاء والمشايخ غير هذا الشيخ إبراهيم الفشلي فإنه أخي وقسيمي في الدنيا والآخرة وكان يثني عليه ثناءً حسناً هكذا ذكر مؤَلف سيرة الشيخ أحمد أبي الخير الصياد نفع الله بهم أجمعين.

وفيها توفي الفقيه أبو العباس أحمد بن محمد بن الفقيه إبراهيم بن أحمد الوزيري. وكانت وفاتهُ سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة ونشأَ نشوءَ البدو ولم يشتغل بشيءٍ من العلم حتى بلغ عمرهُ أربعين سنة. وكان إذا بلغ إلى ابن عمه أحمد بن عبد الله بن أَسعد بن إبراهيم لم يكد يصافحهُ ولا يتركهُ يدنو منهُ ويطوي عنهُ حصر الطهارة حتى جاءَهُ يوماً فبالغ ابن عمه في التحرز منهُ واظهر لهُ ذلك فقال لهُ لِمَ تفعل هذا معي فقال لهُ يغلب على ظني إنك لا تتحرى من نجاسة وإنك جاهل لا تعرف ما ينبغي لك اجتنابهُ. فلما سمع مقالة ابن عمه هذه دخله غيظ عظيم وخرج فلحق بعبد الله بن محمد الحساني الخزرجي المقدم ذكره أَولا فتفقه به ثم عاد إلى ابن عمه فأكمل عليه قراءَة كتب الفقه. فلما عزم ابن عمه على الحج إلى بيت الله الحرام استنابه على التدريس فدرس بالوزيرية وعنهُ أخذ جماعة كثيرون منهم ابن النحوي وابن التائه من أهل تعز وحسن بن علي من أهل أب وغيرهم وكانت وفاتهُ في سلخ ذي القعدة من السنة المذكورة. حكى تاريخ وفاته صاحب العطايا السنية. ولم يذكر الجندي لهُ تأريخاً والله أعلم.

وفيها توفي الأديب سعيد وكان رجلاً صالحاً عابداً لهُ بعض اشتغال بالكتب

ص: 131

والقراءة ولم يزل على احسن سيرة إلى أن توفي في سلخ شهر ربيع الأول من السنة المذكورة فحضر دفنه خلق كثير لا يكادون يحصرون منهم الفقيه عمر بن سعيد العقيبي والشيخ علي صاحب المقداحة. وكان دفن الأديب سعيد في آخر النهار في قرية يقال لها الفراوي بفتح الفاء فبات أكثر الناس في القرية. وكان أهل بيته فقراء لا يملكون شيئاً فاتاهم من الجيران توزة فيها لوح وقدرة فيها زوم. وكان الفقيه عمر بن سعيد والشيخ علي صاحب المقداحة ممن أمسى هنالك تلك الليلة فتقلد أحدهما بكفاية الناس من ذلك اللحوح وتكفل الآخر بكفايتهم من ذلك الزوم. فقام أحدهما على إِناءِ اللحوح والآخر على إِناءِ الزوم ولم يزالا يطعمان الناس حتى صدروا كلهم عن كفايتهم والله أعلم.

وفي هذه السنة توفي القاضي أبو عبد الله محمد بن اسعد بن عبد الله ابن سعيد المقري المذحجي العسني بنون بعد العين والسين. وكان فقيهاً عارفاً بالفروع والأصول ولهُ في كل منهما تصنيف مفيد. وولي قضاء عدن برهة من الدهر. وكان موصوفاً بالورع وجودة الفقه غواصاً على دقائقه عاملاً به.

قال الجندي سمعت شيخي أبا العباس أحمد بن علي الحراذي يذكر هذا الرجل ويثني عليه ثناءً بليغاً. وكان ممن أدركه وقرأ عليه وأخبرني أنه كان يعجبه الاختلاط بالفقهاءِ والمواصلة لهم. وكان مدرس عدن والمعيد بها والطلبة يصلون بكرة كل يوم إلى بابه ويحضرون مجلسه فيلقاهم بالبشر والإكرام. فإذا اطمأَن بهم المجلس جعل يلقي عليهم المسائل من الكتب التي يتعانون قراءَتها فمن وجده ذاكراً شكره ووعده بالخير وحثه على الاجتهاد. وكان ذا مكارم أخلاق وكرم طباع قل ما قصده أحد إلا أنحفهُ بما يليق بحاله. وكان كثير الصدقة متنزهاً عما يتهم به كثير من الحكام وكان كثير الصدقة على الفقراءِ والمساكين في كل يوم بدينار خبز. وكانت وفاته في عدن يوم الثلاثاء لاثني عشرة ليلة بقيت من صفر من السنة المذكورة وقبره في القطيع رحمه الله.

ص: 132

وفي سنة اثنين وستين تسلم السلطان الحصون الحميرية. وتسلم مدع من بني وهيب وعوضهم حصن بنت أنعم ومالاً اشترطوه. فطلع الأمير علم الدين إلى مدع بعد أن دخلته العساكر المظفرية. وفيها من المقدمين الحسن بن بهرام ومحمد بن ربيع وغيرهما. وقد كان الأمير صارم الدين داود بن الإمام أقام الشريف الحسين بن محمد العطاري واستمد به رجاء منه أن يتنفس على أهل ذمرمر وعلى أهل مدع فلم يتفق له ذلك ولم يكن للإمام عوده الله من النصر والظفر فلما قبض الأمير علم الدين حصن مدع وقبض الوهبيون حصنهم والمال الذي اشترطوه. وهو ستون ألفاً سقط في أيدي الأشراف ورأوا انهم قد ضلوا. ثم وردت الأوامر الشريفة على الأمير علم الدين الشعبي بالتقدم إلى ابن أقس والزاهر وأخذهما وكان تسليمهما في ذي القعدة من السنة المذكورة. ووصل العسكر المنصور صعدة في ذي الحجة منها.

وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح القاضي أحمد بن ثمامة. وكان من أهل العبادة والصلاح وامتحن بقضاء الضحى ومرض مرضاً شديداً وكان يخرج أوقات الصلاة بين اثنين يستعين بهما في الخروج ليصلي مع الجماعة فصلى يوماً الظهر واضطجع بعد الصلاة فغلبتهُ عينهُ فنام حتى دخل وقت العصر فأيقظوه للصلاة فوجدوه قد مات. وكان يوم وفاته في السنة المذكورة.

وفيها أيضاً توفي الإمام العلامة أبو العباس أحمد بن عبد الله بن اسعد بن إبراهيم الوزيري بلداً الأنصاري نسباً وكان فقيهاً ماهراً تفقه بابيه عبد الله ابن اسعد ودرَّس بالوزيرية بعد أبن مضمون وبه سميت الوزيرية لطول إقامته في تدريسها وإقامة ابن عمه أيضاً. ثم أراد الحج فسافر إلى مكة المشرفة في أيام السلطان نور الدين بعد أن استخلف ابن عمه أحمد ابن محمد ابن إبراهيم الوزيري المذكور أولاً. فلما قضى الحج وعاد احبَّ سكنى زبيد فسأَل من السلطان نور الدين أن يأْذن له في سكناها فأذن له في ذلك فاستوطنها وجعله مدرساً في المنصورية العليا بزبيد فاخذ عنهُ عدة من أهل زبيد منهم عمر بن عاصم وغيره. وممن أخذ عنهُ يحيى بن زكريا ولم

ص: 133

يزل مقيماً في مدينة زبيد إلى أن توفي في السنة المذكورة ودفن في مقبرة باب القريب فكان له أربعة أولاد أَفقههم سليمان سكن مخلاف شرعب. وكان فقيهاً صالحاً زاهداً ورعاً تفقه في بدايته بابيه ثم بالفقيه إسماعيل بن محمد الحضرمي وأخذ عن أبي الخير بن منصور وعن السلطان علا السمكري وكان يقول شعراً حسناً ومن شعره ما قاله في الزهد وهو قوله:

سبيلك في الدنيا سبيل مسافر

ولابدَّ من زاد لكل مسافر

ولابد في الأسفار من حمل عدة

ولاسيما أن خفت سطوة قاهر

وفي هذه السنة توفي الأمير بدر الدين الحسن بن علي بن رسول في السجن ودفن عند أبيه بعكار بوصية منه وكان فارساً شجاعاً مقداماً لا يوجد لهُ نظير في عصره وشهرته تغني عن وصفه وهو الذي بنى المسجد بعكار عند تربة أبيه شمس الدين علي بن رسول ووقف عليه وقفاً جيداً ورتب فيه إماماً ومؤّذناً ودرسةً وقيماً. وكان وقفه يقوم بكفاية الجميع منهم وإطعام من وفد إلى المسجد وهو باق إلى الآن والله أعلم.

وفي سنة ثلاث وستين قبض محمد بن الوشاح الشهابي. وفي شهر شعبان منها تسلم السلطان حصن ذمرمر سلمه أهله لما أصابهم من الجهد والمشقة فطلبوا الرفاقة والذمة ونزلوا إلى الأبواب السلطانية فأعطاهم السلطان ستة وعشرين ألفاً وتصدق عليهم بحصن قدة. وفي شهر رمضان تسلم السلطان الفص الكبير ثم تسلم براش الباقر بن محمد بن مفضل الوهبي في شهر ذي الحجة وفي هذه السنة توفي الفقيه العالم أبو يحيى عثمان بن الفقيه يحيى بن الفقيه فضل وكان فقيهاً متأَدباً بارعاً له محفوظات كثيرة وبديهة حسنة وكان حاضر الجواب نظماً ونثراً وكان شاعراً فصيحاً محسناً ومن شعره قولهُ

طوبى لمن عاش بعض يوم

ونفسهُ فيهِ مطمئنة

ص: 134

ولا لهُ في الملا عدوُّ

ولا لخلق عليه منة

وحضر يوماً جماعة من الفقهاء على طعام صنعه لهم الأمير شمس الدين علي بن يحيى العسني وكان بين ذلك الطعام صفحة مملوءَة لحوحاً وزوماً فتاقت نفس الفقيه إليه أكثر من غيره فكان يمد يده إلى الصفحة وكانت الصفحة على بعد منه فقال الأمير:

بَعُدَ اللحوح عن الفقيه الأوحد

عثمان بل خير البرية عن يد

فأجابه الفقيه مرتجلاً:

ترد المراسم أن أردت بنقله

ويطول منك الباع أن قصرت بدي

فقام الأمير مسرعاً من مكانه واحتمل الصحفة بما فيها ووضعها بين يدي الفقيه ثم لما انقضى الطعام قال الأمير شمس الدين للفقيه يا سيدي إني رأَيتك تحب اللحوح وقد وهبت لك الحربة الفلانية تكون باسم اللحوح فاقبلها مني فقبلها وكانت تسوى ألف دينار. فرحم الله علي بن يحيى ما كان الطف شمائله واجزل نائله وأكثر فضله وفضائله. وكانت وفاة الفقيه عثمان المذكور يوم الأحد لثلاث بقين من رمضان من السنة المذكورة. ولما توفي الفقيه عثمان في التاريخ المذكور خلفه ابنه يحيى بن عثمان بن يحيى بن فضل وكان مولده يوم الجمعة لخمس خلون من صفر سنة سبع عشرة وستمائة. وكان فقيها ورعا دئبا نقالاً للفروع عارفاً بها نزل إلى ذي جبلة فدرس في المدرسة الشرفية. وكان يطلع بلده في كل سنة يقف فيها شهرين أيام انتقال الغلة ثم يرجع إلى جبلة وقد اجتمعت عليه وقف المدرسة المذكورة فيصرف له الناظر نفقته في السنة فيرد منها نفقة شهرين لأجل غيبته عن المدرسة فقيل له يوماً أن المدرسين قبلك كانوا يغيبون أكثر مما تغيب أنت ويأخذون نفقة السنة كلها فقال لا تسأَلون عما أجرمنا ولا نسأًل عما تعملون. وكان يصرف ما يقتضيه من النفقة على المحتجين من الطلبة وفيما يطلبه منهُ أهل الديوان في خراج أرضه وتوفي رحمه الله في

ص: 135

النصف من صفر سنة ثمان وسبعين وستمائة.

وفي هذه السنة توفي الشيخ الصالح علي بن أحمد الرميمة وكان شيخاً مباركاً يصحب الشيخ مدافع ولزم طريقة العزلة في جبل صبر. قال القاضي محمد ابن علي اخبرني الشيخ علي بن الرميمة أن أكله في السنة اثنا عشر زبديَّاً يكلفه أهله على ذلك. وكان الزبدي التعزي يومئذٍ ثمانية أرطال قال وهذا القدر يأكله الواحد المنفرد في شهر واحد. وكان صاحب مكاشفات وكرامات ظاهرة.

حكى القاضي محمد بن علي رحمه الله قال كان الشيخ عبد الله بن عباس قد بعثه الملك المظفر رسولاً وبعث معه الأمير المعروف بابن الداية فلما صار وصل العلم أن عبد الله بن عباس توفي إلى رحمة الله تعالى وكان يصحبني فمررت ببابه فسمعت في بيته البكاء فطلعت إلى الشيخ علي بن أحمد الرميمة وأخبرته بوفاة ابن عباس ففي علق ساعة ثم رفع رأُسه إليَّ وقال لم يمت إلا ابن الداية وأما الشيخ ابن عباس ففي عافية فانزل واخبر بذلك أهله فنزلت مسرعاً وأخبرتهم ثم بعد أيام وصل الخبر بموت ابن الداية ولم يزل هذا الشيخ على الطريق المرضي إلى أن يوم الجمعة بعد صلاة الضحى وهو الخامس والعشرون من رمضان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.

وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح المشهور أبو الخطاب عمر بن سعيد ابن أبي السعود بن أحمد الهمذاني العقيبي. وكان مولدة سنة عشر وستمائة. وكان عالماً عاملاً ورعاً فاضلاً عابداً زاهداً جامعاً لطريقي العلم والعمل وفقاً في كبره وصغره. روي عنهُ أنه قال خرجت يوماً أريد المعلاية وأنا صغير يتيم ومعي كسرة خبز فلما صرت في الطريق من ذي عقيب وجبلة أَكلت شيئاً من الكسرة التي معي فلقيني شخص حسن الهيئة فقال لي أنت فقيه وتأكل بالنهار فاستحييت من كلامه فكان غالب أيامه صائماً وكان غالب أصحابه يرون سبب مواظبته على الصيام من أجل ذلك وتفقه بمحمد بن عمر الخبيري المذكور أولاً وأخذ عن غيره كمحمد بن

ص: 136

مصباح وارتحل إلى وصاب فاخذ بها شرح اللمع لموسى الأصابي عن الفقيه أبي بكر الحناجي أخذه له عن المصنف وأخذ عنه شيئاً من كتب الحديث وكان يحفظ جامع البخاري من الصحيح عن ظهر غيب وقرأَ البيان على الفقيه عبد الله بدار يزيد في أيام القاضي أسعد وحج سنة فمرَّ في طريقه بالشيخ أبي الغيث ابن جميل فسلم عليه وسأَله أن يسمح له على صدره ولما ودعه سأله أن يبصق في فيه فبصق له ثم سافر فقيل للشيخ كيف أنت والجبلى فقال رجلاً كاملاً.

قال الجندي ولقد سمعت جماعة من العلماء وغيرهم مجمعين على زهده وورعه وكمال عبادته وحسن فقهه وصيانة عرضه وكان كثير الصيام لا يفطر غير الأيام المكروهة ثم لا يأكل من الأطعمة إلا ما يعرف حله. وكان شديداً في الطهارة مبالغاً فيها وكان إذا أراد الاغتسال نزل في قميصه في جارة عظيمة فينغمس فيها مرتين أو ثلاثاً ثم يخرج إلى صفا هنالك فلا يبرح يصلي عليه حتى تجف ثيابه وأمره في الطهارة شديد. قال ولقد رأيت الصفا الذي كان يصلي عليه فرأيت في موضع سجوده أثراً ظاهراً قال وأخبرني أبو بكر بن أحمد المازني عن الفقيه عبيد بن صالح عن الفقيه عمر بن محمد بن مصباح أنه رأى والدهُ محمداً وقد توفي في طريق الحج بمدينة حلي بن يعقوب فقال له ما فعل الله بك فقال غفر لي وأدخلني الجنة ويل للمتقشفين فقلت له كيف هو قال بخير ويل للمتقشفين ويل للمتقشفين فسألته عن الفقيه عمر بن سعيد المذكور وكان قد توفي فجعل يعظم ويصف ما أعطاه الله ويقول فقال نعم لكنه قشف ظاهره وباطنه لكنه قشف ظاهره وباطنه وجعل يكرر ذلك مراراً. ويروى أن رجلاً وصل إلى الفقيه أحمد بن جديل وقال له يا سيدي الفقيه رأيت قبلي التعكر نوراً من الأرض صاعداً حتى خرق السماء فما ذلك يا سيدي فقال له ذلك القطب ويوم يموت ترتج الأرض لموته.

ص: 137

قال الجندي وأخبرني جماعة من أصحابه أنهم كانوا يتذاكرون ذلك ويقول بعضهم بحضرة الفقيه ربما أنه أتى فيتبسم الفقيه ويقول وربما فاخبرني جماعة لا أتهم منهم أحداً في ذلك أن الرجفة كانت وقت الظهر من يوم الجمعة والناس يتأهبون للصلاة. وكانت وفاة الفقيه ليلة السبت بين المغرب والعشاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة آخر شهور السنة المذكورة. وقبره على مرمى بيته ومسجده وتربته أكثر الترب قصداً في الزيارة قلَّ أن ينقطع الزائرون عنها ليلاً ونهاراً.

ومما يحكى أن بعض الظلمة من المتصرفين كان كثير التردد إلى الفقيه والصحبة له وربما كان سبب موته شرق بشيء من الشراب فوصل من نعاه إلى الفقيه فأخبره بحاله الذي مات عليه فقال لأصحابه بسم الله سيروا بنا إلى هذا الصاحب فوافقوه بظواهرهم دون بواطنهم فلما صاروا في أثناء الطريق التفتت الفقيه إليهم وقال للذي يتحقق أنه أكثرهم كراهة لذلك يا فلان يا فلان إنما يُقام على الساقط وأما غيره فينجو برجلية. وكراماته كثيرة مشهورة رحمه الله تعالى.

وفيها توفي الفقيه الكبير زريع بن محمد بن عبد الواحد بن مسعود بن عبد الله الباجي الهمداني. وكان فقيهاً كبيراً فاضلاً وأهله من أبين وكان أبوه محدثاً تفقه زريع بمحمد بن إسماعيل الحضرمي وبعلي بن قاسم الحكمي. وكان صاحب روايات وأخبار مستحسنات. وكانت له كرامات ظاهرة وأسانيد عالية وعنه أخذ ابن الرسول في بدايته. وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.

وفيها توفي الفقيه أبو العباس أحمد بن علي وكان فقيهاً بارعاً تفقه بتهامة على الفقيه إسماعيل بن محمد الحضرمي وبه سمى ولده وذكران ببركة دعائه حصل لابنه إسماعيل ما حصل وذلك أنه لما اخبره بولادته وأنه سماه إسماعيل لذكائه فقال له الفقيه إسماعيل بارك الله فيه. وكانت وفاة الفقيه المذكور في مصنعة بني قيس في السنة المذكورة.

ص: 138

وفي سنة أربع وستين تقدم الأمير فخر الدين بكتمر القلاب في العساكر المنصورة فحط على المصنعة وعزان فاستنجد الأمير فخر الدين بن عبد الله بن يحيى بن حمزة. والأمير شجاع الدين أحمد بن محمد بن حاتم بالشريف مطهر واستنجد به أيضاً أهل بيت أردم لما لزم محمد بن الوشاح فطلع الشريف مطهر إلى حصن الطويلة. وخرج الأمير علم الدين الشعبي فحط في الرجام وجهز العساكر إلى المغرب وجبل نيس فاستفتحها وعمر موضعاً فوق الطويلة يسمى غراب وأكن وأقامت على الطويلة نحواً من سبعة أشهر. وفي شهر جمادى الأولى تسلم السلطان حصن المصنعة وحصن عزان. وأنعم على الأمير فخر الدين عبد الله بن يحيى بن حمزة، وشجاع الدين أحمد بن محمد بن حاتم ثلاثين ألفاً فسلما الحصنين وأي حصنين هما منكبي الشوامج اليمنية. وروقى المصانع الحميرية لم يقمع أحدهما قامع ولا طمع فيهما من الملوك طامع. وقد كان الأمير جمال الدين فليت حط عليهما في عساكر مصر واليمن ثم لم يكد ينجو بنفسه إلا بعد أن نهبت المحطة وما فيها من النجنيقات والزردخانة والخروج والحوايج خانة بعد أن انفق عليهما مائتي ألف مثقال ذهباً. وكان تسليمها وتسليم دمان أيضاً في جمادى الأولى من السنة المذكورة ثم تسلم السلطان بعدهما الفص الصغير في شهر رمضان. ثم تسلم حصن بيت أردم أيضاً في ذي القعدة. ثم تسلم القفل وشمسان من بني شهاب. ثم اللحام في القعدة اشتراه من أولاده الشريف سليمان بن موسى.

وفي هذه السنة توفي الأمير الكبير شجاع الدين عباس بن عبد الجليل ابن عبد الرحمن التغلبي. وكان أميراً كبيراً واصل بلده جبل ذخر بفتح الذال المعجمة أيضاً وآخره راء. وكان ذا مال جزيل وجاه عريض وكان أكثر ماله من التجارة وكان أميراً في مدينة زبيد وتأمر في عدن وله آثار حسنة. وكان أكثر الناس صدقة ومعروفاً وكان

ص: 139

إذا اقبل الحجاج من الحج وهو في بلدٍ ومرُّوا عليه كساهم ويعطيهم ما وصلهم إلى بلدهم وإن كانوا من البلد التي هو فيها أعطاهم ما يزيلون به وعناء السفر. وقد يتشبه ناس بالحجاج في زيهم ويأتون إليه فيعطيهم ما يليق بحالهم. وله من الآثار الدينية مدرسة زبيد عمرها ابنه محمد بعد موت أبيه وهي الدار التي كانوا أبوه يسكنها. وله أيضاً في قرية السلامة مسجد يعرف بمسجد عباس وهو غربي تربة الشيخ الصالح علي بن الغريب وله مسجد في قرية أبيات حسين ومدرسة في بلدة ذخر في موضع يعرف بالحبيل بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة. وله في كل موضع من هذه المواضع وقف جيد يقوم بكفاية المرتبين فيه وكانت وفاته بزبيد في السنة المذكورة.

وفيها توفي الفقيه الصالح أبو الربيع سليمان الملقب بالجنيد بن محمد بن أسعد بن همدان بن يغفر بن أبي النهى. وكانت ولادته سنة اثنتين وستمائة وكان والده فقيهاً فاضلاً تفقه بمحمد بن الحافظ علي بن أبي بكر العرشاني واصل بلدهم ريمة المناحي. وعنه أخذ ابنه سليمان وكانت وفاة الوالد بقرية العدن من بلد صهبان في سنة خمس وعشرين وستمائة. وأما ابنه سليمان فكان فقيهاً جليلاً سيداً نبيلاً امتحن بقضاءِ مدينتي اليمن زبيد وعدن ثم غوفي من الجميع وعاد إلى بلده ثم انتقل إلى ذي اشرف وكان عابداً زاهداً مقصوداً مشهوراً باستجابة الدعاءِ وكان الفقيه عمر بن سعيد العقبي كثيرا ما يزوره ويأْمر أصحابه بزيارته وكانت له كرامات يحل قدرها عن الحصر وببركته وإشارته عمل الطواشي نظام الدين مختص المظفري من مظاهر الجامع بذي اشرف. وكانت وفاته رحمة الله عليه على الحال المرضي ظهر يوم الأربعاء النصف من شهر صفر من السنة المذكورة رحمه الله وقبر بالعدينة حيث قبر بنو الإمام وهي بفتح العين وكسر الدال المهملتين وسكون الياءِ المثناة من تحت وفتح النون وآخرها تاءٍ تأْنيت وهي مقبرة كبيرة قديمة شرقي القرية ذي اشرف قبر فيها جمع كثير من الأفاضل الأخيار رحمه الله تعالى.

ص: 140

وفيها مات الفقيه الصالح المشهور أبو بكر بن محمد بن رشد بضم الراء وفتح الشين وكان هو وأخوه فقيهين صالحين وغلب عليهما الزهد والعبادة ويقال أن قدومهما إلى زبيد كان قبل قدوم الحضارم ورغبا في صحبة الشيخ الصالح علي بن مرتضى خليفة الشيخ الصالح محمد بن أبي الباطل الصوفي نفع الله الجميع. وتوفي أخوه عمر بن محمد بن رُشَد بعده بسنة وذلك في سنة خمس وستين وستمائة وهو جد الفقيه المشهور محمد عبد الله الحضرمي أبو أمه.

وفيها توفي الفقيه الإمام البارع أبو العتيق أبو بكر بن عيسى بن عثمان الأشعري المعروف بابن حنكاش العلامة الحنفي المشهور وكان فقيهاً عاملاً عالماً إماماً في المذهبين وكان من صدور الفقهاء تفقه بالشريف عثمان بن عتيق الحسيني وغيره وكان لوحد أهل عصره اجتهاداً في طلب العلم ونشر المذهب حتى قيل لو لم يوجد لمات مذهب أبي حنيفة في اليمن. ويروى أنه أتى على كتاب الخلاصة ثلاثمائة شرف وانتهت إليه رئاسة أصحابه مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله. وكان يقرئ أهل المذهبين واجتمع على صلاحه المؤَالف والمخالف. فمن احسن ما ذكر من سيرته أنه منذ درَّس ما رؤي نائماً قط في رمضان ليلاً ولا نهاراً واصل بلده العنبرة قرية من قرى الوادي زبيد قريبة من البحر وهي التي تخرج مها علي بن مهدي ولما ابتنى السلطان نور الدين المدرسة التي في زبيد التي خص بها أصحاب الإمام الشافعي رضي الله عنه وقف له هذا الفقيه في بعض الطرق وقال لهُ يا عمر ما فعل بك أبو حنيفة إذ لم تبن لأصحابه مدرسة كما بنيت لغيرهم فأمر ببناء المدرسة الثانية وجعل فيها موضعاً لأصحاب الإمام أبي حنيفة وموضعاً لأصحاب الحديث النبوي وكان خطيباً مصقعاً وشاعراً مفلقاً. ومن شعره في سن الحداثة ما أنشدهُ سبطه عمر بن علي العلوي حيث يقول:

زبيد ودع شرق البلاد وغربها

ولا تتحدث عن عراق ولا مصر

أَجل نظراً فيها تعاين خريدة

مليحة ما بين التراب والنحر

ص: 141

بلاد بها فاح النسيم معنبراً

وأعقب مسك الليل كافورة الفجر

وتفقه به جماعة كمحمد بن علي الصديقي وابن أبي سوادة وعلي ابن عمر وعمر بن علي العلوي وهو ابن بنته ومحمد بن عمر الأبح. ولما كان يوم الاثنين السابع عشر من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة احتضر بعد أن مرض أياماً فحضره من أصحابه جمع كثير وذلك بعد طلوع الشمس فسأَلهم عن اليوم ما هو فدعى بطعام فأكله ثم قال لصهره علي بن عمر العلوي ارفع صوتك أنت والجماعة بلا اله إلا الله فقالوا يا فقيه إذا لم نذكرك ذكرتنا قال نعم فهللوا وجعل خواتيم سورة يس من قوله) أَوَليس الذي خلقَ السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم الآية (وجعل يكرر ذلك ثلاث مرات رافعاً بها صوته ثم تشهد عقيب ذلك وفاضت نفسه وصلي عليه ظهر ذلك اليوم وحضر دفنه جمع عظيم حتى قيل لم يكد يتأَخر عن حضور دفنه أحد من أهل زبيد.

ويروى أن بعض أهل زبيد رأى شخصاً من أهله كان قد توفي قبل ذلك بسنين. فلما توفي الفقيه أبو بكر بن حنكاش ودفن كما ذكرنا رأَى الرجل الذي من أهل زبيد قريبهُ في النوم فقال له ما فعل الله بك فقال حبست منذ مت مع جماعة فلما توفي الفقيه أبو بكر بن حنكاش شفع فينا فأطلقنا وغفر لجميع من في المقابر ببركة قدومه رحمهُ الله تعالى.

وفيها توفي الفقيه أبو عبد الله محمد بن عمر العلوي وكان مولده سنة ثمان عشرة وتفقه بابن حنكاش المذكور كما ذكرنا وكان فقيهاً فاضلاً له تفضل ومكارم أخلاق. توفي بعد شيخه بأربعة أشهر. في تاسع شهر شعبان من السنة المذكورة. وهو جد ابن الأبح وعقبهُ كثير في زبيد والله أعلم.

وفيها توفي الفقيه الصالح أبو الحسن علي بن سير بن إسماعيل بن الحسن الواسطي. وكان فقيهاً فاضلاً قدم نعم أولاً وأخذ عنهُ جماعة شتى من كتب الحديث منها قريب العهد المروي عم أمعمر بالهند ثم سافر إلى الجند لغرض الرجية بها

ص: 142

فأخذته بطنهُ وتوجع فلما أحس بثقل المرض طلب جملاً وحمل عليه فلما وصل الجمل على باب الجند برك فضربوهُ فلم يقم فقال بخ بخ لكم يا أهل الجند هذا علامة. موتي وقد وعدني ربي أن يغفر لي ولمن قبر حولي. ثم أُعيد إلى الموضع الذي نزل فيه أولا وهو المدرسة الشعيرية فتوفي مبطوناً غريباً لبضع وعشرين ليلة مضت من رجب من السنة المذكورة وقبره تحت جبل صرب مشهور مزار رحمه الله.

وفي سنة خمس وستمائة قتل الأمير فخر الدين بكتمر الغلاب وكان السلطان الملك المظفر قد أمرهُ بعمارة الزاهر وجرَّد معه مائة فارس وخمسمائة راجل فقصده الأشراف بنو حمزة فقتلوه وقتلوا معه جماعة من أصحابه الذين كانوا معهُ وكان ذلك في شعبان. ولما قتل في التاريخ المذكور انحاز أصحابهُ الباقون إلى براقش فبرز أمر مولانا السلطان على الأمير علم الدين الشعبي بالتقدم إلى جهة الطاهر في عساكره وطلعت عساكره المنصورة إلى جهة حَجَّة ووقعت هنالك حروب عظيمة وتفاقم الأمر فاقتضى الأمر الرشيد والرأْي السديد طلوع الملك الأشرف عمر بن يوسف إلى جهة حجة لإطفاء نار هذه الفتنة فخرج في عساكره المنصورة حتى حط في الدبايب في محطة جده الملك المنصور ثم وجه المقدمين من العساكر إلى حجَّة فحصروا حصن مبين وكان فيه الشريف مُطهَّر. فلما اشتد عليه الحصار خرج مرفقاً واستولى العسكر المنصور على الحصن فأمر الملك الأشرف حينئذٍ بخرابه فخرب خراباً كلياً ثم صرف همته بعد فتح مبين إلى حصن الخلافة في ذي الحجة منها وهي الموقر وقراضة والعكاد وكحلان والعرانيق الثلاثة وكان فتحاً عظيماً له في حجة والمخلافة لم يكن لأحد قبلهُ من الملوك إلا الجده المنصور رحمة الله عليهما. وكان فتح حجَّة في شهر رمضان من السنة المذكورة وفتح المخلافة في ذي الحجة منها.

وفي هذه السنة المذكورة تقدم السلطان إلى بلد الجحافل دنينه وما والاها وكانوا قد أفسدوا فقتل منهم جماعة وأذعن الباقون ونزلوا عن الخيل ورهبوا وظهر حسن طاعتهم ورجع السلطان من بلادهم مظفراً منصوراً.

ص: 143

فقال القاسم هتيمل يمدح السلطان الملك المظفر يوسف بن عمرو يهنئهُ بالظفر:

قل يا نسيم لأهل الضال والسمر

ما صدَّ سامركم عن ذلك السمرِ

واشرح حديث الغضا والنازلين به

وان تجلت بشرح الكل فاختصر

وهات من عطرات الحي ما حملت

من مسكهن حواشي ذلك العطر

نشدتك اله لا وريت عن خبر

مما علمت ولا موَّهت في خبر

فتحت رمزك سرُّ ما نممت به

إلا وأنت من الواشي على حذر

ما كان من شرحة الوادي أهل عصرت

أعطانها لتعاطي ذلك الثمر

وهل نشجن قلوب إليهم غلتها

من ظلها الطلق أو من مائها الخصر

يا صفقة الغبن غرَّتني جويريةُ

فبعت قلبيَ منها بيعة الغرر

باتت ترَوّعني بالبين طالبةً

فتلي فلم تبق في قلبي ولم تذر

خوطيَّة القد لا طول ولا قصر

في قدها فهي بين الطول والقصر

جنيَّةُ في مغيب الشمس يحجبها

عن أمها وأبيها قوة الخفر

حوريةُ شهدت آيات بهجتها

ونورها أنها ليست من البشر

كأنما هي في تركيبها خرطت

من صورة الشمس أو من صورة القمر

جسم ارق من الخمر الشمول على

قلبٍ قساوته أقسى من الحجر

إذا رمى طرفها عن قوس حاجبها

أصمتك بالرمي عن قوس بلا وتر

ما أطيب العيش لولا علة حكمت

فيها بموت الضنى من ميتة السعر

فجانب الناس وانظر في تفاضلهم

إلى الطباع ولا تنظر إلى الصور

فان طعمت برزق من يدي ملك

فاطلب من الله واطلب من يدي عمر

مولى الملوك الذي لو انهم وزنوا

بظفره نقصوا وزناً عن الظفر

أغرُّ بالشرف العلوي زينتهُ

كزينة الخيل بالأوضاح والغرر

مظفرُ ما أتت من وقعةٍ يدهُ

إلَاّ مسوَّمة الأظفار بالظفر

ترى المصانع والغيطان منهُ بشمسي

العدواة ليلى السرى نهر

ص: 144

لا يستريح ولا يفضي بهِ سفرُ

ما سار آل رسول الله في اليسير

وعزمةٍ كل حدٍّ من صرامتها

أمضى من الموت أو أمضى من القدر

لو أن هيبتهُ أو بعض هيبته

تلقى على الفلك الدوار لم يدر

أحيي التتابع والأّدواء فاشتملت

بالعدل دولة قحطان على مضر

وجال في الأرض حتى قال ساكنها

هذا خليفة ذي القرنين والخضر

إن الخلافة قد آمت وقد فنيت

عنها ملوك بني العباس والتتر

وان طلبت مطاراً للتي عضلت

فقد وجدت جناحاً طائراً فطر

هذا قميصك إما قُدَّ من قُبُلٍ

كابن النبي وأما قدَّ من دبر

فانهض لعذرتها وأعلم بأنك أن

أهملتها كانت الاحدى من الكبر

وما أظن قناة الدهر أن عجمت

بطاعن لي بها تخلو عن الخور

يهني دقينة أن الله عوَّضها

من الدآدي ببيض البيض والغرر

غر الجحافل حصناها وما علموا

أن الزجاجة لا تقوى على الحجر

أَرسلت صاعقة في غيم بارقةٍ

تردي وتبرق في رعدٍ بلا مطر

فسلموا الخيل واعتاضوا بها حمراً

فاعجب على حمر منهم على حمر

أعميتهم فتمنوا انهم خلصُوا

عور العين ومن للعمي بالعور

جاءوُك يا شمس إرسالاً وقد بذلوا

لك الحكومة في الأنثى وفي الذكر

اسمع بقيت مصاناً عن منافسة

الأَغيار في الملك محروساً من الغير

أني امرؤُ في فمي ماءُ وفي كبدي

جراحه من أمير غير مؤْتمر

قد ذُقت من غصص الدنيا وفجعهتا

ما كان منهُ جميل الصبر كالصبر

أن جرجر العود فانظر ما بغاربه

فانه أن رغا يرغوا من الدبر

وانظر إليَّ بعينٍ منك راحمةٍ

لا تقصدن غير وجه الله في النظر

والبس من الحبر الموشى مذهبةً

ينسيك مذهبها موشيةً الحبر

وفي هذه السنة المذكورة توفي الشيخ الصالح العارف بالله أبو الحسن أحمد ابن

ص: 145

علوان الصوفي صاحب يفرس قرية من نواحي جبا. وكان مولده في قرية عقاقه بضم العين المهملة وألف بين قافين وآخر الاسم هاءُ وهي قرية من قرى جبل صبر معروفة ونشأَ في قرية تعرف بذي الجنان من جبل ذخر ولم يزل على ترفة ورعونة على ما جرت عليه عادة أولاد الكتاب لان والده كان كاتباً للملك المسعود بن الملك الكامل. ثم شب شباباً حسناً فكان قارئاً كاتباً عارفاً بالنحو فاضلاً في اللغة والكتابة وشعره وكلامه في التصوف دليل على ذلك. وذكر بعض نقلة أحباره أنه دعتهُ نفسه وهو شاب إلى قصد باب السلطان والتعرض للخدمة وخرج من قرية ذي الجنان وسار نحو باب السلطان فبينما هو سائر في أثناء الطريق إذ بطائر اخضر قد وقع على كتفه ومد منقاره إلى فيه ففتح فصبَّ فيه الطائر شيئاً فابتلعه الشيخ ثم عاد من قوره إلى بلده فلزم الخلوة أربعين يوماً فلما كان يوم الحادي والأربعين خرج من المعبد وقعد على صخرة يتعبد فانقلبت الصخرة عن كف فقيل له صافح الكف فقال ومن أنت فقال أبو بكر فصافحه فقال له قد نصبتك شيخاً والى ذلك أشار في شيء من كلامه الذي يخاطب به أصحابه حيث يقول وسيحكم أبو بكر الصديق ثم التقى له الحب في قلوب الناس والوجامة وظهرت لم كرامات كثيرة وتحكم لهُ جمع كثير ثم ارتحل إلى الشيخ أبي الغيث بن جميل فاخذ عنهُ اليد أيضاً والبسه الخرقة الشريفة وكان آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر ولا يخاف في الله لومة لائم. وكان يقول شعراً حسناً ومن شعرهِ من قصيدةٍ طويلة يحث فيها السلطان على العدل وحسن السيرة هذا:

يا ثالث العمرين افعل كفعلهما

وليتفق فيه منك السر والعلن

واستبد عدلاً يقول الناظرون له

نعم المليك ونعم البلدة اليمن

عار عليك قصورات مشيدة

وللرعية دور كلها دمن

وصنف كتاباً في الوعظ نحى فينه منحنى ابن الجوزي فلذلك يقال له جوزي اليمن وله في التصوف فصول كثيرة يتكلم فيها على لغات شتى وقيل لبعض العارفين من أين كان الشيخ يعرف تلك اللغات وهو عربي ولم يعرف له خروج عن

ص: 146

بلده فقال كانت روح الشيخ أحمد مهبطاً لأولياء الله ولهم لغات كثرة يتكلمون بها على لسان الشيخ فينطق بها ما يقولون. وكان الشيخ أشوق إلى كلامه من سامعيه. وكان متى علم أن في السامعين لكلامه من لا يفهمه قال معرضاً به يا واقفاً في الماء وهو عطشان. وفي آخر الأمر تأهل بامرأَة من أهل يفرس فسكن معها وترك قريته ذا الجنان ولم يزل بها حتى توفي ليلة العشرين من شهر رجب من السنة المذكورة ودفن على باب المسجد وهو القبر الملتصق بالمسجد على يسار الداخل إليه وكان له ولد يسكن ذا الجنان وكان على طريق مرضي إلى أن توفي عشرة شهر شوال من سنة خمس وسبعمائة رحمه الله تعالى.

وفي هذه أسنة أيضاً توفي افقه الإمام العالم البارع أبو عبد الله بن أبي بكر بن الحسين بن عبد الله الزوقري الركبي المعروف بابن الحطاب لان أباه كان يسكن قرية النويدرة التي هي على باب سهام من مدينة زبيد وكان يبيع الحطب فيها. وكان ميلاد الفقيه في آخر المائة السادسة وتفقه بالفقيه علي بن قاسم الحكمي واطلع على علوم شتى وكان فقيهاً باراً أصولياً فرعياً فرضياً حسبانياً مفسراً مقرئاً يقرأ القراءات السبع وكان يقول أنا ابن عشرين ليس لي مناظر في شيء منها.

ويرى أن بعض الأكابر من أهل زبيد عمل وليمة وطلب أكابر الفقهاء فحضروا وحضر من جملتهم الفقيه علي ابن قاسم وتأخر ابن الحطاب المذكور وطال بطؤُه عن حضور الجماعة ثم وصل بعد ذلك والناس جميعهم في انتظاره فأقبل ييمس عليه ثياب مرتفعة فقصد المجلس غير محتفل بأحد فقال شيخه علي بن قاسم ما هذا العجب مع هذا الصبي فنقل إليه المجلس ما قاله الفقيه. فقال متمثلاً يقول أبي الطيب:

أن اكن معجباً فعجب عجيب

لم يجد فوق نفسه من مزيد

ثم قال وكيف لا اعجب وأنا ابن عشرين لا أجد من يناظرني في شيء منها فنقل الكلام إلى الفقيه علي بن قاسم فقال شغله الله فكان من أمره ما كان. ولما تفقه ابن الحطاب وبرع على أهل عصره انتقل من قرية النويدرة إلى مدينة زبيد

ص: 147

وتزوج بنت شيخه علي بن قاسم الحكمي وحاز مسجد الأشاعر على أصحاب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه وأقام يدرس فيه وإذا دخل وقت الصلاة يأمر المؤذن بالأذان ثم يبادر إلى أداء الصلاة في أول وقتها فتعب من ذلك أصحاب الإمام أبي حنيفة وكان لا يكاد يوجد لا مدرساً لعلم أو مقبلاً على صلاة وكان غالب تدريسه في مسجد الأشاعر وتارة في المسجد الذي عند بيته وهو المسجد المعروف بمسجد الأمير فخر الدين في حافة الخبازين شرقي الموضع المعروف بالمدرك ولم يزل هذا دابه برهة من الزمان فلما كان ذات يوم من الأيام استدعى بأخيه أبي الخير بن أبي بكر الحطاب الذي هو جد بني الحطاب الموجودين في قرية النويدرة فقال لهُ يا أخي أني رأيت البارحة ربي تعالى فقال لي يا محمد أنا أحبك فقلت يا رب من أحببته ابتليتهُ فقال لي استعد للبلاء وأنت يا أخي فكن على أهبة من أمري. ثم أنه خرج في يومه ذلك إلى مسجد إلا شاعر بزيد فصلى فيه العصر مع الجماعة ثم رجع إلى بيته مسرعاً فلما صار في أثناء الطريق غشي عليه فمرَّ به الفقيه إسماعيل بن محمد الحضرمي وهو في تلك الحال فأكبَّ عليه وقبله بين عينيه وقال أهلاً بك يا محبوب ثم حمل إلى بيته وكان ذلك وهو ابن خمس وعشرين سنة وكانت زوجته بنت شيخة الفقيه علي بن قاسم الحكمي ففسخ عليه نكاحها واشترى له من ماله جارية وخطبت زوجته فقالت لا أريد به بدلاً حياً ولا ميتاً فكانت الجارية تخدمه وتقوم بحاله وتحفظهُ في ساعة غفلاته ووطئها فولدت له ابنتين عاشت إحداهما إلى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة. وكان من أكثر الناس حفظاً للآثار والأخبار والأشعار وكان الطلبة من أهل عصره وأصحابه يقرؤون عليه في الأوقات التي يكون فيها معافاً وكان يقول شعراً حسناً.

قال الجندي اخبرني والدي يوسف بن يعقوب قال كنت أحب هذا الفقه على ما أسمع عنهُ واكره أن أراهُ وهو على ما بلغني عنهُ من الحال فجاءَني بعض الأصحاب يوماً وقال لي أريد أن تذهب معي إلى الفقيه محمد بن الحطاب لأسّلِمِ عليه وكان الرجل يصحبه أيضاً فرافقتهُ وسرت معهُ إليه فلما دخلنا عليه سلمنا فرد علينا السلام

ص: 148

ردَّاً حسناً ثم قال للرجل يا محمد هل جئتنا بشيء فقال ما جئت إلا بنفسي فقال مرتجلاً:

أتانا أخُ من غيبة كان غلبها

وكان إذا ما غاب تنشده الركبا

فقلنا له هل جئتنا بهدية

فقال بنفسي قلت نطعمها الكلبا

قال الجندي ونحو ذلك ما اخبرنا الشيخ أبو الحسن علي ابن الشيخ الفاضل منصور بن حسن عن أبيه قال دخلت أنا والمقري محمد بن علي بن الفقيه محمد بن أبي بكر الحطاب فسأَله المقري عن مسألة في الحيض مشكلة فأبانها له ثم انشدهُ:

لو علمنا مجيئكم لبذلنا

مهج النفس او سواد العيون

وفرشنا على الطريق خدوداً

ليكون المرور فوق الجفون

وأوصافه الحسنة جمة كثيرة لا يمكن استيعابها. وكانت وفاته بزبيد وقبر في مقبرة باب سهام وقبره معروف مشهور مزار وتبرك به وعند قبره قبر رجل من التابعين وقيل من الصحابة والله أعلم.

وفي هذه السنة توفي الفقه الصالح ابن إبراهيم بن صالح بن علي بن أحمد العبري وكان فقيهاً صالحاً وعاصر الخضري المعروف بالبرهان وولي قضاءَ تهامة اجمع فكان قضاؤه مرضياً وكان على يد عمارة الجامع المظفري بالمهجم في أيام الملك المظفر وكان من أهل الدين والدنيا وممن يأخذها ومن وجها ويضعها في مستحقها كثير البر والمعروف وله مكارم أخلاق وكان يضرب به المثل في الكرم وكان في حلقة تدريسه أكثر من مائة طالب وكانت لهُ مروءة وشفقة على الأيتام.

ويروى أنه كان يعمل في النصف من شعبان من الحلوى شيئاً كثيراً يفرقهُ على الأيتام وعلى الضعفاء وعلى الخواص من أصحابه ولا يدع فقيهاً في البلد إلا واساه بشيءٍ من ذلك ومكارمه أكثر من أن تحصى. ولم يزل على الحال المرضي إلى أن توفي في شهر جمادى الأولى من السنة المذكورة رحمه الله تعالى ولما توفي رحمه الله في التاريخ المذكور صار القضاء الأكبر بعده إلى الفقيه إسماعيل بن محمد الحضرمي وخلفه في رئاسة البيت ابن أخيه علي بن محمد ابن إبراهيم بن صالح والله أعلم.

ص: 149

وفيها توفي الفقيه العالم أبو محمد عمرو بن علي بن عمرو بن محمد بن عمرو بن اسعد بن أبي جعفر بن عباس التباعي. وكان يلقب بمظفر الدين وولد في بلد بني شاور سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. وصحب الفقيه علي بن مسعود المقدم ذكره وتفقه بن ثم طلع الجبال وقصد جبا فأدرك الشيخ أبا بكر بن يحيى فاخذ عنهُ عربي الهروي ثم قصد مصنعة سير فقرأ فيها على الحسن بن راشد مسند الإمام أحمد بن حنبل وهو ممن أخذ عن ابن أبي الصيف وابن أبي حديد وغيرهما من الكبار ثم قصد مصنعة سير مرة أخرى في سنة ثمان وخمسين وستمائة فاخذ القضاء عنه بها شيئاً من مسند الإمام أحمد بن حنبل. ولما انتهى في الفقه انقطع عن شيخه علي بن مسعود وهو إذ ذاك ببيت حليفة عند الشيخ عمران بن قبيع القرابلي فاشترى موضعاً عند أبيات حسين وابتنى فيه مسكناً وأزدرع ما زاد على موضع البناء وكان قد تزوَّج بابنة أخي شيخه علي بن مسعود وبروك لهُ في الذرية منه بركة ظاهرة. وكان تزويجه بها سنة ثمان وعشرين وستمائة.

ويروى أن الفقيه المصري خرج من بلده وقد صار فقيهاً فقصد زبيد وناظر فيها فقهاءَها فلم يجد عندهم مقنعاً فتمتل بقول الأول:

لما دخلتُ اليمنا

رأيت وجهي حسناً

أُفٍ لها من بلدة

افقهُ مَنْ فيها أَنا

ثم عاد من فوره وكلما مرَّ بفقيه قصده وناظره حتى أتى بيت حسين فأراد الاجتماع بالفقيه علي بن مسعود فقصد مدرسته وهو إذ ذاك مقيم مع تليمذه هذا عمرو بن علي الساعي. وكان أول من لقبه عمرو بن علي فظن أنه الفقيه علي بن مسعود ففاتحه السؤال فلم يزل عمرو يجيبه ويستزيده حتى تم سؤاله ثم ألقى عليه عمرو سؤَالات أجاب عن بعضها وتأخر عن بعض. فقال له الفقيه عمرو كيف ترى وجهك الآن إشارة إلى البيت الذي بلغه أنه تمثل به إذ كان قد بلغهم تمثلهُ به. فقال يا سيدي المعذرة إلى الله ثم إليك يا أبا الحسن فعلم الفقيه عمرو أنه لم يعرفه وإن في ظنه أنه الفقيه علي بن مسعود. فقال إنما أنا بعض تلاميذة الفقيه علي. وأما الفقيه

ص: 150

علي فهو ذاك في محراب المسجد فأقدم إليه فقدم إليه وقد علم أنه لا طاقة له به. وقال في نفسه إذا كان هذا درسي من درسه فكيف يكون المدرس ثم دخل على الفقيه وسلم عليه. وسأل منه الدعاء. وكان عمرو كبير القدر معظماً عند أهل العصر. وكان شيخه علي بن مسعود يثني عليه ثناءً حسناً ويقول هو أكثر أصحابي أخذاً عني وهو الذي لقبه بمظفر الدين وأعطاه كتبه في آخر الأمر واستخلفه على تدريس أصحابه فدرس واشتغل بالفقه والعبادة. وتفقه به جمع كثير من أهل تهامة والجبال. وممن تفقه به ابنه محمد بن عمرو وعلي بن إبراهيم وأحمد إلى أن توفي عصر يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى من السنة المذكورة رحمه اله تعالى. وفيها توفي الشيخ الصالح أبو محمد عيسى بن حجاج العامري الغيثي نسبة إلى الشيخ أبي الغيث أولاً وهو أحد أصحابه واصله من عرب يقال لهم أبو عامر يسكنون جبلاً تحت حصن الشرف المذكور في بلد وصاب وهو قرب من سوق المجمع وبلادهم تعرف ببلاد أسل وكان الشيخ عيسى صاحب كرامات وصاحب حال ومقال وصاحب تربية وعلم من علوم الصوفية وكانت وفاته في شهر جمادى الأولى من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.

وفي سنة ست وستين تسلم السلطان حصون علوان الجحدري وهي العرائس. وفي شهر جمادى الأخرى من السنة المذكورة وردت الأوامر الشريفة على الأمير علم الدين سيجر الشعبي بالتقدم إلى صعدة فخرج إليها في خمسمائة فارس وثلاثة آلاف راجل فحط في الجوف ثم تقدم نحو صعدة وجمع أمير صارم الدين داود بن الإمام كافة بني حمزة وعسكراً عظيماً فيهم عسكر بن سجر وفيهم م الرُّحل واحدة فحفظوا تلك الطريق بالخيل والرحل فلما وصل الأمير علم الدين إلى النقيل المذكور حط في أسفله ضحوة نهار تغدى وغدى الناس جميعاً ثم وقف إلى الظهيرة ورتب الأمير ابن نور في مائتي فارس وألف راجل في المحط ثم لبست الخيل وطلعت النقيل

ص: 151

فلم يجد أحد فيه مسلكاً لضيقه ووعارته وكثرة العسا كرفيه فلما رأى الأمير علم الدين سجر الشعبي ذلك تقدم في كتبية عظيمة من فرسان الخيل وأجواد الرجل وطلع في موضع آخر شعروا حتى صار معهم مستديراً لهم فلقيه الأمير عم الدين حمزة بن الحسن بن حمزة. وكان يومئذ فارس بني حمزة غير مدافع فكان أول من صرع منهم ثم انكسر عسكر الأشراف وقيل عسكر ابن مسحر. وكان فارساً شجاعاً فولوا مدبرين وأخذت طبلخاناتهم وسار العسكر المنصور في أثرهم فمال الأمير داود بن الإمام إلى براش صعدة ودخل الأمير علم الدين صعدة وقدامه رأس الشريف حمزة بن الحسن بن حمزة ورأس عسكر بن مسحر وأخرب في صعدة عدة مواضع وخرج إلى مخاليفها فأخربها أيضاً ونهب الناس كل من وجدوه في مخلاف صعدة ثم عاد إلى صعدة فأقام فيها أياماً ثم قفل إلى صنعاء ظافراً منصوراً.

وفي هذه السنة أمر السلطان بتحلية باب الكعبة بالذهب والفضة على يد ابن البعري. ووصل رسول صاحب مصر إلى اليمن بالمكتابات والهدايا فتوفي الرسول باليمن في آخر السنة المذكورة.

وفي هذه السنة توفي الفقيه صالح بن علي بن إسماعيل الحضرمي، وكان فقيهاً صالحاً عابداً زاهداً ورعاً تفقه به أحمد بن سليمان الحكمي ومحمد ابن إبراهيم الشكر وغيرهما. وكانت وفاته رحمة الله تعالى عليه في سلخ شهر شعبان من السنة المذكورة. وفيها توفي الطواشي نظام الدين مختص المظفري. وكان مولى الغازي بن جبريل ثم خدم مع السلطان نور الدين فجعله لآلة ولده المظفر فرباه أحسن تربية وأدبه أحسن أدب. ولما صار أمر السلطنة إلى السلطان الملك المظفر حمل له طبلخانة وأقطعه إقطاعاً حاملاً، فكان كفؤاً لما ندب إليه. وكان شجاعاً مقداماً عالي الهمة. وكان راغباً في طلب الأجر وبقاء الذكر كثير الصدقة. وابتنى عدة مدارس وآثاره باقية إلى عصرنا هذا. ومن مآثره المدرسية النظامية في زبيد ثم المسجد المعروف بمسجد السابق النظامي نسبة إلى عبد له. ثم مدرسة بذي هُزَيْم ناحية من نواحي تعز. وله مدرسة في ذي جبلة. وأخرى في موضع تعرف بالوحص بفتح الواو

ص: 152

وسكون الحاء المهملة وآخره مهملة أيضاً وهو موضع قريب م نحصن بحرانه والله أعلم.

وفي سنة سبع وستين تسلم السلطان حصن براش صعدة من الأمير عز الدين محمد بن الأمير شمس الدين أحمد بن الإمام بعد أن رهن الأمير عز الدين ابنه وابنته. ثم ورد الأمر على الأمير علم الدين سنجر الشعبي بالمحطة على ثلا فحط عليه محاطَّ كبيرة وذلك في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة وأخذ البعيرة قهراً بالسيف ورتب فيها من يحفظها.

وفي هذه السنة سار الأمير موسى بن الرسول والأمير مغلطاي أحد المماليك البحرية في عسكر من الباب الشريف مع الأمير عز الدين محمد بن أحمد بن الإمام للمحطة على تلمص. فلما اشتد الحصار على ثلا وتلمس اجتمع الأشراف والعلماء من الزيدية على الأمير صارم الدين داود بن الإمام وسألوه أن يخرج الحسن بن وهاس للنصرة به على رفع هاتين المحطتين. فأخرجه على كره منه خرج به الشريف علي بن عبد الله بن طيار إلى حصنه المنقاع فلما اجتمعت عساكرهم قصدوا صعدة فثبتوا التي على تلمص فانهزم مغلطاي بالمماليك إلى فللة. فأجارهم جولان وساروا بهم طريق تهامة. وأما موسى بن الرسول فتخفر بقوم من العرب يريدون نجران فعلم به الأشراف فتبعوه حتى أدركوه معهم فقتلوه دعمة تحت حصن تلمص في نصف شهر جمادى ورجع الأشراف من صعدة فجمعوا جموعاً عظيمة وقصدوا علم الدين الشعبي إلى ثلا فنزل من المحطة وكان سبب نزوله أن المكان وعر والخيل لا تقع فيه فخاف على الرتب فنزل وأنزلهم فدخل الأمير جمال الدين على عبد الله ثلا في رجل كثير وانحاز الأمير علم الدين إلى سام وسار منها إلى صنعاء فدخلها في شهر رمضان من السنة المذكورة. ثم خرج الأمير علم الدين إلى الطاهر الأعلى والأسفل فأَخر بهما خراباً كلياً وعاد إلى صنعاء.

وفي هذه السنة حج صاحب مصر وهو السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري من الديار المصرية إلى مكة المشرفة رحمه الله تعالى. وفيها توفي

ص: 153

الأمير نجم الدين عمر بن يوسف الرين وهو أخو الملك المظفر لامه. وكان أميراً كبيراً ذا همة عالية وسيرة حسنة.

ومن أثاره المدرسة المعروفة بالعمرية في مدينة تعز نسبة إليه وكانت وفاته في صفر من السنة المذكورة. والله أعلم. وفيها توفي الفقيه الإمام أبو محمد الحسن بن القاضي أبي الحسن علي بن عمر بن محمد بن علي بن قاسم الحميري. وكان شديد الاجتهاد في طلب العلم ومطالعة كتبه حتى ذكر الفقيه أنه أقام سنة يصلي الصبح بوضوء العشاء ولم يكن يسأل عن طعام ولا شراب حتى يؤتى به ولا يشتغل بأهل ولا ولد.

قال الجندي أخبرني الثقة أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم قد جاءه في جماعة منهم الإمام الشافعي فاستحيى وقال يا رسول الله بِمَ استحققت هذه الزيارة فقال باجتهادك في طلب العلم وتتبعك الأسانيد العالية. وكان فقيهاً مباركاً رحالً في طلب العلم روى شرح ابن يونس للتنبيه عن محمد ابن عبد الله بن الحسن الأنصاري الخزرجي عن المصنف. وبلغهُ أن الفقيه محمد الهرمل لهُ رواية سندها قريب من رسول الله صلى الله عليه وسلم فارتحل إليه فلما وصل إليه أخذ الرواية عنهُ فقال له ابن الهرمل نحب أن نسمع عليك البيان فأجابه إلى ذلك فكان وقت أن يسمع يقعد هذا الفقيه على الهرمل على السرير ويقعد هذا الفقيه دونه وقت قراءة البيان قد يرفع الفقيه محمد رأسه إلى السقف فيرى حنشاً مخرجاً رأسهُ من السقف وهو مثل المستمع ولا يزال هذا دأبه حتى تنقضي القراءة فاخبر الفقيه به الجماعة فقال ابن الهرمل هذا رجل من فقهاء قرأ عليَّ التنبيه والمهذب وهو الذي سألني أن أسألك إسماعنا البيان ولما قدم الشيخ علي بن بشير الواسطي مدينة الجند وصار إلى تعز أخذ عنهُ هذا الفقيه.

قال الجندي وذيل طبقات ابن سمرة ومن تعليقه أخذت تاريخ جماعة من الفقهاء فكانت وفاته في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة.

ص: 154

وفيها توفي الفقيه الصالح أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد بن أسعد كرامات وآثار مشهورات. وكان رصيناً في دينه وعقله لا يأخذ العلم إلا عمن خبره وتفقه بابن ناصر ويعمر بن الحداد.

ويروى أنه قدم عليه البلد رجل غريب متظاهر بالعلم ومعرفته وعرض للفقيه وأصحابه أن يقرئهم فقال له الفقيه أنا لا أخذ العلم إلا عن من تحققنا دينه وأمانته وأنت غريب علينا ربما أوقعتنا في محظور من حيث لا نشعر. ولم يأخذوا عنه شيئاً. وكان شديد الورع عظيم الزهد قليل الكلام إلا في مذاكرة العلم وذكر الله تعالى وبه تفقه جماعة منهم محمد ابن أسعد الجعيم وأبو بكر بن أحمد التباعي وغيرهما.

ولما تحقق السلطان الملك المظفر صلاحه زاره إلى منزله بسفنهد ودخل مدينته وسأل أن يطعمهُ شيئاً فدخل الفقيه موضعاً من بيته واخرج له وللقاضي إليها خبزاً من برولم يكن يعهد معه شيءُ فأكل السلطان والقاضي ما أكلا ثم أخذا شيئاً ليتبركا به يعهده. وكان إذا مشى اطرق إلى الأرض ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً. توفي ليلة الجمعة أول وقت العشاء في شهر شعبان من السنة المذكورة.

وفيها توفي الفقيه سراج الدين أبو بكر بن عمر بن إبراهيم بن دعاس الفارسي نسباً وكان أديباً فاضلاً فقيهاً في مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه. ونال حظوة من السلطان الملك المظفر وابتنى مدرسة في مدينة زبيد خص بها أهل مذهبه لم تكد تخلو من مدرس وهي التي تعرف بالدعاسية فيما بين سوق المنحارة والسوق الكبير وكان شاعراً فصيحاً وله شعر رائق توفي في مدينة زبيد مهجوراً من السلطان لإدلال حدث منهُ على السلطان في حقه وحق وزيره البهاء فطرد من تعز إلى مدينة زبيد فأقام بها إلى أن توفي في جمادى الآخرة من السنة المذكورة والله أعلم.

وفي سنة ثمان وستين تجهيز الأمير علم الدين الشعبي إلى صعدة فدخلها يوم

ص: 155

الثالث من صفر من السنة المذكورة. وفي شعبان منها وقع الصلح بين السلطان والأشراف بني حمزة.

وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو زكريا يحيى بن زكريا بن محمد بن أسعد ابن عبد الله بن الكلالي ثم الحميري وكان فقهاً فاضلاً تفقه في بدايته بأهل الملحمة ثم تفقه بالحسن بن علي وأخذ البيان عن عبد الله الهمداني وأخذ عن اسحق الطبري ومحمد بن مختار الرداري ودرَّس في المدرسة المعروفة بالغرابية في مدينة تعز إنشاء السلطان نور الدين وكان فقيهاً عارفاً بالفقيه نقالاً توفي يوم الأحد لإحدى عشر ليلة بقيت من شهر رمضان من السنة المذكورة.

وفيها توفي الفقيه العامة عبد الله بن يحيى بن أحمد بن عبد الله بن أحمد ابن لهيب الهمداني نسباً وكان مولده سنة تسعين وخمسمائة تقريباً قاله الجندي وأدرك أحمد بن إبراهيم الأكشيبي أحد أصحاب الشيخ الإمام يحيى ابن أبي الخير وسمع عليه البيان فانتشر عنهُ سماع البيان بالسند العالي فاستدعه السلطان الملك المظفر فأخذ عنه بحضرة القاضي بهاء الدين وبعض أهله. وسألهُ يوماً فقال له يا فقيه لكم سمعت البيان فقال لخمس وعشرين سنة فقال وعلى ابن كم فقال على ابن خمس وثمانين سنة وكان عمرهُ حين سألهُ تسعين سنة تقريباً. فقال لهُ بعض الفقهاء ومتى كانت قراءَتك فقال سنة ستة عشرة وستمائة. ولما ابتنى الشيخ علي بن محمد بن عبد علي الحميري مدرسة في قرية الحُجْر بضم الحاءِ المهمة وسكون الجيم جعل هذا الفقيه مدرساً بها فكان الناس يأتون إليها ويأْخذون عنهُ فيها.

ويروى عنهُ أنه قال مرة كنت أيام طلبي العلم كثيراً ما أَرى النبي صلى الله عليه وسلم ولقد اعرف مرة إني كنت سائراً إلى الشيخ الذي أنا أقراُ عليه فاشتقت إلى رؤية النبي صلى الله عليه وسلم فملت عن الطريق ونمت فرأَيته صلى الله عليه وسلم ثم أنا الآن لم أجد ذلك وكان يتأَسف على ذلك. وكانت وفاته في قرية مسورة بفتح الميم وسكون السيم المهملة وهي تحت حصن بيت عز رحمهُ الله تعالى. وقيل عاش إلى نيف وثمانين والله أعلم.

ص: 156

وفيها توفي الشيخ الصالح أبو الحسن علي بن عبد الله المعروف بصاحب المقداحة وكان من أعيان العباد ومشاهير الزهاد.

قال الجندي أخبرني الفقيه العارف بكثير من أحوال الناس أن هذا الشيخ كان في بدايته راعياً لغنم له في بعض نواحي المشرق. وكانت له زوجة فبينا هما ليلة على سقف بيتهما إذ أقبل فقير إليهما فقالت المرأة لزوجها قم إلى هذا الفقير واعتذر إليه فإنا قد تعيشنا وليس معنا شيء نطعمه منه فقام الشيخ مبادراً فأمسكت رجلاه فدخل في نفسه أن ذلك حال من الفقير فغير نيته وعزم على تلقيه وإدخاله المنزل ثم قال لامرأته قومي اطبخي لنا شيئاً نأكله فكرهت فأَخذ عوداً لها ليضربها فقامت فصنعت لهم شيئاً وأتت لهما به فأَكل الشيخ والفقير وهما يتحادثان فلما فرغا مسح على رأس الشيخ وصدره ثم ودعه وسار ثم أن الشيخ عزم على الحج فأَعطى زوجته بعض الغنم الذي معه وباع الباقي فتزود بثمنه وسار إلى مكة. فلما قضى الحج عاد إلى بلده عازماً على خدمة الفقراءِ في بعض الربط فقدم الجند وبها عدة من المشايخ أصحاب الأحوال والكرامات فقصد شيخاً منهم يعرف بعبد الله بن الرُّميش بضم الراءِ وفتح الميم وسكون المثناة من تحت وآخرهُ شين معجمة ونسب بني الرميش في بني مسكين. قاله الجندي فالتزم خدمة الرباط فذكروا أنه امتحنهُ ولم يحكمهُ وأراد اختباره كما جرت العادة من المشايخ فظهر له منهُ أمور كثيرة وأحوال خارقة فأراد أن يحكمه فقيل لهُ أنه ليس من أصحابك إنما هو من أصحاب الشيخ أبي الغيث فقال لهُ يوماً يا علي تقدمَّ إلى الشيخ أبي الغيث فاصحبهُ فهو شيخك فبادر ونزل تهامة. فذكروا أن الشيخ أبا الغيت كان يقول لأصحابه يقدم عليكم رجل كبير من هذه الجهة في هذه المدة ويشير إلى الطريق فجاءَ منها فكان الفقراء يخرجون كل يوم إلى تلك الجهة يلتقونهُ فلما كان اليوم الذي وصل فيه خرجوا يلتقونهُ فوقفوا حتى أحرقتهم الشمس فلما دخلوا البيت قد الشيخ علي فدخل الرّباط فلما رآهُ الشيخ رحب بهِ وحكمه من ساعته وقد كان على معلوم حصله في نظر الشيخ الرميش لهُ بالجند فازداد بنظر الشيخ أبي الغيث حسناً حتى كان من أعيان الطريق يقولون

ص: 157

نساجة صاحب المقداحة الرميش وقصارة الشيخ أبي الغيث. ثم عاد إلى الجيل بعد مدة وقصد مسجداً خراباً في موضع يعرف بالمقداحة فاعتكف فيه ولم يكن يومئذٍ فيه ساكن إنما يأْتيه الرعاءُ أحياناً. فلما علم به الناس أتوهُ وسكنوا عندهُ وبنوا له المسجد. ثم بنوا له رباطاً وتحكموا على يده فرباهم احسن تربية بإلزام الصيام والقيام والزهد والورع واقبل الناس على الشيخ من كل ناحية بالفتوحات الكثيرة فكان يقبلها ولا يبيت عنده شيء منها. واجتمع عندهُ جمع كثير ولازموا الجمعة والجماعة وساروا في طريق القوم والشريعة ولم يتجاوز الشريعة منهم أحدُ. فظهر في أصحابه جماعة أخيار وكان لا يميز نفسهُ على أصحابه فإذا وصل فتح وصل إلى الصغير منهم كما يصل إلى الكبير ومناقبهُ أكثر من أن تحصى. ولم يزل على الطريق المرضي إلى أن توفي ليلة الثلاثاء لست بقين من جمادى الأخرى من السنة المذكورة والله أعلم رحمه الله تعالى.

وفي هذه السنة توفي الإمام الصالح أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن علي الهرمل وكان من أعيان الفقهاء وفضلائهم يسكن العطفة قرية بين كدرا سهام والعجمة وهي بكسر العين المهملة وكان من كرام الفقهاء وذوي الإحسان فيهم يقوم بالمنقطع من الطلبة. ويروى أنه لما توفي بكي عليهِ في أربعين بيتاً فسئلوا عن سبب ذلك فقالوا كان يقوم بكفايتنا ولا يعلم بنا أحدُ. وكان ورعاً شديد الورع.

يروى أن الفقيه إسماعيل بن محمد الحضرمي قدم عليه في بعض الأيام فنزل عنده في جماعة من أصحابهِ فسأَلهُ عن صابون ليغسل بهِ ثيابه. فقال لهُ منذ سمعت أن الغز يطرحون الجلجلان على الناس كرهت الصابون والغسل بهِ فلا اغسل ثيابي إلا بالحطم. فقال الفقيه إسماعيل لأصحابه لقد فاق علينا هذا الرجل بورعه. وله مصنَّفُ في الفقه سماهُ التحفة ضمنهُ زيادات الوسيط على المهذب يدخل في مجلدين يوجد مع أهل شحينه. وهو الذي قراَ البيان على الفقيه حسن بن علي الحميري. وكان بعض فقهاءِ الجن يسمع لقراءَتهِ وقد تقدم ذكر ذلك. وكان مشهوراً مذكوراً وامتحن بالعمى في آخر عمره وأَعاد الله عليه نور بصره. وكانت وفاته ليلة الاثنين

ص: 158

لثمان خلون من رجب من السنة المذكورة في قريته المذكورة بعد أن تفقه به جماعة منهم علي الصربدح وعلي بن أحمد الحجنفي وعلي بن عبد الله العامري وإسماعيل بن علي الرقاني وجماعة كثيرون والله أعلم.

وفي سنة تسع وستين قتل الشريف إدريس صاحب مكة وترتب بعده فيها أبو يمى بن أبي سعد بن علي بن قتادة والياً فأقام بها إلى أن توفي في شهر ربيع الآخر من سنة سبعمائة.

وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح أبو عبد الله الحسين بن أبي السعود ابن الحسن بن مسلم بن علي الهمداني. وكان ميلاده سنة خمس وعشرين وستمائة فسلك طريق العبادة حتى توفي على ذلك. وكان وفاته لليلتين مضتا من شعبان من السنة المذكورة. وحضر دفنهُ خلق كثير أحصى القراء فيهم فكانوا سبعمائة رجل. وكان لهُ من الولد ثلاثة أكبرهم محمد مولده لليلتين خلتا من ذي الحجة آخر سنة اثنتين وخمسين وستمائة. وكان صاحب قراءات ومسموعات وغلبت عليه العبادة. وكان من أكثر الناس تلاوة للقرآن مع الزهد والورع إلى أن توفي على ذلك ليلة الاثنين لخمس بقين من شهر ربيع الأول أحد شهور سنة تسعين وستمائة. والثاني أحمد مولده يوم الأحد تاسع ذي الحجة من سنة إحدى وستين وستمائة. وكان فقيهاً مجتهداً محصلاً ورعاً زاهداً تفقه بمحمد بن أبي بكر الصبحي وكان كثير التردد إلى الفقيه أبي الحسن علي بن أحمد الأصبحي ويراجعهُ فيما يشكل عليه من المسائل. وكانت وفاته ليلة الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة من سنة سبع وتسعين وستمائة. والثالث أبو القاسم مولدهُ في رجب سنة ثلاث وستين صحب الفقيه ومال إلى طريقة التصوف وصحب الشيخ عمر القدسي وتحكم على يده ونصبهُ شيخاً. وكان على حال مرضي من سعة الأخلاق وإيناس الوارد والاشتغال بمطالعة الكتب والبحث عن فوائدها إلى أن توفي في شهر رمضان سنة ثلاث عشرة وسبعمائة رحمة الله عليهم أجمعين.

وفي هذه السنة أَيضاً توفي الفقيه الفاضل عثمان بن محمد بن سوادة الحضرمي

ص: 159

الحنفي وكان فقيهاً فاضلاً وهو من أتراب الفقيه أبي بكر بن حنكاش ومعيدا معهُ وبه تفقه الفقيه يحيى بن عطية وغيره وكانت وفاته يوم الاثنين الحادي عشر من رجب من السنة المذكورة. وفي سنة سبعين وستمائة ورد الأمر العالي بإعادة المحاط على ثلا مرة ثانية فكانت المحطة على الجناب فحصروا أهل ثلا وضيقوا عليهم وأجهدوهم حتى أيقنوا بالهلاك. وتسلم السلطان حصون المصانع باعهُ عبد من عبيدهم يسمى محمد بن نفيل.

وفي هذه السنة قام الإمام إبراهيم بن أحمد بن تاج الدين الهدوي وكان قيامهُ في ذي الحجة منها ودعا إلى نفسه فأجابهُ أهل حصور وبنو الراعي وبنو شهاب وغيرهم من بلاد عنس وزبيد. ونهض الشرفاء والإمام إلى جبل يسمى طما. وكان الأمير علم الدين في الجماب فنهض لمحطته وحط تحت حصن كوكبان ونهض الشرفاء من محطتهم إلى حارة بني شهاب.

وفيها توفي الفقيه أبو عبد الله محمد بن عمر القاضي عمر الهزاز المقدم ذكره. وكان مولده يوم الخميس ثامن عشر شوال من سنة إحدى وستين وستمائة. وكان موسوماً بالفقه والدين والعبادة والزهد والورع ولوزم على أن يتولى القضاء بعد أبيه فامتنع. وكان السلطان الملك المظفر يجله ويعتقد صلاحه وربما زاره إلى بيته سرّاً وكان يستدعي دعاءَه كثيراً. وله مصنفات رحمه الله في الفقه وتوفي بعد صلاة الظهر من يوم الاثنين لأربع بقين من شوال من السنة المذكورة رحمه الله. ولما علم السلطان الملك المظفر بوفاته كتب إلى أولاده يسأَلهم أن يدفنوهُ في التربة التي هي قبلي جامع بمدينة تعز ففعلوا ولم يكن يدفن فيها الأحواض بني رسول من القرابة والسراري والأولاد الصغار وخلف عدة من الأولاد النجباء انتهت إليهم الرئاسة في الدولة المؤَيدية وسوف يأتي ذكرهم أن شاءَ الله.

وفيها توفي الفقيه الفاضل يحيى بن سالم بن سليمان بن الفضل بن محمد ابن عبد الله الشهابي ثم الكندي انتقل به أبوهُ من بلد بني شهاب إلى ذي جبلة فاستوطنها

ص: 160

وتفقه بها ابنه يحيى المذكور وأخذ عن محمد بن عبد الله المازني وكان أول من بدر مدرساً في المدرسة العربانية وكان فقيهاً فاضلاً لهُ مروءَة وكرم نفس وكان يصحب الرشيد شاد الدواوين في صدر الدولة المظفرية. فلما توفي الرشيد نُقل إلى السلطان أن مع هذا الفقيه مال الرشيد فطولب باثني عشر ألف دينار وصُودر فلم تطل مدته بل وتوفي غيظاً في المدرسة المذكورة عشي الثلاثاء لليلتين بقيتا من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.

وفيها توفي الفقيه الإمام البارع أبو علي يحيى بن إبراهيم بن العمك. وكان من أعيان العلماء وكان في أول أمره رئيساً على قومه يركب الخيل ولا يشتغل بشيءٍ من طلب العلم. وكان سبب اشتغاله بطلب العلم أنه خطب امرأَة من بني خطاب هي ابنة الفقيه أبي بكر بن خطاب فامتنع الفقيه أبو بكر من تزويجه إياها وقال لهُ لست كفئا لها فانك رجل جاهل فانف من قولهِ فاشتغل بطلب العلم حتى صار إماماً واشتغل بفن الأدب وبرع في النحو واللغة والنسيب والعروض وغير ذلك. وكان ممن يضرب به المثل في حسن الجوار والوفاء بالذمم وله في ذلك أخبار يطول شرحها. وكان شجاعاً مقداماً كريماً جواداً شاعراً فصيحاً حسن الشعر له في السلطان الملك المظفر عدة مدائح وصنَّفَ كتباً في النحو وغيره. ومن مصنفاتهِ في الأدب كتاب الكامل في العروض والوافي وهو كتاب جليل والكافي أيضاً. وكتبهُ أحسن ما صنَّف أهل اليمن تحقيقاً وتدقيقاً.

ومن شعره أيضاً ما قالهُ في مدح السواد وهو هذا:

اعد لي حديثك يوم الكثيب

وسلّي بهِ عن فؤَادي الكئيب

عشية سوداءَ قد أقبلت

تسارقني لحظها من قريب

وقد أمنت رصدة الكاشحين

وسمع الوشاة وعين الرقيب

تبدت لنا من خلال البيوت

تجرر فضل الرداءِ القشيب

أرتنا النقا والقنا مائلاً

قوام القضيب وردف الكثيب

مولدةُ من بنات الموال

كمثل الغزال الغريب الربيب

ص: 161

فان لامني الناس في حبها

فما لائمي أبداً بالمصيب

يقولون سودا ولو أنصفوا

وما ذاك لو أنصفوا بالمعيب

فلولا السواد وما خصهُ

به الله من حسن سّرٍ عجيب

لما كان يسكن وسط العيون

ولا كان يسكن وسط القلوب

ولا زيَّن الخال خد الفتى

ولا حسَّنَ النقش طرس الأديب

أَما حجر الركن خير الحجار

أما المسك أطيب من كل طيب

أَما شغف الناس في دهرهم

بحمد الشباب وذم المشيب

ولا تُحْسِن العين مرهى الجفون

ولا الكف ما لم يكن بالخضيب

ولا كل عينٍ كعين المحب

ولا كل قلب كقلب الحبيب

وكان جامعاً بين رئاستي الدين والدنيا معظماً عند الملوك. يروى أنه كان في قريته رجل غريب مستجير به منتسب إليه فهمَّ الرجل بسفر إلى بعض الأماكن فاكترى دابة من بعض قرابة الشيخ إلى موضع غرضه وسافرا معاً فلما صارا في أثناء الطريق قتلهُ الرجل الذي أكرى عليه الدابة وأخذ ما معهُ وعاد إلى القرية كأّنهُ لم يفعل شيئاً فبلغ خبرهُ إلى الفقيه يحيى فبغت من ذلك وأَقام أياماً فلما كان يوم الوعد والناس جميعاً في السوق أمر بلزم القاتل فلزم وجيء به مربوطاً فأمر بقتله فقتل في السوق على رؤُوس الإشهاد ولما اشتغل الفقيه يحيى بطلب العلم وظهرت ثمرة اجتهاده خطب ابنة الفقيه أبي بكر بن خطاب وراجعه في زواجها فزَّوجهُ إياها فولدت لهُ عدة أولاد ولم تزل عندهُ إلى أن فرَّق بينهما الموت. وكانت وفاة الفقيه رحمه الله في السنة المذكورة وقيل في التي بعدها والله أعلم.

وفي سنة إحدى وسبعين أرسل الإمام إبراهيم بن أحمد بن تاج الدين الشريف جمال الدين محمد بن عبد الله إلى حصورَ وبلد بني شهاب وبلاد بني الراعي فتلقوه بالطاعة. وكان وصوله إليهم في سبعة نفرٍ فصلى بالناس أول جمعةٍ في سبعة آلاف. وفيها خالف الأشراف إلى سليمان بن موسى مع الإمام وهم في أهل جهران وكان السلطان رحمه الله قد أقطعهم نواحي ذمار ثم تسلم منهم اللجام وقامت معهم علماءُ

ص: 162

الزيدية في تلك الناحية فساروا في جموع عظيمة إلى ذمار فدخلوها قهراً وقتلوا جماعةً من الرتبة الذين كانوا فيها وخفروا الباقين وأخربوها خراباً كلياً. وكان ذلك في شهر جمادى الأولى من السنة المذكورة. وسار الإمام إبراهيم والأمير صارم الدين داود بن الإمام والأمير عز الدين محمد بن شمس الدين وسائر الأشراف يريدون جدّة وساعاً فمروا على الحبة ولم يكن في صنعا إلا ابن نجاحٍ في مائة فارس من عسكر السلطان وكان الشعبي وعسكره في محطته بالجناب خوفاً على رتب ثلا فانصرف الأَشراف من صنعا قلما كان آخر الليل دخلها الأسدية وكانوا تسعين فارساً نقاوة عسكر صنعاءَ وفرسانهم فطلع الشعبي في بقية عسكره قمرّ على المحاط التي على ثلا فقواها وسار إلى شبام ومن شبام إلى صنعاءَ وحصل بينه وبين الأَشراف قتال عظيم وجمع الأَشراف جمعاً عظيماً وساربهم علي بن عبد الله فارتفع عن ثلا. وسار بعسكره قاصداً الدروة وفيها الورد بن ناجي ولم يكمل عمارتها فهجم عليهم آخر الليل فأخربها وعاد إلى أصحابه بسباع. فاقتضى الحال طلوع الركاب العالي إلى ناحية ذمار فلما وصلها اقبل إليه تلك الناحية رغبةً ورهبةً في شعبان من السنة المذكورة. فأقام في ذمار أياماً وأمر بعمارة دربها. ثم سار يريد صنعاءَ فحط في درب عبد الله وانحاز الأشراف إلى بيت خبيص فطلع عليهم الأمر علم الدين الشعبي فكانت وقعة بين الناهم قتل الأشراف بنو صفي الدين وجماعة من عسكر الأشراف. وكان ذلك في ذي القعدة من السنة المذكورة. ثم تقدم السلطان إلى صنعاءَ في الميدان في ذي الحجة.

وفي هذه السنة بعث السلطان بكسوة البيت المعظم على يد قاسم بن محفوظ. وفيها توفي الفاضل أبو الحسن علي بن الحسين النحلي وكان فقيهاً محققاً غواصاً على دقائق الفقه عارفاً به كثير الاشتغال به تفقه به جماعة من أهل عصره. وكان كريماً جواداً شريف النفس عالي الهمة وكان كثير السعي في حوائج الأصحاب والقاصدين

ص: 163

من الطلاب وربما قدم على أخيه الفقيه محمد بن حسين إذا عوتب في ذلك يقول

تلك بنات المخاض راتعةُ

والعود في كورِهِ وفي قَتَبهْ

لا يستفق من مضاض رحلتهِ

من راحة العالمين في تعِبهْ

وكف بصرهُ في آخر عمره. وكانت وفاتهُ في ذي الحجة من السنة المذكورة رحمهُ الله تعالى.

وفيها توفي الشيخ الصالح فيروز صاحب الشيخ أبي الغيث بن جميل. وكان كبير القدر شهير الذكر. وكانت يدهُ للشيخ محمد لن أبي بكر الحكمي صاحب عواجه. وبعد وفاة شيخه صحب الشيخ أبا الغيث صحبة مخصصة وكان من أكابر الصوفية وأهل الكرامات فيهم. ولما حضرت الشيخ أبا الغيث الوفاة استخلف الشيخ فيروز في رباطهِ وعلى أصحابهِ فقام بذلك قياماً مرضيّاً إلى أن توفي في السنة المذكورة.

وفي سنة اثنتين وسبعين دخل السلطان الملك المظفر صنعاءَ وكان دخوله يوم الثامن عشر من المحرم فأقام بها ونهض الأشراف إلى حصور واجلب معهم أهل حصور كافة وحطوا على عزان واجهدوا من فيه ووقع الخطاب على تسليم عزان وسلامة من فيه من العسكر فنزل العسكر وقبض الأشراف الحصن. ووصل عقيب ذلك أحمد بن جابر وشرع صلحاً بين الأشراف وبين السلطان خاصة ثم الإمام وكافة الناس عموماً. فتقدم السلطان إلى اليمن في شهر ربيع الأَول من السنة المذكورة ثم جرَّد عساكره المنصورة لقصد بيت خيّض فأخذهُ قهراً ووجد العسكر فيه خمراً كثيراً فكسروا أوعيته وأراقوه فقال غازي بن المعمار

وعند أَمير المؤمنين عصابةُ

يقولون بالبيض الحسان وبالسمرِ

فان تكن الأشراف تشرب خفيةً

وتُظهر للناس التنسك في الجهرِ

وتأْخذ من خلع العذار نصيبها

فأني أَمير المؤمنين ولا أدري

ص: 164

وكان فتح بيت خيّض يوم الجمعة سلخ شهر ربيع الأول من السنة المذكورة ولما دخل العسكر السلطاني بيت خيّض كما ذكرنا انهزمت الأشراف من خدة وسباع فأخرجهما السلطان خراباً شنيعاً وقطع أشجارهما وكانت فيهما أشجار قديمة لها مقدار مائتي سنة فما ترك فيهما شيئاً. ويقال أن شجرة لوز عقرت فوجد فيها لوح من رخام مكتوب فيه غُرست سنة أربعين من الهجرة. وأمر السلطان بعمارة الجبل المسمى قرن عنيز وسماهُ طفاراً وشحنهُ من أصناف الشجر ونهض بمحطتهِ إلى الصافية قافلاً إلى اليمن في شهر جمادى الأخرى من السنة المذكورة وسار الأمير علم الدين الشعبي صحبة ركابه العالي إلى ذمار فوقف الأمير علم الدين في ذمار وتقدم الركاب العالي إلى اليمن.

وفي هذه السنة خال الأمير الحسام بن البدلي في براقش وتغلب عليها وكان والياً فجرَّد له السلطان الأمير علم الدين الشعبي وأمر الأمير اردم بالوقوف في صنعاءَ وتقدم علي بن حاتم صحبة الأمير علم الدين إلى براقش فراسل الحسام بن البدلي وقبح عليهِ فعلهُ ووعدهُ بعطف مولانا السلطان عليهِ وما زال بهِ حتى أخذ لهُ شيئاً من الصدقات السلطانية براقش وعاد إلى صنعاءَ ثم اصطلح السلطان والإمام وسائر الأشراف وكان الصلح عن السلطان للأمير محمد بن حاتم بن عمرو بن علي الهمذاني. واتفق للأشراف مخرج إلى نجران عقيب الصلح فقتل فيه الأمير علم الدين علي بن وهاس قتلته يام.

وفي هذه السنة توفي الشيخ عبد الوهاب بن يوسف بن عزان العرنقي وكان شيخاً رئيساً من أعيان الرؤَساءِ شجاعاً مقداماً كريماً يحمل جواداً مهيباً عند الأعداء. وكان يتولى بلد العوادر بمال معلوم يحمل إلى السلطان. وكان يفعل الخير كثيراً ابتنى مدرسة في حصن الطفر ووقف عليها وقفاً جيداً ورتب فيها مدرساً وَدَرَسةً وكان ممتحناً بشرب المسكر فقدم مرة زائراً من بلده للفقيه عمر بن سعيد العَقَيبي فلما دخل عليهِ

ص: 165

المسجد ربط منديلهُ في رقبتهِ ثم إلى رجل الفقيه وقال لا افتحهُ حتى تعطيني عهداً على التوبة وذمة من الشراب فراودهُ الفقيه على الترك فلم يفعل فأجابهُ إلى ذلك وعاهدهُ على التوبة. وكان ذلك في شهر رمضان فكان ذلك سبب توبته.

ويروى أنه لما كان يوم العيد هم بشراب شيءٍ من الخمر كان قد أدخرهُ لذلك اليوم فأمر بإحضار شيءٍ منهُ فلما صار الكأس في يده وأهوى به إلى فمه أحس في ظهره بضرب السياط كلنها النار فرمى بالكأْس من يده وركض الإناء الذي فيه خمر برجله فكسره وأمر من حينئذٍ صائحاً يصيح في بلده بتحريم الخمر وشدَّد في شرّها تشديداً عظيماً ولم يشرب بعدها مسكراً. وحج في هذه السنة المذكورة سنة اثنتين وسبعين وستمائة. فلما انقضى حجه خرج يريد زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة على ساكنها السلام. فلما دخل المدينة ووقف موقف الزائرين من التربة الشريفة سمعهُ جماعة يقول يا رسول الله أنا جارك من العود إلى الظلم اللهم لا تعدني إليه. فتوفي عائداً من الزيارة على رجليه من المدينة فحمله أصحابه ورجعوا به المدينة وقبروه في البقيع بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة المذكورة رحمهُ الله تعالى.

وفيها توفي الشيخ إبراهيم بن محمد بن حجر وكان مشتغلاً بشيءٍ من القراءة ثم غلبت عليه العبادة والتنسك فسكن مكة وأَقام بها إلى أن توفي في شوال من السنة المذكورة. ويروى أنه اعتمر في السنة التي توفي فيها في رجب وشعبان ستين عمرة وفي رمضان خاصة ستين عمرة حكى ذلك الجندي في تاريخه.

وفي سنة ثلاث وسبعين حصل قحط عظيم في البلاد ومات من الناس عالم لا يحصى وأَكل الناس الميتة. وفي شهر ربيه الآخر أخذ حصن كوكبان جماعة من الخواليين واستولوا عليهِ فارتفع رأْس كل مفسدٍ وهاج الناس للخلاف.

وفي هذه السنة توفي الفقيه أبو الحسن أحمد بن يحيى بن الفقيه محمد بن مضمون وكان مشاركاً في العلم ولكن اشتغاله بأُمور الدنيا اكثر. وكان مشهوراً بالكرم وكثرة إطعام الطعام حتى أفنى من ماله جملةً مستكثرة فبلغ علمه إلى الأمير

ص: 166

شمس الدين علي بن يحيى العسني فأدركتهُ عليه شفقة. وكان بصحبة فدخل عليه يوماً زائراً له مع جماعة من الفقهاءِ وكان قد أعلم بحاله فلما أراد الناس الخروج من مجلس الأمير استوقفه الأمير فلما خلى المكان قال له يا فقيه بلغنا عنك انك كثير التفريط لما في يديك وأنت فقيه ودخلك قليل من وجه حلال وما خَرَجَ عنك لا يكاد يقع لك عوضه إلا بمشقةٍ وأظنك تريد الاقتداءَ بنا ولا ينبغي لك ذلك لانَّا نحن محصولنا كثير من غير كلفة يسهل علينا خروجه كما يسهل علينا دخوله ثم وبخه على فعله وحذره من مرارة الفقر والفقيه ساكت مطرق ثم قال لهُ أحب أن تعاهدني انك لا عدت إلى شيءٍ من هذا فقال له الفقيه استخير الله الليلة وآتيك غداً أن شاءَ الله بما قويت عليه عزيمتي. أربعين فلما كان تلك الليلة صلى صلاة العشاء ثم صلى صلاة الاستخارة ونام فرأَى قائلاً يقول لهُ يا فقيه أحمد انفق فانك ممن وُقي شح نفسه فلما أصبح غدا إلى الأمير فأخبره بمنامهِ وما قيل لهُ وأنه باقٍ على ذلك الأمر فبكى الأمير وقال في أَي صورةٍ ما شاءَ رَكَّبكَ ولم يزل على حالهِ إلى أن توفي في السنة المذكورة تقريباً كما قال الجندي.

وفيها توفي القاضي الأجل الصالح عيسى بن الفقيه علي بن الفقيه محمد ابن أبي بكر بن مُفَلَّت بضم الميم وفتح الفاءِ واللام المشددة وآخرهُ تاءً مثناة من فوقها. وكان فقيهاً ورعاً دينّاً عفيفاً وهو أحد من تعُدُّه الفقهاء من حفظة المهذب وولاة القاضي أبو بكر بن أحمد قضاء الجند فأقام بها قاضياً خمساً وأربعين سنة لم يذكر عنه ما يذكر عن غيره من نقص الحكام. ولما أَراد السلطان الملك المظفر زواج الحَّرة مريم ابنة الشيخ العفيف استدعاه فلم يعقد له حتى استكمل شرائط العقد ولم يتساهل في شيءٍ من ذلك. فاعجب السلطان بذلك وقال لو كان متساهلاً في شيءٍ من حكمه لتساهل معنا. فكان عندهُ معظماً وكانت جامكيته من جزية اليهود في الجند وهي خمسة عشر ديناراً. وكان كثيراً ما يُدان ولا يدان من أهل الجند تورعاً وكان لهُ أرض قريبة من الجند وارض ببلده ثابتة منها ما يقوم بكفايته وكان الغالب على حاله المسكنة والضعف. وتوفي مديوناً نحواً من ستمائة دينار وكان عمرهُ أكثر من مائة سنة لم يتغير

ص: 167

له عقلُ ولا اختل له فهمُ وكان يحضر المجالس الفقهية والمواكب الملكية يستضاء برأْيه وينتفع بعلمه إلى أن توفي ليلة الأربعاء الحادي عشر من شهر جمادى الأولى من السنة المذكورة رحمهُ الله تعالى.

وفي سنة أربع وسبعين خرج الأمير علم الدين الشعبي إلى مخلاف ذمار لقبض الواجبات السلطانية وترك المماليك الأسدية جميعهم رتبة في صنعاءَ مع ابن العلاب وسار مع الأمير علم الدين منهم رجل واحد فوقع بين ذلك الرجل وبين الداوي أحد مماليك الأمير علم الدين خصمة على شراب فقتله الداوي في مسير الأمير علم الدين إلى ذمار وهرب القاتل فلما علم المماليك الأسدية بقتل صاحبهم قاموا وقعدوا وكانوا قد أعجبتهم نفوسهم فخالفوا على السلطان واستولوا على صنعاءَ وقبضوا على موجود الشعبي وذلك في الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة. وكاتبوا الإمام والأشراف بالوصول إليهم فوصلهم الشريف علي بن عبد الله يوم السابع والعشرين من الشهر في سبعة آلاف راجل وكان في جبل حصور ثم جاءَ الإمام والأمير صارم الدين داود بن الإمام والإمام عز الدين محمد بن الأمير شمس الدين وسائر الأشراف فدخلوا صنعاءَ يوم الخامس من شهر جمادى الأولى وأقاموا في صنعاءَ وركب الإمام يوم الجمعة إلى جامع صنعاءَ ورَقي منبره وأذَّن المؤذن في منارته حي على خير العمل وخالطهم من الجذل والعجب أمر عظيم

ولو علموا عقبى الأمور لقابلوا

أوائلها بالحزم واطرحوا العُجبا

ولكنهُ المقدور يلوي بذي الحجى

فيَسلبهُ أن حُمَّ آراءه سلْبا

وكانوا جميعاً على عزم الخروج من صنعاءَ إلى ذمار وربما طمعوا فيما خلف ذمار أن الأمير علي بن عبد الله ركب في بعض الأيام إلى الأمير صارم الدين داود بن الإمام فتراجعوا في أمورهم فقال الأمير داود أني رأَيتكم يا هؤلاءِ الشرفاء مذ دخلتم صنعاءَ ملتم إلى الراحة والدعة وأنفسكم تحدثكم بالخروج من صنعاءَ إلى دمار ثم إلى اليمن ومناصبة السلطان. وهذا رأي فاسد. فلو نظرتم في أموركم أولاً ثم نظرتم بعد ذلك إلى الخروج من صنعاء إلى دمار كان أصوب فلا تغتروا بحديث هؤلاء الغز

ص: 168

الذين قد صاروا في جيشكم فوالله لو قد شموا ريح الملك المظفر وشاموا برقهُ لقد بانت لكم دخيلة أمرهم ثم إني أستفهمكم هل رأيتم أحداً وصلنا من همدان وهم الجزء الوافر وهل أحد يردهم عن صنعاء بعد إخلائنا عنها ألم يأمر إليهم أن يواكبوا إلينا فقالوا نحن لا نوكب حتى يجوزوا بلادنا فجزناها وما أتانا أحد منهم وكذلك سيحان هل هذا إلا تربص وترقب واستطلاع لما يأتي من ناحية اليمن والملك المظفر لا يترك بلاده ولا مدينته وما الذي شغله عن المبادرة والطلوع فانظروا في أموركم. فقال لهُ الأمير علي بن عبد الله النظر في أمورنا كلها إليك ونحن بين يديك فقال والله إنكم لترمون عن قوس واحد الإمام منكم والمأموم والعربي والعزي فقال ما الرأي الذي تأمرنا به وما هو الأصوب فقال الصواب أن قبلتموه أحد وجهين. أما الأول فنقف في صنعاء ونحن بثلاثمائة فارس نصبح كل يوم قرية من قرى همدان وسيحان حتى يدخلوا في طاعتنا أذلةً وهم صاغرون. وأما الوجه الثاني فنخرج إلى حافد ونخلي صنعاء ونخربها فنحن ثلاثمائة فارس وخمسة آلاف راجل أي قبيلةٍ ملنا عليها أخذناها ونحن نعود إلى معقل وحرز حريز. ومع ذلك لا يقدم علينا أحد ولا يدخل حد إلى صنعاء ونحن على هذه الصفة. ثم قاما وخرجا إلى الإمام فلم يكن غقيب ذلك إلا الخروج إلى ناحية جهران وتبطيل آراء الأمير صارم الدين فبرز الإمام إلى الميدان ثم نهض الجميع منهم إلى بئر الخولاني ثم نهضوا إلى العمري تحت الكميم فلما خيموا بالمعري أمر الإمام على الأمير علي ابن راشد ابن خالد بن عطوة أن يتقدم إلى حدار ويستنهض خاله الشيخ الحسام بن الفضل في كافة أصحابه من سيحان فتقدم حينئذٍ إلى الشيخ المذكور فلما وصل إليه وأخبروه برسالة الإمام فقال مالنا تأخر عن الوصول إلى الإمام فأمسى عندهُ فلما كان بعد مضي شطر من الليل وصل رسول من السلطان الملك المظفر بكتاب إلى الشيخ الحسام بن الفضل وإذا فيه صدورها من الحقل ونحن على المسير إلى صنعاءَ أن شاء الله تعالى ونحن نشعركم الوصول إلينا ونحذركم الاغترار بهؤلاء الشرفاء فسقط في يد الشيخ الحسام بن الفضل ودخل على علي بن راشد فأيقظه من منامه وأوقفه على كتاب السلطان وقال له قم وتقدم إلى الإمام

ص: 169

وأخبرهُ بهذا فما بقي لنا إليه وصول. فلما وصل علي بن راشدٍ إلى الإمام اخبرهُ الخبر فطلب الإمام كافة الشرفاء واخبرهم الخبر فاضطربوا وقالوا للأمير صارم الدين ماذا ترى فقال قد أشرت عليكم في صنعاءَ فلم تقبلوا وأنا اليوم لا آمركم بالإقدام ولا آمركم بالإحجام أن أقدمتهم لم تأمنوا الكسرة وإن احجبتهم فهي كسرة الأحجام ولكن ارحلوا هذه الساعة قبل تشييع الخبر بطلوع السلطان فنهض الجميع منهم من العمري وانحدروا في نفيل الغارة وشاع الخبر بوصول السلطان فاضطربوا وتحيَّرُوا فعادت المماليك إلى صنعاء ثم تقدم الشرفاء فحطوا في معير ونهضوا إلى أفق بكرة يوم الخميس وكان غرضهم النهوض بكرة يوم الجمعة إلى الجبجب فخرج الأمير عز الدين في ستين فارساً تستطلع الخبر فجاءوا وقد حطَّ الركاب العالي في دمار فأغارت خيلهم على أطراف المحطة فأمر السلطان أن لا يخرج إليهم أحد وحرم على الناس الركوب. فعاد الأشراف إلى محطتهم بأفق وقالوا وصلنا إلى السلطان فما خرج إلينا أحد والغالب أن المحطة ضعيفة فأمسوا في محطتهم مسرورين فلما كان صبح يوم الجمعة لم يشعروا حتى أطل عليهم فارس من الخيل فركب الأشراف وما شكوا إنها غارة لأجل غارتهم بالأمس فركب الأمير صارم الدين في نحو من أربعين فارساً وأمر الناس بالوقوف حتى يعود فما كان أسرع من عودته فاجتمعوا إليه وقالوا لهُ ما الخبر فقال هذا الملك المظفر في عساكره وكتايبهِ بعدي فقلوا فما ترى قال ما أرى إلا الصبر والحرب فإنه يوم عصيب. ثم

طلب أهل أُفق وقال لهم اخبروني أَين عورة بلدكم وأَمر الإمام أن يقف في الحصن فإن وقع كسرة كان بعيداً عن القتال. وأما ما كان من أَمر السلطان فإنه لما حطَّ في ذمار وصل إليه الأمير علم الدين الشعبي وقال لهُ يا مولانا السلطان اليوم يوم الجمعة وهؤُلاءِ العرب لا يستخيرون الصلاة إلا بعد الإمام. فإن تأخر عنهم مولانا السلطان إلى بعد الجمعة اجتمع معهم من العسكر ما لا تنحصر وكانت حربهم أَشد. فقال لهُ السلطان دعهم فلانا لا نريد سفك الدماءِ يوم الجمعة وأي أَي حالة

ص: 170

كانوا فإِنهم مهزومون فلم يقبل منهُ الشعبي ما قال بل قام من عندهِ وجمع عسكرهُ وأَخذوا عدتهم وجعلوا طريقهم على باب خيمة السلطان. فأَرسل السلطان إليه أن يقف فلم يفعل بل سار في عسكره نحوهم. فنهض حينئذ السلطان وأَمر العسكر بالركوب وسار نحو أُفق فأَقبل علم الدين الشعبي فقصد الأَكمة التي فيها الأمير داود بن الإمام ثم أَبلت العساكر يتلو بعضها بعضاً ثم أَطل السلطان على الجبل الأسود في شرذمة من عساكرهِ وجنودهِ فكأنما اشتمل الجبل بثوبٍ ابيض غطى جوانبهُ كلها. ولما قصد الأمير علم الدين الأضكمة بعسكرهِ انهزمت الأشراف وحصلت العساكر على الغنيمة العظيمة ونجا الأمير صارم الدين داود بن الإمام وكافة الحمزيين بعد مشقة شديدة ثم أَحاطت العساكر المنصورة بالإمام في الحصن فأَسروه وقتلوا طائفةً ممن كان معهُ منهم الأمير أحمد بن محمد بن حاتم ووزير الإمام القاضي ابن أبي النجم وتمزَّق الشرفاءُ في تلك الأودية وتركوا محطتهم بما فيها ونزلوا عن خيولهم وتركوها قياماً تضطرب في أَرسانها ووصل العسكر بالإمام وسائر الأسرى إلى السلطان فلما وصل الإمام إلى السلطان وهو مكشوف الرأُس سلم وهنأ بالظفر فهنأَه السلطان بالسلامة وأَكرمهُ وآنسهُ وأَمر بستر رأْسهِ. وكان قد همَّ بهِ جماعة من المماليك فزجرهم السلطان وشتمهم واركبهُ بغلةً فكان يسير بينهُ وبين الصاحب بهاء الدين حتى دخل بهِ حصن تعز فأَودعهُ دار الأّدب. فلم يزل بهِ معزَّزاً مكرَّماً يحمل إليه في كل يوم عشرة دنانير ملكية والطعام بكرة وعشية والكسوة لهُ ولمن معه من حريمٍ وخدمٍ بقدر كفايتهم. فقال لقد كان لنا في سلم السلطان غنيً عن حربهِ وكتب عَلَى باب مجلسهِ.

هذي منازل سادةٍ أجواد

ومحلُّ جودٍ شاملٍ وأياد

قصر الخورنق والسدير مقصر

عنهُ وذو الشرفات من سنداد

ولم يزل على الإعزاز والإكرام في مجلسهِ إلى أن توفي في التاريخ الذي يأتي ذكرهُ أن شاءَ الله تعالى وفي هذه الواقعة يقول القسم بن علي بن هُتيْملٍ يمدح السلطان الملك المظفر

بوَّأت حزب الله دار قرار

وأَحلَّ حزب الله دارَ بوار

ص: 171

ووضعت أوزار الذنوب بوقعةٍ

ما حر بها موضوعةُ الأوزار

مشبوبة الطرفين تردي الجحفل ال

جرار نحو الجحفل الجرار

شنعاءَ ما حسَّ الفوارس جمرها

إلَاّ رمت شرراً على الأشرار

هي كالفجار الصعب أو كحنين أو

كالشعب أَو كبغاث أَو ذي قار

راوحت بين الموكبين لراحةٍ

لك في سروج الخيل والأكوار

وسريت في غسق الدجنة طاوياً

بعد المشقة كالخيال الساري

عَجلاً إلى الحرب العوان فحيّها

ركضاً على قدرٍ من الأقدار

لاقى بنو الهادي وحمزة ضعف ما

لاقت سليم بجانب الثرثار

أنسيتهم ما سنَّ عمك فيهم

بالأَمس في عصرٍ بيوم ذمار

عميت قلوبهم ففضت سرابهم

بعمى قلوبهم عن الأبصار

طلبوا ذمار فرد سعدك ذالها

دالاً وأي هزيمةٍ ودمار

حفوا بسيدهم فلما أيقنوا

بالموت طاروا عنهُ كل مطار

صبوا السياط على قوارح خيلهم

هرباً عن المهرات والأمهار

فكأَنهم شُهب البزاة تبللك

بالغيث فانقضَّت إلى الأوكار

نكصوا عن الإقبال من ملمومةٍ

مذ أقبلت نكصت على الأدبار

شمسية عُمرية علوية

جفنية الإيراد والإصدار

شهباءُ محكمة العفاص كأَنها

تحت السنور جنة النعار

فنجوا وإبراهيم يأْمر نفسهُ

بالكر لا بالفر خوف العار

حتى إذا حمي الوطيس وأحصرت

عنهُ السوابق أيما إحصار

حملتهُ مرَّة روحهِ متحصناً

في الحصن لا متخفياً في الغار

لم يلق من يلوي عليهِ ولم يجد

أحداً يقاتل من وراءِ الأحجار

فأَسرتهُ مستبسلا وحفظتهُ

شرفاً بأَفضل حوطةٍ وجوار

جدُّ يفض شبا الصفا بزجاجه

قهراً ويقتل نازلاً بجوار

ص: 172

وأخو الصبابة ما عليهِ غضاضة

في الصبر أن لطمتهُ ذات سوار

أحييتهُ بالعفو ثمَّ لقيتهُ

ببشاشةٍ وسكينةٍ ووقار

ووهبتهُ دمهُ بجاه محمدٍ

ورضى عليّ وجعفر الطيار

لو أن غيرك يا مظفر صادهُ

لكساهُ ثوبي ذلة وصغار

عان طمست قيامهُ ومقامهُ

وتركته خبراً من الأخبار

أغرتهُ بالنقض الغواة فأُهلكوا

وثمود كان هلاكهم بغرار

لو شاور المختار في غزواتهِ

رجعت عليهِ مشورة المختار

يا فرحة البلد الحرام ويا ضيا

جوّ العراق وفرحة الأمصار

جاءَتهم البشرى فكاد سرورهم

يقضي على بادٍ هناك وقار

وكان من قص الصحيفة فيهمُ

بالأسر فض لطيمة العطار

يا يوسف الحسن بن نور الدين يا

ملك الملوك ومالك الأحرار

يا أفضل الحيين في خيرٍ وفي

شّرٍ وفي نقضٍ وفي إمرار

عشقتك أبكار العلى فنكحتها

طفلاً وليس نكاحها بشغار

وإذا بنوك تكنفوك تحيرت

أبصارها في الشمس والأقمار

صور سرى فيها الكمال فأُودعت

ما ليس في بشرٍ من الأبشار

فكأَنها خلقت تعالى الله من

فخرٍ وكل الناس من فخَّار

أخليتم شرقي هذاد وعزة

من راشدٍ ويمين من عمار

وخلا الرياشي بن راشد خيفةً

منكم ولم يكُ حاذراً بحذار

وابن المعثور لو يغيث بعوضة

لحضارةٍ ما بات في عقار

وإذا أردت تلمصاً وطفار لم

يعجزك ملك تلمصٍ وطفار

ماذا أقول وعبد عبدك يا أبا ال

منصور سيد يعرب ونذار

ولما أسر الإمام إبراهيم كما ذكرنا أراد الأشراف أن يقيموا بن هاوس بعدهُ إماماً فكرة فقال الحاي في ذلك قصيدة يمدح بها السلطان الملك المظفر

ص: 173

أقبلت في لجب تسد فضاءَهم

من خلقهم وأمامهم يتجلجل

وإلى ابن هاوس أتوا من فورهم

مستنهضين قيامهُ فاستعجلوا

فأَجابهم وإذا تكون عظيمة

ندعى لها أين الإمام الأول

ولما رجع السلطان من ذمار أمد علم الدين بمال جزيل فسار إلى صنعاءَ وكانت طريق الأشراف يوم هزيمتهم المغارب ولحقتهم مضرَّة شديدة وساروا إلى حصن ذمار المعروف بالخواليين وكان في يد الشريف علي بن عبد الله فأقاموا فيه مدةً والأمير صارم الدين يراسل الإمام مطهر بن يحيى ويستدعيه الإمامة. فلما وصل إليه الزمهُ القيام بالإمامة فدعى إلى نفسه فأَجابهُ كافة الزيدية. فأقام الأشراف مدَّة في بلد بني شهاب على غير قاعدة ثم حصل عقيب ذلك بين السلطان وبين الأمير صارم الدين مراسلات أفضت إلى الصلح فيما بينها فاخرج الأمير صارم الدين الإمام مطهر والشريف علي بن عبد الله وتصوَّراتهم يحفظون الحصون ويحاربون فيها فكان الأمير علي بن بن عبد الله يختلف بن الحصون فتارةً في كوكبان وتارةً في ردمان وأخرى في القاهر وعران.

وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله محمد بن علي بن إسماعيل الحضرمي. وكان كبير القدر شهير الذكر من كرام الفقهاء وخيارهم وكان جواداً كريماً. يروى أنه ما سأَلهُ سائل شيئاً من الدنيا فرده وربما لقيهُ السائل فأَعطاه بعض ثيابهِ حتى أنه كان يأتي عليهِ وقت يعجز فيهِ عن الخروج من عدم الثياب. ويروى أنه عاهد الله لا رد سائلاً قط. حكي أنه سأَلهُ سائل يطلب شيئاً فدخل منزلهِ فلم يجد إلا الطعام الذي تطبخهُ الخادمة فأخذهُ بإنائهِ وذهب بهِ إلى السائل فأَعطاه إياه. وكان الفقيه إسماعيل يعظمهُ ويقول هو أزهدنا وأعلمنا وأَورعنا وامتحن بحصر البول فكان يقل مجالسه الناس لذلك. وكانت وفاته رحمه الله في زبيد يوم رابع المحرم من السنة المذكورة.

ص: 174

وفيها توفي الفقيه الفاضل سعيد بن منصور بن محمد بن أحمد الجيشي بالجيم والياء المثناة من تحتها والشين المعجمة وهو الذي يقال لهُ سعيد بن أَنعمَ وكان أُبوهُ يلقب بأَنعمَ وكان فقيهاً محققاً درس بعد شيخه عمر بن مسعود في مدرسة ذي هريم وأَصل بلدهِ مصنعة سير وكان حسن السيرة وتوفي في السنة المذكورة وقبره عند شيخهِ المذكور في مقبرة صينة رحمهُ الله تعالى.

وفيها توفي الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن موسى المعروف بالحرف. تفقه بابن الرسول وكان قاضياً في ناحية من نواحي أَبين وتوفي بهما في هذه السنة المذكورة رحمهُ الله تعالى.

وفيها توفي القاضي اسعد بن مسلم. وكان من أهل الدين والمروءة شهد له بالخير أَعيان زمانه. ويروى أنه اجتمع برجلي زمانه عمر بن سعد العقيبي وسليمان الجندر رحمهم الله تعالى في بيته فباتا في صلاة وقيام وركوع وسجود. وبات القاضي نائماً قال الفقيه عبيد السهولي وكنت معهم ليلتئذ فتحيرت هل أُوافقهما في الصلاة والقيام أَو أوافق القاضي في النوم وبقيت متردداً فأَوجز الفقيه صلاته ثم سلم وقال لي يا فلان أن صاحبك هذا من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فلا تعلمه بذلك وتزوَّج بابنة القاضي مسعود بن علي فاتت له بابنتين وابن تزوج إحداهما القاضي بهاءُ الدّين والأخرى أخوه حسان ولم يزل القاضي اسعد على أَحسن سيرة إلى أن توفي يوم الأربعاء العشرين من شهر صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.

وفي سنة خمس وسبعين وستمائة تسلم السلطان حصن الريشة في ذي الحجة من السنة المذكورة. وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل عبد الله ابن الفقيه عمر بن مسعود بن محمد بن سالم الحميري وكان فقيهاً عالماً عاملاً كاملاً مبرزاً في جميع أنواع العلوم درس بعد أبيه بمدرسة ذي هُزَيْمٍ إلى أن توفي رحمة الله عليه في السنة المذكورة.

وفي سنة سبع وسبعين حط الأمير علم الدين الشعبي على الحصون الحصورية وهي القاهر وعزَّان فاستمد الشريف علي بن عبد الله بالأشراف فلم يمده أحد منهم إلا الإمام مظهر بن يحيى فإنه جمع جمعاً عظيماً وقصد الشعبي إلى محطته وكان

ص: 175

بالرّعلا. فوصلت عساكره القاهر. وعجزوا عن قصد علم الدين إلى المحطة. فلما رأَوا أمورهم إلى نقصان طلب الأمير جمال الدين علي بن عبد الله لقاءَ الأمير شمس الدين علي بن حاتم وتحدث معه في أَمر الصلح. فقال الأمير جمال الدين خذول لي من مولانا السلطان مائة ألف دينار وأعطوني في رهينة منكم في تسليم المال.

ولم يزل إلى أن اتفقوا على تسليم ألفي دينار ويخرجون من الحصون ويسلمونها فانعقد الأمر على ذلك. وصاحت الصوائح لهم بالذمة. وسلموا كافة الحصون الحضورية وفي شهر رمضان تسلم السلطان حصن ردمان. وخرج من فيه من الأشراف وعاد الشريف علي بن عبد الله على الظاهر والإمام إلى المعازب.

وفي هذه السنة توفي الشيخ والفقيه الإمام العارف بالله أبو الفدا إسماعيل بن الفقيه الصالح محمد بن إسماعيل بن علي بن عبد الله بن إسماعيل ابن أحمد بن ميمون الحميري اليزني نسبةً إلى ذي يزن الملك المشهور. وكانت ولادة الفقيه إسماعيل يوم التاسع من ذي الحجة من سنة إحدى وستمائة ويروَى أنه لما تزوج أمه قيل له يا محمد يأْتيك ابنان محدث ومحدث الأول بفتح الدال. والثاني بكسرها. وكان تفقه بابيه وعمه علي بن إسماعيل. ثم أخذ عن جماعة من الكبار. كيونس بن يحيى والبربان الحصري وغيرهما. وكان نقالاً لفروع الفقه غواصاً على دقائقه. وله مصنفات مفيدة. منها شرح المهذَّب وغيره. ثم ارتحل إلى زبيد لغرض الزيارة في طلب العلم. فتزوج بابنة الفقيه أبي بكر بن حنكاش المقدم ذكره وبابنة الفقيه أبي الخير الذي سيأتي ذكره فيما بعدُ أن شاءَ الله تعالى وغلب عليهِ حب استيطان زبيد. واجتمع به السلطان الملك المظفر غير مرةٍ وسمع عليه البخاري. وولي القضاء الأكبر في تهامة فأقام فيه نحو سنة فاستخلف في القضاءِ من وثق بدينهِ وورعهِ واشترط عَلَى كل قاض إلا يحكم إلا بمحضر من الفقهاءِ. فيقال أنه خوطب يا إسماعيل رضيت بالنزول عن التسمي بالفقه إلى التسمي بالقضاء أو كما قيل. وقيل بل كان كثير التردد إلى تربة الشيخ الصالح أحمد بن أبي الخير الصياد. وكان قد يجد عندها دليلاً على صلاح حالهِ فنوجي هنالك بذلك فعزل نفسهُ من القضاءِ. ومما يروى عنهُ

ص: 176

أنه دخل بيت قاضي زبيد. وكان من خواص أصحابهِ وزوج أُخته. فوجد في بيته ثياباً من الخَزَ. وكان لا يعرف معهُ شيئاً من ذلك. فقال لهُ من أَين لك هذه الثياب فقال من تركتك يا أبا الذبيح فقال ذبحني اله أن لم أعزلك ثم عزله نفسهُ بعده. وكان مبارك التدريس انتفع بهِ خلق كثير من فقهاءِ اليمن. ومن عجيب ذلك ما روي عن الفقيه الصالح محمد بن معطن. وكان من الفقهاء الزهاد قال كنت في بلدي فعرض لي أن اقرأَ النحو فرأَيت في المنام قائلاً يقول لي اذهب إلى الفقيه إسماعيل الحضرمي واقرأْ عليه النحو فعجبت من ذلك لأنهُ لم يشتهر بمعرفةٍ تامة في النحو. ثم قلت قد حصلت الإشارة فعزمت على السفر من بلدي وهي قرية الرقبة من قرى وادي رمع. فسافرت حتى دخلت الضحى. فوجدت الفقيه في حلقة التدريس من أصحابه. فلما رآني سلمت عليهِ فرد عليَّ ورحب بي وقعدت بين أصحابه. فقال لي يا فقيه قد أجزتك في جميع كتب النحو فأّخذت ذلك بقبولٍ وعدت بلدي فما طالعت شيئاً من كتب النحو إلا وعرفت مضمونه ببركة الفقيه رحمه الله تعالى ونفع بهِ.

قال الجندي. واخبرني الثقة عن الفقيه حسن الشرعبي أنه سمعهُ يقول رأَيت النبي صلى الله عليه وسلم في منامي ليلة من الليالي فقلت يا رسول الله من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فقال هم الدرسة فلما كان الليلة المقبلة رأَيته صلى الله عليه وسلم. فقلت يا رسول الله أي الدرسة هم قال هم درسة الفقيه التنبيه والمهذّب. فقلت يا رسول الله فدرسة القرآن قال أولئك أصفياءُ الله. وكانت وفاة الفقيه نفع الله بهِ يوم التاسع من ذي الحجة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.

وفيها توفي الفقيه الإمام البارع أبو عبد الله محمد بن الحسن الصمعي وكان فقيهاً فاضلاً عارفاً متفنناً وغلب عليه فن النحو. وله فيه مصنفات كثيرة مفيدة. وله مصنف في العروض وتفقه بهِ جماعة. وهو الذي درس قبل السرَّاج في المدرسة المنصورية بزبيد. وله عبارات مرضية توفي في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.

وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن حزابة بضم الحاءِ

ص: 177

المهملة وفتح الزاي والباء الموحدة. وكان تفقهه بأَبي شعبة المذكور آنفاً وأخذ شيئاً من الأصول عن السلعاني. وكان سبب تفقههِ أنه اشترى وعاءَين من الأرز من الفقيه أبي بكر بن حجر فأكل أحدهما. ثم لما فتح الوعاءَ الآخر وجده أبو بكر بن حجر احسن من الأول. فاسترجع وقال بعتك ما لم أَرهُ فلا يصح البيع. فحملته الأَنفة على قراءَة الفقه فقراَ على أبي شعبة. ثم أن أَبا بكر بن حجر حدث معه حادث سرور استدعى شيئاً من الزعفران. وكان الزعفران يومئذ معدوماً لا يوجد إلا عند ابن حزابه المذكور. وكان عطاراً فوصل الفقيه أبو بكر بن حجر إليه وعوَّل عليه في شيءٍ منهُ فأَجابه قال يا فقيه بعتك معلومةً من غير نظر الزعفران. ثم استدعى بوعائه فلما فتحهُ قال يا فقيه بعتك ما لم أَره فالبيع فاسدُ. فتوقف أبو بكر بن حجر. وناوله الفقيه دراهمه فأَخذها وهم بالرجوع بغير قضاء حاجةٍ. فذكره ابن حزابة بما فعل معه يوم أرز ثم باعه مراده من الزعفران ولم يرده خائباً. وكانت وفاة ابن حزابة قبل وفاة شيخه أبي شعبة بأيام قلائل في السنة المذكورة والله أعلم.

وفيها توفي الفقيه البارع أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن محمد بن أبي بكر بن حسن بن علي الفارسي بلداً التمي نسباً. وكان أَصل بلده من بلاد فارس دار جرذ بكسر الجيم وسكون الراء وآخره ذال معجمة. كانت فيما تقدم دار ملك فارس. وكان أهل هذا الرجل بيت وزارة ملوك فارس قاله الجندي. قال ونستهم ترجع إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه وارتحل والد هذا الفقيه المذكور من بلد فارس إلى مكة المشرفة فجاور فيها ست عشرة سنة. ثم قدم عدن فتديرها وظهر له فيها الولد المذكور. فلما أَراد الولد الاشتغال قرأَ على السلعاني الفقه والمنطق والأُصول وأخذ عن الصغاني اللغة. وأخذ عن الشريف الطب والمنطق والموسيقى وعلم الفلك وبه اشتهر. وله فيه مصنفات عديدة وله في الموسيقى كتاب دائرة الطرب ورسالة فيها. وكتاب في وضع الألحان. وكتان التبصرة في علم البيطرة ولايات الأناق. في خواص الأَوفاق. وكتاب في معرفة السموم. وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.

ص: 178

وفي سنة سبع وسبعين توفي الأمير الأجل الكبير أسد الدين محمد بن الأمير الكبير بدر الدين الحسن بن الأمير الأجل الكبير شمس الدين بن علي ابن رسول الغساني وكان من أكمل بني رسول في الدين والشجاعة واكرم وعلو الهمة وكان أسداً قوياً شديداً وبقوته يضرب المثل. وكان يقبض على الركاب الحديد فيضم بعضه إلى بعض. وهو الذي رمى الهلال الذي على منارة صنعاء بدبوس من حديد فأسقطه عن مستقره. وكان كريماً جواداً. قل ما قصده إنسان إلا وأناله مقصوده. وأجل عطاءه ورفده وله من الآثار الدينية مدرسته التي في مدينه ابٍ. ومدرسته التي بالحبالى وفيها قبره وقبور جماعة من ذريته. وبنى سدَّا في قرية قرنة. ووقف على الجميع أوقافاً جيدة تقوم بكفاية الجميع. ولما سجنه ابن عمه السلطان الملك المظفر اشتغل بالقراءة فكان يستدعي الفقهاء إلى موضعه فيقرأ لهم ويحسن إليهم لاسيما الفقيه أحمد ابن علي السرددي. أنه كان رأس المحدثين يومئذ في مدينة تعز. فقرأ عليه عدة من مسموعات الحديث. ونسخ عدة من الكتب والمصاحف والمقدمات ووقفها ف عدة من الأماكن ولم يزل على أحسن حال إلى أن توفي يوم الثالث عشر من ذي الحجة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وله عقب كثير. وأولاد من خيرة أولاد الأمراء. وكان افضل أولاده أبو بكر. كان كاملاً عاقلاً متأدياً يقول الشعر حسناً:

إذا لم أقاسمك المسرة والأسى

ولم أجد الوجد الذي أنت واجد

ولم اسهر الليل الطويل كآبةً

فما أنا مولود ولا أنت والد

وهذا البيتان من قصيدة له كبيرة كتب بها إلى أبيه وهو في السجن رحمة الله عليهما. وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو بكر بن يوسف المكني الحنفي وكان فقيهاً جليل القدر مشهوراً ورعاً راضياً من الدنيا بالكفاف وكان عالي الهمة شريف النفس عالماً عاملاً مشهوراً نحوياً متأدياً مترسلاً عارفاً بالطب شيخه في ذلك أبو سواده. وكان يقري أهل المذهبين كما كان شيخه.

قال الجندي اخبرني الثقة من أصحابه أنه قال له يوماً عل قرب من وفاته رأيت

ص: 179

كأن القيامة قد قامت وأحضرت الأئمة بين يدي الله تعالى. وهم أبو حنيفة. ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل. فقال الباري جل جلاله. إني أرسلت إليكم رسولاً واحداً بشريعة واحدة فجعلتموها أربعاً ردوها عليهم ثلث مرات فلم يجبه أحد. فقال له أحمد بن حنبل يا رب أنت قلت وقولك الحق لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً. فقال له تكلم فقال يا رب من شهودك علينا قال الملائكة قال يا رب لنا فيهم القدح. وذلك انك قلت وقولك الحق.) وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض حليفةً. قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء (فشهدوا علينا قبل وجودنا. فقال الباري جلودكم تشهد عليكم. فقال يا رب كانت جلودنا لا تنطق في الدنيا وهي تنطق اليوم مغصوبة. وشهادة المغصوب لا تصح فقال الباري جل جلاله أنا أشهد عليكم. فقال يا رب حاكم وشاهد فقال الله تعالى اذهبوا فقد غفرت لكم. ثم لما كان في السابع عشر من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة. رأى بعض أحبار أهل زبيد أن منارة مسجد الأشاعر قد سارت من مكانها حتى خرجت من المقابر وتغيبت فيها فتوفي الفقيه بعد ذلك وخرج الناس لدفنه فرأى الرائي أن للفقيه قبراً في الموضع الذي غابت فيه المنارة فعلم إنها عبارة عن الفقيه رحمه الله تعالى.

وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله محمد بن سالم علي العنسي بنون بين العين والسين المهملتين. وكان يُعرف بابن التائه تفقه بعمر بن مسعود الأبيني وبالوزيري وأخذ عن المقدسي. واتهم في دينه ولم يزل مهاجراً للفقهاء منافراً لهم حتى أمكنه الدخول على البهاء وهو يومئذٍ متولي الوزارة والقضاء فحلف لهُ أنه ما تغير عن معتقده وأوقفهُ على كتاب صنفهُ في معتقد السلف قبل منهُ بعض قبول. وكانت وفاتهُ ليلة الفطر من السنة المذكورة. وقيل يوم عبد الفطر قبل الصلاة من السنة المذكورة والله أعلم.

وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله محمد بن مسعود بن إبراهيم بن سالم بن أبي الخير بن محمد الصحاوي وكان مولدهُ في النصف من شعبان سنة ثماني عشرة

ص: 180

وستمائة وتفقه في بداءته بابن يعيش وبعبد الله بن عبد الرحمن وأخذ درجة الفتوى بعدهما وارتحل إلى عدة من الأماكن في طلب العلم. وكان رجلاً صالحاً فاضلاً مبارك التدريس خرج من أصحابه ثلاثة نفر تفقه بهم خلق كثير وأجمع الناس على صلاحهم وعملهم وحسن فقههم وربما قدمهم الناس عليه وهم صالح بن عمرو وعبد الله الحساني وأبو بكر بن العزاف فكان يفتخر بهم ويقول ليس لأحدٍ من أهل العصر مثل هؤلاء الثلاثة. أما ابن العزاف فمتقن للفقه وأما صالح فمتقن للفرائض وأما الحساني فهو الفاضل بعدهما. وكانت وفاتهُ بذي السعال في السنة المذكورة رحمهُ الله تعالى.

وفي سنة ثمان وسبعين كان فتح مدينة ظفار الحبوضي وقتل صاحبها سالم بن إدريس وقتل معه يومئذ نحو من ثلاثمائة رجل وأسر خلق كثير. وكن السبب في ذك حدوث مجاعة عظيمة وقحط شام وقع في بلد حضرموت. فما قبل صاحبها إلى سالم بن إدريس وطالبوا منه ما يدفعون به كل تلك السنة عنهم وسلموا إليه مصانع حضرموت وحسنوا له ذلك ورغبوا له في فأجابهم إلى ما طلبوا وخرج معهم إلى حضرموت لثمام ما قد شرعوا فيه وهو أمر لم يسبقه إليه أحد من آبائه ولم يعلم دهاهم ولا مكرهم. فلما أخذوا منه جميع ما طلبوا سلموا إليه المصانع فقبضها وعاد إلى ظفار. ورأى أنه قد أفلح وأنجح. وإن حضرموت قد صارت تحت يده وفي قبضته. فلما رجع إلى ظفار مال أهل حضرموت ميلةً واحدةً إلى مصانعهم فأخذوها طوعاً وكرهاً ولم يكن دونها حائل يحول بينهم وبينها فأصبح لأمال ولا بلد وكاد يهلك أسفاً على تضييع أمواله في غير مواضعها فاتفق من القضاء المبرم أن مولانا السلطان الملك المظفر رحمه الله عليه ندب سفيراً إلى ملوك فارس بهدية جيدة وصحبته جماعة من التجار فصرفتهم الريح ورمت بهم إلى ساحل ظفار فقبضهم سالم بن إدريس وقبض ما معهم من الهدية والأموال والبضائع وسوَّلت له نفسه أن هذا جبران ما فات عليه في حضرموت فراسلهً السلطان بذلك وكاتبهُ وقال لهُ لم يجر بذلك عادة من اهلك ونحن نحاشيك من قطع السبيل وأنت تعلم ما بيننا وبين والدك وما بيننا

ص: 181

وبينك والمكانة يننا وغير أنا نتأدب بآداب القرآن الكريم قال الله تعالى) وما كنا معذبين حتى نبعثَ رسولاً (فازداد غلظةً وجهلاً ورجع الجواب يقول فيه هذا الرسول وأين العذاب وغير ذلك من الجهل ثم لم يكن بعد ذلك إلا أنه أفسد صاحب الشحر راشد بن شجيعة وحملهٌ على العصيان فمال إليه هرباً من الخراج الذي عليه لصاحب اليمن وكان عليه خراج معلوم يحمله في كل سنة إلى الخزانة المعمورة فكان حتفه في سوء رأيه:

والأمر لله رُب مجتهدٍ

ما خاب إلا لأنهُ جاهدْ

ومتق والسهام مرسلةُ

يجيص عن حائص إلى صارد

فخرج الأمر غقيب ذلك إلى والي عدن وهو الأمير شهاب الدين غازي بن المعمار بالتقدم إلى ساحل ظفار بالسواقي والرجال فوصل ظفار ولم تكن حرب طائلة ثم عاد إلى عدن المحروسة. فلما رجع ابن المعامر من ظفار نهض سالم بن إدريس وسولت له نفسهُ الغارة على ساحل عدن ولم يكره ذلك صاحب الشحر. فوصلت غارته في البحر إلى الساحل ساحل عدن وكان السلطان يومئذ في الجند فاستنكر الناس ذلك الأمر من سالم بن أدرس إذ لم يقدم على مثله صاحب الهند ولا الصين ولا ملوك فارس فاستشاط السلطان غيظاً وخرج أمرهُ بعمرة الشواني والمراكب والطراريد وأنواع مطايا البحر وتقدم ركابه العالي إلى ثغر عدن المروس والمقدمين وانفق من الذهب والفضة ما يزيد على عدد الحصى وجهز الأمراء والمقدمين والعساكر المنصورة من الخيل والرجل وملأ البر والبرح خيلاً ورجلاً وأزواداً وسارت العساكر ثلاث فرق فرقة في البحر وهم معظم الرجل فيهم الشيخ فارس بن أبي المعالي الجزائري والشيخ محمد بن محمد بن ناجي والشيخ الهمام بن علي بن غواص المليكي وشمس الدين بن المكبوس والشيخ بدر الدين حسن بن علي المذحجي وهو أكثرهم جيشاً. وكان المقدم على أهل البحر الأمير سيف الدين سنقر الترنجلي نقيب المماليك البحرية. وسارت الفرقة الثانية مع الشيخ بدر الدين عبد الله بن عمرو بن الجنيد وهم العرب وكانوا ثلاثمائة فارس ساروا على طريق حضرموت قهراً على رقاب أهلها وهي مشحونة

ص: 182

بقلاع بني الحبوضي وأحلافهم ولم يكن في تلك الجهة من أحلاف السلطان إلا أبا شماخ والشيخ عمر بن علي بن مسعود وفيهم أيضاً ميل إلى بني الحبوضي.

قال صاحب العقد الثمين وبلغني أن الشيخ بدر الدين عبد الله بن عمرو بن الجنيد وأصحابه ما فارقوا الحرب ليلةً واحدةً حتى عبروا حضرموت وما زال أصحابهُ تخلفون عنهُ حتى وصل إلى ظفار الحبوضي في مائة فارس وثلاثة عشر رجلاً بعد خمسة اشهر من يوم خرجوا من صنعاء. وسارت الفرقة الثانية عن طريق الساحل وهم أربعمائة فارس من المماليك البحرية وحلقة السلطان. وكان مقدم المماليك الأمير حسام الدين لؤلؤ التوريزي وهو أمير العلم المنصور والمقدم على الحلقة الأمير فيروز وكان المقدم على الجميع الأمير شمس الدين أردمر أستاذ دار وقال له السلطان أنت تقتل سالماً أن شاء الله تعالى فأني رأيت فيما يرى النائم أن حيةً عظيمةً خرجت إليَّ من كوة فقلت لك اقتلها يا أردمر فقتلها وعدت إلى مقامك. وكانت طريق الأمير شمس الدين صعبة وعرة لأنها في شواهق الجبال وجبال من كثب الرمل فكان يسير هو ومن معه أضعف السير والمواكب في البحر تسير معارضة لهم فإذا بعدت بهم الطريق فيستريحوا لأنهم يتناولون من المراكب ما أرادوا من الطعام والتمر وسائر الحبوب والحوائج خانات ثم أنواع السلاح من القنا والسيوف والزرد والبيض والخفاتين والسقي والسهام والتراس والأوضاف ومن نعال الخيل واللجم وسائر أنواع العدد على اختلاف أحوالها من المنجنقيات ستة بجميع عددها وآلتها ورجالها وأحجارها. وقال بلغني أنه رست عليهم في البحر ألف قطعة والقطعة عبارة عن الجوالق العظيمة من أنواع الشحن فما فقدت ثم كانت الأسواق في البحر قائمة كأعظم ما يكون من أسواق المدن وفيها من أصناف الطباخين والخبازين وأرباب الصناعات ولم تزل كل فرقة تسير على حسب ما يمكنهم من السير حتى جمع الله بينهم في يوم واحد على بندر ريسوت. هكذا ذكر صاحب العقد الثمين فأقبلت مطابا البحر من الشواني يقدمها الحواسك والسنابيق كأنها العقبان. ثم أقبلت الطرابيد وهي المركب الأعظم

ص: 183

وقدامها السفن وكأنها بعض الملوك والسيوف مسلولة والإعلام منصوبة والطبلخانات راجفة. وفي هذه الطريدة الخزانة السعيدة ومبلغها أربعمائة ألف. وأما القماش من البندقي والسوسي والموصلي والزبيدي شيُ لا يحيط به الحصر فلله دره من ملك ملأت البر والبحر كتائبه ووسعت العرب والعجم مواهبه ورغائبه وبالله أنه أحق قال عمرو بن كلثوم التغلبي حيث يقول

ملأنا البر حتى ضاق عنا

وظهر البحر نملؤُهُ سفينا

ولما اجتمعت العساكر المنصورة في بندر ريسوب كانت الخيل خمسمائة فارس والرجل سبعة آلاف راجل فقال بعضهم لبعض قد رأيتم ما نحن فيه من إنفاق الأموال وركوب الأهوال والتواني حينئذ منا عجز وخور ولم يبق إلا الحزم والعزم فساروا حتى بلغوا عوقد وهي محلة من محال ظفار فارجف عليهم بأن خيل حضرموت وصلت إلى ظفار وكذلك خيل البحرين فتذامروا فيما بينهم وقالوا إنما جئنا للقتال لا لغيره وأين تعز منها ولم يكن ظنهم أن سالم ابن إدريس يبرز إليهم فينا هم كذلك إذ أقبلت عساكر ظفار يقدمها سالم ابن إدريس فلما رآهم العسكر المنصورة تأهبوا للقائه فصف لهم على بعدٍ من المدينة وصفوا له. فكان الشيخ عبد الله بن عمر بن الجنيد وأصحابه في الميسرة وكانت الحلقة في الميمنة وكان الأمير شمس الدين أردمر في القلب ولم يكن بأسرع من أن التقوا واصطدموا صدمةً واحدةً فجالت العساكر المظفرية جولة واحدة ابتلعت منها نحواً من خمسين فارساً. ثم كانت الهزيمة فما نجا من أهل ظفار إلا من استأسر فقتل منهم نحواً من ثلاثمائة قتيل وأسر منهم نحواً من ثمانمائة أسير وأخذ من العبيد ما شاء الله. وقتل سالم بن إدريس فيمن قتل ولم يكن له قاتل واستبق الناس إلى باب ظفار.

وكان الأمير شهاب أحمد بن أردمر قد تركه أبوه في المحطة فجاءَ العلم منهً ليلاً إلى أبيه والأمراء مجتمعون على باب المدينة بان رأس سلم بن إدريس قد صار عنده.

ص: 184

وقيل بل عرف أخوه موسى مصفحة وملوظته فقال هذا مصحف أخي وما أظن أخي إلا مقتولاً فطلبوه بين القتلى فوجدوه قتيلاً فحمل وقبر بعد أن أخذ رأسه. وكانت الوقعة يوم السابع والعشرين من رجب من السنة المذكورة.

وطلب أهل ظفار الذمة فأذم لهم الأمير شمس الدين أردمر ودخلت الأعلام السعيدة المظفرة مدينة ظفار يوم الأحد الثامن والعشرين من الشهر المذكور. ووقع العفو عن الناس كلهم ولا يؤخذ لأحد منهم شيء واختطب الخطباء على منابر ظفار بالألقاب الشريفة المظفرية في يوم الجمعة الثالث من شهر شعبان. وتسلم العسكر السلطاني مدينة شيام في حضرموت يوم الثامن من شهر رمضان وقبض كافة بني الحبوضي يوم السادس والعشرين من شهر رمضان من قصر ظفار وأرسل بهم الأمير شمس الدين أردمر إلى الأبواب الشريفة فأمر السلطان بحملهم إلى زبيد فلم يزالوا تحت الصدقات السلطانية حتى انقرض آخرهم ولم يبقَ منهم أحد في وقتنا هذا.

ولما افتتح السلطان رحمه الله مدينة ظفار في التاريخ المذكور كما ذكرنا وقتل سالم بن إدريس ارتعدت الأقطار القصية هيبةً للسلطان وامتلأت من خوفه قلوب ملوك فارس وأصحاب الهند والصين لما رأوا من علو همتهِ وعظيم نقمته. أرسل صاحب عمان بهديته فرسين ورمحين إلى الأمير شمس الدين أردمر وهو يومئذ في ظفار ووصلت هدايا صاحب الصين ووصل صاحب البحرين إلى زبيد ورتب الأمير شمس الدين أردمر في ظفار نائباً وهو الأمير سيف الدين سنقر الترنجلي وجعل الحسام التوريزي معه وعدهُ من مشاريخ العرب ومقدمي الرجل وعاد إلى اليمن.

وقال صاحب السيرة المظفرية يمدح الملك المظفر من قصيدة طويلة منها هذا

فاسأل به الأيام فهو عقيدها

والعلم فهو مصنف ومؤَلف

واسأَل شَبَام وحضرموت ومن بها

أَو عبد يوسف صادق أَم مخلف

أَم راضها بالسيف اغلب لم يزل

للحق ينصف والأَعادي ينسف

إذا أصبحت ببقاع حريم خيلهُ

كالطير للمهج الكرائم يخطف

ص: 185

يرمي العدى بشواظ كل مثقف

فيهِ لمعوجّ الطغاة مثقّف

فهناك ما بيتُ نعى بتهامةٍ

إلا بسيف أبي الممهد تقطف

من لا يفوت عليهِ نيل مرامةٍ

لو أنه خلف الكواكب يقذف

هو في الأعابد كالأقارب حاضرُ

كالشمس من كل المطالع تشرف

ومن الملوك الصيد تحت لوائهِ

فرق وأُخرى في حديد ترسف

ليست ظفار بمعظم في ملكه

بل في مواهبهِ تهون وتضعف

كالبحر ليس يزيد في أمواجه

نهرُ وليس يضرُّهُ من يغرف

أظفار بدع من مدائن حازها

بالسيف لا تحصي ولا هي تحصف

أَم تلك بدع من حصون شواهق

تبدو فتنكر في النجوم وتعرف

ألقت بساحتك الرحال ملوكها

فبظل بابك شملهم متأَلف

أَدنيت قاصيهم فككت أَسيرهم

أَلبستهم أَمنت من يتخوَّف

هي عادة لك من قديم لم تزل

للذنب تغفر والشدائد تكشف

كم من ملوكٍ قد أضعت دماءَهم

لما عصوك ولم تُضِع من خلفوا

قال صاحب العقد الثمين وقال أخوه كندة مهنئاً للسلطان الملك المظفر رحمة الله عليهِ: بسم الله الرحمن الرحيم) فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقاً علينا نصرُ المؤمنين (مطالع صدق بالنصر نورها. وتباشير صدق تضاعف على العالمين سرورها. وسطوات ملك دفع من البدعة بطلها. وجيوش نصر عقدت الأرض لمشارق قساطلها. وهدمت من ربوع البغي منزالها. حتى حلت الخسار. ونزلت بوائق البوار. بمن نهض فلم يقدر. وزاحم فلم يصبر. فالحمد لله الذي حبا لمولانا المقام الأعظم السلطاني العالمي العاملي الجوادي الرحيمي الملكي المظفري خلد الله ملكه في عصور الأزمان ومعاطف الملوان وهذا الفتح المبين. واخمد بسيفه نار المبطلين.

وليست ببكر لم يرَ الناس مثلها

ولكن علوان كان مثل لها قبلُ

ص: 186

وحين وردت البشارة وضح الحق للمرتابين. وازدادت طمأنينة قلوب المطمئنين.

وعاين الناس هاماتٍ مقطعة

جاءت من البحر تسري بين أمواج

تؤُمها هامةُ كانت متوَّجةً

أَودى بها الملك الصنديد ذو التاج

ساق المظفر جيش النصر من عدَن

يأْتم في البحر أفواج بأفواج

وأَفعمَ البرَّ حتى ضاقَ واسعهُ

بجحفلٍ لجب الأصوات عجَّاج

من كل معاجةٍ تعدو وتسكنها

وكل نهدٍ حموم السد معاج

كتائبُ لأبي المنصور ما فترت

لفرط أينٍ وتهجيرٍ وأدلاج

تشق في فلوات البيد سابحه

بحراً من الرمل إلا أنه ساج

يا طول ذلك من جلٍّ ومرتحل

وكثر شدٍ والجام وأسراج

حتى وردت ظفاراً بعد ما نبذت

ما في البطون من أفلاءٍ وأمشاج

وبعد أن عقدت في عوقد فتناً

ما كان سالمها بالسالم الناج

ما أنعلت ثم حتى منهم انتعلت

نصالكم من دم الأجواف ثجاج

تعساً لسالم من غاوٍ لقد سلكت

بهِ الغواية نهجاً شرَّ منهاج

فصار مورد أمرٍ غير مُصْدِره

وصار ولَاّج حربٍ غير خرَّاج

أضحت بعوقد منهُ جثة طرحت

والرأْس في كل أرض فوق معراج

رام المضاهاة جهلاً فاعتدى سفهاً

ولا مضاهاة بين الدرّ والعاج

ولا زالت الثغور معمورة. والجيوش مؤيدة منصورة. وعقود التهاني منتظمة السلوك. والجنود المظفرية قافلة بجماجم الملوك. ما همر ركام. وسجع على فروع الأيك حمام.

ولما افتتحت ظفار كما ذكرنا انقادت حضرموت فجعل السلطان أميرها محمد بن محمد بن ناجي فأقام مدة ثم رجع إلى تعز فقيل له كيف عاملت أصحاب حضرموت قال لما حللت بشبام زاحمني رجل يقال لهُ يماني أعظمهم رجلاً فجمع عسكراً عظيماً لقتالي وجمعت أيضاً عسكراً لقتاله وطاولته في الحرب حتى انفق ما كان

ص: 187

عندهُ من صامت وناطق ولم يبقَ عندهُ شيءُ وكنت استمد من مولانا السلطان فلما لم يجد شيئاً ينفقه على من معه وصلني بنفسه فلما أناخ بعيره على باب داري ودخل الحاجب يستأذن لهُ فقلت لهُ يصل. فلما دخل عليَّ قال لي أعلم لما أردت الخروج إليك أشهدت جماعة أهل بيتي إني عل ذمة ابن رسول وذمتك يا محمد قل فقلت لهُ وهما عليك ثم أكرمتهُ وأحسنت إليه وجعلت لهُ موضعاً بكفيه وعاد إلى أهله على أحسن حال فجرى على ذلك النمط أربعة أقوام أحاربهم حتى يؤدوا أنفسهم إليَّ وبعد ذلك لم يرفع رأسه إليَّ أحد من أهل حضرموت.

وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل أبو محمد سعيد بن أسعد بن علي الحراري واصل بلده قرية المراح في راس وادي نخلان وكان حافظاً لكتاب الله تعالى في ذي أشرق وكان حسنَ الصوت والخط فاستدعته الدار النجمي إلى ذي جبلةَ فصار بينهم معلماً عندهم. وكان السلطان الملك المظفر يختلف إليهم في أيام أمريته فحصلت بينهم وبينه معرفة فلما صار الملك إليه سأل من عمته الدار النجمي أن تؤثره به ففعلت فجعله معلماً لولده الأشرف فنال نصيباً وافراً من الدنيا وكان كثيراً ما يصدهُ عن أمور غير لائقة. فلما توفي ترحم عليه الأشرف وقال لقد كان يردنا عما لا يليق بنا. وهو الذي عمل الحوض الأسفل من النقيلين وجرَّ إليه الماءَ. وكان الغالب عليه الخير وصحبه الفقيه إسماعيل الحضرمي وأمثاله. وكانت محاضرة عند الأشرف جيدة وتأهل بامرأة من أهل السمكر واستوطنها. ولم يزل بها إلى أن توفي في شهر شوال من السنة المذكورة وكان له ثلاثة أولاد أكبرهم عمر خدم الأشرف سنتين. ثم صحب الفقيه أبا بكر التعزي الآتي ذكره وشغف به فترك الخدمة وتزهد وبعد ذلك سلك الطريق المعتادة. واشتغل بالزراعة وغيرها إلى أن توفي لعشر بقين من جمادى الأولى من سنة سبع وسبعمائة. وكان أخوه اسمه عل بن سعيد وكان كثير التلاوة للقرآن. واعتزل الناس حتى توفي سنة ست عشرة وسبعمائة. وكان اسم ابنه الثالث محمد رحمهم الله. وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو زكريا يحيى بن عثمان بن يحيى بن فضل بن اسعد بن حمير بن جعفر بن أبي سالم المليكي. وكان ميلاده آخر

ص: 188

نهار الجمعة الخامس من شهر صفر من سنة سبع عشرة وستمائة. وتفقه بابيه. وكان فقيهاً خبيراً كاملاً عارفاً ورعاً فاضلاً. واليه انتهت رئاسة التدريس بعد إيابه وكان ذا دين. وورع وزهد وفضل وكرم نفس درس في المدرسة الشرقية في جبلة وكان يطلع بلده أيام الحصاد فيقف شهرين هنالك. ثم يقطع من نفقته في المدرسة نصف الشهري بغيبته عن المدرسة. وإذا قبض ما يستحقه إنما يصرفه على المحتاجين من طلبة العلم. ولم يزل على أحسن سيرة إلى أن توفي في النصف من صفر من السنة المذكورة. رحمه الله تعالى.

وفي سنة تسع وسبعين كانت الفرحة السعيدة فاستدعى السلطان رحمه الله الأمر علم الدين سنجر الشعبي إلى محروسة زبيد. واستدعى كافة الأشراف الحمزيين إلى أبوابه السعيدة. فلم يصل منهم إلا الأمير جمال الدين علي بن عبد الله بن الحسن بن حمزة. والأمير عز الدين محمد بن الأمير شمس الدين أحمد بن الإمام المنصور عبد الله بن حمزة. واعتذر الأمير صارم الدين داود بن الإمام. وسائر الشرفاء. فلم يزل الأمير عز الدين والأمير جمال الدين على الأبواب الشريفة بسبب الفرحة كما ذكرنا. فقبض الأمير صارم الدين داود بن الإمام عبد الله بن حمزة حصينهما. وكان لعز الدين تعز صعدة. فطلع الصاحب بهاء الدين محم بن اسعد العمراني محاكماً للأمير صارم الدين داود فحط بالجنان بالنون وكان الأمير صارم الدين بالمصنعة الجبل المطل عليها. فكانا يلتقيان على الثالث والرابع. والأمير علم الدين في صنعاء فلم يتم بينهم أمر ورأى الصاحبي من تعجرفهم وأدلالهم بكثرة عساكرهم وسوء فعالهم ما غاظه فكتب إلى السلطان يعلمه بذلك. فرد جواب السلطان يقول أن لم يدخلوا فيما قد شرطوه فانبذ إليهم وأشعرهم النقض فتوقف الصاحب عن النقض رجاء أن يعودوا ورجع إلى اليمن.

وفي هذه السنة استعاد السلطان حصن كوكبان من الخواليين بحصن ردمان واثنين وعشرين ألفاً. وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو الحسن أحمد بن أسعد الأصبحي الفقيه الخطيب وكان فقيهاً صالحاً ذا دين وصلاح وورع وكان خطيب القرية المعروفة

ص: 189

بالذمتين. وكانت وفاته ليلة الجمعة لست بقين من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة. وهو والد الفقيه الإمام أبي الحسن علي بن أحمد الأصبحي صاحب المعين. وسأذكره في موضعه أن شاء الله تعالى.

وفي سنة ثمانين وستمائة وقع النقض بين السلطان والأشراف فنزول الأمير جمال الدين علي بن عبد الله والأمير عز الدين محمد بن أحمد بن الإمام إلى الأبواب الشريفة. فلم يزالا هنالك حتى انفصل أمرهما على تسليم حصينهما المنقاع وتعز صعدة. فقبضهما نواب السلطان في المحرم أول سنة إحدى وثمانين وستمائة.

وفي هذه السنة المذكورة اعني سنة ثمانين وستمائة. توفي الفقيه الإمام الحافظ أبو الخير بن منصور بن أبي الخير الشماخي السعدي نسباً الحضرمي نزيل زبيد. وكان فقيهاً إماماً حافظاً عارفاً. أدرك جماعة من الأكابر وأخذ عن أصحاب السلعة بمكة كابن الجميزي بجيم مضمونة وميم مشددة مفتوحة وياء مثناة من تحتها وبعدها زاي ثم ياء النسب. وأخذ عن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عراف صاحب احور عن يحيى بن أبي نصير الطفاوي عن الإمام القلعي وتطلع على علوم كثيرة منه الفقه والنحو واللغة والحديث والفرائض والتفسير. وصنف ما يدل على جودة معرفته. وأخذ عن الإمام بطال بن أحمد الزكي. ولم يكن في آخر عمره نظير في جوده العلم وضبط الكتب بحيث لا يوجد له في آخر عمره نظير في الضبط.

قال الجندي أخبرني في جماعة ممن أدركه أنه كان لا يوجد إلا وعنده كتاب ينظر فيه ومحبرة وأقلام يصلح بها ما وجد في الكتاب من غلط أو سقط أو تصحيف وكانت وفاته بزبيد في سنة ثمانين وستمائة وعمره يومئذ سبعون سنة وجمعت خزانته من الكتب ما لم يجمعه أحد من نظرائه. ويقال أنه كان فيها مائة أم سوى المختصرات والله أعلم.

وفيها توفي الفقيه الكبير يحيى بن عبد الله بن الفقيه الكبير محمد بن يحيى. وكان فقيهاً محققاً ذا كرامات ومكاشفات وبه تفقه جمة كثير وقصده الطلبة من نواحٍ شتى وقصده فقهاءُ تعز. وكان رأسهم يومئذ أبو بكر بن آدم الجبرتي الذي تقدم ذكره فأَخذوا عنه البيان. قال الجندي وكانت وفاته على طريق البيت سنة ثمانين

ص: 190

وستمائة. أخبرني بذلك فقيه جبار وحاكمها والله أعلم.

وفيها توفي الفقيه أبو الحسن علي بن محمد بن منصور الجنيد وكان فقيهاً تقياً خيراً تفقه بحسن بن راشد وبعمر بن يحيى وغيرهما ثم امتحن بقضاء ذي اشرق واليه انتهى تدريسها فذكروا أنه كان يوماً جالساً في مجلس التدريس فقال لأصحابه اليوم نحن فقهاء وغداً نكون صوفية. فلما كان من الغد قدم عليه رجل من أهل بعدان صوفي من أصحاب الشيخ عمر بن المسن يقال له جبريل فقال له يا علي كن معنا ومد يده إليه فحكمه ثم نصبه شيخاً وأَذن له في التحكيم. وكان الفقيه أبو بكر التعزي يومئذ في أول ظهوره وتعرضه للشهرة. وتظاهر بصحبة الصوفية ومحبتهم. وكان يومئذ شاباً فوصل إلى هذا الفقيه وتتلمذ له وكان من اظرف الناس في اجتلاب القلوب إليه فاحبه الفقيه علي لأنه يتواضع له ويعظمه ثم اجلبه إلى تعز وتلطف له بتدريس المدرسة الأسدية في معزية تعز. فأَجابه إلى ذلك. فنزل ودرس بها مدة ولم يزل إلى أن توفي في مستهل ذي الحجة من السنة المذكورة والله أعلم.

وفيها توفي الفقيه أبو بكر بن عبد الله الريمي وكان فقيهاً كبيراً تفقه بعلي بن قاسم الحكمي. وتفقه به جماعة كثيرون كأحمد بن سليمان الحلمي وعمه عيسى وغيرهما فكانت وفاته في السنة المذكورة تقريباً. قاله الجندي قال وخلف ولدين فقيهين هما عبد الله ومحمد. فكان عبد الله معيداً فيها مدة ثم حصل عليه بن أيمن وجعل مكانه الفقيه محمد بن أبي بكر الناشري ليستعين به في نيابة الحكم إذا خرج إلى بلده والله أعلم.

وفيها توفى السلطان أبو السمو العلاء بن محمد بن العلاء الوليدي الحميري قال الجندي واصل بلده عفينة بفتح العين المهملة وكسر الفاء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون وآخر الاسم هاء وهي من معشار تعز سكنها جماعة من قومه يعرفون بالأحاصر أهل رياسة مباثلة وانتقل إلى السمكر وكان يختلف إلى الجند وزيران وجبلة والى تعز ونواحيها وجبا. فأَخذ في أجند عن ابن المبردع وغيره وأخذ بزيزان عن ابن رفيد وبتعز عن علي السردي وغيره وبنواحي جبا عن أحمد بن علوان

ص: 191

وبجبلة عن محمد بن مصباح وكان رجلاً صالحاً بورك له في دينه ودنياه وكان الشيخ أحمد بن علوان يثني عليه وبوده وأجازه في جميع مقروءَاته ومسموعاته ومنظوماته ومنثوراته.

ومن عظيم ما كان بينه وبين الشيخ أحمد بن علوان من الألفة والمحبة أنه متى انقطع عن الوصول إليه والزيارة له وصله الشيخ إلى السمكر وأقام عنده أياماً. قال الجندي توفي على رأس ثمانين وستمائة وهي السنة المذكورة.

وفي هذه السنة أيضاً توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله الحسين بن علي بن عمر ابن محمد علي بن أبي القسم وكان مولده لخمس بقين من جمادى الأولى من سنة ثمان وستمائة تفقه ثم غلبت عليه العبادة.

ويروى أنه في أيام قراءَته ترتب في مدرسة عومان مع الفقيه يحيى بن سالم فذكروا أنه باع شيئاً من كليته بدراهم ثم ربطها في طرف ثوبه ثم احتاج أن يأْخذ شيئاً منها لبعض الأمر فلما فتح عنها وجدها عقارب فلفظها من ثوبه ولم يعد بعد ذلك إلى أخذ طعام المدرسة. وكان يكثر زيارة القبور ومتى صار في طرفها خلع نعليه وحملهما في يده ولم يزل على أحسن صورة إلى أن توفي يوم الخميس ثامن عشر المحرم من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.

وفيها توفي الفقيه الصالح يعقوب بن محمد التربي نسبة إلى قرية من قرى وادي زبيد يقال لها التربة بضم التاءِ المثناة من فوق وسكون الراءِ وفتح الباءِ الموحدة وآخر الاسم هاءُ. ثم انتقل إلى موزع فتفقه بها على الفقيه بكر بن علي بن يحيى وكان على طريق الورع الكامل يزار للتبرك وينتفع به. وكان يدخل على نساء العرسانيين للشهادة في النكاح وغيره ولما اقطع السلطان المظفر ولده الملك الواثق موزع وكان قد نزل إليها فأقام بها مدة بلغه علم صلاح هذا الرجل فزاره إلى بيته نهاراً فلم يشعر الفقيه حتى قيل له هذا الملك الواثق صاحب البلد على الباب يستأذن عليك في الزيارة فأذن له فلما وصل سلم عليه فرد عليه الفقيه السلام ورحب به فسأله الدعاءَ فدعا له ثم خرج فتعب الفقيه من ذلك اشد التعب. ثم سأَل الله

ص: 192

تعالى ان ينقله فلم تطل أيامه بعد ذلك فتوفي. وكانت وفاته في السنة المذكورة تقريباً كما قال الجندي والله أعلم.

وفيها توفي الشيخ الفاضل عمر بن الشيخ الصالح مدافع بن أحمد بن محمد المعيني وكان محبوباً عند أبيه ونال منه حظّاً وافراً. وكان لا يقصده أحد بسوءٍ إلا وبلي بلاء ظاهراً. وكان من المترفين يلبس الثياب الفاخرة. ولم يزل مجللاً محترماً عند السلطان إلى أن توفي وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وكان والده الشيخ مدافع بن أحمد ممن فتح اله عليه بالدين وأخذ يد التصوف عن الشيخ ابن الحداد نحو أَخذه عن الشيخ الجليل عبد القادر الجيلاني. وكان مدافع بن أحمد ممن اجتمع الناس على صلاحه وكماله. ولما فقد الشيخ أبو العيث بن جميل شيئاً من أحواله وصل إلى الشيخ مدافع وأَقام عنده في قرية الوجيز في مسجد قريب من بيته فأعاد الله عليه ما فقده وصحبه جماعة من أعيان الصوفية كعثمان بن سادح وعلي المرميمة وعمران الصوفي من عبلة وغيرهم. وكان الملك المسعود ابن الملك الكامل يومئذٍ صاحب اليمن من قبل أبيه وكان كثيراً ما ينزل من الحصن فيقف في الميدان أَو في المطعم يطعم الجوارح الصيدية فرأَى العسكر يروحون طريق الوجيز فسأَل عن ذلك فقيل لهُ انهم يروحون لزيارة رجل من الصوفية كبير الحال فبحث عنهُ فقيل لهُ أنهم يروحون لزيارة رجل من الصوفية كبير الحال فبحث عنهُ فأُخبر أن لهُ قبولاً عظيماً عند سائر الناس فأَحب أن يطلع على أمره واظهر أن غرضهُ زيارتهُ ووصل إلى بابهِ. وكان من عادة الشيخ مدافع أنه لا يجتمع بهِ أحد من الناس من أّذان الصبح إلى قريب من الزوال فوصل الملك المسعود إلى بيت الشيخ والشيخ مقبل على صلاة الضحى فوقف على الباب ينتظر الأذن والشيخ في صلاتهِ لم يعلم بوصوله فلما طال وقوفه على باب الشيخ وكلما خرج أحد من الفقراء قال الشيخ مشغول والساعة يخرج. اغتاظ من ذلك ورجع قبل أن يعلم به الشيخ وتوهم أنه ربما حدث منهُ ما حدث من رغم الصوفي فأمر بقبض الشيخ مدافع فقُبض وكان قبضهُ في عشرة رمضان من سنة سبع عشرة وستمائة فأقام محبوساً في حصت تعو إلى سلخ شهر ربيع الأول من سنة ثماني عشرة وستمائة ثم سفر به إلى الهند فدخل بلد الدنيول فأقام بها

ص: 193

شهرين وثلاثة أيام ثم خرج منها لثلاث خلون من شهر رمضان سنة ثماني عشرة وستمائة ثم دخل ظفار فأقام بها ثمانية عشر يوماً وتوفي هناك رحمه الله تعالى.

وفي سنة إحدى وثمانين طلع الأمير جمال الدين علي بن عبد الله وخرج الأمير علم الدين الشعبي في عسكر وساروا جميعاً إلى الظاهر فحط الأمير على الدين الشعبي على الكولة وشرع في عمارتها ومعه الأمير عز الدين وحط الأمير جمال الدين علي بن عبد الله على حصن كحل وأشيح الظاهر الأعلى فأخذهما في اقرب مدة وعاد الأمير علم الدين إلى محطته وقد رتب في الدخصة والحبسيين والذروة بعض النقاء في عساكر جيدة. ثم رتب الشريف علي بن عبد الله بالكولة مائة فارس وألف رجَّال وأضاف إليه سائر الرتب ونزل هو والأمير علم الدين نحو سوانة ولم ينقل الأمير علم الدين محطته من الكولة إلا بعد سنة حتى استقامت أمور الرتب على ظفار من الناحية العليا ثم نهض إلى الناحية السفلى في سوانة هو والأمير عز الدين فعمر درب سوانة وشحنه ورتب فيه الأمير عز الدين في الناحية السفلى.

وفي هذه السنة توفي الأمير الكبير شمس الدين علي بن يحيى العنسي نسبة إلى عنس من مذحج بنون وهي من قبيلة كبيرة من قبائل مذحج. وكان لهُ من السلطان نور الدين مكانة عظيمةُ وحمل طبلخانة وقطعهُ إقطاعاً جيداً وكان السلطان نور الدين ابن عمتهِ وقيل ابن أخته ولم يزل معززاً مكرماً إلى أن توفي المنصور واشتغل الملك المظفر بالملك فمال إلى أولاد عمه أَسد الدين وأخيه فخر الدين فلما لزم فخر الدين وحبسه المظفر كما ذكرنا أولاً كتب إلى أسد الدين يحثه على القيام واستنقاذ أخيه من السجن ويقول

لو كنت تعلم يا محمد ما جرى

لشَنَنْتها شعث النواصي ضُمَّرَا

جرداً تراها في الأَعنَّة شُرَّباً

تفري السباسب والنبات المقفرا

ترمي بها دربي تعزّ على الوجى

لتقيم عذراً أَو تشيّد مفخرا

فأجابه ابن دعاس بأبيات احسن منها لا اذكر منها إلا بيتاً واحداً قوله

انظر إلى عدنٍ أطاعت أمرهُ

والى تعز ومكةٍ أم القرى

ص: 194

ولما بلغ شعر علي بن يحيى إلى السلطان الملك المظفر تغافل عنهُ وأبقاه على حاله إلى أن مات المنصور وهو عليها وفي نفسهِ شيءُ عظيم فلما كانت سنة ثمان وخمسين تعب أسد الدين من كثرة الخلاف على ابن عمه وخشي من العرب القتل أو الأسر فأرسل إلى السلطان يريد الصلح فطلب السلطان يومئذٍ الأمير شمس الدين علي بن يحيى وأرسلهُ إلى أسد الدين ليسعى في الصلح بينهُ وبين السلطان فطلع إليه رسولاً بسبب الصلح فنزلا معاً. وكان السلطان يومئذٍ في زبيد فلما وصلا إلى زبيد أخلى لهما موضعاً من الدار فنزلا فيه ثم أمر بالقبض عليهما في آخر يومهما ذلك فقبضا. وأرسل بهما إلى حصن تعز ولم يزالا في السجن إلى أن توفيا رحمة الله عليهما.

وكان علي بن يحيى رجلاً كريماً شاعراً فصيحاً وكان يحب الفقهاء والصالحين ويحسن إليهم كثيراً وكان مع صحبتهِ لهم يتواضع لهم ويتأَدب معهم ويقبل شفاءتهم وكان مهما أمره به الفقيه ائتمر. وكان الفقيه يدعو له ويذكره بالخير فقل للفقيه إذا هذا رجل ظالم فقال أن دخل علي بن يحيى النار فإنها صحبة حمار بن والله لا مات إلا طاهراً مطهراً فقيل له وما تطهيره قال القيد والحبس فتما عليه ومات مسجوناً وعلم صدق ألفيه. وكانت وفاتهُ يوم الاثنين سلخ شهر صفر من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وكان قد ابتنى مدرسة في بلده ووقف عليها وقفاً جيداً حاملاً لكل أولاده فلما افتقروا عادوا إليه واستأثروا به والله أعلم.

وفيها توفي الفقيه الفاضل عبد الله بن أبي بكر بن مقُبل لدين وكان مولده سنة ثمان وثمانمائة وتفقه بجدهِ أحمد وكان زميله في الدرس والقراءَة عمر بن الحداد وعرض عليهِ بنو عمران ولاية القضاء بعدَن وقد كان جدهُ بها فامتنع وكره ذلك وكانت وفاتهُ في قريتهم التي تسمى عرج في شهر رمضان من السنة المذكورة رحمهُ الله تعالى.

وفيها توفي الفقيه النبيه جمال الدين محمد بن حسين بن علي بن المحترم

ص: 195

الحضرمي وكان فقيهاً فاضلاً أديباً لبيباً غلب عليهِ فن الأدب وكان خطَّاطاً مجيداً فسأَل المظفر عن رجل يصلح لتعليم ولده المؤَيد فأرسل إليه فاستدعى به وأمره بالتعليم فعلم وأجاد وكان المؤَيد ببركة تعليمهِ من أعيان الملوك عقلاً ونبلاً. وكانت وفاته ليلة الاثنين مستهل الحجة من السنة المذكورة.

وفيها توفي الفقيه الصالح عبد الله بن محمد بن علي بن إسماعيل بن علي الحضرمي وكان فقيهاً صالحاً مباركاً ذا كرامات مشهورة. ومن غريبها ما ذكر أنه مرَّ على باب السلطان بزبيد نوَبة خليل تضرب ومن العادة أنه لا يستطيع أحد أم يمرَّ هنالك لا راكباً ولا ماشياً ما دامت تضرب فمرَّ الفقيه راكباً ولم يقل له أحد شيئاً فعجب الحاضرون من ذلك. وكان مبارك التدريس درَّس بالمدرسة الشمسية بذي عدينة من تعز وكانت وفاته في العشرين من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة.

وفيها توفي الإمام الكبير محمد بن نجتح وكان من أمراء الدولة المظفربة ولهُ طبلخانة وإقطاع جيد وهو الذي ابتنى المدرسة المعروفة بالنجاحية بالناحية الشرقية من المغربة في مدينة تعز وأوقف بتعز وأخرى بالجَند وكان كثير فعل الخير والمعروف وامتحن في آخر عمرهِ بالعمى وأقام كذلك مدة ثم توفي يوم الاثنين ثامن القعدة من السنة المذكورة وخلف ابناً اسمهُ " كذا في الأصل عاش بعدهُ سنة وستة أشهر " ثم توفي في جمادى الأولى من سنة ثلاث وثمانين وستمائة ولم يعقب وله ذريةُ من قبل النساء يعرفون ببني السلاح.

وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله الحسين بن محمد بن أحمد بن مصباح بن عبد الرحيم الأحولي. وكان فقيهاً فاضلاً زاهداً ورعاً شريف النفس عالي الهمة حسن المقابلة. وكانت وفاتهُ في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.

وفي سنة اثنتين وثمانين انهدم القصر بصنعاء على الأمير علم الدين سنجر الشعبي فمات هو وجماعة ممن كان معهُ تحت الهدم.

وحكى صاحب العقد في كتابهِ قال كنت ممن حضر يومئذٍ في المجلس مع الأمير

ص: 196

علم الدين دخلت إليه يومئذٍ ومجلسهُ يغصُّ بالناس فحضر غداؤُهُ فتغدى الناس معهُ وانقضت حوائجهم وخرجوا ولم يبقَ في المجلس إلا الأمير علم الدين وصهرهُ محمد بن يزيد ومملوكان للأمير صغيران وأبو بكر بن عمار وكاتب الأمير وقاضي الشرع عمر بن سعيد وأنا وأخي علي بن حاتم. فوقفنا إلى أن أذن المؤَذن للعصر فقام الأمير فصلى وعاد إلينا ثم قال لمملوكه احمل الماءَ للجماعة يصلون فطهرنا وصلينا ثم عدنا إلى ما كنا فيه من الحديث فلم نشعر إلا ودخل علينا غبار من أقرب الشبابيك إلى الأمير فقام وسأَل مملوكه ما سبب ذلك الغبار فانتثر علينا غبار وتراب من السقف فهممنا بالخروج فانحطم السقف الأسفل من تحتنا قبل الأعلى وذلك آخر عهد بعضنا ببعض وكان الهدم في أول وقت الظهر فوقفنا تحت الهدم إلى المغرب وكنت اقرأ ما احفظ من القرآن وأدعو بما تيسر من الدعاءِ وأتضرَّع إلى الله ولم يبقَ في خاطري إلا الموت فما شعرت إلا بالمساحي فوق رأسي فكان حسها يقرب قليلاً حتى فتشوا عن رأسي ووجهي فذكرت الله تعالى فاستخبروني عن نفسي فقلت أنا بخيرٍ أن شاءَ الله تعالى فسأَلوني عن الأمير فقلت هو قريب فأخرجوني وحفروا عن الأمير فوجدوهُ ميتاً قد وقعن على رأسهِ خشبة عظيمة واستمر الحفر عن الجماعة فاخرجوا القاضي عمر بن سعيد سالماً وهلك الباقون ولم يصلوا إلى آخرهم إلا آخر الليل. وفي هذا التاريخ كانت وفاة الأمير علم الدين سنجر الشعبي. وكان أميراً شجاعاً فارساً مقداماً لهُ همة عالية ومواقعهُ مشهورة مذكورة في اليمن الأعلى. وكان متديناً متنسكاً محافظاً على الصلوات في أوقاتها سفراً وحضراً مع شدة البرد في الجبال حتى أنه يكون يقال ما يصلي أحد في المحطة إلا الأمير. وكانت تكة شراويله أو سراويله إذا وضعت على المعسر تضع ولدها للفور. وهو من مماليك الملك المسعود يوسف بن الملك الكامل الأيوبي وإنما سمي الشعبي لأنه كان في بيت المماليك وهو صغير ولم يكن يعرف من فسقهم ولا من شيطنتهم شيئاً فكانوا يسمونهُ شعيباً أي أنه عريُّ لا يشينه شيءُ من أفعال المماليك.

ولما وقع هذا الحادث العظيم اضطراب الناس في صنعاء وأعمالها وبلغ العلم

ص: 197

إلى الأمير صارم الدين داود بن الإمام فجمع عسكره والمماليك الأسدية وتوسموا قصد الأمير جمال الدين علي بن عبد الله ورفع المحاط عن ظفار فخرج الأمير عز الدين بلبان دويدار الأمير علم الدين الشعبي من صنعاءَ في مائة فارس وخمسمائة راجل إلى البون وجاءَت عيون الأمير صارم الدين إليه بالعلمِ فخرج بعسكره إلى الظاهر الأسفل وعرد عن الظاهر الأعلى ثم سار إلى حوب. ولما وصل العسكر المجرد من صنعاءَ إلى الأمير جمال الدين أغار على الأمير صارم الدين إلى حوب ثم عاد إلى ظفار ثم طلع محطة الأمير فخر الدين بن فيروز في عسكر اليمن إلى صنعاءَ فاستقرَّت المحطة على ظفار بعد ذلك نحواً من سنة.

وفي هذهِ السنة توفي القاضي أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بن محمد ابن علي بن أبي القاسم الرياحي وكان قاضياً مرضيّاً في غاية من الزهج والورع والاقتصاد في مطعمهِ وملبسهِ. وكان مولدهُ في سنة تسع وتسعين وخمسمائة وأصل بلدهِ إب وكان والدهُ قاضياً بها فلما دنت وفاتهُ حَذَّر ولدهُ محمداً من القضاء فلما توفي والدهُ لم يتعرَّض لهُ امتثالاً لأوامر أبيه لهُ فحدثت عليهم مظالم ومشاق كثيرة فقالت له والدتهُ يا ولدي اذهب إلى سير واعلم قاضي الأقضية بوفاة أبيك وما جرى عليك وعلى اخوتك من العنف والظلم فلعله يجعلك مكان والدك فتستتر عن الظلم فحينئذٍ تقدم إلى قاضي الأقضية وأعلمهُ بوفاة أبيه فعاد إلى البلد فأقام بها قاضياً سالكاً للطريق المرضية. وكان تفقه بمحمد بن مضمون فلما توفي قاضي تعز ابن أبي الأعز بعث إليه وولَاّه القضاء في مدينة إب. وكان القاضي محمد بن علي عالماً عاملاً ناسكاً ورعاً كثير السعي في قضاء حوائج الناس غير متكبر ولا متجبر.

قال الجندي أخبرني الثقة عن الثقة أنه رأى القاضي محمد بن علي يمشي حافياً في هاجرة النهار ونعله في يده قاصداً من المعزية إلى ناحية المحاريب في مدينة تعز قال فقلت له يا سيدي لم فعلت هذا قال بلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال) من مشى في حاجة أخيه المسلم حافياً كان لهُ أجر عظيم (أو نحو مما قال

ص: 198

ويروى عنهُ أنه خرج يوماً حافياً مقرعاً فلقيه بعض من يعرفه فصافحهُ وسار بسيرهِ لينظر أين يقصد فإذا هو قد قصد بيت أمير بدار الملك المظفر فلما وقف على الباب بادر الخادم إلى الأمير فاعلمهُ بوصوله فخرج الأمير مسرعا وقبل يديهِ ثم قال له يا سيدي لم وصلت وهلَاّ أرسلت إليَّ كنت أصلك فقال القاضي أنا أحقُّ بالأجر فإن ساعدتني كنت شريكي فيهِ فقال لهُ الأمير وما الذي تريد يا سيدي فقال وصلني أولاد فلان وذكروا انك حبست والدهم بالسوية وهم فقراء محتاجون وبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من مشي في حاجة أخيه المسلم حافياً حاسراً أتاهُ اللهُ أجراً عظيماً فلذلك جئت فقال يا سيدي إنما حبس بأمر السلطان ولا يمكن إخراجه إلا بعد مراجعةٍ ثم استدعى الأمير بدواة وقرطاس وكتب إلى السلطان يعلمه بوصول القاضي إليه حافياً حاسراً وأنه يشفع في فلان وأرسل بالكتاب رسولاً فعاد الجواب من السلطان بإطلاق الرجل ولم يخرج القاضي من بيت الأمير إلا بالرجل معهُ وكان معهُ عند المظفر محلُّ عظيمُ وجاهُ جسيم من طريق الورع والصلاح.

قال الجندي وأخبرني الفقيه عثمان الشرعبي وهو الذي علقت عنهُ أخبار هذا القاضي وغيره من فقهاء تعز المتقدمين. قال كتب أهل بلدٍ غير بلدهِ يشكون قاضيهم إلى السلطان الملك المظفر فكتب السلطان إلى القاضي بهاء الدين انظر في أمرهم فالقضاة كلهم في النار إلا محمد بن علي وذلك لما تحقق من ورعهِ بعد البحث الشافي عنهُ على يد من يثقهُ. ومن بعض ما يروى عنهُ أن بعض التجار حضرته الوفاة فاستدعى القاضي محمد بن علي إلى بيتهِ أتاهُ القاضي إلى بيتهِ خلا بهِ وقال لهُ إني بنيت هذا الموضع على يدي بمال جزيل لا أكاد أحصر مبلغهُ وأولادي كما ترى صغار وقد نزل بي ما ترى ولا أستطيع إعلام أحد منهم وقد أعلمتك بهِ لتكون وديعةً عندك فقال لهُ القاضي لا بأس بذلك. ثم أمره أن يوصي إلى رجل خبير بأموره الظاهرة ففعل ثم توفي الرجل وكبر أولاده فأتلفوا ما ظهر لهم من التركة وأرادوا أن يبيعوا البيت من شدة حاجتهم فمنعهم القاضي فأَقاموا مدةً في ذلك الحال ثم بلغهُ صلاحهم فصبر مدَّة ثم أمر من يختبرهم فوجدوهم قد رشدوا فأخبر القاضي بذلك وأتاهم

ص: 199

القاضي إلى بيتهم ففرحوا بهِ وأدخلوهُ البيت ليتبركوا بهِ فقال للأرشد منهم افتح هذا الموضع ففتحه فخرج ذلك المال فقال لهُ القاضي هذا أمانة عندي من والدك إليك لتتصرَّف بهِ على نفسك وعلى اخوتك بالمعروف فسأَلهُ الولد أن يأخذ منهُ شيئاً ويحتسب بهِ الولد من نصيبهِ فلم يفعل.

ويروى عن الأمير غازي بن يونس التعزي قال كنت أيام شبابي قاعداً في البيت إذ بطالبٍ يطلبني إلى القاضي فداخلني منهُ فزع عظيم ثم زال ذلك عني لما أعلم من عدل القاضي وحسن سيرته فسرت إليه فحين رآني تبسم فلما دنوت منه سلمت عليه فرد عليَّ بوجه مسفر. ثم قال هل لأبيك من ولدٍ غيرك فقلت لا فقام ودخل بيته وأمرني بالدخول خلفه فدخلت ولم يكن في البيت أحد. فسار أمامي حتى جاء المطبخ فلما توسط أشار إلى موضع وقال لي افتح هاهنا ففتحت فظهر لي أنالا فأخرجته فأَمرني بفتحه فوجدته مملوءاً ذهباً فقال لي خذ هذا المال واحتفظ بنفسك فهو عندي وديعة لأبيك ولم أسلمه آلتيك إلا بعد سؤَالي عنك. وأعلمت انك عاقل رشيد ولا ولد لأبيك غيرك. والحمد لله الذي منَّ عليّ ببراءة ذمتي قبل الموت. وأخباره كبيرة مشهورة. وكان كثير العبادة مصاحبا للعباد. وكان يصحب على الرميمة أحد عباد جبل صبر. ويكثر زيارته ويخبر عنه بأشياء كثيرة. وكان يقول ما على قلبي هم إلا أن أكون في بعض المساجد أو الربط حتى أستفرغ بقية عمري في عبادة الله تعالى.

ولم يزل على القضاء المرضي ممتحناً به إلى أن توفي يوم السبت الحادي عشر من شوال من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.

وفيها توفي الفقيه أبو عبد الله محمد بن سفيان بن الفقيه أبي القبائل عبد الرحمن بن منصور بن أبي القبائل. وكان مولده لثمان خلون من جمادى الأخرى سنة سبع وستمائة. تفقه بعمر الجرادي وبالصوفي من أهل الملحمة وبابن مصباح وغيرهم. وكانت أمه بنت الشيخ علي بن عجل. وكانت امرأة صالحة قارئة لكتاب الله تعالى ذات مروءَة قدم الفقيه سفين إلا بيني إلى جبلة لغرض الزيارة فعزمت عليه فأدخلته

ص: 200

البيت. وكان نزوله في مسجد السنة. ويقال أنها ولدت ابنها هذا سفين تلك المدة فلذلك لقبه به ويقال أنه خطبها فقال لا أتزوج بعد أبي القبايل أحداً. ولا أغير صحبته بغيره وكان شديداً في ذات الله قائلاً بالحق آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر ثم كان بينه وبين الفقيه عمر بن سعيد العقيبي مودة حتى توفي على الحال المرضي في السنة المذكورة وقبر بمحيطان ودفن إلى جنب قبر أبيه. وكانت وفاة الفقيه أبي القبائل في سنة تسع وستمائة رحمهما الله تعالى.

وفيها مات الفقيه الصالح عثمان بن محمد بن علي بن أحمد الحساني ثم الحميري. وكان يعرف بابن جعام بفتح الجيم والعين المهملة وتشديدها وبعد الألف ميم وأصل بلده جبلة. وكان فقيهاً صالحاً ورعاً صادق الحديث. وكان يقارض أهل جبلة بأموال جزيلة إلى عدن وكان من خبره منهم لا يسمح به أن يقارض غيره محبة فيه ووثوقاً بدينه وأَمانته وبركاته وكان يجمع ما يتحصل له من ذلك. فلما اجتمع له ما اجتمع اشترى أرضاً فسكنها وبورك له في ذلك رغبة في الحل. ويروى أنه كان إماماً في المدرسة النجمية فظهر له في بعض بدنه جرح استنصر ولم يكد يبرأُ بل لم يزل يسيل منه ماء أو ما يشبه الماءَ فكره الصلاة بالناس لذلك تورعاً فقيل له استنب لك نائباً ببعض نفقتك. فقال لا حاجة لي بذلك ثم عرض عليه الطين والقرية فاشتراهما وكانت القرية غير مسكونة وإنما كان فيها رجل يخدم صاحب الأرض ويحرث له فلما صارت ملك الفقيه انتقل إليها من جبلة وليتني بيتاً وانتقل بأولاده وزوجته ابنة عمران الصوفي. وكان قد تفقه على فقهاء جبلة ولازم الفقيه أَبا بكر بن العزاف أن يطلع معهُ إلى قريته ويسكن معه في المنزل فقال له يا فقيه تقف معي ويكون لك نصف هذه الأرض فلم يوافقه إلى ذلك. وفارقه وصار إلى تعز. وأَقام الفقيه مقبلاً على القراءة والعلم والعبادة منفرداً في تلك القرية إلى أن توفي في سلخ شوال من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.

وفي سنة ثلاث وثمانين طلع الملك الواثق إلى صنعاء مقطعاً لها فدخلها يوم الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة. وتسلم حصن براش

ص: 201

صنعاء وقبض على الأمير سيف الدين بلبان العلمي دويدار. وكان قد ظهر منه ما يوجب ذلك. ولما تضايقت الأحوال بالأمير صارم الدين داود بن الإمام عن علي الإمام الحسن بن وهاس القيام معه فأَبى عليه فعرض عليه الإمام مظهر بن يحيى فأبى عليه أيضاً لما يعلمون من قبح سيرته مع الأئمة ومخالفته لهم فعمد إلى ابن أخيه وهو إبراهيم بن الإمام. وكان قد قرأَ شيئاً يسيراً في العلم وليس بكامل الإمامة ولا الغيرة. فأقامه إماماً وأخرجه إلى تلا ولبس به على العامة واجتمع معه عسكر كثير ثم خرج بهم إلى الظاهر فانحاز منهم الشريف علي بن عبد الله إلى جبل المنقاع إذ لم يكن معه من العسكر ما يقاتلهم به فقاتلوا على الكولة والحبسين فلم يظفروا منهما بشيءٍ فقصدوا المثقل والمنارة فأخذوهما قهراً ثم ساروا نحو صعدة فطلب الأمير علي بن عبد الله المادة والعسكر فجهز إليه الملك الواثق الفهد بن حاتم في سبعين فارساً من همدان والأمير شمس الدين أحمد بن ازدمر في ثلاثين فارساً وخمسمائة راجل. فلما وصلوا الكولة إلى الأمير جمال الدين في العسكر المنصور نحو صعدة وكان العسكر يومئذ نحو أربعمائة فارس وألف راجل فساروا حتى دخلو صعدة. وكانت محطة الأشراف تحت تلمص فتراكزوا نحواً من شهرين ووقعت حروب شديدة وعقرت خيول كثيرة من الفريقين. فكان الأمير جمال الدين يعدم الخيل ويطعم الطعام ويتولى الأمور بنفسه ويباشر المحطة ليلاً ونهاراً. وكان السلطان رحمه الله يجهز إليه الخزائن ونفقات العساكر قبل استحقاقها. فعجز الأمير صارم الدين عن مقاومته فخرج هارباً على جبل بني عويمر على سواد عدان ثم على شطب حتى دخل بلاد الشريف علي بن عبد الله معارضاً له حتى حط في الجنات.

وفي هذه السنة توفي الإمام الفاضل إبراهيم بن أحمد بن تاج الدين الهدوبي في حصن تعز أسيراً. وكان من الشجعان المشهورين والفرسان المذكورين. وكان يقول شعراً حسناً ومن شعره قصيدة يصف فيها أسره ويعتذر فيها

خطب أَلم فأَنساني الخطوب معا

وصير القلب في أحشائه قطعا

ص: 202

حتى إذا جاء من خلفي ومن قبلي

عساكر حملوا الأنصاف والقطعا

وامسكوا السيف من خلفي مغادرة

والرمح قد امسكوه والجواد معا

وكنت في موضع مستصعب حرج

لم أَلق فيهِ لسعي الطرف متسعا

ثم انتهيت إلى سوح بهِ ملك

يحل بيتاً من العلياء مرتفعاً

فجاد بالعفو والإحسان شميتهُ

ولم يزل للعلى والجود مصطنعاً

وهي أطول مما ذكرت وإنما اثبت منها ما يستدل به على ما فيها. وكانت وفاتهُ في شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة. وقبرهُ في مقبرة تعز معروف يزار ويتبرَّك بهِ وتطلب عندهُ الحوائج رحمهُ الله تعالى.

وفيها توفي الإمام أيضاً أبو محمد الحسن بن وهاس الجمزي وكانت وفاتهُ في شهر ذي الحجة من السنة المذكورة وتوفي الفقيه الفاضل أبو الحسن علي بن عبد الله بن محمد بن أحمد ابن الفقيه اسعد بن الهيثم. وكان مولده يوم الخميس عشرة صفر من سنة تسع عشرة وستمائة. وتفقه بالفقيه أبي بكر بن ناصر وولي قضاء بلده. وكان يتردد بين بلده والجند وتعز. وكان وفاته لسبع بقين من رجب من السنة المذكورة رحمهُ الله تعالى. وكان له ولدان هما يوسف وأبو بكر. فأما يوسف فكان ميلاده عشرة شهر ربيع الأول من سنة خمسين وستمائة. وتفقه أولاً بأبيه ثم بمحمد بن أبي بكر الأصبحي. وكان حاكم بلده كما كان أبوه وكان ينوب القاضي عمر بن سعيد على قضاء صنعاء. وكان وفاته لتسع من شوال سنة تسع وستمائة. وسنذكر أخاهُ في موضعهِ من الكتاب أن شاء الله تعالى.

وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح أبو عفان عبد الله بن أحمد بن أبي القسم بن أحمد بن اسعد الخطابي نسبة إلى عرب يقال لهم بنو خطاب يسكنون حارة دوال صاحب هُدّافه بضم الهاء وفتح المهملة وبعد الألف فاءُ ثم هاءُ وكان مولده سنة ثماني عشرة وستمائة. وتفقه بعلي بن أبي السعود وبعثمان الوزيري ثم غلب عليه التصوف والعبادة ويقال أنه أُوتي اسم الله الأعظم. وكان له مكرمات عظيمة وكان

ص: 203

صبوراً على إطعام الطعام.

قال الجندي حصلت في يدي نسخة التنبيه الذي له فوجدت فيها بخطه مكتوباً في بعض ورقات الكتاب ما مثاله. حدثني الفقيه السيد الأجل الفاضل الكامل الموفق يحيى بن أحمد بن زيد بن محمد بن دهير بن خلف الهمذاني وفقهُ الله تعالى أنه رأَى في المنام في منتصف جمادى الآخرة في نصف الليل الآخر سنة ست وستمائة أنه كان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد القبة التي على قبره وقبر صاحبيه رضي الله عنهما منكشفة من غير تخريب وقد بقي منها ما يغطي القاعدة ومن القائم إلى مقعد الإزار فدنا منها فوجد النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما قاعدين متوجهين إلى القبلة قال فاستقبلتهم من وراء الجدار الباقي وجعلت القبلة إلى ظهري ثم أُعطيت نوراً في قلبي وطلاقة في لسامي وقلت يا رسول الله القرآن كلام الله غير مخلوق قال نعم بحرف وصوت يسمع ومعنى يفهم قال نعم قال فقلت فمن قال أن القرآن مخلوق كافر نعن قلت وإن صلى وصام وآتى الزكاة وحج البيت هل ترجى له الشفاعة قال لا قلت يا رسول الله طلاق اليتامى باطل أَو صحيح فقال صلى الله عليه وسلم. باطل باطل وأنا اشك في الثالثة. وغالب ظني أنه قالها. ثم قلت يا رسول الله تارك الصلاة كافر قال نعم قلت يا رسول الله فهؤُلاءِ يرعون البقر والغنم ويحيعلون وهم يشهدون أن لا اله إلا الله وإن محمداً رسول الله ويؤُتون الزكاة متى وجدوا ويحجون البيت إذا استطاعوا ويصومون شهر رمضان ويحبون الصلاة ولكن يقولون هذه الدواب تنجسنا وإذا أتجعلنا أيضاً تنجسنا أهم كفار أَم مسلمون. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم وانقطعت عن الكلام. فقال أبو بكر وعمر نكتب لك بهذا كتاباً لا ينسى فسكت ولم أَدرِ ما شغلني عن القول لهما يكتبان لي ذلك. وكانت وفاة هذا الفقيه عثمان على الطريق الكامل من الزهد والعبادة وإطعام الطعام في السنة المذكورة بعد أن امتُحن بالجذام حتى سقطت رجلهُ اليمنى من الكعب ويبس من يدهِ اليمنى إصبعان. وكان عظيم الحال لهُ كرامات كثيرة يطول تعدادها رحمهُ الله تعالى.

ص: 204

وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو الحسن علي بن أبي بكر بن محمد بن حسين البجلي وكان تفقه بعمه إسماعيل ووُلي القضاءَ في بلده وكان فقيهاً فاضلاً ورعاً وكانت وفاتهُ في السنة المذكورة رحمهُ الله تعالى.

وفي سنة أربع وثمانين جهز مولانا الملك الواثق عسكراً إلى المنقب وخشي أن يخرج الأمير صارم الدين من ثُلَا إلى البلاد الشهابية فحصروهُ في ثلَا فتداركه الشيخ بدر الدين عبد الله بن عمر بن الجنيد وسعى في الصلح بينهُ وبين السلطان وارتفعت المحاط وعاد الكل إلى صنعاءَ. وكان الصلح على خلاص رهينة الأمير صارم الدين داود وهو ولده محمد بن داود وكان في حصن الدملؤَة وعلى تعديل حصن القُفل بظفار وانعقد الصلح على ذلك واستمرت الذمة والصلح برهة من الزمان.

وفي هذه السنة توفي الفقيه العلامة أبو الخطاب عمر بن عاصم بن عيسى اليعلي بياء مثناه من تحت. وعين ساكنة مهملة وآخره لام وبعدها ياء النسب وهو بطن من كنانة. وكان فقيهاً كبيراً فاضلاً متفنناً عارفاً بالفقه والنحو واللغة والحديث. وكان يقول شعراً حسناً تفقه بعلي بن قاسم الحكمي وبه تفقه كثير من الناس. وممن تفقه به أبو الحسن الأصبحي صاحب المعين. والفقيه يوسف بن يعقوب الجندي ووالد البها صاحب التاريخ وغيرهما. واليه انتهت رئاسة الفتوى والفقه بزبيد وأَظن المدرسة العاصمية إنما تنسب إليه. وحصل بينه وبين قاضي الأقضية عليه وكان والنائب يعانده في مدرسته ويقابله بما لا يليق وكانت له عند المظفر مكانة حسنة فكتب إلى السلطان يشكو من النائب في قصيدة من شعره يقول في أولها

خربت مدارسكم معاً يا يوسف

وفتى وحيش لو علمت لمتلف

فلما وقف السلطان على كتابهِ وكان قاضي القضاة حينئذٍ عند السلطان فقال لهُ السلطان يا قاضي بهاء الدين من الناظر على مدارس زبيد فقال ابن وحيش يا مولانا فقال لا يكون لهُ على مدرسة الفقيه ابن عاصم نظر فقال سمعاً وطاعة. ثم كتب إليه السلطان قد صرفناه عن النظر في مدرستك فاجعل عليها ناظراً من شئت. وهو

ص: 205

القائل في ذم المدارس

بيعُ المدارس لو علمت بدارس

يغلو وأخسر صفقةٍ للمشتري

دعها ولازم للمساجد دائماً

أن شئت تظفر بالثواب الأوفر

ومن تصنيفه زوائد البيان على المهذب في كتاب. ويقال أن ذلك سبب الوحشة بينهُ وبين قاضي القضاة بهاء الدين أحد قرابة صاحب البيان فإنه نقل إليه أنه قصد بذلك حط البيان وإن لا يتلفت إليهِ مع وجود المهذب مع أن كتابهُ لم يكد يشتهر ولا يتداول بين الناس. وكانت وفاته عند طلوع الشمس من يوم الخميس لخمس بقين من شهر ربيع من السنة المذكورة رحمهُ الله تعالى.

وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو عبد الله محمد بن علي وكان فقيهاً ورعاً زاهداً عالماً بالفقه تفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه. وكان لا يتعلق بشيٍ من الدنيا ولا يتعلق بأهلها وعلقهُ دين عظيم هرب بسببه إلى الجبال وبلغه أن قضاة سير يفعلون المعروف فقصدهم وأَقام عندهم فسأَلهُ بعضهم عن المعتقد فأَجابهُ بما أنكر عليهِ السائل فأفضى ذلك إلى شقاق وتكفير فخرج الفقيه هارباً وبلغ القضاة ذلك فلم يعجبهم وأمروا برده إليهم فلم يوجد فشق عليهم فشكوا إلى أَخيهم القاضي بهاء الدين الوزير يخبرونهُ بقصتهِ ويسأَلونهُ أن يبحث عنهُ بتعز ففعل فلما جاءهُ بجلهُ وأكرمهُ واعتذر إليهِ من فعل ذلك المجادل ثم سأَلهُ عن سبب قدومهِ فأخبرهُ بدينهِ فسعى له في قضاء دونهِ وزيادة. وتوفي في مدينة زبيد في المحرم أول السنة المذكورة رحمهُ الله تعالى.

وفيها توفي القاضي الفقيه أحمد بن حمزة بن علي بن حسن الهرامي ثم السكسكي وكان فقيهاً فاضلاً متأَدباً وكان يقول الشعر ودرَّس في مدينة حصن الظفر وهي التي أحدثها الشيخ عبد الوهاب بن رشيد. ثم توفي في بلدة العماني وكانت وفاتهُ في صفر من السنة المذكورة.

وفيها توفي القاضي أبو حفص عمر بن سعيد بن محمد بن علي الربيعي وكان فقيهاً محدثاً أخذ عن أَخيهِ لأبيه علي بن عمر وعن غيره وتولى قضاء صنعاءَ حين

ص: 206

عزل عنه. وكان من افصح الناس وأحسنهم. وأية للحديث والتفسير. وكان إذا حضر مجلساً لم يكن لأحد فيه ذكر دونهُ. ويروى أن محفوظهُ خمسة آلاف حديث. وكان السلطان الملك المظفر يعظمهُ ويبجلهُ ورزقهُ على القضاء جزية اليهود في جهته. وكانت دنياه متسعة اتساعاً عظيماً.

ومن عجيب ما جرى له أنه كان قاعداً مع الأمير الشعبي في دار السلطان في صنعاءَ إذ خرَّ عليهم السقف وهم جماعة منهم محمد بن حاتم الهمداني وأخوه ومحمد بن زيد صهر الشعبي فمات الجميع تحت الهدم وسلم القاضي المذكور ومحمد بن حاتم. وكان القاضي يحكي أنه لما تهوَّر الدار رأى رجلاً كبير السن التقى عنهُ خشبة وسحقاً وسقفهما عليه فلم يصله الهدم. وكان هذا القاضي عظيم القدر شهير الذكر معظماً عند كبراءِ العصر. انتشرت فضائله شرقاً وغرباً وبعداً وقرباً ولا أعلم أحداً من أهل عصره اشتهر كاشتهاره حتى رأيت مجلداً لطيفاً في مناقبه تصنيف الفقيه علي بن أبي بكر الفراء الصنعائي وجاءَ تقليدهُ من بغداد متوَّجاً بالعلامة الشريفة العباسية المستعصمية وفيه من التعظيم لجلاله والتنويه بقدره ما يليق به. وكانت ولايته من مدينة إب إلى نفسه ومضت أحكامه في هذه البلاد كلها ونفذت. وأخذ عنهُ جماعة من أهل صنعاءَ وغيرهم. وكان له عدة أولاد لم يقم أحد منهم مقامهُ وكان من زواحا في صنعاءَ وكانت وفاته في السنة المذكورة وقيل في سنة خمس وثمانين والله أعلم.

وفي سنة خمس وثمانين وستمائة ضرب الدرهم السعيد المظفري في مدينة صعدة في شهر جمادى الأخرى. ونزل الأمير جمال الدين علي بن عبد الله إلى الأبواب السلطانية فتلقاه الملك لمسعود والقاضي بهاء الدين الصاحب إلى الحوبان وحضر المقام السلطاني للفور وأَقام أياماً ثم حملت له طبلخانة خمسة أحمال وخمسة أعلام وزاده مع البوابين الخشب والجارود ومطرت وحصن دهان فانشأَ قصيدة يمدح بها السلطان ويقول

وأعلمت بالأعلام يوسف إنني

صفيُّ وإني عبد حادثة ذخرُ

ص: 207

وحركت بالكوشات ما كان ساكناً

ولكن به عن سمع تحريكها وقر

وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل أبو الحسن علي بن محمد بن حجر ابن أحمد بن علي بن حجر الأزدي نسباً والهجري بلداً. وضبط حُجْر بضم الحاء المهملة وسكون الجيم وآخره راء. وكان يُعرف بابي حجر وسكن عدن وكان مولده سنة ثماني وتسعين وخمسمائة تقريباً وكان فقيهاً محدثاً له مسموعات وإجازات. وكان دنياه واسعة وكان متورَّعاً أن يخلط ماله بشيءٍ من الشبه وكان لا يعامل من يتهمهُ بذلك وكان لا يحتكر في بيعه.

قال الجندي وأخبرني والدي يوسف بن يعقوب رحمه الله قال كان رجل في مدينة الجند عطَّاراً وكان أصله من مدينة إِب وكان لا يتجاوز في الدرهم إنما يأْخذ الواحد من العشرة فاتفق له سفر إلى عدن ليشتري عطراً فوصل إلى هذا الفقيه وسأَله عما يريده من الحوائج فقال لهُ كلها موجودة فناولهُ صرَّة دراهم فقال الفقيه لبعض عبيده خذها وأنقدها فقال الأبي لا تحتاج أنقاده فليس في بلدي من يحتكر الدرهم مثلي فقال له الفقيه وأنت تحتكر الدرهم قال نعم قال أعد له دراهمه فما تدخل بين دراهمي فأعادها عليه وانصرف خائباً وكان كل من قدم عدن من أهل الفضل إنما ينزل في الغالب على هذا الفقيه فينزله في بيت من بيوته على قرب منهُ. ويكون الناس يجتمعون إليهِ للقراءة في مسجد السماع. ويسمى مسجد السماع لكثرة ما يسمع فيه من الكتب على وأرديه. وكان جملة من قدم عليه الفقيه أبو الخير بن منصور بن أبي الخير وربما قيل أنه أخذ عنهُ. وقد أخذ عن أبي حجر جماعة من أهل عدن وغيرها منهم الفقيه أحمد الحراري وأحمد القزويني ومحمد بن حسين الحضرمي وغيرهم. وبلغ الفرض الزكوي من ماله أربعين ألفاً وقيل ستين ألفاً يتصدق بذلك في غالب أيامه حتى كادت تنقطع صدقته. ولم يزل ذلك إلى أن توفي ليلة الأربعاء الخامس من صفر من السنة المذكورة وهو ابن ثمان وثمانين سنة. وخلف ولدين هما محمد وعبد الله فأما محمد فتفقه وزوجه والده على بنت بعض التجار يقال لهُ إدريس السراج. وكان فيه سخاءُ مفرط لا يليق شيئاً ولا يخيب لهُ قاصد أبداً

ص: 208

فتضعضع حاله وركبه دين كثير بعد وفاة أبيه فوصله بعض مستحقي الدين وطالبهُ واغلظ لهُ في القول وسمَّعهُ كلاماً فاحشاً. وكان قاعداً على باب داره فدخل من فوره الدار وعمد إلى حبل فشنق بهِ نفسه وذلك يوم الجمعة لأيام مضين من ذي القعدة من السنة المذكورة. فرأّى بعض الأخيار من أهل عدن تلك الأيام أنه قائم على باب المسجد الذي يقال لهُ مسجد إياب إذا بجماعة قد اقبلوا من باب عدن قاصدين المدينة وعليهم هيئة سنيًّة ولهم وجوه مضيئة فسأَل الرجل عنهم فقيل له هذا رسول الله عليهِ وسلم وجماعة من الصحابة يريدون الصلاة على رجل من أهل المدينة يموت غداً. فلما أصبح الرجل وجرى لهذا محمد بن أبي حجر ما جرى ولم يمت في ذلك اليوم أحد غيره وصل الرجل إلى الموضع الذي يصلي فيه على الموتى وقعد فيه ينتظر وصول الميت المذكور ليصلي عليه من جملة الجماعة قال فأخذت ونمت مجنباً وقد فكرت وقلت ما يتصوَّر لمثل هذا أن يصلي عليهِ النبي صلى الله عليه وسلم وقد شنق نفسهُ فسمعت قائلاً يقول لي لا تفتك هذه الجنازة فهو هذا الرجل بعينه فاستيقظت وجددت الوضوء وتقدمت إلى باب بيت الميت فشيعت جنازته وحضرت الصلاة عليه ودفنه.

قال الجندي وأخبرني شيخي أحمد بن علي الجزائري أنه كان للفقيه أبي حجر عدة بنات صالحات في الغالب فذكرت إحداهن أنها رأَت أباها بعد موت أخيها بمدة فقالت له يا أبت ماءَ بك فقال منذ وصلنا أخوك نحن في ملازمة الله تعالى أن يغفر له جنايته على نفسه فلم يفعل ذلك إلا بعد مشقة شديدة وأشراف على اليأس من ذلك.

وفيها توفي الفقيه الصالح أبو بكر بن معطٍ وكان فقيهاً صالحاً أصلهُ من حارة وادي زبيد من قرية تعرف بمحل مبارك. ومن أصحابه المتقدمين المقارنين له في السن والرتبة محمد بن علي الصريفي. وكان فقيهاً مشهوراً من أصحاب أبي حنيفة الإمام رضي الله عنه. وله تصنيف حسن يسمى الإيضاح تفقه بجماعة منهم الملكي وغيره وله ذرية يعرفون به. توفي في مدينة زبيد في أثناء السنة المذكورة رحمه الله.

ص: 209

وفي سنة ست وثمانين احتال الأمير صارم الدين داود بن الإمام في فكاك حصنه القفل وحشي عليه القوات فتقدم إلى جهة صعدة وأصلح أموره فيما بينه وبين أخيه نجم الدين موسى بن أحمد بن الإمام فاستنجدوا بالإمام مطهر. وحملوه على الخروج إلى ناحية صعدة فخرج من دروان إلى حجر وجمع جموعاً عظيمة وسار نحو صعدة وجاءته خولان فقاتل على الدرب فأخذه قهراً. وقتل الرتبة الذين كانوا فيه وهم نحو من ثمانين راجلاً وأسروا الوالي غلاب وقتل من عسكر الإمام خمسة النشاب ثم سار الإمام ومعه الأمير نجم الدين موسى بن أحمد إلى الجوف فأخذوا الفجرة وسواقة وطلعوا الظاهر. وحرقوا الكولة والدحضة وحطوا على الزاهر ووثب الأمير صارم الدين بن الإمام على حصنه القفل فحط عليه وأرسل إلى مولانا السلطان الملك الواثق بالنقض فجهز الملك الواثق مائتي فارس من الغز والعرب. ومقدمهم الشريف جمال الدين علي بن عبد الله وأمرهم بطلوع الظاهر فلم يهيأ لهم الطلوع ثم جهز السلطان الملك المظفر أستاذ داره الأمير شمس الدين علي بن الهمام في خيل من اليمن وأمره بالغارة على الزاهر. فلما وصل إلى صنعاء خرج الملك الواثق بشحنة إلى دروة وجهز الأمير علي بن محمد بن عبد الله والأمير شمس الدين أستاذ داره لرفع المحطة عن الزاهر. فلما علم بهم الأشراف ارتفعوا عن الزاهر. وطلع الإمام إلى الظاهر واشتدت محطة الأمير صارم الدين على القفل. وعاد الملك الواثق إلى صنعاء. فكثرت الأراجيف والعوار في البلاد واضطربت البلاد اضطراباً شديداً وتفاقم الأَمر واشتد وخالف أهل المشرق وأهل المغرب. وفسدت البلاد من نقيل إلى صعدة. فلما حدثت هذه الحوادث أرسل السلطان ولده الملك الأشرف إلى صنعاء مقطعاً بها. واستدعى ابنه الواثق فدخل الملك الأشرف صنعاء يوم الثامن من جمادى من السنة المذكورة. ثم خرج منها إلى محطة ذيفان ثم سار نحو الظاهر وطأَة شديدة وأخرب اجزل الظاهر الأعلى وأجزل الظاهر الأسفل ووصلت عساكره المنصورة عنان وخيوان ولم يمتنع شيء منه في الظاهر ولا بلغ أحد حيث بلغ وقاتل عن العنة مراراً وأمر بعمارة الكولة. ورتب الشريف علي بن عبد الله واطل عيد

ص: 210

رمضان الكريم وهو محتم في الكولة. وكان احسن عيد وأبهجه. ولما أخرب الظاهر كما ذكرنا وحضر الأمير صارم الدين في العنة وقوى الرتب على ظفار وعمرها ورتب الأمير إلى بلد الأمير عبد الله بن علي بن وهاس فأخرجها وقطع أشجارها وكرمها. وأخرب فيها دروباً من زمان الجاهلية. ثم نقل من بلاد بن وهاس إلى صنعاء فخرجت العساكر من صنعاء في لقائه وحشدت الجنود فلم ير يوماً اعجب ولا أبهج ولا أكثر جموعاً من ذلك اليوم فدخل من باب النصر. فلما حاذى القصر السعيد فرش لجفائه ثياب الحرير المعلمة بالذهب. ونثر على الناس من البيضاء والصفراء ما لا يحصر فأقام في صنعاء والأمور منتظمة والثغور منسدة والحرب على العنة والحصار على ظفار. والإمام مطهر في ينعم في جبل ينعم لا يميل أحد إليه من العرب والأمير صارم الدين محصور في العنة.

وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل علي بن أسعد بن محمد بن إبراهيم بن تبع بن علي بن منصور المنصوري نسبة إلى جده المذكور في انتهاءِ النسب كان علي بن أسعد بن منصور فقيهاً فاضلاً مشهوراً تفقه بأحمد بن عبد الله الوزيري. وكانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة ست وثمانين المذكورة في قريته المعروفة بالقدمة رحمه الله تعالى.

وفي سنة سبع وثمانين جرى حديث الصلح فاصلح الأمير صارم الدين بعد استيلائه على القفل. وصاحت الصوائح بذلك في محروسة صنعاء يوم السبت الثاني عشر من شهر جمادى الأولى من السنة المذكورة ثم وقع الصلح بين الإمام وبين الملك الأشرف وصاحت الصوائح بذلك يوم العاشر من جمادى الأخرى من السنة المذكورة. ولم يصلحه على شيٍ من البلاد ولا من الرعايا إلا على بعض القبائل الأَخيار كبني حي وبني سحام والأعروش وبني مطعم. ثم قفل إلى اليمن فكان خروجه من صنعاء يوم الجمعة عشرة شهر رجب من السنة المذكورة ثم طلع الملك

ص: 211

المؤَيد صنعاءَ وصله جميع الناس من العرب ووصل الأمير جمال الدين علي بن عبد الله. ووصل رسل الأشراف كافة بالخيل ضيفة فأَقام مدة في صنعاءَ ثم خرج إلى جهات ذمار وتغير الصلح بينه وبين الإمام مطهر بن يحيى.

وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاضل محمد بن علي بن عمر الشرعبي المعروف بابن المسود الحلي. وكان فقيهاً متفنناً أخذ الفرائض عن ابن معاوية والفقه عن ابن عاصم والريمي. وهو الذي أصم في مدرسته التي أنشأَها الأمير سيف الدين سنقر وهي التي تعرف في مدينة زبيد بالعاصمية وكانت وفاته في أثناء السنة المذكورة رحمه الله.

وفيها توفي الفقيه النبيه أبو الحسن أحمد بن محمد بن عيسى الحواري وكان فقيهاً في علم الكلام ولهُ فيهِ مصنفات على مذهب الإمام أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري. وكان تفقه فيهِ على البيلقاني بعدن. وكان يغلب عليه طريقة التصوف وأخذها عن البيلقاني أيضاً وأخذ عنهُ جماعة من أهل تعز وزبيد وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله. وقيل في سنة تسع وثمانين والله أعلم.

وفيها توفي الطواشي افتخار الدين ياقوت بن عبد الله المظفري. وكان خادماً حازماً ذكيّاً لبيباً وهو الذي أرسله الملك المظفر صحبة ولده الأشرف إلى الدملؤة ليكون الأشرف رهينة عند عميه المفضل ويستميل قلوب المرتبين بالقول والفعل حتى أحكم الأمر. ثم عرض عارض أوجب نزول الفائز والمفضل ووالدتهما بنت حوزة إلى المنصورة أو قيل إلى الجوة فلما صاروا خارج الحصن ثار الطواشي ياقوت بمن معهُ في الحصن وملكه لسيده المظفر ولم يزل ياقوت نائباً لسيده في الحصن إلى أن توفي في سلخ القعدة من السنة المذكورة. وكان صاحب عسفٍ وحروب وكان مع ذلك كثير الصدقة مجلاً للعلماءِ والصالحين وابتنى مدرسة في منصورة الدملؤة رحمه الله تعالى.

وفي سنة ثمان وثمانين رغم المرتبون بحصن براش في شهر رجب فسار إليهم

ص: 212

الملك المؤَيد فقتل منهم طائفة وأّخذه منهم قهراً.

وفي هذه السنة وثب جماعة من حصهم على حصن بنت انعم وكان الإمام مصلحاً عليهِ. وكان في شرط الصلح أنه رأَى قبيلة بعدت من أحد الحصنين وامتنعت بحصن أو جبل فانهم غرماءُ للسلطان والإمام وإن الإمام والسلطان يتفقان على من أَحدث حدثاً ويعتضدان عليهِ فلما حدث من هؤُلاء ما حدث أمر السلطان بالمحطة على حصن بنت انهم وطلب من الإمام خروج من يخرج من جهتهِ للمحطة عليهم فلم يفعل الإمام ولا ساعد على شيٍ من ذلك.

وفي هذه السنة توفي الفقيه النبيه أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن زكريا وكان فقيهاً فاضلاً مولده سنة تسع عشرة وستمائة وتفقه بابن عمه محمد بن عمر بن يحيى بن زكريا وأخذ عن صالح بن علي بن الحضرمي وولي قضاء الكدراء من قِبَل بني عمران وقدم فاخذ عنهُ أبو بكر بن محمد بن عمر كتاب الوجيز. وكانت وفاته في السنة المذكورة. وخلفهُ في القضاء ولده أبو بكر بن عبد الله بن عبد الرحمن وكان أحد أجواد زمانه شريف النفس عالي الهمة. وامتحن في آخر عمره بفقر مدقع وعزله عن القضاء بنو محمد بن عمر بغير وجهٍ يوجب العزل والله أعلم.

وفيها توفي الشيخ الفاضل أبو الخطاب عمر بن عبد الرحمن بن حسان القدسي وكان والده من أهل دمشق وأمه من عسقلان فاجتمعا بالقدس وأَقاما هنالك فتزوجها فولدت له هذا الولد سنة أربع وقيل سنة ست وستمائة ولحق بأم عبيدة وهو ابن اثنتي عشرة سنة فأدرك الشيخ نجم الدين المعروف بالأخضر وهو من ذرية أخي الشيخ الصالح أحمد الرفاعي فاخذ عليهِ العهد وتربى بين يديه. فلما رأَى كماله أمره أن يدخل مكة ويحج ثم يدخل اليمن لينشر فيه الخرقة الرفاعية واخبره أنه يجتمع فيهِ برجل ينتفع به في دينهِ ودنياه. ففعل ذلك ولما دخل اليمن اجتمع بالفقيه عمر بن سعيد العقيبي فأقام عندهُ بذي عقيب أياماً وذلك في سنة تسع وأربعين وستمائة فشهره عمر وبجلهُ ثم اسكنهُ موضعاً على قرب منهُ يعرف بالمعر ثم انتقل منهُ إلى أماكن كثيرة

ص: 213

بنى له فيها ربط كثيرة حتى كان آخر رباط سكنه الدهوب تحت مدينة إب فلم يزل حتى توفي بعد أن انتشرت عنهُ الخرقة الرفاعية لاسيما في جهة المخلاف. وكانت وفاتهُ ليلة الجمعة لثمان بقين من شهر ربيع من السنة المذكورة رحمه الله.

وفيها توفي الفقيه الصالح عبد الرحمن بن الفقيه يحيى بن سالم الشهابي وكان فقيهاً خيراً سليم الصدر انتهت إليهِ رئاسة الفقه والفتيا بذي جبلة وكانت أمور الفقهاء إنما تنتظم برأيه. ولما بنيت المدرسة الشرفية بذي جبلة ونسبتها إلى الأمير شرف الدين موسى بن علي بن رسول المتوفى في مصر رحمه الله تعالى. كان الفقيه عبد الرحمن المذكور أول من درس بها وكان يومئذ اكبر الفقهاء وكان الفقهاء بذي جبلة لا يطلعون من مصلى العيد يوم العيد إلا إلى بيتهِ يدخلون إلى سماط يعمله لهم فلما توفي والده بالعومانية انتقل إليها عن ولم يزل بها مدرساً إلى أن توفي في جمادى الأولى من السنة المذكورة رحمه الله.

وفي هذه السنة توفي القاضي الأمثل الأوحد الأكمل أبو بكر بن محمد ابن الفقيه أحمد الجنيد. وكان فقيهاً صالحاً دينّاً حبراً تفقه في بدايته بعمه عبيد بن أحمد ثم مسعود ثم صحب الفقيه الصالح عمر بن سعيد العقيبي وأخذ عنهُ ثم امتحن بقضاء جبلة فسار سيرة مرضية ثم امتحن بقضاء عدن فكان الزاهد المعروف والعادل الموصوف واجمع أهل عدن على عدالتهِ ونزاهته وصيانة عرضهِ وأخذ بعدن الوسيط للغزالي عن الفقيه عبد الرحمن الأبيني واستفاض ورعه عند الأمراء في اليمن وغيرها. ولما دخل الملك المظفر عدن أثنى التجار على القاضي ثناءً حسناً بعد سؤَال السلطان عنهُ. ثم حدثت قضية أوجبت حضور القاضي إلى مقام السلطان فأمر السلطان بطلبهِ فوصل الرسول وعليه ثياب البذلة وثيابه مع الغسال فرجع الرسول وأعلم السلطان بذلك فازداد عند السلطان مكانة وقال قد " مضى " لهذا الحاكم مدة في هذه البلاد وهو لا يملك إلا بذلة واحدة أن هذا لأمر عظيم. ثم حضر القاضي إليها فقال له السلطان يا قاضي بهاء الدين بلغنا أن القاضي فقير ويجب أن تزيد في رزقه فكم ترى نزيده فقال

ص: 214

عشر دنانير وكانت ثلاثين ديناراً فعتب التجار على القاضي بهاء الدين حيث لم يجعل الزيادة أكثر من ذلك وحملوه كان ذا سيرة محمودة.

قال الجندي أخبرني الخبير بحاله قال كانت سيرته أنه إذا صلى الصبح ذكر الله تعالى ساعة ثم يقوم إلى زيارة ترب الصالحين فيبدأُ بتربة الشيخ جوهر ثم ابن قيدر ثم بتربة ابن أبي الباطل ثم يقوم منها إلى مسجد أبان فيصلي فيه الضحى ثم يأْتي إلى مجلس الحكم فيعقد فيه ما شاءَ الله يقضي بين الناس ثم يدخل منزله فيقيل فيه ساعة ثم هذا دأْبه إلى أن توفي ليلة الخميس السادس من شهر رجب من السنة المذكورة وقبر في القطيع إلى جنب قبر القاضي محمد بن أسعج العيسي رحمه الله عليهما.

وفيها توفي الفقيه الصالح أبو الحسن علي بن محمد بن عثمان بن أبي الفوارس القيني نسبة إلى قين من عك تفقه في الجبل على الإمام بطال بن أحمد بن الركبي وأخذ عن علي بن مسعود وأبي حديد وغيرهما. وكان الفقيه إسماعيل كثير التكرر لزيارته. توفي في السنة المذكورة تقريباً قاله الجندي والله أعلم.

وفيها ولد الفقيه الفاضل أبو عمرو عثمان بن يوسف بن شعيب بن إسماعيل. وكان فقيهاً نبيهاً تفقه بالفقية صالح بن عمرو البرهي. وارتحل إلى حبأ فأَخذ عن عبد الله بن عمر ثم ارتحل إلى تهامة فأّخذ بها عن إبراهيم ابن علي البجلي صاحب شجينة. وأخذ عن إسماعيل الحلي ثم عاد إلى بلده وولي القضاء بها. وكان ميلاده لخمس مضين من صفر من السنة المذكورة ولم أَتحقق تاريخ وفاته والله أعلم.

وفي سنة تسع وثمانين توفي الأمير صارم الدين داود بن الإمام المنصور عبد الله بن سليمان بن حمزة بن علي بن حمزة وكانت وفاته في من صفر وكان من وجوه الأشراف وصدورهم. وكان شاعراً صبيحاً ومن شعره قصيدة يمدح بها الملك المظفر ويسأَله خلاص ولده محمد وكان رهنهُ في قلعة الدملؤّة وهي التي يقول فيها

ص: 215

أعاتبه في الهجر أم لا أعاتبه

واصبر حتى يرعوي أم أُجانبه

فمن مبلغ عني إلى الملك يوسف

أبي عمر معطي الجزيل وواهبه

فشفع أبانا في بنيه فانه

شفيعك في الذنب الذي أنت كاسبه

فيقال أن الخليفة رحمه الله لما قرأَ هذا البيت بكى. وقال أخلصه كرامة لجده صلى الله عليه وسلم. ويقال أنه رأَى النبي صلى الله عليه وسلم فمسح على وجهه وقال لأَجازينك يوم القيامة بها.

وفي هذه السنة نزل السلطان إلى زبيد بسبب الفرحة التي أنشأَها لتطهير أولاد أولاده ونزل بسببها الملك المؤَيد من صنعاء ونزل الشريف جمال الدين علي بن عبد الله والأمير نجم الدين موسى بن أحمد بن الإمام فكان ذلك سبباً لقوة إمارة الأمير همام الدين سليمان بن القسم ابن عمه الأمير صارم المتوفى إلى رحمة الله تعالى فملك الأمير همام الدين حصون ظفار. وسار إلى تلمص بصعدة. فقبضه فلما رجع مولانا الملك المؤّيد إلى صنعاء وقد انتقض الصلح بين الأمير والسلطان كما ذكرنا تظاهر الإمام بنقض الذمة. ولما نقض الإمام الذمة جاءَت كتب أهل المشرق بالطاعة لمولانا السلطان فطلع مولانا الملك بجيوشه وعساكره فلم يبق أحد من قبائل المشرق إلا وصل ودخل في طاعته رغباً ورهباً. ومنهم من امتنع فقاتل الملك المؤَيد الممتنعين وأَخرب ديارهم فدخلوا في طاعته قسراً واستولى الملك المؤَيد على كافة المشرق جميعه فأخرجه.

وفي هذه السنة توفي الأمير الكبير محمد بن عباس بن عبد الجليل وكان قد نال مرتبة مع السلطان الملك المظفر وحمل له طلبخانة وجعله من جملة حرفائه. وكان أميراً كبيراً شهماً فارساً شجاعاً مقداماً لكن غلب عليه العجب فكثر عليه " التشكي " إلى السلطان. ونقل عنه إلى السلطان أمور لا يحتمل الملوك بعضها فلزمه وأَمر بكحله وكان ذلك في زبيد بسنة ثلاث وتسعين وستمائة. فانتقل إلى بيت الفقيه ابن عجيل وسكن هنالك. ولم يزل يتردد بين زبيد وبيت الفقيه إلى أن توفي

ص: 216

في شهر رمضان من السنة المذكورة.

وفيها توفي الفقيه الفاضل أحمد بن أبي بكر بن أحمد القايشي. وكان مدرساً في الجند تفقه بيحيى بن محمد بن ملح وبغيره وأخذ عن عثمان بن رقيد من أهل زيران وكانت وفاته في السنة المذكورة.

وفيها توفي الفقيه النبيه أبو العتيق أبو بكر بن محمد بن سعيد بن علي الحفصي ثم الأزدي فالحفصي نسبة إلى العشاري أبي عمرو حفص المعروف بالدوري أحد من قرأَ على الإمام أبي عمرو بن العلاء البصري والأزدي نسبة إلى الأزد وهي قبيلة مشهورة من قبائل اليمن وهو المعروف بابن العراف. وكان فقيهاً حافظاً بالفقه عارفاً به وكان مولده ومنشأه في قرية ذي السفال. وكان تفقه على محمد بن مسعود ودرس في أول أمره بذي جبلة في المدرسة الرابية ثم انتقل إلى تعز بسؤَال من القضاة بني عمران فدرس بالوزيرية وأشفق عليه بنو عمران وسأَلوه أن يكون مدرساً لأبناء حسان ونائباً لهم في الحكم. فأقام على ذلك أياماً. ثم اعتذر عن الحكم فعذر عن الحكم بابن النحوي وتفقه به جماعة منهم ابن النحوي وابن دريق وابن الصفي وعبد الله الريمي وغيرهم. وكانت وفاته يوم عرفة بعد صلاة الصبح من السنة المذكورة. وعمره يومئذ ثمان وأربعون سنة رحمه الله تعالى.

وفيها توفي الفقيه الفاضل أبو بكر بن علي بن اسعد. وكان اصله من الصفة بني عزلة من جبل عنة والصفة بكسر الصاد المهملة وعنة بفتح العين المهملة والنون المشددة. وهو اسم جبل من جبال اليمن التسعة. ظهر فيها جماعة من الفقهاء والعباد. وكان مولد الفقيه أبي بكر هذا في العاشر من شوال سنة تسع وثلاثين وستمائة. وتفقه بأبي بكر بن العراف وابن التائه وأخذ النحو عن المقدسي المقدم ذكرهما. وكانت وفاته ليلة الجمعة الرابع من ذي الحجة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.

وفيها توفي الفقيه الصالح موسى بن عمر بن المبارك بن مسعود بن سالم ابن سعيد بن عمرو بن علي بن أحمد بن مسيرة الجعفي. وكان فقيهاً صوفياً عارفاً

ص: 217

سالكاً. اشتغل بالفقه مدة بسهفنة على ثم ارتحل إلى تهامة فتفقه بها على الفقيه إسماعيل الحضرمي. ثم صحب الشيخ محمد بن الفصيح أحد أكابر أصحاب الشيخ أبي الغيث فرباه تربية الصوفية حتى صار كاملاً وأمره بالعود إلى بلده. فكان فقيهاً صوفياً وظهرت له كرامات كثيرة كان يبعد من الطعام السنين إنما يشرب بعد العشاء لبناً بعد أن يخلط فيهِ خبر مسحوق وكان هذا دأْبه غالب دهره. ويروى أنه مرض له ولد فأرادت أمه أن تعمل له فروجاً فقال أن تعملي لكل واحد من أولاد الفقراءَ فروجاً فروجا وإلا فلا تفعلي. وكان يُقال لهُ جُنَيْد اليمن وعلى الجملة فمناقُبه كثيرة ثم كان من تأَخر عن الجماعة من أصحابه ضُرب ومن طلع عليهِ الفجر وهو نائم ضُرب ولم على يزل الطريق من المجاهدة بظاهره وباطنهِ إلى أن توفي في المحرم أول شهور السنة المذكورة رحمهُ الله تعالى.

وفيها توفي الفقيه الصالح عثمان بن علي بن سعيد بن سارج وكان فقيهاً صوفياً تفقه ثم تصوَّف وصحب الشيخ مدافع والشيخ علي الرُّميمة واشتهرت له كرامات كثيرة مأْثورة وحكايات معروفة مشهورة توف على الطريقة المرضية يوم الاثنين مستهل ذي الحجة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.

وفي سنة تسعين وستمائة سار الملك المؤَيد من صنعاءَ في عساكره إلى جبل اللوز فقابل الإمام مظهر بن يحيى هنالك وكان الإمام مظهر بن يحيى قد رتب ابن عمه الشريف اسعد بتنعم وفيه حرمه وأولاده فقاتلهُ الملك المؤَيد أياماً على الجبل ثم طلعه عليهِ قهراً في خامس المحرم أول سنة وتسعين وستمائة.

وفي هذه السنة المذكورة اعني سنة تسعين وستمائة توفي الفقيه الإمام العلامة قطب اليمن وعلامة الشام واليمن أبو العباس أحمد بن موسى بن علي بن عمر ابن عجيل. وكان مولده في شهر رمضان المعظم أحد شهور سنة ثمانٍ وستمائة وكان إماماً من أئمة المسلمين عالماً عاملاً صالحاً ورعاً زاهداً لم يكن في الفقهاء المتأَخرين من هو أدق منه نظراً في الفقه ولا أعرف به منهُ غوَّاصاً على دقائق الفئة موضحاً لغوامضة معدوداً تاج العلماء وختام أهل الحقائق اجمع على تفضيلهِ المخالف والمؤَالف ولم يتردد

ص: 218

في صلاحه وفقهه جاهل ولا عارف تفقه بعمه إبراهيم بن علي وبه تفقه جمع كثير من نواح شتى. وكان مبارك التدريس دقيق النظر فيهِ والى ذلك أشار الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الصبحي صاحب المعين حين سئل عن شيءٍ من معاني كلامه على بعض مشكلات المهذب فأجاب عن ذلك وبينهُ ثم أثنى على الفقيه وقال ما مثلنا ومثل هذا الإمام إلا كما قال أبو حامد الأسفرائني في حق ابن شريح نحن نجري مع أبي العباس في ظواهر الفقه دون دقائقه. وكان صاحب كرامات مشهورة ومآثر مذكورة يظهر منها ما يظهر عن كره منهُ.

قال الجندي اخبرني والدي عن بعض ثقات أصحاب الفقيه أنه قال حضرنا يوماً وجماعة عند الفقيه فتذكرنا كرامات الصالحين وربما عنيناه على وضربنا له مثالاً بأهل عواجه وبالفقيه إسماعيل الحضرمي ومن ماثلهم فقال لكل ولي كرمة أَما فلان وما ظهر من كراماته فهو نقص من الإناء واحب أن ألقى الله تعالى بإناءٍ ملآن. وكانت الملوك تصلهُ وتزوره وتعظم قدره وتقبل شفاعته ويريدون مسامحتهُ بما يجب عليه من الخراج السلطاني فلا يقبل ذلك ويقول أحب أن أكون من جملة الرعية الدفاعة. وكان كثير الحج إلى مكة المشرفة وإذا حج معهُ خلق كثير من أهل اليمن تبركاً به وإنساً فلا يكاد يتعرض لهم أحد من العرب بسوءٍ وإن تعرَّض أحد له لم يفلح فكانت القافلة التي تسير إلى مكة في البر في عصرهِ وبعد عصره بدهر طويل إنما يقال لها قافلة ابن عجيل سواءُ سار معها أَو سار معها غيره من الفقهاء وهذا من اعجب الأشياء وما أشبه هذا يقول الأول

قد مات قوم وما ماتت مكارمهم

وعاش قوم وهم في الناس أموات

وكان متى دخل مكة اشتغل الناس بالسلام عليه عن كل شيءٍ ومتى صار في المطاف أَو في الحرم ترك الناس أشغالهم واَقبلوا على مصافحته وتقبيل يده تبركاً فيقول انتم في بيت الله ومحل بركته ورحمته وإنما أنا واحد منكم مخلوق مثلكم فلا يزدادون بذلك إلا إقبالاً عليه.

قال الجندي وحكى بعض الثقات أنه سمع رجلاً من أهل مكة من أهل الدين

ص: 219

والعلم والصلاح يقول لي كذا وكذا سنة فذكر مدة طويلة قلَّ من يعيشها. وفي كل سنة يدخل مكة من العلماءِ جمع كثير ففيهم من يجاور ويقيم وفيهم من يذهب إلى بلده فما رأَيت أحداً فيهم إلا ونور الكعبة وعظمتها يزيد عليهِ إلا ما كان من ابن عجيل فإنه متى دخل الحرم زاد نوره وعظمته على نور الكعبة بحيث لا يبقى للناس تعلق بغيره. ثم كان متى قدم المدينة فعل الناس معهُ كذلك فيقول لهم اتقوا الله هذا نبيكم وهؤلاء صحابته وإنما أنا رجل منكم فلا يزداد الناس إلا إقبالاً عليهِ. وكان إذا ضجر من الناس بمكة والمدينة يغيب عنهم لقضاء مأَربهِ من قراءَة أَذكر أَو صلاة وهذا غالب شغله. وكان إماماً في الفقه والأصولين والنحو واللغة والحديث والفرائض وهو أحسن من ضبط الفنون وقرَّت بمذاكرته العيون.

قال الجندي وأخبرني الثقة من فقهاء عصره أنه قال ارتحلت من بلدي إلى الفقيه أزورهُ وكنت قد أعددت مسائل فقهية وأصولية وكلامية. فلما وصلت إلى الفقيه وسلمت عليه واطمأَن بي المجلس أَقبلت اسأَلهُ عن الفقهيَّة وهو يجيبني ثم عن الأصولية وهو أيضاً يجيبني ثم عن الكلامية فقال أمهلني فأضمرت في نفسي قصوره عن ذلك. ثم لما انفض المجلس وكان حافلاً دخل الفقيه منزله ثم استدعى بي إليه وقال أن العقول لا تكاد تحتمل جواب ما سأَلت عنهُ وربما حصل بيننا مراجعة واعتراضات تشوّيش على بعض السامعين لكن هات السؤَال الأول فأوردتهُ فجاوَب عليه جواباً شافياً ثم أوردت بقية الأسئلة فجاوَب عليها كذلك فحمدت الله تعالى على ذلك وعظم عندي وله مسائل كثيرة سأَلهُ عنها عدة من الفقهاء الإجلاء فأجابهم بأحسن جواب وأَبينه. ولم يكد أحد من فقهاء عصره إلا افتقر إلى فقهه ومعرفته ولم يسمع أنه افتقر إلى معرفة أحد منهم في جواب ولا سؤَال. ولم يزل على ما ذكرنا من التدريس ومجاهدة النفس إلى أن توفي يوم الثلاثاء بين صلاتي الظهر والعصر لخمس بقين من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة.

وكان الملك الواثق إبراهيم بن الملك المظفر يومئذ في مدينته فشال وكانت يومئذٍ إقطاعه من أبيه وهو على نصف مرحلة من بيت الفقيه تقريباً فلما علم بوفاة

ص: 220

الفقيه ركب في خاصته وحضر غسل الفقيه وكان من جملة الغاسلين ثم لما حمل إلى تربته كان من الحاملين وتولى إنزاله في قبره مع من تولى ذلك فغبطه على ذلك كثير من أعيان زمانه. وكان للفقيه عدة أولاد منهم إسماعيل كان فقيهاً فرضياً توفي في سنة سبع عشرة وسبعمائة. وموسى كان فقيهاً حبراً ديناً تفقه بأبيه وتوفي في سادس شعبان سنة عشرين وسبعمائة. وإبراهيم كان فقيهاً ديناً ورعاً يحب الاعتزال قلَّ من يجتمع به من الواصلين إليه تفقه بأبيه وأخذ النحو عن الفقيه عمر بن الشيخ من أهل شريح المهجم توفي سنة سبع وعشرين وسبعمائة رحمة الله عليهم أجمعين.

وفيها توفي الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى بن علي بن محمد بن مغلب وكان فقيهاً بارعاً عارفاً بالفروع والأصول تفقه بأبيه ثم بفقهاء المصنعة ثم بالفقيه عمر بن مسعود الأبيني بذي هريم. ثم بأحد الوزيرين وربما قيل بهما. وكان فقيهاً كبيراً وهو آخر من يعد فقيهاً من بني مغلب. قالهُ الجندي وكانت الجند مورد العلماء ومستقر الملوك وهي مسكنه فكان يأخذ عن كل من ورد إليه من العلماء فاكتسب علوماً جمَّة. وكان معظماً عند أهل الدولة والبلد وكرههُ بنو عمران لأنه لم يكن يخضع لهم ولا يلتفت إليهم فكانوا يذكرون للسلطان عنهُ أموراً قبيحة منزهُ عنها وإنما كان غرضهم بذلك إسقاطه عند السلطان فوقر كلامهم في أذن السلطان الملك المظفر. وكان قد استفاض ين الناس صلاحه وعمله فقعد السلطان يوماً في مجلس حافل بأعيان دولته ولم يكن الوزير فيهم فتذاكروا الجند ومن فيها من العلماء فذكروا هذا إبراهيم بن عيسى فقال السلطان أنه يذكر لنا عنهُ أشياء لا تليق فذكر بعض الحاضرين للسلطان وحقق لهً أنه ليس في الجند أحد افقه منهُ ولا أصلح وإنما لهُ أعداء يكرهونهُ ويحسدونهُ ويكذبون عليهِ كراهة لهُ أن يتصل بكم. فوقع ذلك في قلب السلطان ثم أمره ولدهُ الأشرف أن يستدعيه ويقرأ عليه ففعل ذلك فلما حضر وجدهُ فقيهاً كاملاً ورجلاً مباركاً فلازمهُ على أن يكون له وزيراً فلم يفعل فجعل لهُ انتقاداً جيداً في كل سنة. وتفقه به جماعة منهم أبو بكر بن مليح وأبو بكر بن المغربي ويوسف ابن يعقوب الجندي والد المؤرخ. وأخذ عنهُ أبو الحسن علي بن

ص: 221

أحمد الأصبحي وجمع كثير. وكان لبسه القطن وتوفي في الجند في عشرة شهر ربيع الأول من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.

وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن الحسين بن أبي السعود بن الحسن بن مسلم بن علي الهمداني. وكان مولده لليلتين من ذي الحجة من سنة اثنتين وخمسين وستمائة. وكان صاحب قراءات ومسموعات وغلبت عليه العبادة وكان من أكثر الناس تلاوة للقرآن مع الزهد والورع إلى أن توفي على ذلك ليلة الاثنين لخمس يقين من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.

وفيها توفي الفقيه الصالح عبد الرحمن بن سعد بن علي بن إبراهيم بن أسعد بن أحمد بجمعة والفقية عمر بن سعيد العقيبي أسعد بن أحمد. وكان مولده سنة ست وثلاثين وستمائة بعمه عمر بن سعيد ولزم مجلسه بعده وعكف عليه أصحابه. وكان كثير الحج والزيارة وهو أول من ادخل العزيز شرح الوجيز إلى الخيال ومنه أخذ الشيخ أبو الحسن الأصبحي عن أبيه وصحح به معينه. وتفقه به جماعة من أهل عصره. وكانت وفاته يوم الأحد لإحدى عشر ليلة خلت من المحرم أول شهور السنة المذكورة. وعمره يومئذ ثلاث وخمسون سنة قاله الجندي. والله أعلم.

وفيها توفي الفقيه البارع أبو العباس أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن يوسف بن أبي الخل. وكان مولده ليلة الأربعاء السادس عشر من شوال سنة ثمان وأربعين وستمائة. وتفقه بعمه صالح وتزوج ابنته وغالب تفقهه بالإمام إسماعيل بن محمد الحضرمي. وكان فقيه عصره فقيهاً محجاجاً غواصاً على دقائق الفقه عارفاً بأخبار المتقدمين صاحب فنون متسعة. ولما تحقق الملك المظفر كماله ونبله وفضله وعمله وأنه يصلح لقضاء الأقضية استدعاه إلى تعز فلما وصل تعز استدعاه السلطان إلى مقامه واستحضره فرأى رجلاً كاملاً فسأله أن يلي قضاء الأقضية بتهامة فاعتذر وسأل من السلطان الأذن في العود أي بلاده فأذن له فسافر من فوره. وكان قد اعترضه أَلم فلم يصل حيس إلا وقد أشفى فتوفي بها وقبر في مقبرة حَيس الشرقية على

ص: 222

يمين الخارج من حيس إلى قرية السلامة. وكانت وفاته يوم الأربعاء السادس من شوال من السنة المذكورة رحمه الله تعالى ويقال أنه مات مسموماً والله أعلم.

وفيها توفي الشيخ أبو الحسن علي بن عمر المعروف بالأَهدل. وكان كبير القدر شهير الذكر يقال أن جده محمد قدم من العراق إلى اليمن على قدم التصوف وهو شريف حسيني فسكن أجواف السوداء من وادي السهام وأولد هنالك. وكان ابن عمه هذا علي بن عمر محمد على طريقة مرضية وأختلف فيمن أخذ عنه اليد فقيل أنه مجذوب. وقيل بل صحب رجلاً سائحاً من أصحاب الشيخ عبد القادر الجيلاني يقال له محمد بن سنان الأحوزي وقيل بل رأَى أَبا بكر الصديق فصافحه وأخذ عنه يد التصوف. وقيل صحب الخضر عليه السلام.

قال الجندي وسمعت بعض أصحابه وذريته يقولون كان الشيخ يميل إلى تبجيل الاحوزي. ولما توفي على قدم السياحة إذ لم يزل ذلك دأبه خرج الشيخ علي بن عمر إلى أصحابه فنعاه إليهم وأمرهم بالاجتماع للصلاة عليه فاجتمعوا وصلوا عليه. وكان الشيخ صاحب تربية وكرامات وأحواله أكثر من أن تحصر. وكانت وفاتهُ في أثناء المذكورة تقريباً والله أعلم.

وفيها توفي الفقيه الصالح أبو القبائل عبد الرحمن بن الحسن بن علي بن عمر بن محمد بن علي بن أبي القسم الحميري. وكان من الرجال المعدودين وكان تفقه بأبيه ثم بالفقيه إسماعيل الحضرمي والقاضي عباس صاحب في المظفرية ثم الفصل إلى مدرسة ذي هريم ثم إلى الناجية. ثم لزم بيته بمعزية تعز وحصل عليه في آخر عمره مرض شديد وتطاولت عليه أيام المرض فأراد الطلوع إلى صنعاء لاعتدال هوائها فاكترى من رجل غريب وسافر معه فلما انفرد به في الطريق قتله وأخذ ما معه. وكان قتله في السنة المذكورة تقريباً والله أعلم.

وفي سنة إحدى وتسعين أخذ الملك المؤَيد جبال اللوز فطلعها في خامس المحرم كما ذكرنا. وقتل طائفة من عسكر الإمام وخرج الإمام هارباً في طريق متوعرة

ص: 223

وشعوب لم تسلك قبل ذلك فخرج على بلاد بني وهاس ثم على الظاهر إلى أن سار إلى ذروان. وعلا الملك المؤَيد جبال اللوز إلى صنعاء ظافراً مسروراً فأقام فيها بقية عامه ذلك.

وفي هذه السنة توفي الفقيه الإمام الفاضل أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن محمد بن منصور الأصبحي. وكان فقيهاً كبيراً عالماً عارفاً محققاً مدققاً موفقاً في الجواب مبارك التدريس تفقه به جمع كثير من نواحٍ شتى وله عدة مصنفات منها المصباح مختصر في الفقه. والفتوح في غرائب الشروح والإيضاح في مذاكرة التنبيه. والوسائل. والترجيح. وفضائل الأعمال. والإسراف في تصحيح الخلاف. وكان الناس قد عكفوا عليه حتى ظهر كتاب المعين تصنف تلميذه أبي الحسن علي ابن أحمد الأصبحي. فاشتغل الطلبة وغيرهم بالنظر فيه عن غيره. وكان هذا الفقيه رجلاً عابداً زاهداً متورعاً كثير التلاوة للقرآن. وكان راتبه كل يوم من الأسبوع سبعاً من القرآن. وفي شهر رمضان ستين ختمة يقرأُ في كل يوم ختمة وفي كل ليلة ختمة فلما جاءَ شهر رمضان الذي توفي عقبيه ختم خمساً وسبعين ختمة وكان شديد الورع من صغره لا يأكل إلا ما تحقق حله. ولقد أَقام في مصنعة سير فوق عشرين سنة لا يأكل لهم طعاماً إنما يأكل من كيلته من وقف وقفهُ القاضي أبو بكر بن أحمد على من يدرس في جامع المصنعة وكان كثير العبادة وزيارة الصالحين والمساجد المباركة. وممن تفقه به الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الأصبحي والفقيه عبد الوهاب بن الفقيه أبي بكر بن ناصر وعبد الله بن سلم وأبو بكر بن الليث ومحمد بن أبي بكر ومحمد بن عبد الله بن أسعد العمرانيان وغيرهم. وكانت حلقته تجمع أكثر من مائة فقيه في غالب الأوقات وربما بلغوا أكثر من مائتين في كثير من الأوقات ثم ضاقت به المصنعة فانتقل عنها إلى مدينة إِب فتلقاه أهلها بالإجلال والإكرام واحتملوا من جاءَ معهُ من الطلبة وقاموا بكفاية الجميع ما داموا منقطعين. وتوفي على أَحسن حال يوم الجمعة السادس من شوال من السنة المذكورة رحمه الله. وعمره يومئذ تسع وخمسون سنة. وقبر إلى جنب قبر الإمام سيف السُّنَّة ورآه بعض الفقهاء

ص: 224

بعد موتهِ في المنام فقال له ما فعل الله بك. فقال أخذ بيدي وأدخلني الجنة.

وفيها توفي الفقيه الصالح محمد بن يَنَال بياءٍ مثاة من تحتها مفتوحة ونون بعدها ألف ولام. وكان أبوه بليغاً سكن بذي جبلة ثم تأَهل بها فظهر له هذا المذكور فنشأَ نشوءاً حسناً وتفقه بأهل جبلة. وكان جيداً حسن الأُلفة كثير المحفوظات فقيهاً فرضياً درَّس بالشرفيَّة إلى أن توفي أول السنة المذكورة رحمه الله تعالى.

وفي سنة اثنين وتسعين حصلت الوحشة بين الشريف جمال الدين على ابن عبد الله وبين الملك المؤَيد فتخوَّف الشريف جمال الدين من الملك المؤَيد فترك الوصول إليه وأخرج حريمه من صنعاءَ ليلاً فنمي ذلك إلى الخليفة فكتب إلى الشريف علي بن عبد الله يسأَله عن سبب تخلفه عن الوصول فكتب إليهِ الشريف جواباً يقول فيه أن ابنك ملك شاب قادر وأخاف منه بارة وأكثر ما تقول أَخطأَ داود. فعاد جوابه معاذ الله أن يفعل ذلك وإن يفعل أبوه فلم تطب نفس الشريف وبقي على الامتناع ثم تأَكدت الوحشة وتظاهر الأمير جمال الدين بالخلاف ومراسلة الإمام. وكان الإمام في حصنه بحجة والأمير في حصنه براش في المعازب فأجابه الإمام وطلع إليه بعسكر عظيم وحشر الأمير جمال الدين ومن معه من أهل شظب وأهل الظاهر والتقى بالإمام وقصد الجميع منهم الكولة وحطوا عليها أياماً فلم يتصلوا بشيءٍ منها. وبعد ذلك اتفق كافة الأشراف واختلفوا وهدموا ما بينهم من الذحول والقتل واجتمعوا على حرب السلطان فكتب بعض الأشراف إلى الملك المؤَيد كتاباً يقول فيه

تنح عن الدست الذي أنت صدره

وعدّ عن الملك الذي حزته غصباً

رويدك أن الله قد شاءَ حربكم

وصيرني الرحمن في ملكه حرباً

سأجلبها شعثا إليك سواريا

مضمرة جرداً مطهمة قبا

عليها ليوت من لؤَي بن غالبٍ

بها ليل بسامون قد مارسوا الحربا

فما في جبال اللوز عارُ لسدٍ

غدت وأكفاف السحب من دونه دربا

فأجابه الملك المؤَيد بكتاب وأبيات يقول فيها:

ص: 225

رويدك لا تعجل فما أنت بعلها

سيأتيك فتَّاك يعلمك الضربا

فان تك ذا عزم فلا تك هارباً

كعادة من قد صرت من بعده عقبا

وسائل جبال اللوز عنا وعنكم

فأفضلكم ولى وخلفكم نهبا

فعاملتكم بالصفح إذ هو شميتي

وما انتم تعفون عن واقع ذنبا

ولما اتفقت كلمة الأشراف واجتمعوا على حرب السلطان جرد عساكره المنصورة. وطلعت خزانته المعمورة من اليمن فكانت الخيل نحواً من ألف فارس والرجل نحواً من عشرة آلاف راجل وخرج الملك المؤَيد في عساكره من صنعاء وعساكر أبيه التي طلعت من اليمن فطلع الظاهر وحط في الماجلين فحصل بينه وبين الأمير جمال الدين علي بن عبد الله بن علي بن وهاس خطاب ومراسلات. ثم التقوا واصطلحوا. وقد عاد إلى الملك المؤَيد بعد أن حلف له على الوفاء فأقام الملك المؤيد هنالك شهراً. ثم طلع الظاهر وأقام في الظاهر الأَعلى أياماً ثم نهض إلى الظاهر الأسفل ثم قصدهم إلى ما جل الصعدي فوقع هنالك قتال عظيم وولت الخيسل والرجل من عساكر الأشراف حتى صاروا بالأكمة الحمراء فخالف بنو شهاب وأهل حضور وانحازوا من عسكر السلطان إلى عسكر الاشراف وردوا ردة صادقة فقتل خمسة أنفار وعاد الملك المؤَيد إلى محطته ثم نهض إلى الكولة ولم يقف غير ليلة واحدة ونهض إلى البون وطلب منهُ الأمير عبد الله بن علي بن وهاس عسكراً يقف معهُ فأعطاهُ خيلاً ورجلاً ورجع إلى صنعاءَ.

وفي هذه السنة اقطع السلطان الملك المظفر ولده الملك الواثق إبراهيم ابن يوسف ظفار الحبوضي فسافر إليها في البحر من عدن في شهر رمضان ولم يزل إلى أن توفي في التاريخ الآتي ذكره أن شاء الله تعالى.

وفيها توفي القاضي الأجل أبو محمد عبد الرحمن بن القاضي محمد بن أسعد ابن محمد بن عبد الله بن سعيد المقري العبسي المذحجي. وكان مولده في الثامن عشر من جمادى الأخرى من سنة سبع وأربعين وستمائة. وكان ذا عبادة وزهادة واجتهاد في العلم. وولي قضاءَ عدن مدة فكادره رجل من التجار يقال له بن مكاس بان كذب

ص: 226

عليه إلى السلطان فحمل السلطان كلامه على الصدق وأَمر بعزل القاضي فعزل عن قضاء عدن ولم يفلح التاجر بعد ذلك بل أخرجه الله من عدن واسكنه بين الكفار في الهند وصار غلاماً لملك منهم إلى أن توفي على حالة غير مرضية. ولما انفصل القاضي من عدن كما ذكرنا ورجع إلى بلاده من ذي اشرف حسده بعض أهل الوقف فكاده إلى القضاة أهل سير فكرهوه وظهر له منهم ذلك فلاذ بالملك الأشرف توقياً لشرهم فجعله والياً وأحسن إليه. فلم يزل معه مجللاً إلى أن توفي في آخر يوم من رمضان من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.

وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد بن نجاح المعروف بابن ثمامة بثاءٍ مثلثة مضمومة وميمين مفتوحتين بينهما ألف وآخر الاسم هاء تأنيث. وكان مولده سنة سبع وعشرين وستمائة وتفقه بألفيه إسماعيل بن محمد الحضرمي وتزوَّج بابنته فولدت له ولدين هما إسماعيل ابن علي ومحمد بن علي واستخلف الفقيه إسماعيل على قضاء القحمة فذكر عنه حسن السيرة وكمال القضاء ولم يزل حتى جاء خصمان أدعى أحدهما على الآخر شيئاً. وكان المدعى عليه قد تقدمت له هدية إلى القاضي وصحبه قبل القضاء " كذا في الأم ". وكان مبارك التدريس أثنى عليه الفقيه جمال الدين محمد بن عبد الله الحضرمي. قال وكان من ابرك المدرسين تدريساً. وكان عظيم الخشية سريع العبرة عند ذكر الله تعالى وكان يسمى البكاء لذلك. وكان ممن يزار ويتبرَّك به. وكانت وفاته يوم الخميس سابع عشر ذي الحجة من السنة المذكورة رحمه الله تعالى. وخلف ابنه إسماعيل فكان فقيهاً كريم الأخلاق. وتوفي في جمادى الأولى من سنة تسع وسبعمائة.

وفيها توفي الفقيه الصالح أبو الخطاب عمر بن محمد بن أحمد بن مصباح العنسي بالنون وكان فقيهاً حسن السيرة كثير الحج يقال أنه حج ستاً وثلاثين حجة. وكانت وفاته في السنة المذكورة رحمه الله تعالى.

وفي سنة ثلاث وتسعين تجهز الملك المؤَيد للحرب والطلوع إلى ناحية حضور والبلاد الشهابية. فخرج من صنعاء وحط في القبة فوقع بينه وبين الأمير جمال الدين

ص: 227

علي بن عبد الله مراسلة وخطاب في معنى الصلح على أن الملك المؤَيد يرجع إلى صنعاءَ وإن إتمام الصلح يكون في ظفار ولم يرد الأمير جمال الدين بذلك إلا الخديعة لأنه كان غير أهبة للحرب فرجع الملك المؤَيد إلى صنعاءَ وتجهز الأمير جمال الدين للمسير إلى ظفار واستصحب معه مشايخ البلاد وأكابرها. وجهز الملك المؤَيد وزيره الفقيه شرف لدين أحمد ابن علي بن الجنيد في خمسين فارساً من المماليك البحرية ومائتي رجَّال وما يحتاج إليه من الخام والمطابخ والآلة وجماعة من الجاندارية والبردارية فخرج من صنعاءَ وحط تحت ظفار في ورود ثم طلع إلى ظفار في جماعة من الجند وجماعة من الرجال وتحدثوا في أمر الصلح وأوجدوا الوزيران أن الأشياء تامة وما مرادهم إلا إصلاح أمرهم واستلحاق من تأَخر عنهم من أصحابهم مثل الأمير موسى بن أحمد بن الإمام والأمير جمال الدين عبد الله بن علي بن وهاس فكاتبوهما واستمالوهما فخالفا على السلطان أَيضاً ودخلا ظفار موكبين فاتفقوا جميعاً وحلف الكل منهم للأمير همام الدين سليمان بن القسم. فلما اتفقت كلمتهم اجتمعوا بالفقيه شرف الدين وقد كتبوا كتاباً بسبب الصلح. وتشرَّطوا فيه أشياء لم تجرِ بها عادة وقالوا نحن لا نصالح إلا على ما قد ضمنَّاه هذا الكتاب فأرسل به إلى مخدومك. فصدره الوزير إلى الملك المؤَيد فلما وقف على مضمونه أرسله إلى والده الخليفة فلما قرأَه الخليفة استنكره ولم يكن له جواب إلا خروج الأمر العالي إلى ولده الملك المؤَيد يأمره بالخروج في عساكره إلى البلاد الشهابية والحضورية وتجهز الأمير بدر الدين حسن ابن بهرام والفهد بن حاتم إلى ناحية صعدة فخرج الملك المؤَيد إلى البلاد الشهابية فأخرب منها عدة مواضع ثم نهض إلى ناحية حضور فأخرب فيها مواضع أيضاً في حارة الجبل ووصل الأمير تاج الدين محمد بن أحمد بن يحيى ابن حمزة بعسكر جرار نحو من ألفي راجل مادة للأمير جمال الدين علي بن عبد الله وخرج الأمير همام الدين سليمان بن القسم من ظفار فحط في موضع يسمى قسط من بلاد ابن وهاس قريب من الرحبة. فكان الملك المؤَيد يحاربهما تارة في رهقه وتارة في حبل حضور. وصبح بيت شعيب فأخذه قهراً بالسيف وقتل أهله ثم عاد إلى بلد ابن وهاس فأَخذ قرية بني

ص: 228

القديم واخرب البلاد وعاد إلى صنعاء في شعبان من السنة المذكورة. فوقع عقد ذمة في باب السلطان بالصلح بينهُ وبين الأشراف. وأَما جريدة صعدة فكان مقابلتهم الأمير نجم الدين موسى بن أحمد بن الإمام في نحو من ثلاثمائة فارس ما خلا الرجل فوقعت بينهم حروب حصل القتل في الفريقين ثم حصلت ذمة ثلاثة اشهر ثم نزل الملك المؤَيد إلى الأبواب السلطانية ونزلت رسل الأشراف لتمام الصلح وخرج الأمير علي بن عبد الله إلى ناحية المشرق فابتنى مصنعة تنعم وأجابه أهل المشرق قاطبة واتصل بالأمير سليمان بن محمد سليمان بن موسى وكان في ناحية ذمار وركن اليأس إليهم ووقع الفساد في البلاد فورد أمر السلطان بطلوع الملك الأشرف إلى البلاد العليا بسبب الصلح فتقدم إلى صنعاءَ فكان دخوله صنعاءَ يوم الاثنين العاشر من ذي القعدة من السنة المذكورة. فوصل إليه أهل المشرق قاطبة وكافة أهل حضور والأمراء الشهابيون وجاءَ بنو الراعي إرسالاً ثم خرج الأمير علي بن عبد الله من ظفار إلى ردمان فخرج أمر مولانا السلطان الملك الأشرف على الأمير بدر الدين محمد بن حاتم بالمضي إلى ردمان والمسير مع علي بن عبد الله إلى صنعاءَ. وقد كان الأمير تاج الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن حمزة وصل إلى الشريف علي ابن عبد الله وأَقام عنده في ردمان فنزلا معاً صحبة الأمير بدر الدين محمد ابن حاتم إلى الملك الأشرف بصنعاءَ. فلما وصلوا القلعة لقيهم الأمير صلاح الدين أبو بكر بن الملك الأشرف مؤْنساً لهم ومشرفاً. فلما صاروا قريباً من المدينة لقيهم الملك الأشرف بنفسه في عساكره وجنوده فسلموا عليه ودخل الجميع منهم تحت ركابه حتى وصلوا القصر السعيد فأكرمهم وقابلهم بالقبول ولم يبقَ أحد ممن شهر نفسه بالخلاف إلا وصل إليه رغبة ورهبة. وقال في ذلك أخو كندة يمدح الأشرف في قصيدة أولها.

هو في انتقاد البيض طب صيرف

فتنحَّ عنهُ فربما لا يعرفُ

يرتاح من كل الملاح إلى التي

في ثغرها بردُ يرف وقرقفُ

واسأَله عما شئت من أَلم الهوى

يخبرك فهو المستهام المدنفُ

ما فارق العلمين حتى علما

أجفانه كيف المدامع تذرفُ

ص: 229

أبداً ولا عنت بعسفان المها

إلا وعَنَّ له هوىً متعسفُ

ولطالما سارت غرائب نظمهِ

وسمت فكان له النقاع المشرف

مدحُ إذا رُويت أشاد بذكرها

عمر وشرفها المليك الأشرف

عقل به وسمت ومن تنكيرها

أضحت بطيب ثنائه تتعرَّفُ

وبضاعة حليت فشتى ريحها

فيما لديهِ مخطبُ ومعرَّفُ

ملك بيمن قدومهِ باب الرجا

فتح وسحب الجود جودُ وكَّفُ

فرمُ تشذر فالوغا مشبوبة

والخيل تعدو والركائب توجفُ

ومعوَّدُ للنصر مشهورُ بهِ

راياتهُ بدمِ الفورس ترعُفُ

وأفا وليُّ العهد جاد عهادنا

وأَماننا من كل ما يتخوَّفُ

برد تقمصه الممهد خصهُ

بلباسهِ الملك المظفرَّ يوسفُ

قل للأولى زعموا بان عنادهم

ما كان حتى كلفوا ما كلفوا

ليعد إلى المحبوب كل مكلفٍ

فلديه ملكُ بالرضا متعطفُ

أوْ فليثق أن لجَّ في طغيانهِ

بعقاب يوم ليس فيهِ منصفُ

هذا ملاذ الخائفين وهذهِ

عين الحياة فمن احب فيعرفُ

هذا ابن سيد يعربٍ ومليكها

هذا الجواد السيد المتغطرف

حرام الخلافة ما عداهُ فخائفُ

من حوله يتخطف المتخطفُ

شن الو قبلهُ

في الصيت إلا آخر متخلفُ

وتأَلفت فيه تكن

إلا بسيرة عدلهِ تتأَلَّفُ

ودعا مناديه الأنام فلم يكن

للخلق عند ندائهِ متوقفُ

يغشون باب متوجِ ما أن لهم

عنهُ وعن غشيانهِ متصرفُ

ويروعهم خلف الحجاب مملَّك

يمضي وينجز ما يقول ويسعفُ

سهل لمن والاه عدلُ منصفُ

وعرُ لمن عاداهُ حتفُ متلفُ

عمت مراحمهُ وعمَّ عقابهُ

فهو النسيم يهبُّ فيهِ الحرجفُ

قال صاحب العقد ثم اقبل الملك الأشرف على حديث الصلح فيما بينهُ وبين

ص: 230

الأشراف كافة على يد الأمير جمال الدين علي بن عبد الله وتمت الأمور وصاحت الصوائح واطلَّ عيد النحر والخلق كلهم على بابه من الشرق والغرب والغز فخرج إلى الميدان في عساكره المحشودة. ثم انقلب إلى المصلى إلى أفخم حال وأَعلى شأْن ووقف في صنعاءَ في الحجة والمحرم.

وفي سنة أربع وتسعين تجهز الملك الأشرف للنزول إلى اليمن فكان خروجه من صنعاءَ يوم الجمعة الثاني عشر من صفر من السنة المذكورة. فلما وصل إلى تعز واستقر بها اختصهُ والده بالملك العقيم ومكنه أزمة الأمر القويم وخرج التقليد الكريم. بمشهد من الملوك العظماء والجحاجح الكرماء. ناطقاً بفصل الخطاب. وإنارة التحقيق وأصواب. بما يربي على الروض غب السحاب. ويزري بفريد الدر في عُنق الكعاب. قائلاً بعد الحمد

ص: 231

قال المصنف رحمه الله وكان للمظفر رحمه الله من الآثار الحسنة ما هو مشاهد

ص: 232

إلى الآن. فمن ذلك المدرسة التي أنشأَها في معزية تعز المعروفة بالمظفرية جعل فيها مدرساً ومُعيداً وعشرة من الطلبة ورتَّب فيها إماماً ومؤذناً ومعلماً وعشرة أيتام يتعلمون القرآن وقيما ووقف عليها ما يقوم بكفاية الجميع منهم. وابتنى مسجداً في معزية تعز يعرف في وقتنا هذا بالمسجد الجديد ورتَّب فيهِ إماماً وخطيباً ومؤَذنين وقيمين ووقف عليهِ ما يقوم بكفايتهم الجميع.؟ وله دار الضيف بذي عُدينة أيضاً. وابتنى الخانقة التي في مدينة حيس ورتب فيها إماماً ومؤذناً وقيماً ومعلماً وأيتاماً يتعلمون القرآن. وجعل طعاماً للواردين في كل يوم مد من الحب بمد أهل اليمن يزيد على حمل الجمل الضخم الشديد خارجاً عن اللحم والتمر. ووقف ويقال أن وقف الخانقة المذكورة التي في مدينة حيس في كل سنة من الطعام. ومن مآثره الجامع المظفري الذي في مدينة المهجم رتب فيهِ مدرساً ودرسه وإماماً وخطيباً ومؤذناً وقيماً ومعلماً وأيتاماً ووقف عليهم وقفاً جيداً يقوم بكفايتهم. ومن مآثرهِ أيضاً الجامع في واسط المحالب ورتب فيهِ إماماً وخطيباً ومؤذناً ومعلماً وأيتاماً ووقف عليهم ما يقوم بكفايتهم. وابتنى مدرسة في ظفار الحبوضي وأوقف عليها ما يقوم بكفاية المرتبين فيها. وابتنى خادمه بدر المظفري في مدينة زبيد مدرسة للفقه على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه ومدرسة لأصحاب الحديث ومدرسة لقراء القرآن الكريم بالقراءات السبع ودار مضيف ورتب في مدرسة الفقه ومدرسة القراء ودار المضيف في كل موضع إماماً ومؤذناً وقيماً ووقف على الجميع ما يقوم بكفايتهم.

وكانت دولة الخليفة رحمه الله تعالى أقرب إلى العدل والرأفة وكان يجالس العلماء والصاحين. وكان رحمه الله مشتغلاً بالعلم أخذ من كل فن بنصيب قرأ الفقه على الفقيه محمد بن إسماعيل الحضرمي وغيره والحديث على الفقيه محمد بن إبراهيم الفشلي وعلى الفقيه محب الدين أحمد بن عبد الله الطبري وقرأ النحو واللغة على الشيخ بن يحيى إبراهيم الحمك وقرأ المنطق على الفقيه أحمد بن عبد الحميد السرددي وجمع أربعين حديثاً من أحاديث رسول الله صلى عليهِ وسلم عشرين في الترغيب

ص: 233

وعشرين في الترهيب. وحدثني الفقيه جمال الدين محمد بن عبد الله الريمي وسمعتهُ غير مرَّة يقول طالعت أمهات كتب الحديث من كتب مولانا الخليفة المرحوم فوجدتها كلها مضبوطة بخط يده حتى أن من رآها يقول لم يكن له شغل طول عمره مع كثرة اشتغاله بالعلم في فنون شتى واشتغاله بأمور المملكة. وقال معلمه الفقيه محمد بن الحضرمي كان مولانا الملك المظفر يكتب كل آية من كتاب الله تعالى وتفسيرها فيحفظها ويحفظ تفيرها على ظهر قلبه غيباً. وكان له في علم الطب يد طولي. ولما افتتح مدينة ظفار الحبوضي ذكر في كتابه إلى الملك الظاهر بيبرس صاحب مصر أنه يحتاج إلى طبيب لمدينة ظفار لأنها وبيئة. وقال ولا يظن المقام العالي أنا نريد الطبيب لأنفسنا فإنا نعرف بحمد الله من الطب ما لا يعرفهُ غيرنا وقد اشتغلنا فيهِ من أيام الشبيبة اشتغالاً كثيراً وولدنا عمر الأشرف منت العلماء بالطب وله كتاب الجامع ليس لأحد مثله. وكان المظفر رحمه الله متضلعاً من العلوم. ويؤَيد ذلك ما رأيت بخطه في جزءٍ من تفسير فخر الدين الرازي ما نصه: نقول طالعت هذا التفسير من أوله إلى آخرهِ مطالعة محققة ورأيت فيهِ نقصاناً كثيراً وجاءَني من الديار المصرية أربع نسخ من قاضي القضاة تاج الدين بن بنت الأعز فرأيت فيها النقصان على حاله فلم اقنع بذلك بل اعتقدت أنه من الناسخ فأرسلت رسولاً قاصداً إلى خاسان إلى مدينة هراة فجاءَني بنسخة المصنف وقد قرئت عليهِ فرأيت فيها النقصان على حاله وتبيضاً كثيراً فانظر إلى هذه الهمة العالية في تحقيق العلوم والاجتهاد فيها ومطالعة هذا التفسير الجامع للعلوم. وكان محباً للرعية ومحسناً إليهم لا يكلفهم فوق ما يطيقونهُ. وإذا شكا أهل جهة من عامل من العمال أو كاتب من الكتاب عزله عنهم ولا يعيدهُ إلى تلك الجهة أبداً خوفاً من عائلته عليهم. وكان إذا زادت جهة في الخراج على المعتاد أو نقصت عن الخراج المعتاد سأَل عن سبب الزيادة والنقصان فإن كانت الزيادة من بدعة أبدعها العامل أو النقصان لخراب في الجهة أدب العامل أدباً بليغاً وصادرهُ وترك استعماله البتة. وكان يأْمر الولاة والمقطعين بالعدل في الرعية وتبجيل العلماء.

ص: 234

ويروى أنه كان لهُ خمسمائة فارس في مصر يجاهد الإفرنج ويحمل حواتكها من اليمن مع ما كان يحمله إليهم من أصناف الهدايا والتحف.

ويروى أن ملك الصين حرم على المسلمين في بلده الختان فتعبوا من ذلك وضاقوا فكتب إليه السلطان الملك المظفر رحمه الله كتاباً يشفع إليه في الإِذن لهم وأرسل إليه بهدية سنية توافق مراده فقبل شفاعته وأذن لهم في ذلك. وظهر له من الولد سبعة عشر ذكراً مات أكثرهم في سن الطفولة وعاش منهم بعد وفاته خمسة رجال وهم: عمر الأشرف. وداود المؤيد. وإبراهيم الواثق. وحسن المسعود. وأبو المنصور. وكلهم ولي ملكاً وخطب له على المنابر وضربت السكة على اسمهِ إلا المسعود فإنه لم يتصل بشيءٍ من ذلك. وكان وزيره القاضي بهاء الدين محمد بن أسعد العُمراني. ومدحهُ عدَّة من الشعراء الفصحاء المشهورين منهم الشاعر المشهور محمد بن حمير وكان أوحد عصرهِ أدرك صدراً من دولتهِ ولهُ فيهِ غرر المدائح في أيام إمارتهِ وأيام خلافته. وهو القائل يهنئهُ في أيام إمارته وقد أقطعه والدهُ رمع وظهر له يومئذِ ولده الملك الأشرف فقال يهنئهُ

هنيت بالولد الميمون والبلدِ

ولا برحت سعيداً مدَّة الأبد

في غرَّة البدرِ في عمر الشوامخ في

سعادة المشتري في جبهة الأسد

أُعيذهُ بعد أسماءِ الإِلهِ بقل

وقل وقل وبحمد الواحد الصمد

من العيون ومن ريب المنون ومن

دقس المنون ومن نفاثة العقد

ومنهم القاسم بن هتيمل شاعر المخلاف السليماني رحمه الله. وكان فصيحاً حسن الشعر مداحاً وله في السلطان الملك المظفر رحمة الله عليه عدة قصائد من المشهورات من ذلك قوله:

اَّعدلي أَحاديث الفريق وكرر

وهات لنا عن حاجر ومحجر

وكيف الله أًرتاضه

ترف برقراق النضارة أخضر

تطل طله

بأَبيض في أَحوى النبات وأصفر

ص: 235

كان دهاق أرب يمم فوقه

سبائب مرّ أو درانك عبقر

إذا ما النسيم الرطب صافح تربه

تعطر من حوذانه المتعطر

وهل من نسيم الريح والرند نفحة

ممسكة في طي نشر معبر

ويا لائمي في نفحة حنيت بها

ضلوعي على جمر الغضا المتسعر

أرحني فما صدري بهضب عمانه

فاسلو ولا قلبي صفاة المسيفر

ومن لي ويوم الدجن ليس بمشمس

مضيءٍ وليل الحظ ليس بمقمر

بساقيه تسعى إليَّ بأَُزهر

رذوم بذي لونين أحمرٍ أحمر

إذا باشرته بالبنان تعصفرت

أناملها من صبغة المتعصفر

تدل بخصر في النطاق مؤَنث

لطيف وصدر في العناق مذكر

ترى الليل فوق الشمس في خيزرانة

مرنحجة في حقنها المتمرمر

تذلل فإن يشمخ عليك بأنفه

عزيز فلازم عزة المتكبر

ولا تكترث واجزع من الضيم آنفاً

ولن لم يكن بد من الصبر فاصبر

فقد قدم المقدار غير مقدم

وقد أخر المقدار غير مؤخر

ودالت على الإسلام للشرك دولة

حنين وأحد فيض بدر وخيبر

ولا وأبي لا ذقت راحة عيشةٍ

إذا أنا لم أظفر بعفو المظفر

فتى ورث الإذواءَ غير مدافع

وأحرز فضل الأسدين ومنذر

أعم سماحاً من سماحة حاتم

وأعظم بأساً من بسالة عنتر

تحاط ثغور الملك منهُ بقادر

على كون ما لم يقض أو لم يقدر

أعز رسوليّ يزر قميصه

على القمر التم الخضم المظفر

سماح كفيض اليم في هضب يذبل

ووجه كبدر

هو الملك الموفى على ملك تبع

على علاعن ملك كسرى وقيصر

قل الحق واعجب من مليك مملك

رقاب الرعايا لا أمير مؤمر

ص: 236

فوا الله ما تدنو أكاسر فارس

إليه ولا تسمو تبابع حمير

ولو وزن الأملاك منهُ بخنصرِ

لما وزنوا منهُ قلامة خنصر

أحامل أعباء الخلافة إذ وهت

دعائم عباس وأركان حيدر

أقلني فلم اعثر وهبني لأَفرخ

كزغب القطابين الأفاحص قعر

ولا تقف بي عمرو بن هند وطرفة

ورأي أنوشروان في برز جمهر

وهب لي ذنباً قد أتيتك تائباً

من الذنب واستغفرتك الذنب فاغفر

فلو إنني في الأبلق الفرد نازل

لأدركتني أوم في قلال ذمرمر

وماذا يضر البدر أن طن تحتهُ

بعوضة حس أو ذبابة مجزر

وما أنا قدر لا حبيب لطيء

فأبقى ولا كنت الوليد لبحتر

ولست وإن خُوّلت ما لست أهلهُ

بأفصح من أهل الزمان وأشعر

ليهن سراج الدين أن قد أنلتهُ

مكانة فتح من خلالة جعفر

لك الخير فعل الخير في غير أهله

لعمرك فعل غرسهُ غير مثمر

فهل لك من رام يفوّق ما رمت

يداهُ وما يرمي بأفوق أزعر

أخافطنة أن يمنع النصف يحتسب

غناءً وإن يُعْطَ النفاية يشكر

وانك إن أهملتني وتناسخت

عليَّ الليالي من سنين وأشهر

أتاك وإن كنت الغني عن الذي

يحيك بتفويف الصباغ المحبر

من اللاء ما غنى الوليد بل بلبل

بهن ولم يخلع على ابن المدير

خوالد يفنى عمرَ لقمان عمرها

ولقمان أفنى عمر سبعة أنسر

وحاشاك أن علي قصيدتي

براقش أو تضحى كلمة جحدر

ومدائحه فيه كثيرة مشهورة. ومهم الفقيه سراج الدين أبو بكر ابن دعاس وكان شاعراً ماهراً فقيهاً نبيهاً نحوياً لغوياً. وكان أحد جلساء الخليفة وخصيصاً بهِ. وكان الخليفة رحمه الله يثني عليهِ ويفضلهُ على ابن حمير ويقول إنما ابن حمير ويقول إنما ابن حمير صاحب خلاعة. وكان ابن دعاس المذكور متوسعاً في العلم. وكان من أهل زبيد

ص: 237

ينسبونهُ إلى سرقة الشعر ويقولون إذا حوسب الشعراءُ يوم القيامة يؤْتى بابن دعاس للحساب فيقول هذا البيت لفلان وهذا الصدر لفلان وهذا العجز لفلان فيخرج بريئاً ويروى أنه لما حج السلكان الملك المظفر ورجع إلى اليمن اسٍتأذنهُ بن دعاس من المهجم للتقدم قبل ركابهِ إلى زبيد. فقال له أتريد أن تتقدم لتجمع شعراً من الدواوين وتلقانا بهِ. ثم أذن له في التقدم فلما دخل الخليفة زبيد انشده ابن دعاس يوم قدومه قصيدة باهرة وأول بيت منها لابن الحجاج البغدادي وهو:

ليس في قدرة ولا إمكان

نيل ما نلت يا مليك الزمان

وفيها يقول

هاك شعراً منظماً لم أغز

فيه لا مصحف ولا ديوان

فقال لهُ الخليفة نهيناك عن الدواوين فتعديت إلى المصحف. ولما قدم العماد الأعمش بكتاب الدرج من مصر قال فيهم ابن دعاس المذكور

أهدى العماد نحونا

من مصر كتاباً غرز

سفيروا بقائراً

لكنها على غرر

ولم يكن كما قال وإنما كانوا أهل فضل وفواضل. ويرى أنه لما قدم أبو الظاهر البيلقاني الأنصاري إلى عدن وكان عالماً متفنناً أعلم الخليفة به فأمر بتجهيزه إلى حضرته فلما حضر المقام السامي أمر السلطان من باحثهُ فوجده كاملاً فأَراد الخليفة رحمه الله أم يقرأَ عليه شيئاً في المنطق فاستشار ابن دعاس فقال له أما علمت يا مولانا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " البلاء موكل بالمنطق " فتطير الخليفة من قوله وقال لقد حلت بيننا وبين الانتفاع به. ومنهم المسحي أحد شعراء الشام وهو القائل في السلطان الملك المظفر رحمهُ الله تعالى

لكم كيمياء الملك صحت وغيركم

يعالج في تحصيلها الماءَ والملحا

وتصبح أقلام الوقائع في الوغى

سراعاً على أعدائكم تكتب الفتحا

ص: 238